مقالات عامة
%AM, %24 %320 %2015 %09:%أيار

يسوع المسيح في العهد القديم (التناخ)

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الأب كوب المخلصي

 

يسوع المسيح في العهد القديم (التناخ)

إسرائيل في الإيمان المسيحي
ما نُسمّي هنا "إسرائيل" يُسمَّى في الكنائس المسيحية عادةً "العهد القديم". إنه الجزء الأكبر من الكتاب المقدس. من البديهي ان يلعب دوراً مُهماً في الكنائس المسيحية دائماً أبداً. بما أن الكنيسة المسيحية تعترف بهذا الكتاب مصدراً من الكشف الإلهي، تُعلِن ان الله يسير من خلال التاريخ سيراً خاصاً وأن ظهور يسوع المسيح لم يكن ظهوراً منفرداً على حدة، بل أنه كان مرحلة حاسمة في طريق كان قد بدأ منذ قرون، بشكل اعتناءٍ خاص بشعبٍ واحد، اعتناء يختار ويقود ويدين ويُنقِذ.

كانت الكنيسة المسيحية واعيةً الى ذلك احياناً، وأحياناً اخرى لم تكن واعية الى ذلك بالكفاية. أحياناً كانت تربط العهد الجديد بالعهد القديم، لكن أحياناً أخرى (أكثر للأسف) أرادت أن تقرأه منفصلاً عنه. من ناحيةٍ لها تعايُش شديد مع التناخ: المزامير في الصلاة الطقسية مثلاً. ومن ناحيةٍ أخرى كأنها تنسى إسرائيل تماماً وكأنها لا تحتاج إليه. هذا صحيح بنوع خاص في النصوص "الاعترافية" والكتب العقائدية. ناخذ قانون الإيمان مثلاً: الاعتراف يقفز مباشرة من الخالق الى المسيح. وهذا يحدث أمراً طبيعياً عندما يكون الفكر فكراً ثالوثياً عمودياً غير تاريخي: يُنطلَق من الآب الذي هو الخالق، ثم يواصَل بالابن الذي هو المخلّص. لا ينجح هذا التساوُق المنطقي في اللاهوت مئة بالمئة، لأنه بين الخلقة وبين الفداء تُفتَرض الخطيئة. ولكن في الغالب تتّبع مقالة الخطيئة حالاً مقالةُ الخريسطولوجيا. ولا يُعطي أيُّ بالٍ تقريباً الى سير الله مع اسرائيل في التاريخ. يبدو كأن يسوع، بعد قرون من بَطالة إلهية، يسقُط فجأةً من السماء. هناك إصابات عمودية انطلاقاً من الأزلية ليست فحسب، بل هناك كذلك سيرٌ أفقيّ يسيره الله معنا خلال الزمن. فمن وجهة النظر هذه الثانية تكتسب معاشرة الله لإسرائيل خلال قرون طويلة حسب التناخ وزناً لاهوتياً عظيماً.

بالطبع، هذا الوزن لم يُنكَر إنكاراً في اللاهوت إلا نادراً. ولكنهم فهموه فهماً تاريخياً محضاً: اعترافاً فقط بأن يسوع المسيح وُلد من شعب إسرائيل، فلا بدّ من فهمه على خلفية تاريخه وكتبه المقدسة، تقريباً كمثل افلاطون الذي لا يُفهَم بدون نمو الحضارة اليونانية السابق. ولكن عند يسوع تدل العلاقةُ التاريخية على علاقةٍ أعمق منها: لقي يسوع في التناخ الإله الذي أخذ يدعوه "أبا" بطريقة فريدة، والذي أراد ان يسلُك طريقه مع شعبه إسرائيل ابناً مطيعاً حتى النهاية. فلا يمكنك ان تكون مسيحياً دون ان تقبل، بطريقة او بأخرى، مع سلطة المسيح سلطة التناخ أيضاً. نقول: "بطريقة أو بأخرى"، لأنه واضح ان علاقة يسوع بطريق إسرائيل السابق لا يمكن التعبير عنها تعبيراً بسيطاً سوياً بلا التباس. يجب ان نعطي حقاً لواقعين أساسيَين اثنين على الأقل، هما: 1- أن يسوع عرف نفسَه مُرسَلاً من قبل إله إسرائيل وأراد ان يطيع للتناخ، و 2- أن يسوع قد نبَذه رؤساءُ شعب إسرائيل لأنهم اعتبروا ادِّعاءه وسلوكَه متناقضين مع التناخ. تعود هذه الازدواجية لدى بولس في كلامه عن التناخ كتابَ النعمة والنبوة بالمشيح من جهةٍ، ومن جهة أخرى الناموس المميت و "خدمة الدينونة". قد يتوضّح فيما بعد إذا كان ممكناً الإقران بين الاثنين وكيف. على كل حال، يَفترض الاثنان ان بين المسيح وبين التناخ علاقةً جوهرية وأننا لا نطيق إدراك يسوع المسيح إن لم نُدرك طريق الله مع إسرائيل أيضاً، سواء كان المسيح مواصلةَ هذا الطريق ام انعطافه الجذري. ينطلق العهد الجديد كلُه من المفهوم ان طريق إسرائيل وطريق يسوع المسيح هما طريق الله الواحد الوحيد. وحتى إذا سمّيت المسيح إتمام طريق إسرائيل أو نهايته، افترضتَ ان معناه متوقّف على خبرات ذلك الطريق السابق ونتائجه. فالكنيسة المسيحية، إن لم تعُد وتسلك هذا الطريق كل مرة من جديد في إيمانها وتفكيرها، فلا يمكنها إدراك فحوى عمل يسوع ومصيره، بل نراها تُفسِّرُه بواسطة مقولات ومفاهيم جليبة من أطرافٍ غريبة، فتُسيء إدراكَه إذن. (ملاحظة في مرقيون من نحو 150م: صاحب العملية الجراحية التي قطعت يسوع المسيح من التناخ...).

طريق إسرائيل في التناخ
ما معنى "طريق إسرائيل"؟ لا يبدو الجواب على هذا السؤال صعباً: إن العهد الجديد يتوقّف على العهد القديم وبنفسه يُضيء القديم في مقولاتٍ عديدة. يظهر الرأي المسيحي في طريق الله مع إسرائيل واضحاً فيه (خاصة في بولس): من جهةٍ كطريق محاولة خائبة للحصول على الخلاص عن طريق الناموس، ومن جهةٍ أخرى كطريق ترقُّب ليسوع المسيح الذي سوف يأتي بالخلاص الذي لم يستطع الناموس أن يُعطيَه لأناسٍ خاطئين. هكذا يتكلّم العهد الجديد عن العهد القديم، وهكذا يُفسَّر العهدُ القديم في كل مكان في الكرازة والطقس والتعليم. وبما أن التناخ كان يبدو كأنه يقاوم كذا تفسير صاروا يُطبِّقون عليه المنهج الاكلاسيكي "أليغوريا" و "تيبولوجيا"، فأخرجوا بواسطتهما من منجم التناخ الحقائق الخريسطولوجية الأساسية.

لا يجوز في اللاهوت تَبنّي هذا الطريق المباشر من العهد الجديد الى العهد القديم قبولاً بسيطاً. صار مؤلِّفو العهدِ الجديد، انطلاقاً من ظهور المسيح القائم، يقرأون كتابَهم المقدَّس بعيونٍ جديدة. صاروا يكتشفون فيه العلاقة بيسوع في كل مكان ويوضِّحونها بواسطة مناهج التفسير الجارية في أيامهم. هذه المناهج متنوّعة متفرّقة، فلا تقدر الكنيسةُ المسيحية ان تتمسّك بأحدٍ منها أو بجميعها. هذه التفاسير من قبل المسيحيين الأولين دعوةٌ للأجيال الآتية لتطلُب العلاقة بين يسوع وبين طريق إسرائيل بمناهجها المعاصرة للتفسير (بالإيمان طبعاً). وهذا يعني لنا نحن أن نبتدئ بالعهد القديم نفسه. نسأل مؤلّفي التناخ ما قصدوا بأقوالهم في عصورهم هم. ولا نقرأ التناخ أولاً كشهادةٍ للمسيح. لا نَضَعُ إيماننا المسيحي جنباً أو بين قوسين. نحن نؤمن بأن المسيح هو الخطوة التالية الحاسمة التي خطاها الله في امتداد الطريق الذي سلكه أولاً مع إسرائيل. فلكي نفهم معنى ظهور يسوع يجب أولاً ان نعرف هذا الطريق. والعكس بالعكس: يجب ان نقرأ معنى طريق إسرائيل من ظهور المسيح. الاتجاهان ضروريان. يسوع المسيح بنفس الوقت "ثمرةُ قراءةِ التناخ" "ومَبدَأُها". هو الاثنان لكن في هذا التتابع. (فنكرِّس الأسبوع الأول من دراستنا للنقطة الأولى، والأسبوع الثاني للنقطة الثانية).

هل من الممكن تحديد مضمون طريق إسرائيل هذا؟ التناخ في مرمى نظره وفي أقواله واسعٌ ومتنوّعٌ كالحياة نفسها. حتى إذا لم نعتبر الأقسام التي ليست مركزية بل التي تتحلّق حول المركز، كمثل: التقاليد حول الخلقة، قوانين الحق، المراسيم الطقسية، الاداب الحكمية – فالأقسام التي تُعتبر في المركز هل يمكن توحيدُها؟ هل لطريق إسرائيل تركيب واضح مع معالم ثابتة واتجاه واحد؟

للجواب على هذا السؤال يجب أن نجمع نتائج جميع العلوم التي تنشغل بالتناخ. لا نستطيع ان نعمل هذا الشغل هنا. ولكن تركيب قانون كُتُب التناخ يُساعدُنا هنا: "التوراة والأنبياء" (والكتابات الأخرى). 3 أقسام. أولاً التوراة، الناموس: قصةُ التفات الله إلى إسرائيل في الإنقاذ وفي الإرشاد: أعني في إقامة العهد. ثم يلي الأنبياء: قصةُ ما حدث مع هذا العهد في التاريخ، قصةُ دينونةٍ ونعمة، قصةُ انحرافٍ وشكوى، قصةُ خيانةٍ بشرية ووفاءٍ ووعودٍ جديدة من قبل الله. وأخيراً نسمع في الكثوبيم التي نُواتُها المزامير، صوت الإنسان الذي هو منشغل بإله العهد في الاعتراف بالذنب والشكر، في الشك والابتهاج، في التأمُّل والشكاية.

العهد والتاريخ: هما مُقوِّما طريق إسرائيل المتماسكان. العهد يعني: لقاء مع يهوه، أن توضَع تحت تحريره ووعده وتهديده وإرشاده. فعلى الشعب والفرد الواحد أن يستجيب له. في الكثوبيم نجد الجواب الإيجابي. في الكتب النَبَوية يغلُب قصورُ الشعب ودينونةُ يهوه. ومع ذلك تثبُت أمانتُه ويُخلَق منظورٌ جديد للمستقبل. فبحقٍ دُعيَ قلبُ طريق إسرائيل وميزتُه بعبارةٍ تكثُر في التناخ هي: "أنا أكون لكم إلهاً وانتم تكونون لي شعباً". فنُلخِّص طريق إسرائيل في كونه تاريخاً عهدياً: إنه عهدٌ يصنَع تاريخاً في تحقيق، في فشلٍ، وفي ترقُّبٍ. إنه تاريخ يعيش من مرافقةٍ مستمرّة تفوق القوات البشرية التاريخية. تحت العناوين التالية نرسم بعض الخطوط الرئيسية من تاريخ العهد هذا.

العهد والتوراة
في المشرق القديم عهود كثيرة. ولكن العلاقة بين الناس والآلهة لم يكونوا يعيشونها كعهد. هذه العلاقة كانت معطاة مع قوات الطبيعة والدولة والمجتمع. ولكن العلاقة بين يهوه وإسرائيل لم تكن أمراً طبيعياً. إنما انبثقت من فعلٍ حرّ من إرادة يهوه. من ثم كانت العلاقة تُشبه ملكاً يَعدُ مُواليه بعونٍ وحماية وينتظر منهم وفاءً وطاعة. بالطبع، في العلاقة بين يهوه وإسرائيل أمور أخرى، فمن ثم الصور الكثيرة: إسرائيل وكيلُ يهوه، وعبدُه وولدُه، وزوجتُه وهلمّ جرا. لكن صورة العهد تسود.
"أنا أكون لكم إلهاً" يعني أولاً: لله المبادرة. يلتفت مُنعِماً الى جمعٍ من القبائل البدوية ويصنع منهم "إسرائيل". العهد متوقّف على إنعامٍ مجّاني. اختيار. عهد في أصله من طرف واحد. عند الكهنوتي يعني "العهد": تدبيراً إلهياً.

الله يبادر بالإنقاذ والحماية. العهد وعدٌ يُشير الى استنقاذات ماضية أو مُقبلة. يُدعى إسرائيل الى الثقة والاعتماد على الوعد (الوجه السلبي: شعوب أخرى ينهارون...). العهد كوعد متوجّه دائماً الى المستقبل (أيضاً). تكون لله الكلمة الأخيرة، لصالح شعبه. والعهد وإن كان متركزاً في إسرائيل، فإنه عمومي الاتجاه. إله العهد هو إله العالم أجمع. لما يكون انتصار يهوه على القوات المعادية قد تمّ، يتجلّى ان اعتناءه بإسرائيل يُفيد جميع الشعوب أيضاً. هذه الآفاق تَظهَر في قمم طريق إسرائيل فقط. وهناك ميزة أخيرة لنشاط إله العهد: العهد يترحّل من خلال التاريخ. عالَم بَدَوي، ثم حضارة فلاحية بدائية، ثم نظام ملكي، سياق علاقات دُولية، عملية التشخيص والاستبطان. العهد يصبح أكثر فأكثر مفهوماً انتقادياً ومعياراً عالياً يقاس به سلوك الشعب والفرد.

حتى الآن أظهَرنا كيف يعمل الله في العهد. ولكن العهد وإن كان أُحادي الجانب بالأصل، فإنه ثُنائي الاتجاه: "وأنتم تكونون لي شعباً". الله يطلب من شريكه ثقةً وطاعة. هذه التوصية تتجسّم خلال التاريخ كل مرة من جديد. الكلمات العشر (سيناء) تُعتبر لب التوجيه الإلهي (توراة).

التوراة هي أداة العهد. دعوة: ابقَ مع مُخلِّصك! (انظر استهلال الكلمات العشر). إلا ان توراة العهد طلاّبة: ثقة وطاعة. اللوحة الأولى لا نظير لها خارج إسرائيل. يهوه إله غيور: غيرته تنتج من أمانته. – منذ البدء هناك 3 ميادين تتجسّم فيها طاعةُ العهد: العبادة والسلوك الأخلاقي والحق. الطقوس تقصد الى توطيد شركة العهد بين يهوه وشعبه. المُبادرة عند الله. إلحاح متزايد في إبعاد الخطيئة بالقربان. الإرشاد الأخلاقي يواجه أولاً التصرُّف مع الأخ الإسرائيلي ولكن يتزايد الاهتمام بالصغار والمظلومين: أرامل، يتامى، عبيد، عَجَزَة، غُرباء. اذكر أنك كنتَ عبداً في مصر". الحق يريد أن يكافح الفقر من أجل العدالة.

الى جانب وعود العهد ووصايا العهد، هناك دور كبير لآيات العهد: الأرض، السبت والختانة. وهناك مكان بارز للملِك في العهد. لبيت داود واجب الإشراف على العبادة في اورشليم. الملك وسيط العهد، وهو الأول خاضع لقانون العهد. لا مكان في العهد لملكية مطلقة. المؤرّخون الديوترونوميون دبَّروا ان لا يُذكَر عن ملوك إسرائيل ويهوذا إلا افعال وفائهم او خيانتهم تجاه العهد.

التمشي مع الله وانتظار الله
فيما يسبق رسمنا تركيب طريق إسرائيل كعهد، خاصة بواسطة كُتُب التوراة. والآن نتوجّه قليلاً الى جواب المؤمن على اللقاء العهدي كما يتبين خاصة في الكثوبيم.
علاقة المؤمن بيهوه تجد تعبيراً متنوّعاً في المزامير: حب، معرفة، دُعاء، اعتراف، مدح، طلب، شكر، مخاصمة، شكوى، فرح، تمشّ، ثقة، سماع، انتظاره تكريم، إلخ. اخترنا منها اثنين: التَمشّي والانتظار، لأنهما تدُلان معاً الإنسان على الهدف الذي يريده له العهد. فمن جهةٍ العهد مع أفعاله الخلاصية وتوجيهاته دليل آمن على طريق واضح من خلال الحياة. يمكن الإنسان ان يتمشّي في وصايا الله. ومن جهة أخرى هو إله لا يقع في قبضة يد الإنسان، بل عليه ان يستسلم له بثقة. الثبات لا يصبح أبداً شيئاً بديهياً: على الإنسان ان يترقّب كل مرة من جديد بياناً لحضور يهوه. عبارة كثيرة الاستعمال تعبِّر عن هاتين الجهتين: "مخافة الرب": إذعان وبُعد، ثقة واستسلام، تواضع وخُلّة.

في الآداب الحكمية لغة مختلفة عن المزامير. الحكمة أولاً شيء مشترك في كل المشرق. ولكن في إسرائيل يُحاول ان تُربط بها كلُ الحياة اليومية بالعلاقة مع يهوه. في كُتُب أخرى (قوهلت/ أيوب) أسئلة في غموض الخليقة وتناقضاتها.

النبؤة والنبذ
للنبوة في إسرائيل تاريخ طويل متنوّع. في القديم "بنو الأنبياء"، رُؤاة. شخصيات مثل صموئيل، ناثان إيليا... منذ القرن الثامن تقليد كتابي (عاموس، هوشع...) الى القرن الرابع. في الأنبياء الأولين (يشمل) يحكي المؤلِّفون ما صنعه إسرائيل بالعهد. النبوة سلطة انتقادية تُنير إسرائيل وتفضح القوات التي تُبعده عن إلهه: هي خمسٌ خصوصاً: الطبيعة والدولة والعبادة والرفاهة والعلاقات الدولية. في السابق كانوا يقولون ان الانبياء يتكهنون بالمستقبل. اليوم كثيرون يقولون إنهم كانوا يُنذرون إسرائيل ويدعونه الى التوبة. هذا أيضاً غير صحيح. قليلةٌ الحالات التي فيها دُعي الشعبُ الى التوبة (إيليا). أغلب اقوال الانبياء تنطلق من المفهوم ان وقت التوبة قد فات. إنهم يُعلنون القضاء على إسرائيل. حتى إذا وُجِدَ هنا وهناك في أقوالهم ومضة من الأمل، فإنها انطفأت بسرعة. عند الأنبياء صار يهوه عَدُواً لشعبه. فيحكون بصُوَر جديدة مُثيرة مُشكِّكة: الله عُثّ، غريب، حجر عثرة، فخ، أسد زائر. الله قصد ان يكون حليفاً لإسرائيل. ولكن إسرائيل رفض التمشي والانتظار. أنكر إلهه أو تلاعب به: طلب منه حماية وسلاماً ولكنه رفض له الاستسلام والطاعة. لذلك قضى الله على إسرائيل قضاءاً. فصار المنفى البابلي. النبوة: إعلان الفشل التام لتجربة العهد الخلاصية التي بدأ به الله مع شعبه.

الله: وفاء ومستقبل
ما كتبنا أعلاه هو نصف الحقيقة. لم يعتقد أحد الأنبياء ان هذا الحكم هو آخر كلمة من شريك العهد الكبير. (عاموس؟). هناك الإيمان بالتفاتٍ جديد من قبل الله، ولكن عبر الدينونة. سوف يُغيِّر الله مصيرَ شعبه. ولا يكون الأساس في ندامة الشعب او توبته. المستمد ليس إلا أمانة يهوه رغم خيانة شعبه. من خلال الانهيار يبقى "نعم" يهوه ساري المفعول ليتغلّب أخيراً وبصورة حاسمة على "الّلا" ("لا" الشعب على الله فـ "لا" الله على الشعب). أمانة الشريك العظيم من جانب واحد ينتصر على خيانة شريكه. حز 36: 22: "ليس لأجلكم أنا فاعل، يا بيت إسرائيل، بل لأجل اسمي القدوس الذي دنَّستموه". نلاحظ الإشارة الى "قداسة" الله وليس الى حبه. قارن هو 11: 9 " لا أُطلق حدة غضبي... لإني الله أنا لا إنسان، القدوس في وسطك، فلن آتي ساخطاً".

كيف يكون المستقبل حين ينتصر وفاءُ الله؟ أجوبةٌ مختلفة حسب الأنبياء والظروف. نجد: عفواً جذرياً عاماً عن الخطايا، تجدّداً داخلياً، عودةً بعد الطرد من الأرض، تعمير أورشليم، توحيد يهوذا والمملكة الشمالية، بناء هيكلٍ كبير جديد، خصباً عجيباً للأرض وللناس، إعادة سُلالة داود وحكم ملك عادل رؤوف من بيت داود، وكل ذلك كمركز لنظام خلاصي يشمل عالم الأمم أيضاً.

الإنسان: رجاء ويأس
بعد العودة الى الأرض يتوضّح شيئاً فشيئاً ان عصر الخلاص لم يحن بعد. لا يمكن ان يكون السبب من جانب الله. لكن عهداً يطلب التزاماً من الجهتين. اين الإنسان الأمين المطيع؟ هناك الجهود الكثيرة لخلق شعب مجدَّد. وهناك التعابير الكثيرة عن اليأس نحميا، إشعيا الثالث، ملاخي.

أوليس وفاء الله غير مشترط إذن؟ لكن إشعيا الثالث وملاخي يعتقدان ان يكون هناك بقية باقية دائماً. إشعيا الثالث لا يرى حلاً سوى ان الله يشقّ السماوات وينزل ويَتدخّل بنفسه (59: 15ت/ 63: 7-64: 12). ولكننا لا نقرأ عنده ولا عند غيره شيئاً يدل على تحقيق هذا الترقُب. والتوتر ازداد لأن إسرائيل بعد المنفى أخذ يعي أكثر الى البُعد العمومي لإيمانه. مسألة العهد ليست مسألة إسرائيل وحده بل مسألة الناس أجمعين. ثم زخريا الثالث (12-14 مع يوم يهوه العظيم) دينونة وخلاص البقية من إسرائيل والأمم. دانيال وبداية الأبوقلبطية. أسلوب غريب يتمسك بالنقطتين: وفاء الله واليأس من الإنسان.

إسرائيل مزرعة نموذجية
طريق إسرائيل لا ينتهي في التناخ. مسألة العهد أُقيمت في التوراة وانكشفت بوضوح تام في الأنبياء ولم تجد حلاً مرضياً. بعد المنفى تجلّى وفاء الله العهدي تجاه شعبٍ خائن، ولكن الطريق الذي فيه يصنع هذا الوفاء الشريك الإنساني أيضاً وفياً لا يظهَر واضحاً. هل نحكم إذن حكماً سلبياً على كل طريق إسرائيل في العهد القديم؟؟ هذا مستحيل. والسبب؟ الفرض الضمني في كل هذا الطريق: إسرائيل في طريقه يؤدي دوراً نيابياً لجميع الناس. العهد مع إسرائيل واقف بين الخلقة وبين رؤيا الخلاص لجميع الأمم. هذا يتضمن ان إسرائيل في رفضه لتباعة الله في طريقه الخلاصي ينوب عن الناس في الذنب والدينونة والمأزق ايضاً.
مزرعة نموذجية. إسرائيل كرم الله. في كذا مزرعة تحصل تجارب واختبارات بالتربة والبذور تُفيد لمزارع أخرى. هنا نجد مرة أخرى مفهوم "الاختيار". نحن نعلم أن إسرائيل ليس أحسن من الشعوب الاخرى ولا أسوأ منهم. ولكن ذنبه ومصيره وطريقه نورٌ كَشَّاف لطريق الإنسانية جمعاء. سريان التناخ في الوقت الحاضر أيضاً وفي كل وقت واقع في أنه تجلّى واضحاً – مرة وكفى – في المزرعة النموذجية إسرائيل كم نحن البشر عُقم في الوفاء تجاه الله وتجاه القريب، وكم الله عجيب في وفائه لبشره الذين على الدوام يذهبون يطلبون خارجه...

قراءة 5550 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *