مقالات عامة
الأحد, 08 تشرين2/نوفمبر 2015 10:12

مسيرة استكشافية من خلال الكتاب المقدس من موسى الى داود /ج 9

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
الاب لوسيان
مسيرة استكشافية من خلال الكتاب المقدس من موسى الى داود /ج 9

9) صموئيل: بدء جديد
مع سفري صموئيل تبتدئ في قصة إسرائيل الإيمانية مرحلة مهمة جديدة: عصر الملوك.
كان إدخال الملوكية ترافقه تغيرات اجتماعية عميقة. كان إسرائيل حتى الآن حلفاً راخياً من " اثني عشر سبطاً"، فنما إلى دولة قومية. تطور من اتحاد ديني إلى اتحاد سياسي. قبلاً، كان يقود قادة موهوبون فيجمعون حولهم-حسبما طلبت الظروف-عدداً من الأسباط أو جميعها: موسى، يشوع، القضاة. أما الآن فتنشأ رئاسة مؤسسة ثابتة، النظام الملكي لجميع إسرائيل. قبلاً كان المجتمع بسيطاً: نظام الأسرة أو العشيرة المتسم بدرجة كبيرة من المساواة الاجتماعية والتضامن. منذ الآن يتعقد التعايش: مدن وقرى، زراعة، مهن وتجارة، جيش منظم، ديون ملكي هيئة إدارية، مراتب ومنازل.

رواية الكتاب المقدس في نشو الملكية في إسرائيل ما سميت باسم شاول أو داود، وهما الملكان الأولان، بل سميت باسم الشخصية النبوية التي رافقت التغيرات الموصوفة أعلاه: صموئيل. تبدأ الرواية بنوع من "إنجيل طفولة" (1صم1-3). نتوقف لدى هذا المقطع، وبنوع خاص لدى الأشخاص الذين يلعبون فيه دوراً.

حنة : عاقر تصبح أماً
يولد صموئيل من امرأة عاقر. الولادة العجيبة لطفل من والدين عقر أو متقدمين بالسن موضوع روائي معروف في الكتاب المقدس. يستخدم في ولادة أشخاص يلعبون في تاريخ الخلاص دوراً حاسماً: (اسحق (تك9:18-15و1:21-3)، يعقوب (تك19:25-26)، يوسف (تك22:30-24)، شمشون (قض13)، صموئيل (1صم1)، يوحنا المعمدان (لو1). ولادة يسوع من البنت غير المتزوجة مريم تبدو كأنها درجة التفضيل العليا في تلك السلسلة.
يقصد مؤلفو الكتاب المقدس بهذا الموضوع الروائي إلى التعبير عن ادراك إيماني خطير الشأن، هوأن الناس انفسهم عاجزون عن انقاذ العالم. انهم عاقرون، "رحمهم محبوس" (أنظر مثلاً 1صم5:1). عندما يتفتح ناس لله فقط، يتحقق خلاص. لذلك يصلي الوالدان إلى الله، "ويذكر يهوه"، "ويفتح الرحم" (انظر مثلاً تك22:30/1صم10:1-19). هذا الموضوع الروائي وارد عند تكوين الشعب المختار (إبراهيم، اسحق، يعقوب وبنيه) وكذلك عند عدد من الأشخاص المنقذين الكبار (شمشون، صموئيل، يوحنا المعمدان). قد يجوز في عصرنا أن نترجم هذا الموضوع الروائي كالآتي: لم يصادف "تلقائياً" تكوين الشعب ولا إنقاذه. لم يحدث بجهد أو وراثة بشريين اعتياديين. بدأ الله بدءاً جديداً. هؤلاء الولد هم "هدية من الله "إسرائيل موجود فقط بفضل ناسٍ منفتحين لله لهم آذان صاغية إلى صوته في التاريخ.

كان صموئيل إنساناً كذا. من ثم قصة "ولادته العجيبة". كانت لأبيه ألقانة امرأتان. كان لفننة بنون. أما حنة، وهي المفضلة عنده، فكانت عاقراً. كانوا كل سنة يصعدون إلى هيكل شيلو-هناك في تلك الأيام المقدس المركزي لأسباط إسرائيل الاثني عشر. وكانت حنة خلال سنوات كثيرة قد تحملت صامتة ازعاجات ضرتها فننة التي كانت تهينها لأنها بقيت بلا ولد. ولكن هذه المرة لا تترك الأمر على حاله. تتوجه إلى يهوه وتنذر نذراً بحضور الكاهن عالي: إذا أعطاها يهوه ابناً فتتنازل عنه ليهوه لكل أيام حياته.

فيذكرها يهوه.فحملت حنة وولدت ابناً. تسميه صموئيل. معناه الحرفي: "اسم الله". ولكن حنة تفسره تفسيراً آخر: "من يهوه التمسته" (20:1). الغريب والعجيب ان هذا التفسير يصلح أكثر لأسم شاول، "الملتمس". يبدو كأن شاول، ومعه الملوكية في إسرائيل، يمثل منذ الآن وإن كان ذلك بصورة ضمنية، على مسرح الأحداث.

حالما يقدر صموئيل الصغير أن يتخلى عن قرب أمه المباشر، تذهب به حنة إلى عالي في الهيكل. تتنازل عنه ليهوه. لكنها تتمسك به أيضاً في حبها بطريقة تبكي: "وكانت أمه تصنع له جبة صغيرة وتأتيه بها من سنة إلى سنة عند صعودها مع زوجها ليذبح الذبيحة السنوية" (19:2).

تمثل فننة الإنسان المتكبر المعجب بنفسه ينظر إلى غيره بازدراء. أما حنة فهي المرأة التي تقف أمام يهوه متفتحة مصغية. بفضلها ممكن أن يبدأ شيء جديد في إسرائيل. مع ذلك، ما زالت نظرتها إلى ما يقصد يهوه صنعه إلى إسرائيل منغمضة: إنها لا تزال ترى ولدها الصغير صموئيل كاهناً بالتمام على مثال عالي الشيخ. لكننا نجد تعبيراً تاماً عن ما هو جديد في نشيد الشكر الذي ترتله- "تعظم الرب نفسي" من التناخ!! (1:2-10). أنها فيه تشيد بيهوه الذي ينزل السلاطين من عروشهم ويرفع الناس الصغار. في حين تبزغ الملوكية على افق إسرائيل- انظر آخر كلمات في النشيد-تشيد هي إشادة ببرنامج حياة الملك المشيحي. فان هذا سوف يناصر المظلومين وينقذ المساكين (انظر مثلا مز72).

عالي وحفني وفنحاس: كهنوت متصلب الشرايين
إذا كانت عقارة حنة في الأول رمزاً إلى العقارة الروحية التي كانت تسود على إسرائيل في تلك الأيام، فهذه الحالة يومأ إليها بمزيد من الوضوح في الكهنة الذين "يقومون بالخدمة" في مقدس شيلو.

الكاهن عالي رجل شيخ أعمى تقريبا، أبن ثمان وتسعين سنة (2:3و15:4). يقدم لنا لأول مرة، وهو جالس على كرسي إلى دعامة الهيكل (9:1)- "كأنه بواب متحف" (ف. أو. فان غنب). في نفس الكرسي سيموت فيما بعد (18:4). أليس ذلك تصويراً ممتازاً للتحجر والتعمي الروحيين اللذين وقع فيهما إسرائيل؟ ضاعت على عالي كل الأوهام. عندما يرى حنة تصلي بشفتين متحركتين بلا صوت، يظنها بالأول امرأة سكرى. إذن، لم يكن ذلك أمراً استثنائياً في هيكل شيلو!! كلامه لحنة: "إله إسرائيل يعطيك بغيتك التي التمستها من لدنه" (17:1) لا يبدو مقتنعاً ولا مقنعاً.

حفني وفنحاس، ابنا عالي، فعلاً مجرمان. صارت لهما الخدمة الكهنوتية مجرد مشغلة رابحة. عنوة يخصصان لنفسيهما أحسن قطع من اللحوم القربانية (12:2-17). وفوق ذلك كانا ينضمان بحماسة لنفسيهما إلى البغاء الهيكلي، وهو طقس من طقوس عبادة بعل الكنعانية لاستزادة الخصوبة. يبدو أن هذا الطقس أدخل في مقدس يهوه في شيلو أيضاً (22:2). يؤنب عالي ابنيه، لكن يعوزه البطش ليقيلهما من المنصب
(23:2-25).

حفني ("شرغوف"، أي فرخ الضفدع) وفنحاس( "نوبي"،"زنجي") اسمان مصريان. هذان الكاهنان يتمسكان بعقلية "مصرية" : الانتصار لبطش القوي، يغتصب الحق ويظلم المسكين. حان الوقت فيقيم يهوه نبياً يخرج إسرائيل من مصر مرة اخرى.

صموئيل: تكلم، يارب، عبدك يسمع
تنقطع قصة جرائم حنفي وفنحاس اكثر من مرة بملاحظة فصيرة عابرة عن صموئيل الصغير. خدمته الأمينة تضاد جداً فساد ابني عالي العديمي الضمير. "وأما الصبي فكان يخدم يهوه" (11.2). " وكان صموئيل يخدم أمام يهوه" (17:2). " وشب صموئيل الصبي أمام يهوه" 12:2)، أنظر أيضاً 2: 26 /1:3و19).

ففي وسط "كسوف الله" هذا كان الصبي صموئيل المصباح الصغير الواحد الذي ظل يتقد (3:3). كانت كلمة من يهوه شيئاً نادراً ولم تكن الرؤيا متواترة (1:3)، ولكن لصموئيل أذن صاغية إلى صوت يهوه في حياته.

ولكن لا يمكنه حالاً تشخيص ذلك الصوت. يجيب: "هاءنذا" فيسرع إلى عالي. بعد المرة الثالثة فقط يبتدئ عالي يفتهم أن يهوه يدعو الصبي. إنها لعالي مفخرة أنه هو وليس غيره دل الصبي صموئيل على صوت يهوه: "اذهب فنم. وإن دعاك أيضاً، فقل: تكلم، يهوه، فإن عبدك يسمع (9:3). إذن بعد يوجد في إسرائيل هذا المتخشب الفاسد كاهن شيخ يعلم بمعاملة الله. مهما يكن من الطرق الجديدة التي سوف يسلكها يهوه مع صموئيل، فإن الربط بالسلف لا ينقطع. إنه "إله الآباء" الذي يدعو صموئيل. وعندما يتعلم عالي ما الخبر الذي يريد يهوه أن يوصله إليه من خلال صموئيل، وهو أن بيته الكهنوتي سوف ينقضي نهائياً، يجيب بإذعان وخضوع: "هو يهوه فما حسن في عينيه فليفعل" (18:3).

قمة "قصة طفولة" صموئيل نجدها في (19:3-21). "كبر صموئيل. كان يهوه معه، ولم يدع شيئاً من كلامه يسقط على الأرض. وعلم كل إسرائيل، من دان إلى بئر سبع، أن صموئيل قد ائتمنه يهوه نبيا" . كانت حنة قد حلمت وتمنت ان يكون ولدها كاهناً في شيلو، أما يهوه فقد حتم بان يكون تبيا لكل إسرائيل. كانت حنة الأولى التي تخمن ان يهوه سوف يبتدئ شيئاً جديداً مع إسرائيل. صموئيل كله صغو واستعداد لكلمة يهوه. تكون مهمته مهمة نبي: " ان يجعل كلام يهوه مفهوماً لدى الشعب. صموئيل هو النبي الأول الذي يسمى كذلك في "الأنبياء"(+). "وعاد يهوه يتراءى في شيلو لأنه في شيلو تجلى يهوه لصموئيل بكلمة يهوه" (21:3).

نبذ واختيار
قصة مولد صموئيل وصباه تشكل افتتاحية لسفر ذي جزئين سُمي باسمه. الموضوع فيه اختيار جديد في إسرائيل: تأسيس الملوكية ونشو الدولة القومية. أنها عملية مخطرة. هل يكون الملك الجديد في إسرائيل أحد الملوك المشرقيين الكثيرين أي: سلطاناً مستبداً؟؟ ام سيجاوب دعوته فيكون ملكاً مشيحياً حقيقياً، عبداً ليهوه وللشعب، يقيم حقاً وبراً في الأرض؟؟

إسرائيل واقف أمام الخيار. يرسم هذا الخيار في الافتتاحية بألوان قوية متضاربة: المضادة بين حنة وفننة، المضادة بين حنفي وفنحاس من جهة وبين صموئيل من جهة أخرى. في هذه المضادة بين الأبيض والأسود يجري كلام عن اختيار ونبذ. في نشيد حنة مثلاً: "الرب يفقر ويغني، يضع ويرفع…يحفظ أقدام أصفيائه، والأشرار في الظلام يزولون" (7:2و9). وفي القصة نفسها أيضاً حيث ينبأ حتى مرتين بإبادة بيت عالي الكهنوتي: أولاً على لسان "رجل الله المجهول أسمه" (27:2-36)، ثم بلسان صموئيل (11:3-18). بل نقرأ ان "يهوه أراد أن يميتهما" (أبني عالي-25:2). أنها صورة عن الله نستصعب اليوم أن نوافق عليها. ولكنها بقيت مكتوبة في نص الكتاب المقدس، لأنهم فيما بعد أعطوها معنىً جديداً: العقلية التي يجسمها في القصة حفني وفنحاس لا مستقبل لها، ليست قابلة للحياة، يجب أن تجتث من إسرائيل . وأعطوا نفس المعنى لسائر القصة حيث يهلك ابنا الكاهن فعلاً (11:4) والأمر التاريخي أن بيت أبياتار الكهنوتي-سليل عالي- يتواري في أيام سليمان من أمام بيت صادوق. ينبأ بهذا الأمر في 35:2 بتعبير يذكر بنبذ شاول واختيار داود (أنظر 1صم14:13/15: 28).

فيما يقال في الفصول الأولى عن الكهنة-نبذ بيت عالي-ينبئ سلفاً بما سوف يحدث للملوك في سفري صموئيل: نبذ شاول واختيار داود ملكاً لإسرائيل. أضحى شاول وداود في الرواية شخصين متضادين للغاية. إنهما يمثلان الخيار الذي يوضع أمامه من كان مدعوا إلى الملكية المشيحية-وهذا في آخر الأمر الخيار الذي يوضع أمامه كل إنسان مؤمن. سفرا صموئيل "مدرسة للملوك"، ويكون "ملكا" اليوم جميع الناس الذين يتحملون في حقلهم مسؤولية، جميع الناس الذين تأتي إليهم الدعوة المشيحية ليدخلوا إلى طريق الخدمة لله وللناس. صموئيل الصغير يعطي المثل الصالح ...

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(+) قد دعي في التوراة رجلان وامراة واحدة"نبياً" : إبراهيم(تك7:20)، موسى (تث15:18و18/10:34)، ومريم (خر20:15)، تدعى دبورة-قبل صموئيل-نبية في "الأنبياء" ، لكن بالواقع تقوم ك""قاضية" (قض4:4).

قراءة 4508 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *