ندوة الكتاب المقدس
المطران بشار متى وردة

المطران بشار متى وردة

الأربعاء, 20 كانون2/يناير 2016 01:43

تأملات لزمن الباعوثا - الباعوثا: زمن التوبة

تأملات لزمن الباعوثا

الباعوثا: زمن التوبة

 

الباعوثا زمان التوبة؛ هذه هي دعوة المُصلي لنا في أيام الباعوثا، وترانا جادونَ في ذلك، جميعنا ينتظر هذه الأيام المُباركة من السنة، ويسعى جاهداً ليحفظَ هذا الصوم بإهتمام وإنتباه. صلاتنا اليوم وكل يومٍ، ليُباركَ ربنا صومنا ويقبل صلاتنا. ولكن، ومن أجل أن تحل بركات هذا الصوم بوفرة علينا، وجَبَ أن نتوقف للحظات لنتأمل في معنى التوبة التي ينتظرها ربنا منّا، فعلُ إيمان وتوبة للحياة لا لثلاثة أيام. فما نفع التوبة إذا تحوّلت إلى ممارسة أو طقس سنوي؟

اليوم يدعونا إلهنا إلى التوبة، إلى البدء من جديد. إلى توبة جذرية لا إلى أنصاف التوبة، أو توبة خجولة لا ديمومةَ لها. الغرابة تكمن في أن الإنسان لا يخجل من خطاياه بل يخجل من توبتهِ، وإذا حاججتهُ فسيقول: الإنسان ضعيف والظروف قاسية، والخطيئة من حولنا، فترانا نسقط. ولكن، نعمة الله أعظم من خطايانا، وهي تدعونا للعودة فلماذا نخجل من توبتنا؟

التوبة كما تعلمه أمنا الكنيسة هي دواء يُقدمه ربنا لنا ليشفينا من جراح الخطيئة، فنحن نعرف أننا نحمل نعمة الله في "آنية من خزفٍ" (2 كو 4: 7). إنسانيتنا معرضة للعذاب والمرض والضيق والألم، والتي تضعف أمام التجارب، وتقسو قلوبنا فلا نسمع ما يُريده الله منّا، ولا نُميّز إرادتهُ في حياتنا.

السؤال هو: كيف نعرِف أننا خطأة؟ ومَن ذا الذي يكشِف أننا خاطئونَ؟

محبّة الله هي التي تفضح خطايانا. أمام محبّة الله الغير المشروطة والتي رفعت يسوع إبنه على الصليب أعرف أنني خاطئٌ وأنانيٌّ ومُتكبرٌ وعنيفٌ وفاسدٌ. محبّة الله التي خلقتني لأكون على قلبِ الله، لأكون ما يُريدني أن أكون، ولكن خطيئتي تجعلني أكون في المكان الخطأ، بعيداً عن قلبِ الله. لذلك، تكشِف لنا قراءة حياة القديسيين كم أن الألم والحزن يعصر قلوبهم عندما يتأملون في محبة الله، وجدية الندامة التي يُقدمون عليها. هم يشعرون بأنهم مسؤولون عن خطاياهم وخطايا العالم الذي لا يعرِف محبّة الله. يختبرون الغُربة وأنهم بعيدون عن محبّة الله، مفصلونَ عنه. هم مائتونَ من دون الله مثل الغصن الذي قُطِعَ عن الشجرة. ولا يستطيع الغصن أن يعود إلى الشجرة، لذا، إلهنا وملكنا، وبسبب محبتهِ التي لا تتغيير بتغيّر الإنسان الخاطئ، غفرَ للإنسان وأعادَ له مجد البنوّة، حتّى قبل أن يطلبها الإنسان نفسه. الخروف الضال والآبن الضال هو محبوب الراعي والآب حتى في أيامِ ضياعهِ. نحن نُحِب مَن يُحبنا، أما الله فيُحب لأنه محبة. إلهنا لا يتغيّر، الإنسان هو الذي يتغيّر متقلباً في أهوائهِ، ومزاجيا ًفي تعاملاتهِ وخائناً في عهودهِ، ويُغلِق الباب أمام الله الذي يقول: "هوذا أنا واقفٌ على الباب أقرع، فإن سمعَ أحدٌ صوتي وفتح الباب دخلتِ إليهِ وتعشيتُ معه وتعشّى معي" (رؤ 3: 20). إلهنا مُستعد ليقبلَ الخاطئ ويغفر ويُعيد إليه المجد الذي فقده بتهورهِ وفي سوء إستخدامهِ لحريتهِ.

إلهنا وملكنا عارفٌ بضعفٍ الإنسان، وبجمسامة الخطيئة من حوله، لذا، واصل مرافقتهُ للإنسان، فكانت كلمة الله إلى الأنبياء يُطالبون فيها بحقوق الله، أي أن يعيش الإنسان باراً فيُجري الحق والعدل، ويسير بتواضع أمام الله، لينعمَ هو والقريب بحياة هانئة. فمجد الله هو حياة إنسانية كريمة للجميع. ولم يتمكّن الإنسان من سماع الكلمة والعمل بها، رافضا ًمحبّة الله في حياتهِ من دون أن يدري، لأننا بالخطيئة عادة نرفض محبّة الله، ونتراجع عن فعل الخير مع القريب، مع معرفتنا بهِ، طمعاً في سعادة أو مكسبٍ مؤقتٍ. فترانا أنانيين، طماعيين، شهوانيين، غضوبين، حاقدين، حسودين، مُستهزئين بحياة القريب، خونة للعهود، جبناء في تنفيذ مل يلزم، مخاصمينَ، ثرثارين، والمُرنم في صلوات الباعوثا يُذكرنا بقائمة من الخطايا التي نقترفها يوميا، منها خطايا ظاهرة، وأكثر منها خفيةٌ في القلب. أن قلوبنا عامرة بأفكار خبيثة وشريرة، مع أنها عامرة بمحبة الله أصل كل خيرٍ فينا..

أولى خطوات التوبة الصادقة هو شعورنا الشخصي بأننا بحاجة إلى التوبة! فلا يُمكن علاج المرض من دون الإقرار أولاً بأنني مريض. هذا الإعتراف سيجعلنا نتوجّه إلى مَن يستطيع مساعدتنا في نيل الشفاء. إعترافنا ليس ليُشعرنا بأننا فاسدونَ لا نستحق الحياة، بل أننا بعيدون عن محبّة التي تنتظرنا. إعترافنا هو من أجل عودة الشِركة مع الله التي فقدناها بالخطيئة. إلهنا ليس مُهتماً بخطايانا، بل بنا نحن الخاطئينَ الذين تركناهُ. إلهنا لم يقل ليونان ما نوع الخطايا التي يقترفها أهل نينوى. ربنا يسوع لم يسأل الخطأة ما الذي فعلتُم وعدد الخطايا ومكانها وزمانها؟ لم يسأل عن كل ذلك، بل منح الغفران مُسبقاً لزكا العشار فجاء الإعتراف حُراً صريحاً.

هذا الإعتراف سيكون دوماً في مواجهة محبّة الله، تماماً مثلما فعلَ أولئِكَ الذين أحضروا الزانية أمام ربّنا يسوع، والذين إنسحبوا والواحد تلو الآخر، معترفين في قلوبهم بأنهم ليسوا أفضل منها، مع أن ربّنا لم يأتِ ليدينهم، ولكن قلوبهم لم تصمد أمام قداسة الله فغادروا المكان بتبكيت الضمير، مثلما أن الزانية تغيّرت كُلياً أمام فيض المحبة التي أنعمَ بها ربّنا عليها، على أن لا تعود إلى الخطيئة.

الخطيئة إذن هي مرضٌ يُصيبُنا ويُفسِد قلوبنا، ولا يُمكن أن نُنكِر أننا بلا خطيئة، "فإذا زعمنا أننا بلا خطيئة خدعنا أنفسنا ولم نكن على حق" ( 1 يو 1: 8). وهذه كلمة كلمة الله إلى يونان: إذهب وقُل لأهل نينوى أن شرورهم صعدت إلى السماء، أن يعرفوا ويعترفوا أنهم خطأة، وهذا ما حصل مع منادة يونان: الجميع أقرَّ من كبيرهم إلى صغيرهم: أنهم خاطئون وعليهم أن يتوبوا، أن يُغيّروا حياتهم ويدعو إلى الله ويرجعوا عن طريق الشر وعن العنف الذي بأيديهم. خطاياهم صارت أمامهم وليست ورائهم، ولم ينكروا واقعهم ولم يقولوا للنبي: لم يُنبهنا أحدٌ من قبل، ولم يبعث الله إلينا بنبيّ مثلك. سمعوا تهديد النبي الغاضِب، وعرفوا أنهم فرصتهم الأخيرة. لقد أرسل الله إليهم نبياً جعلَ خطاياهم أمامهم، تماماً مثلما فعل ناثان مع داود النبي. ولكنهم عرفوا أن رسالة الله كانت محملة بالغفران، وفهِمَ الشعب هذه الرسالة وعملوا بها، فأنقلبت المدينة من مدينة شريرة إلى مدينة تائبة. من مدينة العنف إلى مدينة السلام. من مدينة بعيدة عن الله إلى مدينة تُصلي إليه، فتحققت نبؤة يونان ولكن لا مثلما كان يتمناها هو، بل مثلما أراد الله.

نحن نلنا نعمة الخلاص بيسوع المسيح، إلا أن إنسانيتنا والشهوة التي فينا تدفعنا إلى الإرتداد، إلى التوجه بعيداً عن الله. أن نعيش حياة كأننا لسنا بحاجة إلى الله، أو في أحسن الأحوال: ليبقَ الله في سمائه ونحن نُدبّر حياتنا. وهذه أحد مظاهر الخطيئة اليوم، وهي إهانة صريحة نوجهها لله أبينا. شعرَ الأبنُ بجسامة خطيئتهِ تجاه أبيه، ولكنه إعترافَ أنه أخطأ تجاه السماء: "يا أبتي إن خطئتُ إلى السماء وإليكَ" (لو 15: 18). عيش حياة من دون الله هي الخطيئة ستقودنا إلى سلوكيات شريرة. فما أكثر الخطايا التي اقترفها الإنسان في محاولته أن يثبِتَ نفسه سيّدَ الأرض وحاكمها المُطلق. أوهامٌ إنهارت مع الزمن، ولكنها خلّفت وراءها حياة أبرياء ومساكين. وما أكثرهم اليوم أولئك الذين يرغبون في تنصيب ذواتهم أسياداً على عوائلهم فيُضحون بالعائلة وببركاتها، والأمثلة كثيرة. حتّى يصل الخاطئ نفسه إلى مرحلة المبالغة والتطرف في مسعاهُ من دون أن يحصل على مُبتغاهُ، أو يصل إلى حالة من اليأس والقنوط والحزن لأنه لم يتمكن من تحقيق مسعاه، وخطيئتهُ أعظم من أن تُغتفر فيواصل حياة الخطيئة. وكلا الموقفين خطيئةٌ ممُيتة.

هذه هي الكذبة التي يُريد المُجرّب أن نُصدقها: إننا نستطيع الحياة من دون الله! أن الإنسان له أن يُنظم حياته ويُدبرها من دون الله! الإنسان قادرٌ على فعل المُستحيلات من دون الله! الإنسان له أن يكون إلهاً من دون الله! وكثرت المحاولات وتفاقمت الصرعات، ولا يُريد الإنسان، إلى يومنا هذا أن يعي: هذه كذبة، وعليه أن يعود إلى الله مؤمناً أن له أباً ينتظرهُ ليجعل من عودتهِ إحتفالاً، فالأرض كلّها ستنعمُ بالفرح بتوبة خاطئ. لنستذكر معاً لحظات المُصالحة ما بين شخصينَ دمّرت الخطيئة علاقتهم! عُرس سماوي على الأرض. لهذا، قال الأب لأبنهِ الأكبر: "أخوكَ هذا كان ميتاً فعاش، وضالاً فوجِد، لذا، وجبَ علينا أن نتنعم ونفرح" (لو 15: 32). فكلما فكّر الإنسان أنه قادرٌ على العيش من دون الله، سيقترف الخطيئة، وكلما عادَ إلى الله، أختبرَ نعمة الفرح.

        الخطيئة الأكثر حزناً كانت وما زالت هي خطيئة اليأس، اليأس من عدم القُدرة على التخلّص من الخطيئة، والتساؤول المُحيّر: ما الثمن الذي على الإنسان أن يدفعهُ ليؤدي حساباً عن خطاياهُ التي غُفرَت؟ وجاء الخبر السار: أنت مغفورٌ لك، لأن الله يُحبُك، وعليك أن تعيش بهذه النعمة: أنت محبوب الله. هذه البشارة لا تتحمل ندامة شكلية وتوبة شكلية مُبرراتها: "الإنسان ضعيف، ظروفنا صعبة، الجميع يُخطأ، الله الآب يغفر الخطايا ... لنعود إلى الخطيئة التي لم نبتعد عنها كثيراً.

بُشرى الله تدعونا اليوم إلى الغوص إلى الأعماق للتعرف على تعاسة الخطيئة التي نحن فيها، من دون أن نخشى اليأس، أو نخاف العودة. الندامة تتطلّب منّا العودة إلى ذواتنا والإمساك بالخطيئة حيثما هي لا حيثما أريدها أن تكون، لأننا نخشى كثيراً التعرّف على حقيقة الخطيئة فينا، فنسعى لتفاديها. ربنا يُريدنا أن نتحمل مسؤولية خطايانا عارفين أنها إهانة موجهةٌ إليه، معترفين: أننا أخطأنا من دون أن أبحث عن مبررات أو مُسببات. الخطيئة فيَّ وأنا المسؤول عنها، تماماً مثل الأبن الضال الذي عرِف أنه أخطأ، ومثل اللص اليمين الذي إنكشَفَ كلياً أمام محبة المصلوب، ولم يتهّرب من واقع حياتهِ، بل حمله كلّه وجعله على صليب يسوع، مترجياً أن يجعله ربّنا في مكانٍ جديد غير الذي تعودّ أن يكون: "في ملكوتَك". فنال ما أراده لأنه جعل رجاؤه في المسيح يسوع.

ولكن لماذا التوبة؟

هل من أجل أن نعيش حياةً أكثر أمناً وسلاماً فنعيش براحة الضمير؟ أم من أجل تفادي العقاب الإلهي؟ أو نيل مكافأة في الآخرة؟

لا يوجد للتوبة إلا مُبررٌ واحد ليجعلها توبةً أصيلة وصادقة، وهو: أن محبتنا لله أبينا، الذي أحبنا أولاً، هذه المحبة تجذبنا للعودة إليه تأئبين، ولا سبب غير ذلك. التوبة تعني الرجوع إلى الله، وتغيير السلوك اليومي، وإصلاح العلاقات التي أفسدتها أنانيتنا، والتأسف على جروح القريب التي كُنّا نحن سببها. فلا توبة من دون ثمار: أثمروا ثمراً يبرهن على توبتكم، قال يوحنا المعمذان لمُستعميهِ (متّى 3: 8). فنعمة التوبة تُجدد عقولنا وذهنيتنا ورؤيتنا وقلوبنا، لتكون أفكار ربنا يسوع فينا. التوبة تتضمنّ بالضرورة ثلاثة أفعال: الصيام (المُصالحة مع الذات)، والصلاة (المُصالحة مع الله)، والصدقة (المصالحة مع القريب). التوبة ليست مشاعر، بل مواقف عملية.

أين نحن من التوبة التي ينتظرها إلهنا منّا؟ هل نشعر حقيقةً بأننا نُهينُ إلهنا ونتجاهلهُ في حياتنا؟ هل سنتوقف عن إثارة الفتن؟ هل سنجعل من قلوبنا مقابر للأحاديث الشيطانية فنسمعها وندفنها ولا نسمح لسمومها أن تنتشر بين الناس؟ هل سنعمل على معاملة الآخرين بخير الكلام والأفعال؟ هل سنسمح للروح القُدس بأن يُطهِر أفكارنا وقلوبنا فلا يُعشش الشر فيها؟

نينوى إنقلبت من جراء نبؤة يونان، فمتى تنقلب القلوب التي عُمذت بإسم يسوع المسيح؟ 


03 3 Domenica B sint

الأحد الأول من الدنح

كلمة الله طريق الخلاص (2 طيم 3: 1- 19)

يطلب الرسول بولس من تلميذه طيموثاوس أن: يبتعد عن الأشرار وهم: المتكبرين ومحبوا المال، المنافقين والطماعين والخونة؛ محبوا الشهوة أكثر من محبوا الله. كما ويطلب منه أن يتذكّر أنه، أي بولس، تحمل الكثير من الضيق والألم بإيمان وصبرٍ ومحبة لأجل المسيح يسوع. وأخيراً يسألهُ أن يثبُتَ في محبة الأسفار المقدسة التي تلقاها منذ صباهُ. هذه الطلبات الثلاثة متناغمة ومتماسكة معاً، وتُريدنا الكنيسة أمنا في أول آحاد الدنح (الظهور)، أن نتأمل فيها، وأن تكون كلمة لحياتنا أيضاً. فما هو فحوى (مضمون) هذه الرسالة؟

تجسّد ربنا يسوع وموته وقيامته بدأ لنا ملكوت الله: "روح الرب علي لأنه مسحني لأبشر الفقراء وأرسلني لأعلن للمأسورين تخلية سبيلهم وللعميان عودة البصر إليهم وأفرج عن الـمظلومين وأعلن سنة رضا عند الرب". ... فأخذ يقول لهم: "اليوم تمت هذه الآية بمسمع منكم". (لو 4: 18- 21). هذا الملكوت وهبَ الله لنا فيه مسؤولية تجاه أنفسنا وتجاه الآخرين، وتجاه العالم كلّه. المسيحيون هم أبناء الملكوت، أبناء الأزمنة الإلهية. فربنا يسوع المسيح هو نقطة تحوّل حاسمة في حياتنا، إما أن نكون تلاميذ له، فنتحمل الرفض والضيق والإضطهاد والألم، وإما نُسايّر العالم فيما يُقدمه لنا، في محاولة لعيش حالة من المساومة التي تقتل فينا جذرية الدعوة التي دُعينا إليها. المسيحي الحقيقي هو مَن إلتصقَ بالمسيح يسوع، المتألم والمُضطهَد والمرفوض، فلا يُمكن للمسيحي أن يتبعَ من دون أن يتوقّع الإضطهاد، ولكنه يترجى الغلبة بالمسيح يسوع، ولنا في ذلك شهودٌ كثيرون: قديسوا الكنيسة وأبطالها.

وهنا نأتي إلى الطلب الثاني لبولس من تلميذهِ طيموثاوس: أن يثبُتَ على الحقيقة التي تعلّمها منه، والتي قاسى من أجلها الكثير من المتاعب والمُضيقات والألم، وكشف َفيها عن إيمانٍ وصبرٍ ومحبةٍ، فكل الذين يُحبونَ أن يعيشوا في تقوى الله في يسوع المسيح يُضطهَدونَ. هذا التذكر هو مهم جداً بالنسبة لنا اليوم أيضاً، لأنه يجعلنا نشعر بأننا ننتمي إلى كنيسة القديسيين، ونأسفُ اليوم لأننا صرنا نفقدُ هذا التواصل مع قديسي الكنيسة وأبطالها، الذين يقفونَ في تاريخ الكنيسة شهادات حيّة على النعمة التي صارت لهم بالمسيح يسوع. نعمةٌ غيّرت حياتهم وجعلتهم ينطلقونَ شهودا ًللبشارة، بل شهداءٌ من أجلها. اختبروا معنى أنهم كانوا عُمياناً ومنحَ الله لهم نعمة التحرر بيسوع المسيح، فليس لهم إلا الإنطلاق والتبشير بالخلاص الذي صارَ لهم نعمةً. نحن جعلنا منهم شفعاء لنا في السماء بسبب كثرة خطايانا، والله وهبهم لنا شموعاً تُضيءُ بنعمتهِ ظلمات حياتنا، لأنهم أصغوا إلى كلمة الله وأطاعوا هذه الكلمة بأمانةٍ.

فنصل إلى المطلِب الثالث لبولس إذ يُذكر تلميذه طيموثاوس أنه تعلّم الأسفار المُقدسة منذ صباه، وهي ستُصيره حكيماً للخلاص الإيمان بيسوع المسيح. الأسفار المُقدسة، كلمة الله هي طريقهُ لنيل الخلاص، الحياة المنفتحة لله. حياة من دون خبثٍ أو خداعٍ، حياة خاليةٌ النفاق والخيانة. حياة تواضع وإيمان بالله، فيها نقبلُ كلمة الله التي يغرسها الزارع فينا بقلبٍ طيّب، ونسعى لحفظها، وعيش متطلباتها. وهذا يقودنا إلى التذكير الأول لبولس في رسالتهِ إلى طيموثاوس: الإبتعاد عن المنافقين والأشرار الذين سمعوا كلمة الله ولم يطيعوا لها. نأسف كثيراً إذ نلحظ أننا نسعى في قراءتنا الكتاب المقدس إلى البحث عن تفسيرات ومراجع لشرح الكلمة، في حين أن المطلوب هو عيش هذه المُعطاة لنا. فنجعل كلمة الله موضوع درس لا كلمة للحياة. التفسير مهم، بل أساسي، ولكن الأهم هو البقاء مع هذه الكلمة طويلاً، والتفكير بها مطولاً في قلوبنا. هذا السماع، وهذا الهضم للكلمة يجعل السامِع يُصغي ويُطيع، أي أن يجعلها موضوع تنفيذ، تماماً مثل ربّنا يسوع الذي يُذكِر المجرب بأقوال الله، ويعيشها بأمانةٍ.

هكذا فقط تُصيرنا كلمة الله حُكماء للخلاص بالإيمان بيسوع المسيح. لأننا ننظر إلى أنفسنا تبعاً لصورة المسيح يسوع، فنسأل: أين نحن منه؟ أين نحن من محبة الله، فغاية الكتاب المقدس هي أن يقول لنا: كم أن الله يُحبنا. هكذا نجعل كلمة الله تفحص قلوبنا، لا أن نكون نحن فاحصي الكلمة، ليعرِف كل واحد منّا ذاتهُ، ويعرِف محبة الله له، فلا يسقط لا في الغرور (معرفة الذات)، ولا في اليأس (معرفة محبة الله). كان القديس أوغسطينوس يقول: أن أعرِف ذاتي لكي أتضِع، وأن أعرفَك لكي اُحبُك". كلمة الله طريق للخلاص، وتزخر الكنيسة بقديسيها الذين إكتشفوا عظمة الدعوة التي أنعمَ الله بها عليهم، من خلال مواظبتهم على قراءة الكتاب المُقدس، حتّى أن القديسة ترازيا الطفل يسوع قالت يوماً: أجد في الإنجيل كل ما هو ضروري لنفسي المسكينةالصغيرة. ولكن هذا يحتاج إلى أناس تعرف أن تأكل الكلمة، لا أن تدرسها وتتأمل فيها. فأكل الكلمة، يعني هضمها وجعلها جزءً منّا، تماماً مثل الأفخارستيا، التي جعلنا واحداً مع المسيح يسوع. 

المطران بشار متي وردة

 

الندوة الكتابية (كنيسة مار يوسف – عنكاوا- أربيل)

 

تأملات في الرسالة إلى الرومانيين

 

اللقاء الخامس



برّ الله وإيمان إبراهيم (الفصل الرابع)

كشف بولس في الفصول الثلاث الأولى عن عدم قُدرة الإنسان في الحصول على الخلاص إستحقاقاً، فالشريعة تشهد عليه إنه إنسان خاطئ، وسلوكياتِه تفضحهُ. فصار غفران الخطايا من المُستحيلات على الإمكانيات البشرية، فالخطيئة إهانة موجهة ضد الله، والغفران يتطلّب المُصالحة، ويشهد الناموس على إستحالة العيش من دون خطيئة، فصار الناموس بيان غضِب الله. لذا، بيّن الله عن برّه، بأنه غفر لنا بيسوع المسيح، وصالحنا إلى نفسه، لا بسبب تطبيقنا لمتطلبات الناموس، بل نعمة منه ووفاء للوعد، ويطلب هذا إيمان بأن هذا الغفران والمصالحة صارت لنا بيسوع المسيح.

 

"وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ ظَهَرَ بِرُّ اللهِ بِدُونِ النَّامُوسِ مَشْهُوداً لَهُ مِنَ النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءِ. بِرُّ اللهِ بِالإِيمَانِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ إِلَى كُلِّ وَعَلَى كُلِّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ. لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ. إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ مُتَبَرِّرِينَ مَجَّاناً بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ". (3: 21-24).

 

الله الآمين في وعدهِ، كشفَ عن برّه، أنه رحومٌ فعادَ وعرضَ صداقتهُ (خلاصهُ) إلى الإنسان. لم يتغيّر الإنسان ليُصبحَ إنساناً صالحاً، الله هو مَن بادَرَ فكان الخلاص والفرح على الأرض. لم ينتقِم الله من الإنسان بسبب عصيانه وتجاهله، بل رحمهُ فكان باراً مع نفسهِ: هو إلهٌ رحومٌ مثلما أعلن عنهُ إبراهيم (قصة سدوم وعمّور (تك 18: 17- 33)، وعادَ يونان النبي في صلاتهِ من نينوى: "يَا رَبُّ أَلَيْسَ هَذَا كَلاَمِي إِذْ كُنْتُ بَعْدُ فِي أَرْضِي؟ لِذَلِكَ بَادَرْتُ إِلَى الْهَرَبِ إِلَى تَرْشِيشَ لأَنِّي عَلِمْتُ أَنَّكَ إِلَهٌ رَأُوفٌ وَرَحِيمٌ بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ وَنَادِمٌ عَلَى الشَّرِّ" (يو 4:2).

 

محبة الله تجعله يرحَم، فأظهرَ رحمتهُ للإنسان، وكشفَ عن برّه، فغفرَ للإنسان دينهُ الكبير بعد إستحالةِ الدفعِ، ومنح له حياةً جديدة، فكان لزماً على الإنسان أن يبدأ العيشَ: "إنساناً مغفورا له". وهذه هي بشارة (إنجيلهُ) بولس لكنيسة روما: لله إرادة طيبة نحو الإنسان، فهو رحوم وأنعَمَ على الإنسان بالغفران، تماماً مثلما أعلنَ ربّنا يسوع: " قَدْ كَمَلَ الزَّمَانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكُوتُ اللَّهِ فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِالإِنْجِيل" (مر 1: 15). إنجيل بولس هو بشارتهُ عن خلاص الله الذي صارَ لنا بصليبِ وقيامةِ ربّنا يسوع المسيح. خلاصٌ يكمنُ في التحرر من الخطايا وفي نيل الحياة الجديدة بعدما عجِز عنها بقدرتهِ الشخصية.

 

خلاص المسيح الشامل

        واجه بولس إعتراضاً من قبل اليهود، وهو يهودي ملتزِمٌ أيضاً، بأن لا يحق للأممين مخالطة اليهود ولن ينالوا خلاصَ الله، فلليهود الشريعة والختان والوعد، فبيّن لهم بولس أن الشريعة ليست ليتفاخروا بها، في الواقع أن الشريعة تشهد عليهم أنهم خطأة، والختان المطلوب هو ختان القلب، القلبُ المُطَهَر بكلمة الله. أما الوعد فهو يؤكد مقولة بولس بشمولية الخلاص، فأستشهدَ بإبراهيم (الآباء) وداود (الأنبياء) في حديثه عن أن الإيمان هو الذي يُبرر الإنسان أمام الله، والناموس نفسه يشهد لما كان بولس يقوله: التبرير من الإيمان. خلاص ربّنا يسوع رفع إذن الحاجز الذي كان يقفَ ما بين الله والإنسان (الخطيئة)، وما بين الإنسان وأخيه الإنسان (التمييز على أساس العبادة). المطلوب هو الإيمان بيسوع المسيح ربّا، وهذه هي عائلة الله الجديدة في يسوع المسيح.

قرأ بولس قصّة إبراهيم في ضوء بشارة ربّنا يسوع، فأكدَ على أن الله هو الذي إلتقطَ إبراهيم؛ اختاره، مع أن إبراهيم لم يكن يعرف الله، ولم يكن إبراهيم مختوناً، بل كُشِفَ له الختان والناموس بعد الاختيار وليس قبله. اختيار الله أهلَّ إبراهيم لأن يكون أباً للجميع: يهود ووثنيين، الايمان والسلوك حسب متطلبات هذا الإيمان هو الذي يؤهِل الإنسان لأن يكون إبنا حقيقياً لإبراهيم. وهبَ الله لأبراهيم أبوّة روحية للجميع، وغيّر الله إسمه من أبرام إلى إبراهيم، وهذا هو قرار الله وتدبيره: "جعلتُكَ أباً لأمم كثيرة". عائلة الله الجديدة هي عائلة تجمع كل مَن غفرَ لهم الله خطاياهم، عائلة خطأة المُنعَم عليهم بالخلاص: "أَمَّا الَّذِي يَعْمَلُ فَلاَ تُحْسَبُ لَهُ الأُجْرَةُ عَلَى سَبِيلِ نِعْمَةٍ بَلْ عَلَى سَبِيلِ دَيْنٍ. وَأَمَّا الَّذِي لاَ يَعْمَلُ وَلَكِنْ يُؤْمِنُ بِالَّذِي يُبَرِّرُ الْفَاجِرَ فَإِيمَانُهُ يُحْسَبُ لَهُ بِرّاً. كَمَا يَقُولُ دَاوُدُ أَيْضاً فِي تَطْوِيبِ الإِنْسَانِ الَّذِي يَحْسِبُ لَهُ اللهُ بِرّاً بِدُونِ أَعْمَالٍ: "طُوبَى لِلَّذِينَ غُفِرَتْ آثَامُهُمْ وَسُتِرَتْ خَطَايَاهُمْ. طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لاَ يَحْسِبُ لَهُ الرَّبُّ خَطِيَّةً" (4: 4- 8).

ربنا يسوع لم يكشِف لنا ولم يُبشرنا إلا بإلهِ إبراهيم وإسحق ويعقو، والإيمان الذي يطلبهُ سيكون في الطاعة والولاء والأمانة لمشروع الله الذي كشفهُ لنا ربنا يسوع المسيح، والذي يُعد تواصلاً لما أعلنهُ الله لأبراهيم وللأنبياء. فإختيار الله لداود لم يأتِ لأنَ أعمالهُ تؤهله لنعمةِ الاختيار التي وهبها الله له، بل نالَ كل شيءٍ نعمةً. الله قالَ لأبراهيم وفي إبراهيم ما أرادَ ان يقولهُ للعالم أجمع: أنا إلهُكم، إلهم الذي يغفر للخطأة لا للذين يحسبون أنفسهم صالحين وأصحاء.

ولكي يكون الوفاء (الأمانة) للإيمان تامّاً كشفَ الله عن الناموس في محاولة من الله ليُساعِد الإنسان، فالناموس هو إرادة الله للإنسان لتأتي إستجابة الإيمان تامّة. الناموس يُعبّر أولاً وقبل كل شيءٍ عن مشيئة الله وتدبيرهِ، ولكنه لا يمتلِك القوّة الداخلية التي تُؤهِل الإنسان لأن يُتممَ ما جاء في الناموس، فكل شيء متروك للإنسان الحُر. ولأن الإنسان قسّى قلبهُ، ولم يتمكّن من إتمام مُتطلبات الناموس، صارَ الناموس كشفاً في الوقت نفسه عن غضبِ الله على الإنسان الخاطئ. ولكن، وبسبب أمانة الله المُحِب، ووفاءَ للعهد وللوعود التي أقسمَ به، يأتي الخلاص نعمة. فلا مجال للإنسان أن يقفَ أمام الله ليُبرر نفسه تبعاً لأعمال الناموس.

 

إبراهيم إنموذج إيمان

يبقى الحديث عن إبراهيم محور هذا الفصل، فيقول بولس عنه: آمنَ وترجى، فالرجاء يتبع الإيمان، فمن يؤمن يترجّى، ومَن يترجى يكشِف عن إيمان واثق، حتّى لو أن الواقع البشري يجعل من المُستحيل تصديق ما يؤمن به الإنسان: أن يكون أباً وهو مسنٌ، وشارفَ جسمهُ على الموت، لكنه آمن بالله، ومجّد الله وترك كل شيءٍ ليتبعَه في طاعة الإيمان، مؤمنا أن الله يتسامى على كل الإمكانيات البشرية.

سَمِعَ إبراهيم نداء الله: "اذْهَبْ مِنْ ارْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ ابِيكَ الَى الارْضِ الَّتِي ارِيكَ. فَاجْعَلَكَ امَّةً عَظِيمَةً وَابَارِكَكَ وَاعَظِّمَ اسْمَكَ وَتَكُونَ بَرَكَةً. وَابَارِكُ مُبَارِكِيكَ وَلاعِنَكَ الْعَنُهُ. وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الارْضِ" (تك 12: 1-3)، أطاع في الحال، وتركَ كل شيءٍ خلفه ليسيرَ إلى الأرض التي أعطاه الله له، متحملاً صعوباتٍ جمّة في الأرض التي يُفتَرَض أن تكون مصدر نعمةٍ وفرحٍ.

 

بعد مرور ثلاثة عشر سنة على ولادة إسماعيل، وحين لم يرَ أبرام أو ساراي أية ملامح لمجيء إبن الوعد، وعمرُ أبرام وساراي لم يسمح لهما مُطلقاً بالولادة، فلقد ماتت أحشاءُ ساراي. أخذَ الله المُبادرةَ وتراءى لأبرام وأعلنَ له العهد الذي أسسه؛ وعزمهُ على أن يُعطي لأبرام وساراي ولداً في ساعة لا ينتظران فيها ولد: "سأنميكَ كثيراً جدّاً، وأجعلُكَ أُمما، وملوكٌ من نسلك" (تك 15: 6)، وقَبِلَ أبرام هذا العهد المُعلن له من خلال تعبّد مهيب: "فوقعَ أبرامُ على وجههِ ساجداً" (15: 3).

مسيرة إيمان إبراهيم لم تكن سهلةَ البتةّ، فمع أن الله كررَ وعده لإبراهيم، إلا أن إبراهيم لم يتمكّن من إستيعاب وفِهم وعدَ الله، لذا، لم يثق كلياً بالوعد وحاول بطرقه الخاصّة تنفيذه. لم يعد للشكِّ مكاناً في نفس إبراهيم لأنه وصلَ إلى قناعاتِ من أنه غير قادرٍ هو وسارة بشرياً على الإنجاب، "أيولدُ وَلدٌ لأبن مئةِ سنة؟ أم سارةُ تلد وهي إبنةُ تسعينَ سنة؟ لذا، ضَحِكَ عندما سمعَ أن سارة ستُبارَك بإبنٍ وبنسلٍ وشعوبٍ وملوك، مُعبّراً بذلك عن خيبة أمله وعن قلّة إيمانهِ؛ وكان ما كان يتمناّه هو أن يحيا إسماعيل ليرثَه، إسماعيل الذي يُمثل محاولة بشرية لإتمام وعدِ الله، أضحى تهديداً للوعد الإلهي، كونه يحمل آمالَ وطموحات إبراهيم البشرية، الذي أبعدَّ الله عن دائرة الأحداث. وكأني بإبراهيم يقول لله: أنا الذي أنجحتُ مشروعَك يا الله، لولا تدخلي في اللحظات الأخير، أنا وساراي، لما كان لوعدكَ أيُ مُستقبلٍ.

 

"أيصعبُ على الربِّ شيءٌ" (تك 18: 14)

عادَ الله وواصلَ كشفهُ لإبراهيم وهذه المرة في وضحِ النهار ومن خلال قدومِ ثلاثةِ رجالٍ لا نعرّف هويتهم ولا مرجعيتهم، ولم يسأل إبراهيم من أين جاءوا أو إلى أين هم ذاهبون، هو رأى فيهم ببساطة حضور الله الذي يجب أن يُضيَّف بمهابة. نحن نعرف أن لهم علاقة بتراءي الله: "وتراءى الربُّ لإبراهيم"، ولكنَّ إبراهيم نفسه لم يعرف ذلك، حضورهم كان مُفاجاة لإبراهيم، لأن الراوي لم يقل لنا: "فرفعَ [إبراهيم] عينيه ونظرَ فرأى ثلاثة رجالٍ يأتون إليه"، بل يُخبرنا بأنهم كانوا "واقفين أمامهُ" في ظهورٍ مُفاجأ لإبراهيم، ووقوفهم أمام إبراهيم تعبير عن رغبتهم في البقاء.

 

قام إبراهيم الشيخ بالتحرّك الفاعل وإهتم بتفاصيل إستقبال الرجال فأمّر جميعَ مَن هم في الخيمة بالعمل، فأختار إبراهيم أفضل ما لديه وقدّمه لضيوفه ووقف أمامهم تحت شجرة ممرا: "شجرة التعليم" يخدمهم. وقوف الخدمة وقوف إحترام في حضرة ضيفٍ مهيبٍ، وهذا الوقوف والإستعداد سيُؤتي ثمره بالتأكيد.

 

فيما هم مُغادرون تتغيير الأدوار ليكونَ إبراهيم "المُستقبِل" لخبر ولادة الإبن، ولادة لا يُمكن تصوّرها عقلياً لأنها مُضادة للواقع الإنساني، فصمتَ. أما سارة، التي كانت واقفة عند باب الخيمةَ وراءَه؛ وراء مَن؟ لا نعرف!!! فتضحك وقالت: أبعدما عجزتُ وشاخَ زوجي تكون لي هذه المُتعةُ؟ تضحك وتُنكر أنها ضحكت، ويؤكد لها الله الخبر وأنها ضحِكت. إبراهيم وسارة مُستعدان لإستقبال الله ولكنّهما غير مُستعدان لإستقبال ما يُريد منهما. لذا، نصل عند الكلمة الأهم في كلِّ القصة: "أيصعبُ على الربِّ شيءٌ" (14). عدم إيمان سارة يقودها إلى حالةٍ من الخوف عندما تواجه بهذه الحقيقة، وخوفها يدفعها للكذب: "ما ضحكتُ" (15) ليختم الربُّ اللقاء بتأكيدٍ: "لا، بل ضحكتِ". مرة أخرى نجد أنفسنا أمام "أزمة إيمانية"، فالواقع بما يحمله من معطيات يُخالف وعدَ الله. تعوّدَ إبراهيم وساراة على حالة العقمِ، وقبلاَ على مضضٍ موتهما المُبكّر؛ لا أولاد لا مُستقبَل، لذا يرفضان بقوّة قبول البشارة التي يُعلنها الربُّ لهما.

 

السؤال الأساسي للكتاب المقدّس، والذي تذكره هذه القصّة هو: "أيصعبُ على الربِّ شيءٌ" (14). فالبشارةُ تحدٍ يتطلّب موقف، وسؤال ينتظر الإجابة، ويجب أن تكون الإجابة من الإنسان، لا من الله، أي إجابةٌ شخصية من إبراهيم وسارة (منّا).

 

"أيصعبُ على الربِّ شيءٌ" (14) فإذا كان الجواب: نعم، هناك بعض الخبرات صعبة على الربِّ أن يُحققها!!! فمعنى ذلك أن الله فقدَ قدرتُه وحرّيته في أن يكون الله، وما نحن إلا خلائق تعيش في كونٍ له قوانينهُ وأعرافه ومآسيه وأزماتهِ.  وإذا كان الجواب: لا، ليس هناك من صعوبة أمام الربِّ، فهذا يعني عملياً قبول الله في حريّته، وتسليم العالم والخلائق إليه رعايته ورعاية الآخر.

 

إذن الإيمان يتطلّب: طاعة وتسليم الذات الكامل بيد الله. فيُطلَب من إبراهيم وسارة (منّا) أن يتركا حياتهم بواقعها المحدود بيد الله ليعملَ مشيئتهُ، فمُستقبلهم هو تحت عناية الله وهنا تكمُن صعوبتهما. الإيمان نداء للإيمان بالله، مثلما يُريد أن يُقدّم ذاته في الوقت الذي يشاء. نداء سمعه إبراهيم وسارة وجموع كثيرة من مدعويين وصولاً إلى مريم التي تقفَ "رمزاً" للجماعة المؤمنة، "فما مَن شيءٍ غير ممكنٍ عند الله". فقالت مريمُ: "أنا خادمة الربِّ: فليكن لي كما تقولُ" (لوقا 1: 37- 38). والأمر لا يقف عند موضوع الولادة، بل يتعدّى إلى صعوبة التباعة، التلمذة ليسوع المسيح.

 

أسلَم لك حياتي يا الله:

ماضيَ وحاضري ومُستقبلي

وأختبرَ الله إبراهيم بعد أن أنعمَ عليه بإسحق قائلاً: "يا إبراهيم!" قالَ: "نعم، ها أنا". قال: "خُذ إسحق إبنكَ وحيدَكَ الذي تُحبهُ وإذهب إلى أرضِ مورية، وهناك أصعده لي مُحرقةٍ على جبلٍ أدُلكَ عليه. دعى الله إبراهيم بإسمه، الأسم الذي حملَ تاريخَ إنسانٍ، فحضر أمامه إبراهيم بكل ما حملته له الحياة من أفراح وأحزان. حضر أمامه بماضيهِ وحاضرهِ ومُستقبله، ليجعلها كلّها بين يديّ الله: نعم، ها أنا.    

 

وجّه الله إبراهيم في البدء: "إرحل ... إلى الأرضِ التي اُريكَ ... وأبارككَ" (12: 1-3)، ووجهه مرّة أخرى: "خذ إبنكَ وحيدكَ الذي تُحبّهُ وأذهب إلى الأرضِ التي أُريكَ (22: 1-2). اسلوب التوجيه مُشابهٌ ولكنَّ المحتوى مُختلفٌ تماماً، لا بل مُخيفٌ. حملت الدعوة الأولى وعداً بالبركة: أرضٌ ونسلٌ، أما الثانية فكانت قاسية ومُخيفة. كان على إبراهيم أن يتركَ أباه في الدعوة الأولى، وهوذا يُسأل الآن ليتركَ إبنه. طلبَ الله، وعلى إبراهيمَ أن يُصغي ويطيع واثقاً بالله في كلِّ الظروفِ.

 

هو إمتحانٌ لإبراهيم: "إمتحنَّ الله إبراهيم". الراوي والمُستمِع للقصة يعرف أنه إختيار، وأن الله لن يأخذ الأمرَ على محملِ الجدِّ، وهذا ما لا يعرفه إبراهيم نفسه، لأنه تعلّم أن أمرَ الله يُطاع إذا ما أرادَ أن يكونَ شريكاً أمينا في العهد. قسوة الاختبار لم تمنع إبراهيم من أن يطيع: فبكّرَّ وأعدَّ مُتطلّبات الذبيحة بنفسهِ: أسرجَ الحمار، وهي خطوة تأتي في آخر مرحلة من مراحل التحضيرات، ولكّنها يجعلها أولاً ليُبرِزَ إستعداده التام للرحلة، فسارَ لثلاثةِ أيام مؤكداً عزمه، ومُبعداً عن طريقه كل ما يُمكن أن يُعيقهُ من إتمام الأمرِ الإلهي: الخُدّام الثلاثة.

 

طاعة إبراهيم جعلتهُ يترك ماضيه وحاضره إلى رعاية الله، ليتغرّبَ في أرضٍ لم يعرفها من قبلُ. ها هو الآن يترك مُستقبله أيضاً بيد الله، وبنى مذبحاً علامة إستعداده التّام ليكون تحت تصرّفِ الله. طاعة إبراهيم أعطته عينان ليرى ما يُريده الله منه، على الرغم أن الله لم يذكر له إسم المكان تحديداً، ولكنه سارَ حياته بما يُرضي الله: "رفعَ إبراهيمَ عينه فأبصرَ المكان من بعيدٍ".

 

طلَبَ إبراهيم من خدمه البقاء أسفل الجبل، لينفردَ هو مع إسحق "الصبي" للسجود لله، ولن يُعيقوه إذا ما أرادَ تقديم إسحقَ ذبيحةً. يُسميّه "الصبي أو الغُلام" وكأنه يتخلّى عنه منذ الآن لله واهبهُ، ليكون منذ الآن خادمُ المحرقةِ، خادم وصيّة الله. حملَ إسحق الخشب كونه هو الذبيحة التي ستُحرق مع المذبح، أما النار والسكين فستكون مع إبراهيم الذي سيُقدّم الذبيحةَ. حُبّهُ لإبنه يجعله يحمل كل ما يُؤذي الإبنَ: السكين والنار. وقفَ إبراهيم أما أختيار صعب: الولاء لله أم الولاء لإبنه إسحق، فأختارَ الثقة بالله على الرغم من أنه لا يستوعبها تماماً.

 

وصلَ الجبلَ وأعدَّ الذبيحة: إسحق الذي أطاعَ صامتاً: ""ظُلِمَ وهو خاضعٌ وما فتحَ فمهُ. كانَ كنعجةٍ تُساقُ إلى الذبحِ، وكخروفٍ صامتٍ أمام الذين يُجزّونهُ لم يفتح فمهُ". (إش 53: 7). ورفعَ إبراهيم يده وأخذ السكين ليذبح إبنه، فناده ملاك الربَّ بإسمه مرّة أخرى: "إبراهيم، إبراهيم! قال: "نعم، ها أنا". (22: 11). إبراهيم لم يبخَل بإبنه على الله، لقد قدّمه له، ونالَ إسحق حياته من الله، وليس لإبراهيمَ فضل في ذلكَ.

 

الله دبّرَ كل شيءٍ، هو يرى، وهنا يكتمِل التعليم المُقدَّم في القصة، وهو ما يُؤكد عليه بولس عندما يستشهد بإبراهيم: "أن نتعلّم طاعة العيش تحت تدبير الله ورؤيته، لا مثلما نحنُ نرى، بل أن نثِقَ برؤية الله. الله الذي يثقُ بالإنسان شريكهُ في العهد، مؤمناً أن الشراكة والمحبّة مجانية من كلا الطرفين، وهو ما قاله للشيطان الذي إتهمَّ أيوبَ (كل إنسان) أنه لا يخافُ الله مجّاناً، فأكدَّ الله: الإنسان يخافني مجاناً. ومخافة الله تظهر من خلال "طاعة الإنسان" لمشيئة الله، فهي ليست مشاعر وعواطف رخيصة، بل إلتزاماتٍ مُكلفة وإبراهيم يعرف كم كلّفته هذه الطاعة من تخلّياتٍ. وحين يتأمل بولس شخصية إبراهيم يكتُب: "فَهُوَ عَلَى خِلاَفِ الرَّجَاءِ آمَنَ عَلَى الرَّجَاءِ لِكَيْ يَصِيرَ أَباً لِأُمَمٍ كَثِيرَةٍ كَمَا قِيلَ: «هَكَذَا يَكُونُ نَسْلُكَ». وَإِذْ لَمْ يَكُنْ ضَعِيفاً فِي الإِيمَانِ لَمْ يَعْتَبِرْ جَسَدَهُ - وَهُوَ قَدْ صَارَ مُمَاتاً إِذْ كَانَ ابْنَ نَحْوِ مِئَةِ سَنَةٍ - وَلاَ مُمَاتِيَّةَ مُسْتَوْدَعِ سَارَةَ. وَلاَ بِعَدَمِ إِيمَانٍ ارْتَابَ فِي وَعْدِ اللهِ بَلْ تَقَوَّى بِالإِيمَانِ مُعْطِياً مَجْداً لِلَّهِ. وَتَيَقَّنَ أَنَّ مَا وَعَدَ بِهِ هُوَ قَادِرٌ أَنْ يَفْعَلَهُ أَيْضاً. لِذَلِكَ أَيْضاً حُسِبَ لَهُ بِرّاً. وَلَكِنْ لَمْ يُكْتَبْ مِنْ أَجْلِهِ وَحْدَهُ أَنَّهُ حُسِبَ لَهُ بَلْ مِنْ أَجْلِنَا نَحْنُ أَيْضاً الَّذِينَ سَيُحْسَبُ لَنَا الَّذِينَ نُؤْمِنُ بِمَنْ أَقَامَ يَسُوعَ رَبَّنَا مِنَ الأَمْوَاتِ. الَّذِي أُسْلِمَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا وَأُقِيمَ لأَجْلِ تَبْرِيرِنَا

الجمعة, 20 كانون2/يناير 2012 09:21

الأحد الثاني من الدنح 15كانون الثاني 2012

الأحد الثاني من الدنح الكلمة صارَ جسداً وحلَّ بيننا (يو 1: 1- 28) الكلمة صارَ جسداً وحلَّ بيننا؛ هذا هو الكشفُ والظهور الذي تُبشرنا به الكنيسة اليوم. فلقد خصص متى ولوقا بدء الإنجيل لقصص الطفول