ندوة الكتاب المقدس
 المطران بشار متي وردة

المطران بشار متي وردة

الأحد الثاني من البشارة

"الطاعّة: فعل الإيمان" (لو 1: 26- 56)

كشفت بشارة الملاك لزكريا الكاهنّ وإليصابات، وهي من عائلة كهنوتية أيضاً، أن يوّحنا سيكون "الرسول" الذي يتقدّم "إبن العلّي" في مجيئهِ بيننا. يوحنّا، هو إبنٌ سلالة كهنوتية، فهو كاهن. لم يختر هو أن يكون كاهناً، بل الله اختاره، وولادته "المعجزة"، علامةُ تكريسهِ المُطلّق لله. هو ممتلئٌ من الروح القُدس من بطنِ أمّه، فلن يكون كاهن طقوس وأزمنةٍ مخصصة، بل هو كاهنٌ في خدمة تدبير الله.. ويُعلّمنا القديس لوقا حقيقةَ أن كل كهنوت العهد القديم إنّمّا هو إعلان وإعداد لقدوم ربّنا يسوع المسيح المُخلص، فتوجيهات الأنبياء الأخلاقية وتعليم الكهنة ليس من أجل تنقية القلوب فحسب، بل، لتتهيأ لتكون حافظة "الزرع" الذي يبذره الزارع، كلمتهُ المُحيّة. 

جاء الله ليسكن بين البشر وينتظر جواب الإنسان الحُر، إلا أن الإنسان، وخلال قرون طويلة، وما زال، أظهر رفضهُ للحضور الإلهي، فدخل العالم في ظلمةِ الخطيئة وعنفها. مجيء الله هذا لن يكون مهيباً في شكلهِ، بل في مضمونهِ. لأنه اختارَ الحضور بيننا متواضعاً فتخلّى عن المدينة العظيمة، أورشليم، وعن الهيكل والسلالة الكهنوتية، ليحضر عند فتاة غير معروفة، تسكن مدينة صغيرة مجهولة، وحيّاها بعبارة: "إفرحي أيتها المُمتلئة نعمةً"، وسيُعلنها للرُعاة مرّة أخرى: "ها أنا اُبشرّكم بفرحٍ عظيمٍ". تحيّة تكشِف لنا عن جوهر رسالة الخلاص التي يُريد الله أن يجسّدها في حياة الإنسان: الفرح، فهو لم يأتِ ليدينَ الإنسان، بل ليُخلّصهُ. والخلاص يتحقق اذ يتجاوب الإنسان، بطاعتهُ، مع تدبير الله الخلاصي. فالله الذي خلقَ الإنسان حُراً، لن يُخلّصهُ إلا بإرادتهِ الحُرّة، فالإنسان الحُر والشجاع وحدهُ قادر أن يقوم بفعل الإيمان.

"لا تخافي يا مَريَم، فقد نِلتِ حُظوَةً عِندَ الله". اختارَ الله مريم، فصارت هي كُلياً له، مُكرَسة له، فهي تحمل كلمتهُ. الله فيها وهي في وسط هذا العالم، فأضحى بطن مريم "مركز الخليقة كلّها". هي الهيكل الجديد، وهي تعرِف ذلك، وتواصِل عبادتهُ بصمتٍ ومهابة متأملّة في كلمتهِ: "ما معنى هذا؟" الله لم يعد إلهاً بعيداً تناديه في الصلاه، بل أضحى إلهاً فيها تقبلهُ بتواضع وصمتٍ ومهابة وتأملٍ وتفكير.

اختبرَ الله طاعة مريم في العمق، لقد عرّضها "للتشهير" لأنها قد تُفضَح وتُطلَق وتتعرّض للرجم والعقاب، ومع ذلك، قَبِلَت مريم "فعل الله" هذا بطاعة تامّة: "ها أنذا أمةُ الرب فليكن لي حسبَ قولِكَ. طاعة أمنّا مريم لتدبير الله جعلت حضورهُ واقعاً على الأرض إذ سمحَت له بأن يتجسّد فيها، فما صارَ لنا كان بسبب قبولها. فهي تعرف أن الملاك الذي حيّاها لن يكون إلى جانبها دوماً، بل سيتركها لتتحمّل وحدها هذه المهمّة الخطيرة، وعليها أن تواجه خطيبها يوسُف، وتهبّ للعالم كلمة الله، ربّنا يسوع المسيح، الذي سيدعو الناس إلى الإهتداء، إلى تغيير مسار حياتهم، وهو ما لن يُسِّر الجميع. فقسوة قلب الإنسان تمنعهُ أن يتصالح مع نفسه ومع الله ومع الآخرين.

"نالت حظّوة لدى الله واختارها هيكلاً ومسكناً للعلي". وهذا أمر جعلَ أمنا مريم أكثر تواضعاً فرتلّت أمام نسيبتها إليصابات ممجدة عظمة عمل الله فيها، فهو المُخلَص. وفي اعترافها هذا تُعلِن باسم كل المُحتاجين والمظلومين والفقراء والمعذبين حاجتهم إلى الخلاص، لأنهم يشعرون بأنهم عاجزون ومحبوسون في عوزهم. مَن يعتقد متوهماً أنه قادرٌ ومُكتفٍ بذاتهِ، لا يشعُر بالحاجة إلى الخلاص، مثلنا نحن الذين صِرنا نتذكّر الله في مناسباتٍ متميّزة في حياتنا، ونتصرّف كما لو كُنّا قادرين على كلَّ شيءٍ، حتّى نتفاجأ بالحقيقة: نحن بحاجةٍ إلى مُخلِص. إعتراف مريم أمنا بأن الله هو "المخلص" يعني أننا لن نطلبُ الخلاص من بشرٍ. وإذا اختارَ الله احدى هذه الوسائل ليكون فيها معنا، فهي لا تُلغي أهمية الإيمان به والطاعة لتدبيرهِ.

"إسمهُ يشوع، المُخلّص"، الخلاصُ آتٍ إذاً، فالمسيح جاء ليُخلّص الشعب من خطاياهم. قدومه ليس ليُجدّد مملكة داود أو أن يُؤسس مملكةٍ سياسية أو قومية. ولم يأتِ ليهبَ الإنسانَ أن يعيش حُريتهُ مثلما يرغب، بل ليُنقذهُ من عبودية ذاتهِ ويُعيدهُ إليه: أنت بحاجةٍ إلى الله. فلطالما توهّم الإنسان بأنه ليس بحاجةٍ إلى الله مُصدقاً كذبّة المُجرّب لأمنا حواء: "فاللهُ عالِمٌ أَنَّكُما في يَومِ تأكُلانِ مِنه تَنفَتِحُ أَعيُنُكُما وتَصيرانِ كآلِهَةٍ تَعرِفانِ الخَيرَ والشَّرّ" (تك 3: 5). وأمام هذا المجيء الخلاصي لا يُمكننا أن نُخفي حقيقة "خطيئتنا"، وحاجتنا إلى الخلاص، أن تعود الحياة إلى علاقتنا بالله فتستقيم لتنتظِمَ بعدها كلَّ العلاقات الأخرى في الحياة.  

فلنُصلِ اليوم، ليُباركنا ربّنا بحضورِه فينا ومعنا، ويسند خُطانا لنكون على مثال أمنا مريم، الإناء النقي الذي اختاره الله ليحلّ بيننا، ويُقوينا ليكون جوابنا شجاعاً على دعوتهِ، وهذا ممكن. فالعذراء مريم، أختنا وأمنا قالت "نعم"، وهذا يعني اننا قادرون على أن نقول مثلها: "نعم لحضورِك يا رب، وتاريخ الكنيسة يشهد لقديسين إستجابوا لهذه الدعوة فأضحوا مناراتٍ على الطريق، وقوّة تسند خُطانا نحن جميعاً. 

عيد العذراء مريم المحبول بها بلا دنسٍ أصلي

"صنعَ بي العظائم َالقُدوس اسمهُ"

 

أعلن البابا بيوس التاسع في 8 كانون الأول 1854 "أَن الطوباوية مريم العذراء حُفظت معصومة من دنس الخطيئة الأصلية منذ اللحظة الأولى من الحبل بها، وذلك بامتياز ونعمةٍ خاصة من الله القدير بالنظر إلى إستحقاقات يسوع المسيح فادي الجنس البشري"، وهو يعني: "أنها كانت أولَ مَن نالَت نعمةَ الفداء التي صارت لنا بيسوع المسيح"، فأعادَ لها بهاء الصورة التي فيها خُلِقَ الإنسان، والتي فقدها بالخطيئة، خطيئة أبينا آدم حواء.  

لم تقصد الكنيسة أن تقول: إن أمنا مريم حُبِلَ بها من الروح القُدس مثلما حبلت هي بربّنا يسوع المسيح، ولم تُعلم يوماً أن أمنا مريم لم تكن بحاجةٍ إلى الخلاص، فهي نفسها أنشدت: "تُعظمُ نفسي الرب وتبتهجُ روحي بالله مُخلّصي"، فهي كانت تشعر بحاجتها إلى الخلاص. فالحبل بلا دنسٍ أصلي يُعظمُ عمل الله الخلاصي مثلما قالت مريم أمنا: "صنعَ بيَّ العظائمَ القدُوس إسمهُ"، فكانت الشاهدة الأولى للفداء الذي صارَ لنا بيسوع المسيح. 

الحبل بلا دنسٍ أصلي يعني أنها صارت مكرسةً لله بشكلٍ مُطلّق، ولم يقترِب منها المُجرّب، لأن الله "ملأها بالنعمة" وحيّاها الملاك: "يا ممتلئة نعمةً" أي: "المُكونّة بالنعمةِ"، فقدّمت نفسها وحياتها خادمة لتدبير الله الخلاصي: "ها أنا أمةُ الربِّ فليكنُ لي كقولِكَ". عطاءُ الذات جعلها "تدخل" إلى تدبير الله الخلاصي بفعل طاعة الإيمان، دون أن يسلبها حُريتها، بل أقدَمَت على طاعة الإيمان لأنها كانت حُرّة، وحفِظَت نفسها إناءً طاهراً لإبنها يسوع المسيح. الله هو الذي بادَرَ وقدس أمنا مريم، مثلما طَهر إرميا وهو في بطن أمه: ”قبلما صورتك في البطن عرفتك وقبلما خرجت من الرّحم قدّستك…” (إر1: 5)، وملأ يوحنا المعمذان من الروح القُدس: "لأنَّه يكون عظيمًا أمام الرّبِّ وخمرًا ومُسكرًا لا يشرب. ومن بطن أمه يمتلىء من الرّوح القدّس." (لو1: 15) بعضهم يقول: "ما دامت ممتلئة نعمةً، ولأن الله اختارها وصانها منذ الحبل بها، فهي ستتغلّب على التجارب بالعون الذي صارَ لها منهُ. ولكنّ القديس لوقا يُشير قائلاً: "وَانصرَفَ الـمَلاكُ مِن عِندِها" في إشارة واضحة إلى أن الملاك لم يُرافقها دوماً ليحميها من التجارب، بل كان عليها أن تواصِل الإصغاء والتأمل في كلمة الله وحفظها: "وكانَت أُمُّه تَحفُظُ تِلكَ الأُمورَ كُلَّها في قَلبِها" (لو 2: 51).

هذه النعمة لم تكن لمَريم أمنا فحسب، بل هي للإنسانية جمعاء، ففي طاعتها فسحت المجال رحباً ليدخل الله تاريخنا الإنساني ويجعل سُكناه بيننا من دون أن يُعيقهُ شيءٌ. في أمنا مريم إنتصرت إرادةُ الله، وفيها أعلَن الله الغلبةَ لأنه آمنَ أن في الإنسان شوقاً إليه لا يبغي المُكافأة أو المُجازاة بل يُحبهُ حُباً طاهراً من دون دنسٍ. فنجحَت أمنا مريم فيما فشلِت فيه أمنا حواء، فكلاهما خُلقا من دون دنسٍ، حواء صارت سبب خطيئتنا بتكبّرها، ومريم سبب حياتنا بتواضعها على حدّ تعبير مار أفرام.

في الإنسان خوفٌ من الله إذ يعتبرهُ الحاكم الديّان القاسي الذي يُريد معاقبتهُ بسبب خطاياهُ. في الإنسان خوفٌ من أن يُزيحهُ الله مُصدقاً كلام المُجرّب لأبينا آدم وحواء: "مَوتًا لا تَموتان، فاللهُ عالِمٌ أَنَّكُما في يَومِ تأكُلانِ مِنه تَنفَتِحُ أَعيُنُكُما وتَصيرانِ كآلِهَةٍ تَعرِفانِ الخَيرَ والشَّرّ" (تك 3: 4- 5). في الإنسان رغبةٌ في أن يكون السيّد والمُتسلّط على حياتهِ فلا يُزعجهُ صوت الله الذي يدعوه إليه. وجميعُنا مُنجذبون إلى "عبادة اصنامٍ كثيرة" أولها إرضاءُ الذات وتمجيدُها، هذه هي الخطيئة الأولى "أن نُكرِم آلهةً أخرى غير الله"، فنبتعِد عنهُ متوهمينَ أنه سببُ تعاستنا. فالخطيئة الأصلية تعبير عن "رغبتنا في أن نكون آلهة من دون الله". أمنا مريم اختبرَت كل هذه المشاعِر الإنسانية، وتألمت بسبب دعوتها وحزَّ في نفسها سيفُ الألم: "وأَنتِ سيَنفُذُ سَيفٌ في نَفْسِكِ لِتَنكَشِفَ الأَفكارُ عَن قُلوبٍ كثيرة" (لو 2: 35)، ولكنها لم تفقد رجاءها بالله، بل واصلت مسيرة الإيمان ورافقت إبنها يسوع لا في أوقات مجده، بل في ساعات الرفض والموت على الصليب، وساندت الكنيسة الأولى بالصلاةِ، وكشفَت في حياتها عن مفاعيل الخلاص الذي صارَ لنا بيسوع المسيح. 

عيد اليوم يُذكرِنا "بالأصل" الطاهِر لجنسنا الذي تشّوه بالخطيئة، إذ مال الإنسان ليُنصّبَ نفسه "إلهاً" ورغباتهِ صنماً يُعبَد. عيدٌ يسنُد خُطاناً ويجعلنا نواصِل مسيرة الإيمان واثقينَ من أن الغلبة ستكون لتدبير الله فينا، إن تجاوبنا بإنفتاح لُحلِم الله هو الذي دعانا لنكون قديسين (روم 1: 7)، مثلما فعلت أمنا مريم، وسارَ على خُطاها قديسون جعلهم الله لنا مناراتٍ على الطريق. عيد اليوم ينزِعُ عنّا الخوف من الفشَل الذي يُجرّبنا مراراً كثيرة أمام الخطيئة التي تأسُرنا. خوفٌ يُبقينا حزانى على ضُعفِنا الذي يجعلنا نعود إلى الخطيئة ظانينَ أننا أضعف من أن ننتصِر. بادَرَ الله في حياة مريم وتجاوَبت مريم معه. لم يدعُها لصُنعِ المُعجزات، بل إلى الإيمان بأنه قادرٌ على أن يصنعَ العظائِم فيها ومن خلالها، فآمنت ومضّت مُجدّة إلى الجبل، إلى جبِل الله لتسمَع تهنئة الروح القُدس: "مُبارَكَةٌ أَنتِ في النِّساء! وَمُبارَكَةٌ ثَمَرَةُ بَطنِكِ! مِن أَينَ لي أَن تَأتِيَني أُمُّ رَبِّي" (لو 1: 42). عيدُ اليوم يُعلّمنا أن محبّة الله هي التي أبدعَت الإنسان وهي التي تُخلّصهُ، وهو ينتظر مَن يؤِمن بهذه المحبّة وأن نسعى لنكون بلا عيبٍ في المحبة (أفسس 1: 4). مريم، بنتُ جنسنا الإنساني وضعت حياتها تحت تصرّف الله، فنالت القداسة والخلاص، وملأها الله بالنعمةِ، وهي تدعونا اليوم قائلة: "سلمّوا حياتكم بيد الله ولا تخافوا، فهو معكم: عمانوئيل". 

الأحد الأول من البشارة

"ومن الآن تكون صامتاً" (لو 1: 1- 25)

نبدأ اليوم سنة طقسية جديدة وفيها ترافقنا أمنا الكنيسة من خلال مقاسمة كلمة الله والافخارستيا في تنشئتنا الروحية نسمح فيها ومن خلالها لربّنا يسوع بأن يتغلغل في تفاصيل حياتنا بدءاً من الإحتفال بالافخارستيا يوم الأحد. فيوم الأحد هو عيد القيامة الأسبوعي. لقد بدأ المسيحيون بالاحتفال بعيد القيامة السنوي في آواخر القرن الميلادي الثاني، وبدأت الكنيسة تحتفل ببقية الأعياد حول عيد القيامة إحياءً لأحداث حياة يسوع مع ذكرى الشهداء والقديسين وأمنا مريم العذراء، وهي (إي الكنيسة) تتطلّع لأن نُمحوّر حياتنا حول "حياة ربّنا يسوع"، الطريق الحق إلى الحياة الأبدية، إلى الله. 

تبدأ مسيرتنا الإيمانية مع زكريا وإليصابات اللذين يُمثلان في شخصهما كل انتظارات العهد القديم، في إيمان مصلٍّ يرجو تدخل الله الحاسم بعد نفاذ كل السُبل الإنسانية. فبعد قرون من الإنتظار هوذا الوعد بدأ يتحقق، الله نفسه يتدخّل ليُعيد الإنسان إليه. فالتجسّد الإلهي ليس سراً لنتأمل فيها وعقيدة نُعلّمها، بل هو طريق الله إلينا ونداء ينتظر الإستجابة منّا. إلهنا الذي يعرِف أن الإنسان يسعى لإبعادهِ عن الأرض وعن حياتهِ، ويتوهّم أنه قادرٌ على العيش دون الله، حتّى وصلَ الإنسان إلى حالةٍ من الجفاف واليبوسة عبّر عنها الإنجيل اليوم بقولهِ: "ولم يكن لهما ولدٌ لأن إليصابات كانت عاقراً وكانا كلاهما قد طعنا في أَيامِهما". لقد صلّى طويلاً من أجل أن يكون له ولدٌ، ولكنه يبدو أنه لم يكن مُستعداً لأن يقبل عطية الله التي تأتي استجابة لصلاتهِ. كان يعتقد أن قبول طفلٍ هو مُعجزة، ونأسف جميعاً أننا لم نعد نرى هذا الحدث في حياتنا. ولادة كل طفلٍ تأكيد على "ثقة" الله بالإنسان، وتجديد للرجاء في الإنسانية.  

إلهنا لم ينسَ وعدهُ ولم يتخلَ عن شعبه، فبُشرى اليوم أُعطيَت لزكريا الكاهن وزوجته وهي من بنات هارون في الوقت الذي كان فيه يُقدِّم البخور في الهيكل، ليقول لنا الإنجيلي لوقا: إن المسيحية وُلِدت من رحم اليهودية، وسيواصل لوقا الإنجيلي رواية "البُشرى السارة"، والتي صارَ لها شاهد عيان في القسم الثاني من كتابهِ: "أعمال الرُسل" فيُعلِن أن وعدّ الله تحقق بيسوع المسيح والكنيسة شاهدةٌ على ذلك. ومثلما صارَ تحقيق الوعد في الهيكل، سيواصِل الرُسل الأوائل، الكنيسة الأولى، الصلاة في الهيكل، حتّى ينالوا الرُوح القُدس في العُلية ومنها ينطلقونَ إلى العالم أجمع. 

تدخّل الله الحاسِم في تاريخ الإنسان يفتقر إلى جواب الإنسان، طاعة الإيمان. فيوحنا، نبيُّ الله، سيسلُك على نحو مُميّز في حياتهِ: "لن يشربَ خمراً ولا مُسكراً ويمتلئ من روح القُدس وهو في بطنِ أمّه ويُعيد كثيرين من بني إسرائيل إلى الربّ إلههم، وهو يمضي أمامهُ بروحِ إيليا النبي وقوّتهِ". فإذا أردنا أن يتدخّل الله في حياتنا وأن نستقبلهُ في بيوتنا علينا أن نتهيأ لقدومهِ وأن نسلُك حسبَ مرضاتهِ، وأول خطوةٍ نتخذها هي أن نترك المكان الذي نحن فيه لنتحوّل إلى حيث ينتظرنا الله. أن نُغادِر الأمكنة التي تجعلنا مشغولين ومنشغلين عن الله فنصل إلى المكان الذي نجد فيه الله: قلوبنا. لذلك، أمرَ ملاكُ الربّ زكريا بأن يبقى صامتاً، فالصمتُ يُساعدنا لسماع صوتِ الله والإصغاء إلى حضورهِ، لأن الله لن يحضر حيث الصخب، ولن يُحاوِر مَن يتكلّم وينشغِل بأفكاره وهمومه وتطلعّاتهِ: "فقالَ الرَّبّ: "اخرُجْ وقِفْ على الجَبَلَ أمامَ الرَّبّ". فإِذا الرَّبُّ عابِرٌ وريحٌ عَظيمةٌ وشَديدةٌ تُصَدِّغ الجِبالَ وتُحَطِّمُ الصُّخورَ أمامَ الرَّبّ. ولَم يَكُنِ الرَّبُّ في الرِّيح. وبَعدَ الرِّيحَ زِلْزالٌ، ولم يَكُنَ الرَّبُّ في الزِّلْزال. وبَعدَ الزِّلْزالِ نار، ولم يَكنِ الرَّب في النار. وبَعدَ النَّارِ صَوِت نَسيمٍ لَطيف. فلَمَّا سَمِعَ إِيليَّا، سَترَ وَجهَه بِرِدائِه وخَرَجَ ووَقَفَ بِمَدخَلِ المَغارة. فإِذا بِصَوتٍ إِلَيه يَقول: "ما بالُكَ ههُنا يا إِيليَّا؟" (1 مل 19: 11- 13). 

عالمنا صاخبٌ بكل أحداثهِ، ومزعجٌ بأحاديثهِ فأبعدَ الله، ولأن الله محبّة، وهو الذي أوصى بأن نُحِبَ أعداءَنا، فهو يُكمِل ما يُوصي به فيُحبُ الإنسان الذي أبعدهُ عن حياتهِ وظنهُ منافساً له مُصدقاً كذبة المُجرّب لأبينا آدم: " فقالتِ الحيَةُ لِلمَرأَة: "مَوتًا لا تَموتان، فاللهُ عالِمٌ أَنَّكُما في يَومِ تأكُلانِ مِنه تَنفَتِحُ أَعيُنُكُما وتَصيرانِ كآلِهَةٍ تَعرِفانِ الخَيرَ والشَّرّ". (تك 3: 4-5). نحن بحاجة إلى الصمت اليوم لتكون الصلاة ممكنة، ويكون الحوار حقيقياً، فكيفَ لنا أن نُصغي إلى الآخر وننتبه إلى حضوره إن لم نتوقّف عن الكلام ونصمُت؟ ومن أجل إصغاء حقيقي لا يكفي صمت الفم، بل صمتُ القلب أيضاً. هناك من يتوقف عن الكلام  ويبدو صامتاً، ولكنهُ ليس منتبهاً إلى حضور الآخر بل يظل منشغلاً بافكارهِ، وهذا ليس بحوار إنساني مُطلقاً ولربّما يُسيء الظنُ فيه ويُعاديهِ حاقداً. نحن بحاجة إلى صمتِ القلب، وفي حياتنا مع الله ومع القريب، يبدأ الصمتُ في القلب، فقد قال الرب: "ما يَخرُجُ مِنَ الإِنسان هو الَّذي يُنَجِّسُ الإِنسان، لأَنَّهُ مِن باطِنِ النَّاس، مِن قُلوبِهم، تَنبَعِثُ المَقاصِدُ السَّيِّئةُ والفُحشُ وَالسَّرِقَةُ والقَتْلُ والزِّنى والطَّمَعُ والخُبثُ والمَكْرُ والفُجورُ والحَسَدُ والشَّتْمُ والكِبرِياءُ والغَباوة (مر 7: 22-22). جَميعُ هذِه المُنكَراتِ تَخرُجُ مِن باطِنِ الإِنسانِ فتُنَجِّسُه". فهذا الصمت هو الأصعب، التخلي عن رغباتنا وما نُريده وما نتصوّره عن الآخرين، عن الله. هذا الصمت يعني الحضور كلّيا لله وللآخرين، وسيهبُ لنا الله حضوره المُحِب والحنون: يوحنّا، ويجعل الله من حياتنا "نعمة" في حياة الآخرين.

الأحد الرابع من تقديس البيعة

الكنيسة: كنيسة أخوة، وكنيسة خدمة (متى 22: 41- 23- 22 )

 

سألَ ربّنا يسوع الكتبة والفريسيون: ما قولكم في المسيح؟ إبن مَن هو؟ قالوا إبن داود! فقال لهم" كيف كيف يدعوه داود نفسهُ ربّاً ؟... كيف يُمكن أن يكونَ إبنه؟ ويُصلي إليه كربٍ؟ فسكتوا مُحرجين ...لأن المسيح ليس إبنَ داود فحسب، بل هو الذي سيحكم على بيت داود كله بل يفتح أبوابَ ملكوتِ الله امام الأمم ليدخلوا ملكوته، لأنه مُخلّصُ العالم بأسره. لم يكن سؤالهُ لإحراجهم مثلما كانوا يفعلون، بل سألهم لتكون لهم الفرصة ليتعلّموا ويقرأوا الكتبَ ويتأملوا فيها لتكون لهم هدايةً فيصلوا إلى الله، فهذه هي "الغاية" من قراءة الكُتب المقدسة والتأمل فيها، وغاية كل تعليم في الكنيسة: أن يصلَ بالمؤمِن، بكل إنسان، إلى الله. 

ومن أجل أن يكون لتعليم الكنيسة مصداقية، يجب أن يكون أصيلاً أي أن يتحول من تعليم إلى شهادة فيتناغم أسلوب حياة مؤمنيها مع ما يُعلّموهُ ويعظوه به، وإلا فسيكون أبنائها مُصابون بمرض خطير هو: الرياء. والذي يُحذرنا منه ربنا يسوع اليوم. الرياء هو أخطر مرضٍ يُمكن أن يُصيب مسيرة الكنيسة وأبنائها. الرياء مرضٌ ينفخ صاحبهُ، ويجعلهُ يتعالى ويتشامخ باطلاً على الآخرين، ويدفعهُ إلى إقتراف خطايا النميمةِ والإفتراء والحسد والغضبوالعداوة، وينزع عن حياته الفرح والسخاء والشهامة مثلما أشار قداسة البابا فرنسيس في أحدى عظاته، بل الأسوأ في ذلك هو: خداعهُ لذاته ِفيتوهم أنه أهمُ شخصيةٍ في العالم، فينسى خدمةَ القريب وتمجيدَ الله. خطورة مرض الرياء تكمنُ في قدرته على أن يجعل من هذا الغش والكذب اسلوبَ حياة لاسيما وأنه يُحقق للمرائي "حاجة الإعجاب" التي يبحث عنها، فينال تصفيقَ الناس وإستحسانهم، إلا أنه يُبعده عن حقيقةِ ذاتهِ ولن يكون له علاقة صحيحة مع الناس ومع الله. لذا، فتحذيراتُ ربّنا يسوع اليوم جاءت شديدة اللهجة بتعابيرها وصورها، وربنا يعرِف أن المُجرب محتالٌ وله القدرة على خداعنا.

ربّنا يُريدنا اليوم أن نكون صادقينَ معه ومع الآخرين: فكم من مرّة نقول كلاماً جميلاً عن فلان في حين أن قلبنا مليءٌ بالغضبِ أو الحقدِ عليه؟ كم من مرّة نمدح فلان بكلام حَسَن في حضوره أو حضور أصدقائه، ونلعنهُ في الخفاء؟ كم من مرّة نتظاهر بالتقوى والنقاء، وقلوبنا مليئة بأفكار دنسةٍ عن هذا أو ذاك، وملوثةٍ بالبغضاء والمرارة؟ لذا، جاء تعليم ربّنا يسوع اليوم وتعليم الرُسل لنتأمل حياتنا بصدقٍ فتسلَم قلوبنا من مرض الرياء: " "طَهِّرُوا نُفُوسَكُمْ فِي طَاعَةِ الْحَقِّ بِالرُّوحِ لِلْمَحَبَّةِ الأَخَوِيَّةِ الْعَدِيمَةِ الرِّيَاءِ، أَحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ بِشِدَّةٍ" ( 1 بط 1: 22). 

ولكن ما شكلُ كنيسة ربّنا يسوع التي تُصلي لتتقدَس؟ 

هي أولاً كنيسة متواضعة تبحث عن الفقراء والمُهَمَشين لا عن المناصب والكراسي الأولى. كنيسة تشتغل وتعمل لتُعين الناس في حياتهم وتُرافقهم في صعوباتهم، وتكون أول مَن يُعطي الشهادة للنعمة التي باركنا بها الله. إلهنا يُريدنا كنيسة تُحِب وتخدم. ربّنا يفرح عندما يرانا نحملُ أثقالَ الناس وهمومهم بمحبّة، ونُوسّخ أيدينا لنُخفف أتعابَ الناس، ونُجهِد أجسادنا من أجل راحة العالم. سهلٌ أن ندينَ العالم، ونحكم على اعماله، ولكن الأصعب هو أن نلتزم بتغيير العالم وتطويره، ابتداءً من أنفسنا. لأن ذلك يتطلّب قلباً مُحباً، قلباً مُضيافاً، فرحاً بالخدمة التي يُقدّمها، ويكون سبب فرحِ الضيفِ أيضاً، لأننا مدعون لنكون كنيسة الفرح: أفرحوا أمام الرب يقول المُزمّر (مز 68: 4). 

​ربنا يُريد أن تكون كنيستهُ كنيسة نزيهةٌ في خدمتها وتشعٌ فرحاً وهي تخدُم، فلو فقدت الفرح والنزاهةُ لصارت خدمتها واجباتٍ وليست مسؤوليات تلتزِم بها بلقب ملؤه الفرح والحب. ربّنا لا يُريدنا مسيحيين حزانى، بل كنيسة قدّسها الرب لتخدم العالم بفرح. أن تكون خدمتنا حجراً يرصّف طريقَ مسيرتهم الإيمانية، لا حجراً على أكتافهم. كنيسة تعظُ بما تفعل، وتشهدُ بأفعالها لا بكلماتها. كنيسة خدمات لا كنيسة إمتيازات ومناصب، كنيسة تُريد أن توجّه أنظار العالم كله واهتمامه نحو ربّنا يسوع ونحو الإنسان الضعيف والمحتاج وليس نحوها أو نحو إنجازاتها.  

فإذا كُنا نُصلي ونطلب قداسة الكنيسة، فكنيسة ربّنا يسوع كنيسة تتقدّس بمقدار إلتصاقها بيسوع الخادِم المُحِب والرحوم فتعيشَ على مثاله خادمة ومُحبة وصادقة. قداسة الكنيسة مرتبطُ بالله الذي يُنعِمُ علينا بالقداسة، نحن الخطأة ويُواصِل عملهُ "المُقدِس" على الرغم من خطايانا. الله ينتصِر دوماً على عدم أمانتنا لأنه مُحبةٌ أمينةٌ تُلاقي الإنسان، لاسيما الضال، وتبحثُ عنهُ. نعمةُ الله تُبقي الكنيسة مُقدسِة، وتُشعلُ القلوب بالمحبة المجانية، فالعالَم كلّه بحاجة إلى المحبة والرحمة والغفران، بحاجة إلى ربّنا يسوع ليُشفى من أمراضه وخطاياه.

الأحد الثالث من تقديس البيعة

الكنيسة: مكان لقاء الله بالإنسان (يو 2: 12- 22 )

كعادة كل سنّة صعدَّ ربّنا يسوع إلى هيكل أورشليم ليُقدّم صلاة شكرٍ لله على نعمة الاختيار والتحرر من عبودية مصرَ، فوجدَ الهيكل في فوضى عارمة، فلم يعد مكان صلاةٍ، بل هرجٌ وصراخ وباعة وصيارفة وتجارة. غضِب ربّنا وقامَ بطردِ الباعةِ من الهيكلِ، وأشارَ في ذلك إلى سلطانِ خاصٍ: "لي سُلطان على الهيكلِ لأنيّ أنا ربُّ الهيكلِ" وأثارَ كلُّ هذا غضبَ اليهود، فطالبوه بأيةٍ يُظهِر فيها سُلطانهُ، فأجابَ: "إهدموا هذا الهيكلِ وأنا أبنيهِ في ثلاثةِ أيامٍ"، وشرحَ يوحنا الإنجيلي هذا قائلاً: "وكان يسوعُ يعني بالهيكلِ جَسدَه". هيكل جسده الذي قدّمه محبة للعالم من خلال فعل الطاعة التام لله وإهتمام أبوي بفقراء الله ولمسة شافية للمرضى وتحرر لمَن حبسهُ الشيطان في الخطايا وقُربٌّ من كل إنسان. رعاية لكل مَن يريد لقاء الله ليكون هو الطريق الحق للحياة مع الله.

إلهنا يريد أن يكون كلُّ مؤمِن حجارة حيّة في بيناء جسد المسيح، ويحزِن لمواقف المتفرّج أو الناقد الكسلان أو "مَن في قلبهِ خبثٌ فتراه يتفنن في "التشهير بالكنيسة" ليُبيّن للناس أنه "المُصلِح الثوري"، ويدعي أن ربّنا يسوع هو مثلهُ الأعلى، متناسياً أن ربنا لم يطرد الباعة فحسب، بل قدّم حياتهُ هو ليكون هيكل الله الجديد. كثيرون ينتقدون الكنيسة ويجعلون من أنفسهم "أنبياء عصرهم" متبجحينَ: "نحن على مثالِ ربّنا يسوع المسيح، غيرتنا على بيت الله تجعلنا نحمل السوطَ ونقلبُ الموائد ونطرد الباعة"، ولكنّهم ينسونَ الجزء الثاني والأهم من قصّة تطهير الهيكل: "إهدموا هذا الهيكل، وأنا أبنيهُ في ثلاثةِ أيامٍ"! وكيف بناهُ؟ أحبَّ وبشّرَ برحمةِ الله، ووقفَ إلى جانبِ المساكين، وصدقَ في حياتهِ، وإلتزَمَ طريق القداسة وكلّفهُ ذلك المهانةَ والصليبَ والموتَ ليشهدَ لمحبّة الله المجانية لنا. فلا يكفي أن نفضح أخطاء الكنيسة، بل الأهم أن نعمَل لتكون الكنيسة، ونحن حجارتها، دوما مكان لقاء الله بالإنسان. أنبياء الله لم يكونوا "فاضحين" بل متعلقين بالله ومُستعدين لعمل كل ما يحفظ حقوق الله حتّى لو كلّفهم ذلك حياتهم. 

يقول لنا القديس متّى أن ربّنا، بعد أن طردَ الباعةَ من الهيكل، شفى كثيراً من المرضى في الهيكل، لأنه حضور الله المحُب. ربّنا طردَ الباعة من الهيكل وألغى الذبائح التي كانت تُقدم فيه، وقدّم نفسه بدلاً عنها، فأعطى مصداقية "لسلوكه ِالنبوي"، وصارت محبتهُ التي ستُكلفه حياتَهُ عطية لله كاملة، وبذلك بنى هيكلاً لا من الحجارة، بل من المحبة التي تُحيي،الآخر وهذه المحبة لا ترضى بالغش، وترفض المراءة، ولا يُمكن أن تُصنّف الناس إلى أغنياء وفقراء، أصلاء أو غرباء، يهود أو وثنيينن مثلما كانت العادة في الهيكل. فمثل هذه التصنيفات تناقض عدالة الله ومحبته وتخالف قداسة الهيكل، وسوف تسبب دماره، والله لن يحمي هيكلاً فاسداً. فالمحبة والخدمة الطيبة الشافية هي سمات الهيكل  الجديد الذي لن تقوى عليه أبوابُ الجحيم. 

الهيكل الجديد هو "هيكل جسدهِ" حيث لقاء الله بالإنسان صارَ ممكناً، فالكنيسة تتقدّس بمقدار ارتباطها بربنا يسوع المسيح. وبإمكانيتها في جعل هذا اللقاء مُباركاً. هذا يعني أننا لن نستطيع الوصول إلى الله ما لم نتّحد به، فالعلاقة معه أضحت ضروريةً للقاء الله. وكلما إمتلأت الكنيسة من المسيح اختبرتَ نعمة القداسة، والقديس هو مَن سمحَ للمسيح يسوع "أن يملءَ حياتهُ"، والمسيحية ليست مُشترعاتٍ أو قوانين بل علاقةٌ وثيقةٌ بربنا يسوع المسيح، الذي يُريد ان يُغيّر حياتنا فيجعلها على مثالهِ: "مسكنَ الله العلي"، وهكذا يتحقق سرّ التجسد، أي إتحاد الله بالإنسان بيسوع المسيح. ففي الكنيسة، ومن خلال الافخارستيا يتحقق هذا الإتحاد، لأن الافخارستيا هي "إتحاد" ربّنا يسوع المسيح بنا، وهذا الإتحاد يتطلّب الحضور، فنحضر أمامهُ شعباًواحداً، ونتصافح علامة للمودة والسلام الذي يربطنا معاً، ويدعونا لنكون الافخارستيا التي نحتفل بها، وهذا هو الهيكل الجديد الذي اراد يسوع ان يبنيه (يُقيمه). 

عندما دخلَ ربّنا يسوع هيكل أبيه وجدَ فيه الكثير من العبادات لإلهةٍ كثيرة إلا التعبّد الحق لله، وهناك مَن يتعمدون إبعاد الناس عن الله بإشغالهم الناس بالطقوس والذبائح، أو بنظرياتهم وأفكارهم عن التدّين، لذا، يعلو صوت ربّنا ربنا يسوع في الهيكل: أنا سأبني هيكل الله. وهو يسألنا اليوم: تُرى أيُّ إلهِ تعبُد؟ وما هي الأصوات العالية التي تحاوِل إسكاتَ صوت الله في قلبِك؟ نحن نأتي للصلاة ومعنا مخاوفنا وهمومنا وطموحاتنا وأحلامنا وهي أشبه بتلك الخراق والبقر والثيران وموائد الصيارفة في هيكل أورشليم، فهذه أيضاً تمنعنا من أن نُقدِم التعبّد الصحيح لله ويضحى اللقاء به مُستحيلاً. في حياتنا أمور كثيرة صارت أكثر أهمية من الله، وإلهنا لم يعد في المركز، بل صارَ ثانوياً.

اليوم نحن بحاجة إلى تدخّل ربّنا يسوع الحاسِم ليُطهرَ قلوبنا وتعبّدنا من كل الوثنية التي تعلّقت فيه، ويُنقي "غيرتنا: لتكون له وليس لإسمنا. حياتنا بحاجة إلى مثلِ هذا التطهير لتكون هياكلَ نقيّة لله وأمكنة صلاة. هناك العشراتُ من الباعة والصيارفة الذين يحاولون أن ينسلوا إلى هياكل الله المُقدسة: "أجسادنا"، "ألا تعرفون أن أجسادكم هي هيكلُ الروح القُدس الذي فيكم هِبةً مِنَ الله؟ فما أنتم لأنفسكم، بل لله. هو إشتراكم ودفعَ الثمنَ. فمجدوا الله إذاً في أجسادكم" (1 كور 6: 19- 20).  

نُصلي اليوم من أجل كل مَن يجعلَ من كنيسة الله مكانَ صلاة إلى الله، وفرصةَ لقاء حقيقي معهُ.

الأحد الثاني من تقديس البيعة

أما قرأتم ... اُريدُ رحمةً لا ذبيحة (متى 21: 1-21)

"أُريدُ رحمةً لا ذبيحةً" هذه هي البُشرى السارة لإلهنا وملكنا، فهو لم يأتِ ليدين الإنسان بل ليُخلّصه بالرحمةِ. الكتاب المُقدس كله، وتاريخ مسيرة الله معنا يرتكز على هذه البشارة: يُريد الربُّ الرحمة قبل الذبيحة، وما الذبيحة إلا صلاة شُكرٍ للرحمة التي نلناها من لدنه والتي اكتملَت بتجسدّ ربّنا يسوع المسيح. 

غاية الشريعة لم تكن مُعاقبة الإنسان وسجنهِ في مُشترعاتٍ وقوانين ومحرماتٍ، بل التقرّبُ المتواضعِ الشاكِر من الله الآب والذي يُريد أن يقفَ الإنسان طاهر القلب واليدين أمامهُ، من دون أن يُهمِلَ أي جانب حياتي مهما كان تفصيلهُ. وكلُّ مَن يقترِب من الله سيزداد محبة ورحمةً، وسيفرح بعمل الرحمة، فعمل الخير والصلاح كشفٌ صادق لصلاح ِالله الذي أعطانا الشريعة لتقديسنا. 

الإنسان يبحث عن الكمال، ولكنه يسعى، على مثال الفريسيين، في صلبِ الآخرين وقتلهم باسم المُشترعات الدينية، في حين أن إلهنا يبحث عن القلوب النقيّة التي تقبله بالشكرِ والإمتنان، وترغبَ في معرفته أكثرَ فأكثر، فتُصلي أمامه بتواضعٍ لا من أجل إفتخار باطل، بل لتكون هذه الصلاة جمرة تُنقي القلب من كل خُبثٍ ومن كل ما لا يليقُ بجماعة اختارها الله وقدّسها لتكونَ نوراً للعالم، وملحاً للأرض. فمن دون هذا الموقف سنكون مثل هؤلاء الفريسيين الذين انتقدوا تلاميذ ربّنا يسوع بدافع ريائهم وتديّنهم الكاذب، وكانوا يبحثون عن حجةٍ للخلاص منه، هو الذي جاء لينشرَ رحمةِ الله خيراً على الإنسان. 

لذا يضع ربّنا اليوم معياراً هاماً لصدقِ العلاقة مع الله: "كلّما إزددنا رحمةً تجاه اخوتنا وأخواتنا، وفرّنا المجال  لنعمة إلهنا لتعملَ فينا". كلّما تقدمنا خطوة نحو أخينا الإنسان في حاجته وألمه، قدّمنا الله نحوه خطوتين. فالمؤمن الحقيقي هو كل إنسان يعرف نقائصه ويُقرُ بها، ويقف أمام الله طالباً الرحمة، ويمدُ يده متضامناً مع القريب بمحبّةٍ وحنانٍ وإصغاء ليقول له: إلهي أنعمَ عليَّ بالرحمة، فأسمح لي بأن أُشارككَ بما أعطاني الله من نعمٍ وبركاتٍ. إسمح لي أن أكون لكَ أخاً، وعندها ستولدُ كنيسة يسوع المسيح، كنيسة الرحمة، فيها مؤمنونَ اختبروا الرحمة ويعرفوا أن يرحموا الآخرين فيقبلوهم بصدقٍ من دون خداع أو كذبٍ أو إفتراء. كنيسة أناسٍ يُحبّون الخير ويتفانون في عمله، وفي عمل الخير يعملون إرادة الله ومشيئتهِ، ويحتفلون بيوم الرب، يومَ حضوره الرحوم بأفعال الخير التي يعملونها. كنيسة مؤمنةٌ حقاً بربنّا يسوع المسيح، وإيمانها يتجسّد في المحبة الصادقة التي تعيشها فالإيمان من دونِ محبةٍ إنّما هو إيمانُ الشيطان، وإيمان بمحبةٍ هو إيمان تلميذِ يسوع المسيح، لأنه إيمان سيُكلّفهُ الصليب.  

ربّنا يعرف أننا مجرّبون بأن نبحث عن كنيسة أو جماعة كاملة. إلهنا يعرف ان فينا جميعاً من النزعة الفريسيّة التي تدفعنا إلى اتخاذ مواقف ناقدة تجاه الآخرين. ربّنا يعرف أننا أحيانا نبتعد عن الكنيسة بحجة اننا لا نجد فيها أناساً صادقين، أو أنهم يحضرون الكنيسة ولكنهم لا يحملون الكنيسة إلى العالم. ربّنا يعرف هذا كله، ومع ذلك يرغب في تنقيتنا وتقديسنا وتطهيرنا، نحنُ كنيستهُ، ويُقدّسنا جماعةً له فيقول: أُريدُ رحمةً لا ذبيحة. 

يُقدسنا ربّنا اليوم كنيسة له في العالم، ويُرسلنا لنمدَّ يدَ الخير والرحمة لمَن هم حولنا، عارفين أن المجرّب أحاطَ بنا ليجعلنا نتذكّر أنفسنا وننسى الآخرين. ويقدّم لنا الربُّ كل يومٍ فرصاً لعملِ الخير، فلنُصلِ ليفتح روح الله عيوننا لنرى كم من مُحتاجٍ ينتظر منّا إلتفاتة مُحبةٍ، وكم من متألمٍ يتوق الى كلمة تعزيةٍ تشفي جراحه وتُسليّه في محنتهِ. يومُ الربِّ هو يومِ الخير، اليوم الذي نتقرّب إلى حياة الناس فيتقدسوا بطيبةِ الله الذي في قلوبنا، فنكون نحن الهيكلَ المُقدس الذي يلتقي فيه الله فقراءه ومساكين َشعبهِ. 

إيماننا يتجسّد في المحبة الصادقة التي نعيشها في حياتنا، لأننا تعلّمنا أن إيماناً من دونِ محبةٍ إنّما هو إيمانُ الشيطان، وإيمان بمحبةٍ هو إيمان تلميذِ يسوع المسيح، لأنه إيمان سيُكلّفهُ الصليب. عملُ الخير سيُكلّفنا الكثير وسيجعلنا نُحارب أنانيّتنا ورغبتنا في تأمين ِراحتنا. عمل الخير هو حملُ الصليب خلف ربّنا يسوع الخير العظيم الذي صارَ لنا، ومواصلة الطريق بأمانةٍ مهما كانت التضحيات. وهكذا سنشعُ للناس نوراً بما نحملهُ من قيمٍ وفضائل ثبّتها فينا ربّنا يسوع المسيح، فالمسيح هو إنسانُ الخير دوماً، إنسانٌ على قلبِ الله الخير الأسمى. 

إلهنا يدعونا لنجعل من كنيسته، ومن حياتنا، فرصة ليحتفل العالم بحضور الربِّ معهم. عمل الخير، تقديس يومِ الأحد خلال إيقاد شمعة في البيت، عمل رحمة مميّز، حضور القُداس مع الجماعة، قراءة الكتاب المُقدس، خطوة غفران مميزة تجاه مَن إبتعدوا عنّا، مُصالحة وسلامٌ مع الذين أغضبونا ... كلّها أعمالٌ تجعل من يومِ الأحد يوم الرحمةِ، وهكذا نُكمِلَ مشيئة الله. هي دعوة لنا جميعاً، نحن الذين اختبرنا محبّته ورحمتهُ أن نُبشَّر بهذه المحبة من خلال أعمال الرحمة في حياتنا، فيرى الناس أعمالنا الصالحة ويُمجدوا أبانا الذي في السموات.

التطويبة السادسة

طوبى لأَطهارِ القُلوب فإِنَّهم يُشاهِدونَ الله

القلب في الكتاب المُقدس

يُشير الكتاب المقدس إلى أن القلب هو مركز كيان الإنسان العميق الذي يحوي كل مشاعره وعواطفه وأفكارهِ. هو عمقُ النفس العاطفي وهو يُملي على الإدراك والإرادة ما ينبغي ان يسلكاهُ. فيه نُقرر ما نُريده لحياتنا، ومنه تصدر أحكامنا وقراراتنا. القلب هو عينُ الإنسان الداخلية وذاتهُ الحقيقية ومنبعُ كلامه وسلوكياتهِ: "وأَمَّا الَّذي يَخرُجُ مِنَ الفَم، فإِنَّهُ يَنْبَعِثُ مِنَ القَلْب، وهو الَّذي يُنَجِّسُ الإِنسان. َمِنَ القَلْبِ تَنْبَعِثُ المقَاصِدُ السَّيِّئَة والقَتْلُ والزِّنى والفُحْشُ والسَّرِقَةُ وشَهادةُ الزُّورِ والشَّتائم" (متّى 15: 18- 19).

وفي الفكر الكتابي تُشير عبارة "نقيُّ القلب" إلى الإنسان الذي اقترن كل إيمانه بالله ويعيش حياة الطاعة له بقلب متحّد به لا إنفصامَ فيه (غير منقسِم)، فيُريد ما يشاءُ الله فحسب. قلب ليس فيه أفكارٌ سيّئة أو خبيثة، ليضحى مكان لقاء الله من خلال الصوم والصلاة والصدقة (6: 1- 18)، وليعكس حياة الوحدة بين ما يُفكِر به الإنسان وبين سلوكياتهِ الخارجية، فلا رياء في تعبّده لله ولا إزدواجية في علاقاتهِ مع الآخرين. فتكون النقاوة الداخلية (نقاوة القلب) هي أصلُ النقاوة الخارجية (نقاوة اليدين)، ومثل هذا الإنسان يعرِف الله حقا، يراهُ، لأن رؤية الله تعني معرفتهُ: أَمَّا أَنا فبِالبِرِّ أُشاهِدُ وَجهَكَ وعِندَ اليَقظَةِ أَشبعُ مِن صورَتكَ" (مز 17: 15)، وهي أعظم تطويبة ينالها الإنسان: أن يُعاينَ وجه ألله.

خطورة الرياء

شجبَ ربّنا يسوع خطيئة الرياء لدى الإنسان بشدّة. فالإنسان المرائي يُظهِر للناس فضائل لا يمتلكها ويُقدّم صورة كاذبة عن تقواه وفضائلهِ، بل ويتمادى في استغلال اسم الله بحثاً عن مجدٍ شخصي، ويجعل من الله وسيلة لينال المديح؛ لأن إهتمامهُ ينصبُ على نفسه وعلى جذب انتباه الآخرين، وهو مُدمنٌ على ذلِك. تراه يهتمُ بالمظاهر الخارجية أكثر من اهتمامهِ بالقلب وما يحمله من أفكار ونيّات ومشاعر؛ لأنه يبحث عن استحسان الناس ورضاهم ونيل إعجابهم أكثر من اهتمامه بما يُريده الله منه، والله ينظر إلى القلب (1 صم 16: 7). المرائي –بذلِكَ- يكشِف عن حالة من عدم الإيمان، إذ لا يحب الله ولا يُحبُ القريب، فالقريب مقبول لديهِ بقدرِ ما يُبدي إعجابهُ بشخصه هو، ولنا أن نسمعَ ربّنا يسوع يُعنّف الكتبة والفريسيين قائلاً:

"الوَيلُ لَكم أَيُّها الكَتَبةُ والفِرِّيسيُّونَ المُراؤون، فإِنَّكم تُطَهِّرونَ ظاهِرَ الكَأسِ والصَّحْن، وداخِلُهما مُمتَلِئٌ مِن حَصيلَةِ النَّهْبِ والطَّمَع. أَيُّها الفِرِّيسيُّ الأَعمى، طَهِّر أَوَّلاً داخِلَ الكَأس، لِيَصيرَ الظَّاهِرُ أَيضاً طاهراً. الوَيلُ لَكم أَيُّها الكَتَبَةُ والفِرِّيسيُّونَ المُراؤون، فإِنَّكم أَشبَهُ بِالقُبورِ المُكَلَّسَة، يَبدو ظاهِرُها جَميلاً، وأَمَّا داخِلُها فمُمتَلِئٌ من عِظامِ المَوتى وكُلِّ نَجاسَة. 28وكَذَلِك أَنتُم، تَبدونَ في ظاهِرِكُم لِلنَّاسِ أَبراراً، وأَمَّا باطِنُكُم فَمُمتَلِئٌ رِياءً وإِثماً" (متّى 23: 25- 28).

  مَن يُصلي بإيمانٍ: "قَلبًا طاهِرًا اْخلُقْ فيَّ يا الله ورُوحًا ثابِتًا جَدِّد في باطِني (مز 51: 10)"، سيعمل إذاً على مقاومة تجربة الرياء في حياتهِ ويسعى ليكونَ نزيهاً أمام الله وأمام الآخرين، ليرغَبَ قلبهُ في أمرٍ واحد: "مشيئةِ الله"، "لتكُن مشيئتُك"، ويتعبّد له بكل قلبهِ وفكره وذهنه وقوتّه، ولا يوجَد إلهٌ آخر (تعلّقٌ) يُمكن أن يكون له مكانٌ في قلبه: "ما مِن أَحَدٍ يَستَطيعُ أَن يَعمَلَ لِسَيِّدَيْن، لأَنَّه إِمَّا أَن يُبغِضَ أَحَدَهُما ويُحِبَّ الآخَر، وإِمَّا أَن يَلزَمَ أَحَدَهُما ويَزدَرِيَ الآخَر. لا تَستَطيعونَ أَن تَعمَلوا لِلّهِ ولِلمال" (متّى 6: 24).

طهارة القلب والفكر والشفاه

   تعوّد الناس في حديثهم عن الطهارة بالتركيز على موضوع: "السيطرة على الذات" التي تعني سعي الإنسان ليُسيطرَ على أفكارهِ وأحكامه وقراراته ومواقفه فلا ينقاد لمشاعره بل يتفحصّها ويفعل ما هو صحيح وما هو متوافق مع العقل، لاسيما فيما يتعلّق بقضايا الغرائز الجنسية. وهذا ما يؤمِن به الجميع. ولكن ما جديد المسيحية في ذلِك؟

  جديد المسيحية هو أن الطهارة ليست محددة بفعل السيطرة على الذات، فهذا يجعل الإنسان من ذاتهِ هدفاً. الطهارة هدفها المسيح يسوع، إذ أنها تعبيرٌ عن "عطاء الذات التام للمسيح يسوع"، فالحياة هي للمسيح: "الحياة عندي هي المسيح" (فل 1: 21)، "لستُ أنا الحي، بل المسيح يحيّا فيَّ" (غلا 2: 20). المسيح هو الذي يُسيطر على حياة الإنسان: عقلهُ وفكره ومشاعرهُ وعواطفهُ، المهم أن تُسيطر أنت يا إنسان على غرائزكَ، بل الأهم أن يسيطر المسيح عليك؛ ليُواصِل عمله الخلاصي من خلالِك، فنحن جسدُ المسيح: "أَوَ ما تَعلَمونَ أَنَّ أَجسادَكُم هي هَيكَلُ الرُّوحِ القُدُس، وهو فيكُم قد نِلتُمُوه مِنَ الله، وأَنَّكُم لَستُم لأَنفُسِكُم؟ فقَدِ اشتُريتم وأُدِّيَ الثَّمَن. فمجِّدوا اللهَ إِذًا بِأَجسادِكم" (1 كور 6: 19- 20). هنا يواجهنا بولس بالبعد المسيحاني والروحي (عمل الروح القُدس) والإرسالي للطهارة. 

  هذا المفهوم المسيحاني للطهارة يتسامّى بها من "ضيق" الطهارة الجسدية والمرتكزة على السيطرة على الغرائز الجنسية، ليشملَ طهارة القلب والفكر من الأفكار الرديئة والغضب والحقد والحسد والغش، وكذلك طهارة العين والشفتين من الكلمات البذيئة، فينكشِف جمال الطهارة في نزاهة الشخص وصدقهِ فيحيا حياة المسيح: "لِنَسِرْ سيرةً كَريمةً كما نَسيرُ في وَضَحِ النَّهار. لا قَصْفٌ ولا سُكْر، ولا فاحِشَةٌ ولا فُجور، ولا خِصامٌ ولا حَسَد. بلِ البَسوا الرَّبَّ يسوعَ المسيح، ولا تُشغَلوا بِالجَسَدِ لِقَضاءِ شَهَواتِه" (روم 13: 13- 14). فلا يُمكن الصلاة إلى الله بشفاه طاهرة وقلبٍ دنسٍ مليء بالعداوة والخصامِ. الإنسان(بكلِّيّته) مدعوٌ إلى أن يكون طاهراً أمام الله ويتقدّس بحضورهِ فيرى العالم بعيون الله، ويختبر حضوره في حياتهِ.

طوبى لأَطهارِ القُلوب فإِنَّهم يُشاهِدونَ الله

طاهر القلب: إنسان يسعى لأن يعيش واقعاً ما يُصلِّيهِ: "ليتقدّس إسمكَ، ليأتِ ملكوتُكَ لتكُن مشيئتُك"، فيعمَل كل شيء ٍمن أجل أن يتقدَس اسمُ الله ويأتي ملكوته وتتحقق مشيئتهُ على الأرض. لا يبحث عن مديحٍ بشري أو إرضاء هذا أو ذاك من الناس، بل يُريد أن يُرضي الله الذي يُصلي له: "أبانا". ليس مُهتماً بما سيقولهُ الناس عنهُ وكيف سيرونهُ، بل الأهم عنده هو: كيف يراهُ الله. يستغل مواهبهُ وإمكانياتهِ من أجل مجد الله وخير البشر لا من أجل نيل استحسان الناس وكسبِ رضاهم. فهو يُريد ما يُريدهُ الله؛ لأنه مُلكُ الله وحسب: "يا أَبتِ، إِن أَمكَنَ الأَمْرُ، فَلتَبتَعِدْ عَنِّي هذهِ الكَأس، ولكن لا كما أَنا أَشاء، بَل كما أَنتَ تَشاء" (متّى 26: 39)، وبذلِك يسمح لله بأن يكون إلهاً يُحبهُ من كل قلبه وكل نفسه وكل ذهنهِ (متّى 22: 37). هو يُصلي مع المزمّر: "عَلِّمْني يا رَبُّ طرقكَ فأَسيرَ في حَقِّكَ. وَحِّدْ قَلْبي فأَخافَ اْسمَكَ. أَيُّها السّيدُ إِلهي بِكلَ قلبي أحمَدُك وللأَبدِ أُمَجدُ اْسمَك" (مز 86: 11- 12) ليجمع شتات محبة قلبه المنقسِم في تعلّقات كثيرة، ويتمركز حُبه في مخافة الله. وهكذا سينالَ نعمة مُشاهدة الله. فـ "غايَةُ هذِه الوَصيَّةِ هي المَحبَّةُ الصَّادِرةُ عن قَلْبٍ طاهِرٍ وضَميرٍ سليمٍ وإيمانٍ لا رِياءَ فيه" (1 تيمو 1: 5).

طاهرُ القلب: جعلَ كنزهُ في الله فصارَ قلبهُ يرنو إلى الله والى القريب. ينسى نفسه؛ لأنه يُحب الآخر (الله والقريب)، ويخسرها من أجل ما يُحبهُ. ليس مدمناً على الطعام أو الشراب أو الملبس أو المتعة، بل مؤمنٌ بتدبير الله الآب: "لا يُهِمَّكُم لِلْعَيشِ ما تَأكُلون ولا لِلجَسَدِ ما تَلبَسون. أَلَيْسَتِ الحَياةُ أَعْظَمَ مِنَ الطَّعام، والجَسدُ أَعظَمَ مِنَ اللِّباس؟ ... فلا تَهْتَمُّوا فَتقولوا: ماذا نَأكُل؟ أوماذا نَشرَب؟ أو ماذا نَلبَس؟ فهذا كُلُّه يَسْعى إِلَيه الوَثَنِيُّون، وأَبوكُمُ السَّماويُّ يَعلَمُ أَنَّكم تَحْتاجونَ إِلى هذا كُلِّه. فَاطلُبوا أَوَّلاً مَلَكوتَه وبِرَّه تُزادوا هذا كُلَّه. لا يُهِمَّكُم أمرُ الغَد، فالغَدُ يَهتَمُّ بِنَفْسِه. ولِكُلِّ يَومٍ مِنَ العَناءِ ما يَكْفِيه" (متّى 6: 25- 33). ولأن قلبهُ صارَ مُلكَ الله، سيرى الآخر والعالم بعيون الله، عيونٍ تُبارِك كل شيءٍ وتستحسِنُه من دون أن تسعى لاستغلالهِ من أجل تحقيق رغبات شخصية. يُحبِ مثلما يُحب الله، و"المَحبَّةُ تَصبِر، المَحبَّةُ تَخدُم، ولا تَحسُدُ ولا تَتَباهى ولا تَنتَفِخُ مِنَ الكِبْرِياء، ولا تَفعَلُ ما لَيسَ بِشَريف ولا تَسْعى إِلى مَنفَعَتِها، ولا تَحنَقُ ولا تُبالي بِالسُّوء، ولا تَفرَحُ بِالظُّلْم، بل تَفرَحُ بِالحَقّ. وهي تَعذِرُ كُلَّ شيَء وتُصَدِّقُ كُلَّ شَيء وتَرْجو كُلَّ شيَء وتَتَحمَّلُ كُلَّ شيَء. المَحبَّةُ لا تَسقُطُ أَبَدًا" (1كور 13، 4- 8).

طاهر القلب: إنسان مُؤمنٌ بالله الذي قَبِلهُ إبناً، برحمتهِ على الرغم من خطاياه، فلن يدين الآخرين؛ لأنه يعرِف أن الخشبة التي في عينيه ستمنعهُ من رؤية القذى في عين أخيهِ (متّى 7: 5)؛ ولأن الله يُؤمِن بالخير الذي في الإنسان أكثر من الشّر الذي يقترفهُ، لذلِك، يمتلِك صاحبُ القلب الطاهِر نظرة إيجابية عن الآخرين بعيدة عن السذاجةِ؛ لأن أفكاره ونيّاته نقيّة، يرى فيهم الخير والصلاح ويُفسّر إيجاباً سلوكياتهم ومواقفهم ويسعى لأن يتفهم أخطاءهم من دون أن يتنكّر لها: "أَينَ هُم، أَيَّتُها المَرأَة؟ أَلَم يَحكُمْ عَليكِ أحَد؟" فقالت: "لا، يا ربّ". فقالَ لها يسوع: "وأَنا لا أَحكُمُ علَيكِ. إِذهَبي ولا تَعودي بَعدَ الآنَ إِلى الخَطيئة". إنسانٌ يعرِف أن قلبهُ قد طهرّه الله وجددهُ: "قَلبًا طاهِرًا اْخلُقْ فيَّ يا الله ورُوحًا ثابِتًا جَدِّد في باطِني" (مز 51: 12)، وعليه أن يشهدَ لهذا التجدد في شهادة حياتهِ التي تتقبّل الخطأة مثله، وتسعى لأن يُسلّموا إلى الله حياتهم ليُطهرها ويُجددها بروحه مثلما فعل معه، فيكون شاهداً للرحمة الإلهية.

طاهر القلب: إنسانٌ نزيهُ وصريحٌ في نواياهُ، صادقٌ في أفكاره، شجاع في تعامله مع ذاتهِ وأمينٌ في علاقاتهِ مع الآخرين، فلا يُضمر لهم مكراً أو خُبثاً، لا يظنُّ السوء بهم ولا يمدح زيفاً أو يفتري كذباً. شجاعتهُ عقلانية لا تدفعه إلى التهور، بل يزنُ الأمور ويتعامل معها بحكمةٍ ويقظة، يقظةٌ تبدأ بمراقبةِ نيّاته ومشاعره وأفكاره ودوافعهِ قبل أن يُراقبِ حياة الاخرين (فحص الضمير)، فيُتابِع عن كثب "تحركات الداخل" بموازاة سلوكياتهِ الخارجية، مراقبة تجعله أكثر انفتاحاً على الروح القُدس وأكثر نُضجاً إنسانياً. هو مؤمنُ بأنه لو احتفظَ بغضبٍ أو ضغينةٍ على أحد فإنه لن يحظى بإصغاء الربّ له: "لو كُنتُ رأيتُ إِثمًا في قَلْبي لَما اْستَمعَ السَّيِّدُ لي" (مز 66: 18)؛ لذا، عليه أن يتخلّى كلياً عن هذه الضغينة ليكون القلبُ كلّه لله. يعيش العدالة والرحمة بمحبّة، مُدركاً أنه عليه أن يُمارس التوبة على نحو شخصي ومتواصل؛ لئلا يُجرَب فيفسَد قلبهُ ويُصبح مرائياً. من هنا، جاء تركيز آباء الصحراء في القرن الرابع على صلاة القلب، وهي صلاة تُصلّى مع حركة تنفس الإنسان، ليحصل على نقاوة القلب من خلال إحياء القلب بالصلاة إلى الله مثلما يحيا الإنسان بالتنفس.

طاهُر القلب: إنسان قلبهُ موجهٌ نحو الخير والصلاح فلا يضمرُ الشّر للقريب ولا يُريد الإساءة إليه، ليس فيه عنفٌ وغضبٌ تجاه الآخرين. إرادتهُ الطيّبة تجعله يُبادِر بالخير نحوهم، وهو على مثال الله سخيّ في العطاء، وبالمجّان. طهارة قلبهِ تجعلهُ نقيَّ العيون وطاهر اليدين ومتحرراً من المقاصد السيئة والرغبات النجسةِ وسيُترجِم نقاوة القلب هذه من خلال نقاوة اليدين وعفّة القكرِ، فيكون عفيفاً في قلبه ففكره ثمّ في جسدهِ، مؤَهَلاً ليقِف أمام الله نقي الكَفَّين وفيّاً لوعوده، غير حلاّفٍ بالخداع (مز 24: 3-5). هو الذي يقول عنه المزمّر:

"السَّالِكُ طَريقَ الكَمالِ وفاعِلُ البِرِّ والمُتَكَلِّمُ مِن قَلْبِه بِالحَقِّ. مَن بِلِسانِه لا يَغْتاب وبِصاحِبِه لا يَصْنعُ شَرًّا وبِقَريبِه لا يُنزِلُ عارًا. الرَّذيلُ حَقيرٌ في نَظَرِه ومَن يَتَّقونَ الرَّبَّ يُكرِمُهم وإِن أَقسَمَ، مُضِرًّا بِنَفْسِه، لم يُخلِفْ. لا يُقرِضُ بالرِّبى فِضتَه ولا يَقبَلُ على البَريءَ الرَّشوَة. فمَن عَمِلَ بِذلكَ لا يَتَزَعزَعُ لِلأبَد. (مز 15).

طاهر القلب: إنسانٌ يؤمنِ أن العين هي سراجٌ الجسد (متّى 5: 22)، لذا، يسعى أن يحفَظ نفسه مُحرراً من نظرة الخوف من ماضيِه، ومن نظرة القلق على مُستقبلهِ. لا يملك نظرة الجشع والبحث عن المتعة وتجنّب الألم. لا يرى العالم والاخرين من خلال بعين المثاليات التي تجعله يترفَّع متكبراً على الذات وعلى الآخرين. عينه ليست عين غضبٍ بل مُباركة. قلبٌ يُخطئ ولكنه لا يحتفِظ بالخطيئة فيه، بل يعمل على الخلاص منها سريعاً بالتوبة إلى الله والصلاة إليه؛ ليخلُقَ فيه قلباً نقياً، لا خوفاً منه بل محبةً له؛ لأنه عارفٌ أنه جرحَ قلبَ الله بالخطيئة، وأهانهُ عندما احتفِظ بالخطيئة في حياتهِ وسعى لإخفائها (خطيئة داود مع بتشابع).

طاهرُ القلب: يعمل على حِفظِ نفسه من الفساد فلا يُجالِس أهل الباطل والشر ولا يسير مع المرائين بحثاً عن متعةٍ عابرة أو المشاركة في مكيدة شريرة، يُغذي قلبهُ بخير الكلام، يُغني المُخيلة بحُسن المُشاهدَة، يُقويّ يديه بأعمال الخير والإحسان، يُدّرب أذنيه على سماعَ عبارات الشُكر والحمد فيُبارِك الله على نعمة الحياة ونعمة الإنسان القريب ويُحدِّث بعظائم الله في حياتهِ وحياة القريب، فنجاح القريب لا يُثير في نفسه الحسد والغضب، بل يجعله يُبارِك الله شاكراً. فالمرائي يغضَب عندما يرى أن الناس ليسوا بالتقوى التي يعمَل على إظهارها، لأنه "إنسانٌ مُتدينّ" وليس "إنساناً مؤمناً"؛ لأن الإيمان بالله الآب المُحب والرحيم يجعل الإنسان يُحِبُ الآخرين لاسيما الخطأة، أما المتدين فهو مدمنٌ على "الإعجاب بالأنا"، فيثور غضباً ويدين الناس من دون رحمةٍ؛ لأنه إنسانٌ متكبّرٌ وغير مؤمن.

يسوع المسيح: نقيُّ القلب

نُصلي دوماً إلى إلهنا وملكنا: "أَطلعِ عَلينا نورَ وَجهِك، يا ربّ" (مز 4: 7)، فوجهك يا ربُّ ألتمس (مز 27: 8). واستجاب إلهنا لصلاتنا فأخذ بيسوع المسيح وجهًا بشريًّا، صار بيننا ومعنا: "عمانوئيل"، الذي عاشَ محبة الله وقُربه منّا؛ ليُرينا وجه الله المُحِب، فمن رأه رأى الآب.

أحبَّ ربّنا يسوع الله من كل القلب وكل الفكر وكلَ الذهن، وأحبَّ القريب بالمحبّة ذاتها التي أحبَّ بها الله. لم يجازي الشر بالشر، بل غلبَ الشر بالخير، بالغفران. آمن بالله وأحبَّ أن يُتمم مشيئتهُ دوماً، قدّم حياتهُ ليكون في خدمة مشروع الله: ملكوتهِ. لم يكن يطلُب مجده الشخصي بل تمجيد الله الآب (يو 8: 50). كانَ نَبِيّاً مُقتَدِراً على العَمَلِ والقولِ عِندَ اللهِ والشَّعبِ كُلِّه (لو 24: 19)، يكرِزُ بالبشارة ويعمَل بها. لم يُحابي أحداً، بل نطق بالحقيقة دوما؛ لأنه كان هو الحقّ: "يا مُعَلِّم، نَحنُ نَعلَمُ أَنَّكَ صادِقٌ لا تُبالي بِأَحد، لأَنَّكَ لا تُراعي مَقامَ النَّاس، بل تُعَلِّمُ سبيلَ اللهِ بِالحَقّ" (مر 12: 14). لم يستغل إنساناً لمصلحتهِ، بل انحنى يخدُمهم وهو المعلّم والسيّد. لم يُخطىء، ولكنه جعل نفسه خطيئة من أجل الإنسان، فأطاعَ حتّى الموت، موت الصليب. لَقَدِ امتُحِنَ في كُلِّ شَيءٍ مِثْلَنا ما عَدا الخَطِيئَة (عبر 4: 15). عاش مُحباً وشاكراً الله على كل ما وهبهُ له: "أَحمَدُكَ يا أَبَتِ، رَبَّ السَّمَواتِ والأَرض" (متّى 11: 25).

إنصبَّ اهتمام الكتبة والفريسيين على الطهارة الخارجية، فركزوا على أهمية أن يُبعدِ الإنسان نفسه عن كل ما يجعلهُ نجساً (أماكن وأشياء وأطعمة وحيوانات وأُناس) ومن ثَمَّ غير مؤهلٍ لأن يدخُل هيكلَ الله ويقفَ أمام حضرتهِ، فصنّفوا الناس إلى مجموعتين: طاهرة ونجسة. واجه ربّنا يسوع هذه العقلية ببشراه السارة وكان أميناً لهذه البُشرى التي أعلنها وكرّس حياتهُ كلها لملكوت الله الذي يضمُ الجميع، لاسيما الخطأة والمُهَمَّشين، فتناول الطعام مع الخاطئين ولمسَ البُرص وخالط الوثنيين وفضحَ رياء الكتبة والفريسيين مُعلماً الجميع أن النجاسة تبدأ من القلب:

"ودعا الجَمعَ ثانِيةً وقالَ لَهم: "أَصغوا إِليَّ كُلُّكُم وافهَموا: ما مِن شَيءٍ خارجٍ عنِ الإِنسان إِذا دخَلَ الإِنسانَ يُنَجِّسُه. ولكِن ما يَخرُجُ مِنَ الإِنسان هو الَّذي يُنَجِّسُ الإِنسان". ... ما يدخُلُ الإِنسانَ مِنَ الخارِج لا يُنَجِّسُه، لأَنَّهُ لا يَدخُلُ إِلى القَلْب، بل إِلى الجَوْف، ثُمَّ يَذهَبُ في الخَلاء. وفي قَولِه ذلك جَعَلَ الأَطعِمَةَ كُلَّها طاهِرة. وقال: "ما يَخرُجُ مِنَ الإِنسان هو الَّذي يُنَجِّسُ الإِنسان، لأَنَّهُ مِن باطِنِ النَّاس، مِن قُلوبِهم، تَنبَعِثُ المَقاصِدُ السَّيِّئةُ والفُحشُ وَالسَّرِقَةُ والقَتْلُ والزِّنى والطَّمَعُ والخُبثُ والمَكْرُ والفُجورُ والحَسَدُ والشَّتْمُ والكِبرِياءُ والغَباوة. جَميعُ هذِه المُنكَراتِ تَخرُجُ مِن باطِنِ الإِنسانِ فتُنَجِّسُه. (مر 7: 14- 23).  

أسئلة للتأمل الشخصي:

  1. هل تشعر بخيبة أمل (وغضب) عندما لا يقول لك مَن أحسنتَ إليه: شُكراً؟ هل تغضب لعدم تقدير مَن هم من حولِك لصلاحِك ولجهودِكَ؟ هل تتألم عندما ينال أحدهم مديحاً أو تكريماً وتشعر بأنّك أنت أحقُّ منه بهذا التكريم؟ هل تفرح بنجاح الآخرين، وتُبارِك الله على هذه النعمة، أم تنزعِج؛ لأن الله لم يُباركك مثلهُ؟ هل تغضبَ من عدم اهتمام الناس بالصلاة والصوم والصدقة؟ هل تنزعِج من ابتعادهم عن الكنيسة؟ ما الدافع لهذا الغضب؟ أَهُوَ محبةً بالله الذي ينساه الناس، أم غضباً؛ لأنهم ليسوا مثلما تُريد أن يكونوا؟
  2. يُصلي المزمِّر: "أَللَّهُمَّ اْسبِرْني واْعرِفْ قَلْبي، إِمتَحِنِّي واعرِفْ هُمومي واْنظُرْ هل مِن سَبيلِ سوءٍ فِيَّ؟ واْهْدِني سَبيلَ الأبد" (مز 139: 23- 24). ما أهمية ممارسة "فحص الضمير لك"؟ هل تتحدد بمراجعة السلوكيات الخاطئة التي اقترفتها؟ أيهُمّك في ذلك المحافظة على وصايا الله ووصايا الكنيسة؟ هل تراجع وتُقيّم مشاعرَك ونيّاتك والدوافع التي تقف وراء مواقفك وسلوكياتِك على نحو دوري؟ أيّهما أسهل لديك: مراقبة الناس أم مراقبةُ الذات؟ أتسعى لإيجاد مُبررات لسلوكياتِك أم تُقيّمها بأمانة أمام الله؟ هل تخافُ خبرة فحص الضمير؟
  3. ما الذي تفعله للسيطرة على الغضب الداخلي الذي فيك تجاه الأشخاص ومواقفهم؟ كيف تتعامل مع مشاعر الحسد التي تنتابُك إزاء نجاح أحدهم؟ هل فكرتَ يوماً بتسقيط هذا وذاك من الناس وفضحه أمام الملأ؟ هل شاركتَ في مثل هذه السلوكيات؟ هل تندمت عليها، أم تعدها موقفاً عادلاً يستحقهُ الآخر؟ ما الغضب(الخطيئة) الذي ما زلتَ محتفظاً به في قلبِك؟ هل طلبَ منّك الله التخلي عنه ومازلتَ غير قادرٍ على ذلِك؟
  4. سألَ ربّنا يسوع بطرس: "يا سِمْعانُ بنَ يونا، أَتُحِبُّني أَكثَرَ مِمَّا يُحِبُّني هؤلاء؟" ..."يا سِمْعانُ بنَ يونا، أَتُحِبُّني؟" ... "يا سِمْعانُ بنَ يونا، أَتُحِبُّني حُبّاً شديداً؟" (يو 20: 15- 17)، وهو يسألَك اليوم أيضاً: "أتُحبُني أكثر مما تعلّقَ قلبُك به؟ ما أهمية نظرة الآخرين الإيجابية عنّك؟ أتجتهِد لأن يتحدّث الناس عنّك بطيبِ الكلام، أم تسعى لعمل ما يُرضي الله أولاً وقبل كل شيءٍ؟ هل اتفقَ وأن خالفتَ ما يُمليه عليك ضميرُك من أجل إرضاء أحدهِم؟ هل قُمت بتزوير الحقائق بحثاً عن منفعة شخصية أو معنوية؟
  5. هل تُبالي بانتقادات الناس لكَ؟ ما مدى تأثيرها على حياتِك؟ متى كانت آخر مرّة انتقدَكَ الآخرون فيها؟ هل شعرَت بالاحباط، أم بالحُزِن والغضَب، أم لم تكترث أصلاً لانتقاداتهم؟ هل حاولت محاورتهم، أم سعيتَ لإصلاح ما هو مُعيبٌ في مواقفك؟
  6. أوصى الرسول بولس تلميذه طيموثاوس بأن يتجنّب الكلام الفارغ والمجادلات السخيفة التي تولّد المُشاجرات (2 تيمو 2: 14- 26) فهل حدث وأن كنتَ يوماً طرفاً في مثل هذه المجادلات؟ أَكنتَ محفزاً لها، أم مُشجعاً وموافقاً؟ هل عملتَ على الحدِّ منها، أم إنّك لم تُبالِ بما يُقال أو يُشاعَ عن هذا وذاك من الناس؟ أَتحفَظ عينيك من رؤية ما لا يليقُ بكرامةِ الآخر، وتُحارِب مثل هذه المشاهِد، أم ترى أن الأمر لا يعينك البتّة؟

نختُم لقاءنا هذا بصلاة للقديس أفرام عن القلب النقي:

اللَّهم اخلق لي قلباً نقياً، عفيفاً، طاهراً، بسيطاً، لا يفكر بالشر، ولا تأوى إليه الشهوات.

قلباً نقياً، لا يعرف الثلب ولا يغتاب قريبه.

قلباً نقياً، يملأه الحب دائماً، وفي كل حين يبتغي الأمان والسلام لكل إنسان.

قلباً نقياً، يحب الصوم والصلاة والسهر واذلال الجسد والعمل والتعب دائماً.

قلباً نقياً يبتغي التواضع ويلزم السكينة والبشاشة مع الجميع.

قلباً نقياً أكلته غيرة بيتك، ولا يقعد عن مناصبة مخالفي شريعتك.

قلباً نقياً يحب الصدقات ويوزعها ويشفق على ذوي الحاجة ويروي بني جلدته.

يا مُحب البشر ضع فيّ مثل هذا القلب واغرس مخافتك كالغرسة النامية.

يا رب هب لنا نقاوة القلب لنكون مؤمنين حقيقيين باسم الرب يسوع المسيح له المجد.

الأحد الأول من تقديس البيعة 

إيمان شخصي مُلتزم (متى 16: 13- 19)

نبدأ اليوم زمناً طقسياً يُكلل مسيرة الكنيسة مع سيّدها ربّنا يسوع المسيح، زمنُ تقديس البيعة، طالبينَ منه أن يُقدسنا جميعاً نحن كنيستهُ، هو الذي قال في صلاته: "وأنا اُقدّس ذاتي من أجلهم" (يو 17: 19). وأولُ حقيقةٍ يجب علينا أن نتذكرها هي أن ربّنا يسوع أرادنا كنيسةً تحملُ الله إلى العالمِ، مثلما جاء هو حاملاً الله إلى العالم. والله هو عطاءٌ سخيٌ، الله هو محبّة، فتكون الكنيسة، بسبب حضورِ الله المُحب فيها، جماعة أخوةٍ حقيقيين ومُتحابين في مسيرة الحياة والإيمانِ، ومتضامنينَ في الفرحِ والحزنِ، فالقديس لوقا وصفَ الكنيسة الأولى قائلاً: "وكانوا مواظبينَ على تعاليم ِالرُسل والشِركةِ في كسرِ الخُبزِ والصلواتِ، وكان جميعُ المؤمنينَ معاً وكان كلّ شيءٍ مُشتركاً بينهم ... ويُلازمونَ الهيكلَ كلَّ يومٍ بنفسٍ واحدةٍ ويكسرونَ الخُبزَ في البيوتِ ويتناولونَ الطعامَ بإبتهاجٍ ونقاوة قلبٍ ... وكان الربُّ كل يومٍ يضمُّ الذين يخلصونَ إلى الكنيسةِ (أع 2: 42). فالمحبة كانت تجمع الكنيسة وتربط أعضائها معاً وكانت الدافعَ لإنضمامِ آخرين إليها، وهذا لأنّ الجماعة شهِدتَ في ربّنا يسوع حضورَ الله، فتبعتهُ. فصلاتنا اليومَ يجب أن تكوَنَ من أجل أن تنتشرَ محبّة الله بيننا فنحاربَ وحوشَ الأنانية التي تُفرّقنا لنكونَ الملكوتَ الذي يُريدهُ الله على الأرض. 

سأل ربّنا يسوع تلاميذه: مَن تقول الناس إني إبنُ الإنسان؟ بمعنى آخر: كيف أثّرت كلماته وأفعالهُ فيهم؟ ويأتيه الجواب: أن الناس مُعجبةٌ بكَ يا ربٌّ، إنك نبيٌ عظيم، مُعلمٌ حكيم. وليس في ذلك ما هو جديد عن عالمنا اليوم أيضاً، فهذا ما يقوله غير المسيحيين حتى يومنا هذا عن شخصِ يسوع. ولكنَّ الربَّ لا ينتظر من رُسله أن يقولوا له أقوال الناس وآراءَهم، بل يُريد ان يسمع جوابهم (وجوابنا) الشخصي: "وأنتم مَن تقولون؟ فيأتيه جواب بطرس ليُعلنَ باسم التلاميذ وباسم الكنيسة: انت المسيح إبن الله الحي!

ولكن الفرق  بين جواب الناس وجواب الكنيسة؟ فربّنا يسوع علّمَ واتّخذ مواقف شُجاعة! 

أن يكون مُعلّما أو نبياً، فهذا يعني لكَ إما أن تختاره وتتبعه وإما ان تنبذ تعليمهِ. فأن يكون المسيح المُخلّص فهذا يعني أنك تعترفُ به ربّاً ومُخلّصاً، يعني أن تتبعهُ بإخلاص، واتباعه مُكلفٌ، اذ يتطلّب حملَ الصليب يومياً والسير في اثره وان نشهد أنه: الطريق الأوحد للوصولِ إلى الله، فهو المُخلّص. أن تعرفَ أن يسوع هو طريقُ الخلاص جيد، ولكنَّ الأفضل هو أن تتبع يسوع على هذا الطريق. وفي أول اسابيع تقديس البيعة، يُريد ربّنا أن يجعل من كنيسته، منّا جميعاً: معجزة التباعة. ربّنا يُقدس كنيسته، شعبه المُستعد ليحمل الصليبَ ويتبعهُ شاهداً لمحبّة الله في العالم. لأن الكنيسة لا يُمكن أن تكون كنيسة يسوع المسيح من دون هذا الجواب الشخصي والمُلتزِم بيسوع المسيح. 

ربنا ينتظر منّا أن نكون كنيسته المُقدَسة، وبالتالي أن نُقدّس العالم من حولنا، وهذا لن يتحقق ما لم نكن في صلة وثيقة معه شخصياً. قد نقوم بأعمال محبّة عظيمة، ولكنَّ لن تكون هذه أعمالاً مسيحية ما لم تتأصل في يسوع المسيح مُخلّصنا: أنت المسيحُ إبنُ الله الحي. يعني أن علينا أن نُبرهن في المواقف الصعبة، في الألم والضيق ان لنا جواباً مُحبّاً ليس كجوابِ العالم، فنكون مثل الذهب الذي يُصفَّى بالنار. ربّنا لن يبني كنيستهُ على إيمانِ أناسٍ مُعجبين بكلامه، ولن يبنيها على إيمانِ شعبٍ يكتفي بالتحدث عنه، بل على إيمانِ مَن هو ثابتُ فيه. ربّنا يبني كنيسته على كل مَن هو مُستعدٌ ليكون له شاهداً، والشاهدُ إنسانٌ عرِفَ الحقيقةَ وعاشها، وهو مُستعدٌ ليموت من أجل هذه الحقيقة.

ربنا يسوع لم يعد بالسعادة والراحة لمَن سيتبعهُ بل أكّد لبطرس، ولنا جميعاً، أن الكنيسة ستجابه مُضايقاتٍ خطيرة: "أبوابُ الجحيمِ". كل قوى الشر ستتحالف ضد الكنيسة، ولكن لن تهزم الكنيسة، ما دامت أمينةً لمُخلصها الذي افتداها بدمهِ وجعلها عروسةً له، وإن تخلّفت عن الوعد فهو معها ليشفيها من جروحها. تاريخنا الإنساني يروي المُضايقات والاضطهادات التي انهالت على الكنيسة عبر الاجيال، وكان أشدّها تلك التي تأتي من داخل الكنيسة، والتي سببت إنشقاقاتٍ وتحريمات. خبراتٌ مؤلمة ممن كرسوا أنفسهم لخدمة الكنيسة ورسالتها. ولعل اسوأ محنة تمر بها الكنيسة هي تلك المواقف السلبية التي بعض ابنائها بتشاؤمهم امام مسيرة الكنيسة اليوم، فيقولون يائسين: ان "الكنيسة تسير نحو الهاوية، ولا خير في الكنيسة، ولا نفع لها، هذه هي كلمات المُجّرب التي يفرح إذ يسمعها من افواه ابناء الكنيسة. فهو يُريد أن نرفعَ رايات الإستسلام متناسين أن الصليب كان وما يزال علامة لمصداقية حياة الكنيسة وصدق شهادتها، ورمزاً لانتصار ربّنا يسوع على قوى الشر والظلام. 

اليوم  يُسمعنا ربّنا يسوع نحن أيضاً السؤال: مَن تقولون أني هو؟ مَن انا بالنسبةِ اليكم؟ وجوابنا سيُحدد هويّةَ حياتنا واسلوبها. ربنا يُريد أن يبني كنيسته التي قدّسها بعطيّة حياته، ويُريد أن يُقدّس العالم كلّها، فينتظر منّا جواباً مُحبّاً. ربّنا يُريد أن نعرفهُ هو شخصياً، أن نكون مُستعدين لنُقدّمَ له بشهادة حياتنا مجالاً ليبني كنيسته مثلما يُريدها: "وأنتم شهودٌ لي". اليوم علينا أن نتبع، فليس أمامنا إلا أن نكونَ مسيحيين. وأن نكون مسيحيين يعني أن نثبُتَ أمينين على ما تلقيناه من نعمة، ولا نيأس أو نتراجع عندما نتعرض لصعوبة او لمحنة. فالذي دعانا هو قدّوسٌ، وعلى كنيسته  ان تكون مُقدسة: "كونوا قديسين مثلما أنا قدّوس"، وقداسة الله ظهرت بمحبّته لنا، وهي دعوة لنكون نحن صورته.

التطويبة الخامسة:

طوبى للرُّحماء فإنهم يُرحَمون

قدمّت لنا التطويبات الأربع الأولى صورة عن الإنسان الذي له علاقة صحيحة مع الله، مؤمناً بمحبتهِ الأبوية التي تعتني به وتُدبِّر له حياتهِ، وهو يمتلِك علاقة صحيحة مع الإنسان(القريب) الذي اختاره الله ليتقاسم معه الحياة. وأولُ خبرةٍ، عليه أن يتقاسمها معه، هي أن يُظهِر له صورة حيّة وصادقة عن محبّة الله الأبوية ورحمتِهِ التي قبلتهُ "محبوباً وألبستهُ ثوبَ البنوّة بفرحٍ" رُغمَ ضعفهِ وميوله الشريرة، فيكون رحيماً مع القريب ويُشفِق عليه ويُعامله بالإحسان، ويُحبهُ مجاناً، كما أَحبَّهُ الله مجاناً، فيُظهِر في شهادة حياته قبسا ًمن البهاء الإلهي.

فكلُّ مَن يتبعْ ربّنا يسوع، عليه أن يكون رحيماً وطاهر القلب ويبني السلام ويتوقّع أن يكون عُرضة للإضطهاد والرفض، وهو موضوع المجموعة الثانية من التطويبات، وسيتقدّم ربّنا يسوع الجميع ليكون أُنموذجاً للرحمة والطهارة والسلام، بل سيُرفَض ويُعذَّب ويُهان ويُضطهَد. وهكذا ستبنى الجماعة (الكنيسة) بممارسة الرحمة، وتحقيق العدالة الإلهية:

"وأَنتُمُ الَّذينَ اختارَهمُ اللهُ فقَدَّسَهم وأَحبَّهم، اِلبَسوا عَواطِفَ الحَنانِ واللُّطْفِ والتَّواضُع والوَداعةِ والصَّبْر. اِحتَمِلوا بَعضُكم بَعضًا، واصفَحوا بَعضُكم عن بَعضٍ إِذا كانَت لأَحَدٍ شَكْوى مِنَ الآخَر. فكما صَفَحَ عَنكُمُ الرَّبّ، اِصفَحوا أَنتُم أَيضًا، والبَسوا فَوقَ ذلِك كُلِّه ثَوبَ المَحبَّة فإنَّها رِباطُ الكَمال. ولْيَسُدْ قُلوبَكم سَلامُ المسيح، ذاكَ السَّلامُ الَّذي إِلَيه دُعيتُم لِتَصيروا جَسَدًا واحِدًا. وكُونوا شاكِرين. لِتَنزِلْ فِيكم كَلِمَةُ المسيحِ وافِرةً لِتُعلِّموا بَعضُكم بَعضًا وتَتبادَلوا النَّصيحةَ بِكُلِّ حِكمَة. رَتِّلوا للهِ مِن صَميمِ قُلوبِكم شاكِرين بِمَزاميرَ وتَسابيحَ وأَناشيدَ رُوحِيَّة. ومَهْما يَكُنْ لَكم مِن قَولٍ أَو فِعْل، فلْيَكُنْ بِاسمِ الرَّبِّ يسوع تَشكُرونَ بِه اللهَ الآب. (قولسي 12: 12- 17)

الرحمة في الكتاب المقدس

يستخدم الكتاب المُقدس لفظتين عبريتين للتعبير عن الرحمة. الأولى "راحاميم" وتُترجَم عادة بـعبارة "الرأفة" في العربية، وهي تُعبّر عن ارتباطٍ غريزي بين كائنين يتمركّز في بطن الأم "الرحم: ريحيم" كما وردت على سبيل المثال في الجدال الذي دار في ديوان الملك سليمان حول عائدية إبنٌ حيّ إلى إحدى المرأتين: "فكلَّمَتِ المَلِكَ المَرأَةُ الَّتي ابنُها الحَيّ؛ لأنّ أَحْشاءَها تَحرَكَت على ابنِها، وقالَت: "أًرجوكَ يا سَيِّدي. أَعْطوها الوَلَدَ حَيًّا ولا تَقتلوه". فقالَتِ الأُخرى: "بل لا يَكونُ لي ولا لَكِ. أُشطُروه". فأَجابَ المَلِكُ وقال: "أَعْطوا هذا الوَلَدَ الحيَّ ولا تَقْتُلوه؛ لأِنها هي أُمُّه". (1 ملوك 3: 26- 27). فـ"راحاميم" شعور كياني يُحرِّك الشخص تجاه الآخر حناناً. ويمكن ترجمتها بكلمة "أحشاء" إشارةً - على نحوٍ خاص- إلى الحشا الأبوي، فنفهم –على هذا النحو- محبة الله لشعبه محبةَ أمٍّ لابنها. هكذا يُقدِّمها لنا النبيُّ أشعيا: "أتنسى المرأة رضيعها فلا ترحم ابن بطنها؟ حتى ولو نسيت النساء فأنا لا أنساك" (أشعيا 49، 15). إن محبة من هذا النوع تعني إفساح مجالٍ للآخر ليأخذ مكانا ًفي داخلي، فأشعر وأتألّم وأفرح مع القريب: "تَذَكَّرَ عَهدَه لَهم وأَشفَقَ بحَسَبِ مَراحِمِه الوافِرَة" (مز 106: 45)، أو أغفر له الإهانة التي ألحقتها به: "وللسَّيِّدِ إِلهِنا الرَّحمَةُ والمَغفِرَة، لأِنَّنا تَمَرَّدْنا علَيه." (دانيال 9: 9).

أما التعبير العبري "حيسيد"، الذي يُترجَم عادة إلى العربية بالرحمة، فيُشير إلى "التقوى" أي العلاقة الروحية التي تربط كائنين معاً، والنابعة من الأمانة الشخصية تجاه العلاقة مع الآخر. وهي تُطبّق على الله وتُعبِّر عن أمانته التي لا تنكثُ بالعهد لشعبه، فهو يُحبُّه ويغفر له للأبد. فعلى الرغم من موقف الإنسان الخاطئ، والذي يستحق قصاصاً، يبقى حبُّ الله الآب، أميناً ويغفر على الدوام للإنسان التائب. فالرحمة تتضمّن المغفرة على الدوام، فهي- وعلى حدّ تعبير البابا فرنسيس- "ليست فكرة مجرّدة بل حقيقة ملموسة يُظهِر من خلالها (الله) محبته كأبٍ وأمٍّ يتأثران حتى الأحشاء من أجل ابنهما. ... تنبثق من الداخل كشعور عميق وطبيعي، مكوّن من الحنان والشفقة، التسامح والمغفرة".

فحين يكون التعبير الأول "راحاميم" فالمعنى هو: تحركٌ نحو الآخر، في حين يأتي التعبير الثاني "حيسيد" ليُشيرَ إلى تحركٍ نحو الذات. فالله، إذ يُقابِل الإنسان شريكهُ في العهد، يكون رحيماً "راحاميم" معه، وعندما يغفر له خطاياهُ يكون رحمة "حيسيد"، فهو يُعبّر عن طبيعتهِ، التي لا يُمكن أن يُخالِفها.

أما العهد الجديد فيحدثنا عن الرحمة الإلهية (إيليوس) كخلاصة لعمل يسوع الذي جاء ليحققه باسم الآب في العالم (راجع متى 9، 13). فرحمة ربنا تظهر بنحوٍ خاص عندما ينحني على البؤس البشري ويُظهر رأفته تجاه الذين يحتاجون للتفهُّم والشفاء والمغفرة. كلُّ شيء في يسوع يتحدث عن الرحمة، لا بل هو الرحمة بحد ذاتها التي تستجيبُ لحاجات الإنسان: الحياة (الخلقة)، الشرِكة (التدبير الإلهي) والغفران (الفداء). ربّنا يسوع هو قلبُ الله النابض بالرحمة تجاه الإنسان، فيتعاطف مع الإنسان ويعمل على انتشالهِ من واقعه المُزري. فالرحمة هي البُشرى السارة: "مغفورة لك خطاياك".

مَن هو الرَّحُوم؟

الرَّحُوم: إنسانٌ يشعرُ بأن الله وهبَهُ حياة جديدة بعد موتِ الخطيئة. فرحمة الله لا تتجاهَل واقع الخطيئة وتتنكر له، بل تتجاوزهُ؛ لتهِبَ للإنسان بدايةً جديدة. لذلِك نجد، كيف أن ممارسة الرحمة صارت واحدة من أهم المُتطلّبات الدينية في اليهودية؛ لأن الله خالقهم "رحوم ورؤوفٌ وطويلُ الأناة"، وأظهرَ رحمتهُ لهم، فعليهم أن يرغبوا في الرحمة (ميخا 6: 8)، وأن يسعوا إلى تحقيقها في حياتهِم. إيمانهُ (قبوله) بمحبّة الله المجّانية ورحمته وصبرهِ غير المحدود: "الرَّبُّ الرَّبّ! إِلهٌ رَحيمٌ ورَؤُوف، طَويلُ الأَناةِ كَثيرُ الَرَّحمَة والوَفاء، يَحفَظُ الَرَّحمةَ لأُلوَف، وَيحتَمِلُ الإثمَ والمَعصِيَةَ والخَطيئَة" (خر 34: 6-7)، يجعلهُ يسمح للرحمة الإلهية التي أفاضت عليه نعمةً أن تشعَّ فيه، ومن خلاله إلى الآخرين. تلقّى الرحمة ويُريد أن يُبرِهِن على حقيقتها في حياتهِ عبرَ الإلتزام بحياة القريب (عدالة)؛ لأنه يشعرُ بأنه مسؤول عنه وعن ديمومةِ حياتهِ حتّى وإن لم يكن هو سبباً لتعاستهِ، على مثال السامري الرحيم الذي جعلهُ ربّنا يسوع أُنموذجَ الإنسان الذي هو على قلبِ الله (يرغب بالحياة الأبدية)؛ لأنه عامَل القريب بالرحمة. ومعاملة الآخرين بالرحمة إستجابة عادلةٌ للإنسان المؤمن برحمةِ الله: رُحمتُ ولم أكن أستحق الرحمة، فعليَّ أن أرحم.  

الرَّحُوم: إنسانٌ قادرٌ على أن يشعرَ بآلامِ الآخرين ومآسيهِم، وكأنها مآسيه وآلامهُ هو. مُستعدٌ لأن يتحمّل هذه الآلام من أجل تحقيق الشفاء والسلامِ للقريب المحتاج، مؤمناً أن موقفهُ الرَّحُوم هذا تعبيرٌ عن حاجتهِ الماسّة لأن يُرحَم: "لأنهم يُرحمونَ"، فهو عندما يرحَم لا يعد نفسه خارج حلقة "المُحتاجين إلى الرحمة "، بل هو ضمنَ هذه الحلقة، وعليه أن يقف أمام الله بكل تواضعِ طالباً الرحمة؛ لأنه يشعر بمسؤوليته الإنسانية أمام حاجة الآخرين وألمهم، وأول إلتزامٍ مسؤول هو أن ينتبهِ إلى واقعهم المزري ويقف إلى جانبهم ويُصلِّي معهم ولأجلهِم لينال (هو وهم) الرحمة، ويعمل على تغيير واقعهم، مدركاً أنه بأمس الحاجة إلى رحمة الله ومحبتهِ، كما عبّرت القديسة تريزيا الطفل يسوع عن ذلك حين قالت:

"عندما ينتهي زمن منفاي على الأرض، رجائي أن أذهب وأنعمَ بكَ في الوطن. ولكني لا أريد أن أكدّس الاستحقاقات مؤونةً للسماء، أريد أن أعمل لأجلِ حُبِك وحده (...). في مساء هذه الحياة سأظهرُ أمامكَ صفرَ اليدين، لأني لا أسألُك يا ربِّ، أن تحسِب أعمالي. فكل بِرّ فينا لا يخلو من العيب في عينَك. أريد إذن أن أتلبَّسَ برِّكَ أنت، وأن أقتبلَ من حُبِّك: امتلاكك أنت إلى الأبد". 

الرَّحُوم: إنسان يشعر بحاجة الآخر قبل أن يقولها. فنجده إلى جانب مَن فقدَ الرجاء، فلم تعد الحياة عنده نعمة من الله عليه أن يقبلها شاكراً، بل أضحت مُرهِقة لا فرحَ فيها. نسمعهُ صوتاً لمَن هو في ضيقٍ وهو عاجزٌ عن التعبير عن ضيقه، خَجِلٌ من طلب العون، فيكون حضور الرحيم-هنا- "نعمة" مثلما فعلت أمُّنا مريم في عُرس قانا الجليل إذ انتبهَت إلى الحَرج الذي اختبره أهل العُرس وعرِفت حاجاتهم وطلبت من ابنها ليكون إلى جانبهم فيما يحتاجون إليه. فالرحيم، هو مَن يستقبل المُحتاج بابتسامة ولا يُحاول إرجاعه مَهموماً لأنه يرى في وجهه وعيونه جودة الله، فيُعطي بقلبه قبل أن يُعطي بيديه. الرحيم واقف دوماً على قارعة الطريق مستعداً لشفاء كل ما يحتاج إلى الشفاء، ومستعداً لغفران كل مَن هو بحاجةٍ إلى الغفران؛ لأنه يعرِف إنه انسان غُفر له حين كان مذنباً، ومسّته رحمة الله عميقاً، حتى صار مرآة تعكس رحمة الله. هو إنسان حررته رحمة الله من كل غضب وحقد ورغبة انتقامٍ ليعيش حُرية أبناء الله الرحيم.

الرَّحُوم: إنسان ناضجٌ قادرٌ على تجاوز أحكامهِ المُسبَقَة عن الآخرين، ويضع جانباً رؤيتَهُ الشخصية عن الآخر، ويروِّض مشاعِر الغضب والعداوة التي فيه تجاهه ليُعامِله على وفق احتياجاته الآنية مُستجيباً لواقعه المؤلِم. فالرحيم يجعل الحياة على الأرض ممكنة. فكلما سيطر الغضب على الإنسان، تأججت فيه مشاعر الانتقام ليقتل كل فرص الحياة. عندما يرَحم فهو يُعطِي الفرصة من جديد ويتجاوز الغضب والعداوة ليغلِبَ الشر بالخير؛ فلو انتقم كل شخص لما يُصيبه من إهانات، لما كان هناك حياة على الأرض. الحياة ممكنة من خلال أولئك الذين سمحوا للروح القدس أن يعمل في قلوبهم، فيرحموا ويغفروا، وفي ذلِك حكمةٌ يهبهُا الله نعمةً للإنسان المُصلّي إليه: "أَفيكُم أَحَدٌ ذو حِكمَةٍ ودِرايَة؟ فَليُظهِرْ بِحُسنِ سِيرتِه أَنَّ أَعمالَه تُصنَعُ بِوَداعَةٍ تأتي مِنَ الحِكمَة أَمَّا إِذا كانَ في قُلوبِكم مَرارةُ الحَسَدِ و المُنازعة، فلا تَفتَخِروا ولا تَكذِبوا على الحقّ. فمِثلُ هذه الحِكمَةِ لا تَنزِلُ مِن عَلُ، وإِنَّما هي حِكمَةٌ دُنيَوِيَّة بَشَرِيَّةٌ شَيْطانِيَّة. فحَيثُما يَكُنِ الحَسَدُ والمُنازعة، يَكُنِ الاِضْطِرابُ ومُختَلِفُ أَعمالِ السُّوء. وأَمَّا الحِكمَةُ الَّتي تَنزِلُ مِن عَلُ فهيَ طاهِرةٌ أَوَّلاً، ثُمَّ مُسالِمَةٌ حليمةٌ سَمْحَة مِلؤُها رَحمَةٌ وثِمارٌ صالِحة، لا مُحاباةَ فيها ولا رِياء. ثَمَرَةُ البِرِّ تُزرَعُ في السَّلامِ لِلَّذينَ يَعمَلونَ لِلسَّلام. (يعقوب 3: 13- 18)

الرَّحُوم: إنسان أمينٌ في علاقاتهِ؛ لأن الله كان أميناً في محبتهِ له على الرغم من ضعفهُ وميولهِ الشريرة التي جعلته إنساناً خائناً للعهود. محبّة الله الأمينة قبلتهُ مُجدداً، وجعلته يتعلّم الأمانةَ في العلاقات على الرُغم من خيانات الصديق، فلا يقبل بأن تتملّكه مشاعر الغضب والضغينة ضدَّ اي إنسان حتّى لو أساءَ إليه: "وقالَ الرَّبّ: "سِمعان سِمعان، هُوذا الشَّيطانُ قد طَلَبكُم لِيُغَربِلَكُم كَما تُغَربَلُ الحِنطَة. ولكِنَّي دَعَوتُ لَكَ أَلاَّ تَفقِدَ إِيمانَكَ. وأَنتَ ثَبَّتْ إِخوانَكَ متى رَجَعْتَ" (لو 22: 31- 32). وعندما يكون أمينا في علاقاتهِ ويرحَم سينالُ الرحمة؛ "لأَنَّ الدَّينونَةَ لا رَحمَةَ فيها لِمَن لم يَرحَم، فالرَّحمَةُ تَستَخِفّ بِالدَّينونَة" (يعقوب 2: 13).

الرَّحُوم: إنسان قَبِلَ محبّة الله ويرغَب في أن يّوسِّعَها لتشمِل الآخرين، فيشعُر أنه مسؤول عن حياة الجميع: المعارِف والأصدقاء، بل حتّى الأعداء، كما فعلَ إبراهيم والذي عرِفَ أن الله عازمٌ على التحقيق في الشكاوى التي وصلتهُ عن مدينتي سدوم وعمّورة، إذ وقفَ أمام الرب حاملاً إنسانيّته كلّها، في محاولة للدفاع عن شريكه(الله)، وعن(قريبهِ)الإنسان؛ لئلا تسوء هذه العلاقة بينهما. إنسانية إبراهيم تحتضن انتماءَه القومي وتتجاوزهُ، فهو يشعر بأنه مسؤول عن إنسانية الآخر الذي يختلَف عنه ديناً وثقافةً. هو مسؤول عن إنسانية العالم كلّه. هنا يتكامل البُعد العمودي لإيمان إبراهيم مع الله، مع البُعد الأفقي علاقة إبراهيم مع الآخرين، فيظهر تضامناً مع الجميع، ويسأل الله أن تتوسع حدود رحمته لتستوعِبَ عدله إلى أن يصلَ إلى بشارة مُفرحة: يا إبراهيم يُمكن لأبرار قلائل أن يُخلصوا مدينةَ أشرارٍ. فبيّنَ الربُّ من جهتهِ أنه مُهتمٌ بخلاص البار أكثر من هلاك الأشرار: "لا أُزيلُ المدينة إكراماً للعشرةِ" (تكوين 18: 32). شعر إبراهيم بمسؤولية دعوته: "بك تتباركُ الأمم". إنها بركة مصدرها محبّة الله المجانية التي اختارته، الله الذي ليس إلهاً غضوباً، بل له قلبٌ يضطربُ ومراحمه تتّقد، فلن يُعاقبَ في  شدّةِ غضبه؛ لأنه قدّوس (هو 11: 8- 9).

الرَّحُوم: إنسان أصغى إلى بشارة الله بيسوع المسيح: "كونوا رحماء، كما أن أباكم السماوي رحيم (لوقا 6: 36)، وآمنَ بها ويعمل على تجسيدها واقعا في حياتهِ، فلا يدين الآخرين ويُحاكمهُم (لوقا 6: 37)، ولا يُثرثِر حسداً أو نفاقاً، ولا ينقل تفاهات الكلام عن الناس، ولا يتكلّم بالسوء عن الإخوة، لاسيما في غيابهم، ولا يُسيء إلى اسمهم وسمعتهِم ومكانتهِم. يُسامِح ويتخلى عن الحقِد والغضَب والعنف، لا ينصِّب العثار في طريق الناس ولا يزرع الريبة والحَيرة في قلوب الآخرين، يرى الخير الذي زرعهُ الله في الآخر حتّى وإن كان الآخر لا يتفطنُ إليه، ليكشِف عن قلبٍ نقي خالٍ من الخُبث والرياء والحسد والغضب والكبرياء، ليس هذا فحسب، بل هو إيجابي في التعامل مع الحياة، مؤمناً أن الله منحهُ "خدمته بمحبة" من خلال "خدمة الآخرين": "الحَقَّ أَقولُ لَكم: كُلَّما صَنعتُم شَيئاً مِن ذلك لِواحِدٍ مِن إِخوتي هؤُلاءِ الصِّغار، فلي قد صَنَعتُموه." (متّى 25: 40). فيصير إنسانًأ بحق حقيقياً وصديقاً أميناً للجميع، قريبا من الفقراء، ورفيقاً للمرضى، ومُعزيا للمتألمين، يقدّم النُصحَ الأخوي بمحبةٍ. يزرعُ السلام بين العائلات المُتخاصمة، ويسعَى إلى تحقيق المُصالحة بينهما مهما كلّفه ذلك من جهدٍ. ويعمَل كل هذا بفرح (روم 12: 8)، يُشجع ويُبادِر بالكلام الحسن والصالِح للبُنيان (أفسس 4: 29)؛ لأنه مخلوق على صورة الله الذي يُبدِع كل ما هو حسَن وحسن جداً (تك 1: 31).

ربّنا يسوع المسيج: وجه رحمة الآب

كتبَ البابا فرنسيس في "البراءة الرسولية" التي أصدرها بمناسبة احتفال الكنيسة بسنة الرحمة، أنّ الله أظهر في يسوع "رحمة"، فهو وجه رحمة الآب، فصارت الرحمة في ربّنا يسوع منظورة وملموسة. هذا إيماننا الذي نحتفل به شاكرين؛ لأنه إيمانٌ يبعث فينا طمأنينة وسلاماً في أنَّ الله بمحبتهِ تغلّب على خطايانا وتجاوز عثرتنا وقبلنا من جديد أبناءً له، وهو يدعونا إلى أن ننظر إلى الآخرين بعيون الرحمة، فنَرحَم ونرأف ونقبَل مَن تجاوزَ علينا، ونمد يد المُصالحة إلى مَن يُعادينا فنكشِف عن هويتنا: "نحن مَن أحبّهم الله ورحمهم وترأف بهم".

"تجسّد ربّنا يسوع المسيح كان إتمام وعدِ الله للآباء، وعدُ رحمةٍ: "نصَرَ عَبدَه إسرائيل ذاكِراً، كما قالَ لآبائِنا، رَحمَتَه لإِبراهيمَ ونَسْلِه لِلأَبد" (لو 1: 51)، ولم تكن كلمة الله الأخيرة، ربّنا يسوع المسيح، كلمة مُعاقِبة، ولم يُعلِن الله حُكمَ الهلاكِ على الإنسان الخاطئ منتقماً لنفسهِ من أجل الإهانات التي تلّقاها، بل واجه خطيئة الإنسان بالغفران وهداهُ طريق الخلاص بالرحمة والرأفة التي قدّمها بيسوع المسيح. رحمةٍ أعطت الإنسان حياة جديدة؛ لأن الرحمة لا تتعلَّق بماضي الإنسان إذ تغفِر له خطاياهُ فحسب، بل هي مُوجهة نحو حاضره ومُستقبله فتمنحه حياةً جديدةً، فهو "محبوبُ الله"، وعليه أن يعيش هذه الرحمة إلتزاماً مُحباً بالقريب.

هذا الغفران نابعٌ من محبّة الله التي تجعلهُ يُصغي إلى الإنسان في حاجاتهِ ويواجه خطاياهُ مترحماً عليه، سامحاً له بإعادة العلاقة من جديد، ليأتي الغفران نعمةً مجانية لإنسان لا يستحقّها، ودعوةً لأن يلتزِم بالعهد أميناً:" إِذهَبي ولا تَعودي بَعدَ الآنَ إِلى الخَطيئة" (يوحنّا 8: 11)، فهذا هو الذي يجب أن يحصل من أجل أن يكونَ الإنسان صالحاً. ربّنا يسوع لم يتجاهل خطيئة المرأة ولم يُبررها بالقاء المسؤولية على الآخرين أو على الظروف التي دفعتها إلى ذلك، بل تتحمل هي المسؤولية؛ لأنها إنسانة حُرّة ومسؤولة عمّا حصل، وهي تقبلُ غفران يسوع الذي يُؤكِد لها أنها لن تُحبَس في خطاياها. فهو الذي جاء ليُحرر المسجونين ويُطلق سراحَ مَن أسَّرَتْهم الخطيئة (لوقا 4: 18- 19). هذا التحرير هو عملية تطهير، أي إستحضار الماضي (الخطيئة) وتغييرهُ، حتّى لا يتكرر، بل يكون بدءاً جديداً، وقيامةَ لإنسان جديد. وهذه نعمةٌ من الله الغافِر. هكذا تتضمن الرحمة دينونة (عدالة) ولكنها تتجاوزها في الوقتذاته.

أكدّ ربّنا يسوع على أنه يُريد الرحمة لا الذبيحة (متّى 9: 13)، وجعل رحمة الله وحنانَهُ واقعاً اختبره الإنسان في حياتهِ ليتعلّم الإنسان معنى الرحمة ومضمونها. لم يُدِن الخطأة أو يحتقرهم، بل دعاهم إلى قبول البشارة: الله يُحبُكم. أشفقَ على المعوزين روحيا ومادياً، ولم تكن الشفقة عاطفة نكرة، بل تحركاً فعّالاً نحو الآخر. أشفقَ على الشعب الجائع إلى الخبز: "فلَمَّا نَزَلَ إِلى البَرّ رأَى جَمعاً كثيراً، فَأَخذَتْه الشَّفَقَةُ علَيهم، لِأَنَّهم كانوا كَغَنَمٍ لا راعِيَ لها، وأَخَذَ يُعَلَّمُهم أَشياءَ كثيرة." (مرقس 6: 34)، وتحنّن على المرضى: "فأَشفَقَ عليهِ يسوع ومَدَّ يَدَه فلَمَسَه وقالَ له: "قد شِئتُ فَابرَأ" (مرقس 1: 41).

رحمةُ ربّنا يسوع وحنانه مثل رحمة الله وحنانه، لا يتعب ولا يكِلُّ، يتغلّب على خطيئة الإنسان: "فقالَ يسوع: "يا أَبَتِ اغفِرْ لَهم، لِأَنَّهُم لا يَعلَمونَ ما يَفعَلون" (لوقا 23: 34). فالغفران كان الكلمة الأولى من على الصليب. هذا كلّه ليعلّم الإنسان كيف يكون رحوماً على مثال الآب، رحمةً تخدُم الآخر؛ فيكون الإنسان قريبا من الجياع والعطاش والحزانى والمرضى، عطوفاً تجاه الغرباء، مُعزياً للحزانى وغافراً للخطأة. فالرحمةمن طبعها الخدمة، وخدمتها تعني خلاص الإنسان وتَهَبُه الفداء. هناك إرتباطٌ وثيق ما بين الرحمة والخلاص، فالرحمة لا تتوقف عند خدمةِ حاجاتِ الآخر المادية فحسب، بل تتعدّى ذلك لتُعرّفه بالخلاص الذي جاء به ربنا يسوع المسيح الطريق الحق إلى الله الآب. الرحمة خدمةٌ تُؤدَّى للآخر لتقرِّبَهُ إلى الله.

ربّنا يسوع عاش الرحمة الإلهية وبيّن أن الرحمة هي التي نُفرِح قلبَ الله، ففي الفصل الخامس عشر من إنجيل لوقا نسمع  ربّنا يسوع يُحدّثنا عن "الله الآب الرَّحُوم" من خلال أمثال الرحمة الثلاثة: مثل (الخروف الضال)، مثل (الدرهم الضائع) ومثل (الابن الضال). وأكثر ما يُدهشنا في الأمر هو فرح الله، الفرح الذي يشعر به عندما يجد خاطئاً ويغفر له، فرحٌ تحولَّ إلى عُرس ٍووليمة. هنا نجد خلاصة الإنجيل بأسره، فالجميع ضائعٌ وتائهٌ وأساءَ استخدام حريّتهِ بحثا عن "متعةٍ وسعادة عابرة"، فأضاع كلّ شيء. لكن اللهالآب لا ينسانا ولا يتركنا أبدًا. إنه أب صبور ينتظرنا على الدوام، يحترم حريتنا ويبقى أميناً أبداً وعندما نعود إليه يستقبلنا كالأبناء في بيته؛ لأنه لا يكفُّ أبداً عن انتظارنا بمحبة، وقلبه يعَيِّدُ بكل ابن يعود إليه. يُعَيِّد بسبب الفرح، والله يفرح عندما يذهب إليه خاطئ من بيننا ويطلب مغفرته؛ لأن الله يُريدُ عودتَهُ إليه: "يَقولُ السَّيِّدُ الرَّبّ، لَيسَ هَوايَ أَن يَموتَ الشِّرِّير، بل أَن يَرجعَ عن طَريقِه فيَحْيا" (حزقيال 33: 11).

"فلْيَكُنْ فيما بَينَكُمُ الشُّعورُ الَّذي هو أَيضاً في المَسيحِ يَسوع" (فيلبي 2: 5)، هي دعوة من الرسول بولس للكنيسة كلّها لتندمج في حركة الرحمة الإلهية التي نلناها من الله الآب هبةً بيسوع المسيح، وهكذا تكون الجماعة (الكنيسة) كنيسة الرحمة. ربّنا يسوع يُريد من كنيستهِ أن تكون جماعة الرحمة لا الذبيحة مؤكداً بذلك على أولية الرحمة في حياة الكنيسة، وتكون معياراً لمصداقيتها. فتُمارس أعمال الرحمة الروحية: التعليم والنُصح والتعزية والتشجيع والمغفرة واحتمال الصعوبات والآخرين بصبرٍ، مثلما تلتزم بأعمال الرحمة الجسدية: الإحسان وإطعام الجياع وإيواء المُشرَدينَ وإكساء المُحتاجينَ والعناية بالمرضى وزيارة المسجونين ودفن الموتى. 

أسئلة للتأمل الشخصي:

  1. هل تشعر بأهميّة رحمةِ الله في حياتِك؟ هل هناك حادثة متميّزة أخطأتَ فيها إلى الله فشعرتَ فيها بأنّك نلتَ الرحمّة، حين تجاوز لك الله الخطيئة وغفرَ لك؟ كيف؟ هل تعامَل معكَ على وفق خطيئتِكَ، فغفرَ لك، بل ومنحكَ ثقته وحمّلّك مسؤولية جديدة، أم إنه أنعمَ عليك بما لم تتكن تتوقعهُ؟
  2. هل أسأتَ يوماً إلى صديق أو إنسان؟ هل كذبت في حياتك؟ هل خُنتَ صداقةً أو علاقة ولم تكن أميناً في عُهودِك ووعودِك؟ هل أخذت شيئاً ليس مُلكاً لك؟ هل حدث أن أهملت واجباتِك تجاه عائلتِك؟ هل تلفظت يوماً بكلام بذيء وحلفت باسم الله والقديسين باطلاً؟ ما الذي تطلبهُ في مثل هذه الخبرات، الغفران أو المحاسبة؟
  3. عندما تستمع لمَثَل العبد العديم الشفقة (متّى 18: 23- 35)، الذي دخلَ حلقة الرحمة الإلهية عندما أعفاه سيّده من الدَّيْنِ الذي كان عليه، ولكنه لم يفعل مع زميله مثلما فعل معه سيده، فكيف تجد نفسَك عادةً، مظلوماً بسبب عدم رحمة الآخرين لكَ، أم أنّ لكَ حقٌّ بأن تُطالِبَ الآخرين بأن يؤدّوا ما عليهم من التزامات؟ كيف تتقبّل شخصية الآخرين المزاجية والمتقلِّبة والخائنة؟ هل تدينهم؟ هل تقبلهم؟
  4. هل تُفكِر أحيانا بأن الطيبة والرحمة والغفران هي علامات لشخصية ضعيفة، وأنّها تُعطي فرصة للآخرين لسيتغلّوها لمصالحهِم؟ هل اختبرتَ مثل هذا الاستغلال؟ هل قمت باستغلال طيبة أحدِهم تجاهَك؟ أيهما أقربُ إليكَ: إنسان أخطأ فاعتذرَ وغُفِرَ له، أم إنسانٌ أخطأ واعتذرَ وأُلزِمَ بالتعويض عن خطئه؟
  5. هل طلبَ أحدٌ منك الغفران لإساءةٍ اقترفها ضدّك، ولم تتمكّن من ذلك؟ لماذا لم تغفر له؟ أكانت إساءته جارحة ومُهينة؟ هل تفاجأت بخيانته لك وبغشِّهِ في التعامل معك إلى حدٍّ لم يعد فيه لك ثقةٌ به؟ هل أثّرت خيانته لك على ثقتِك بالآخرين؟ كيف تستذكر هذا الحدث، اليوم؟ إذا ما تقدّم منّك اليوم وطلب الغفران فهل ستمنحهُ إيّاه؟ ما الذي تغيّر حتّى تغفر له؟
  6. أيُّ خبرة تجدها الأصعب في القبول: أن تغفِر لإنسان لا يعرفُك، أم أن تغفِر لصديق تثقُ به؟ هل تتذكّر خبرة "خيانة صديق"؟ ما الذي دفعهُ لمثل هذا السلوك؟ هل اعتذرَ لك عن سلوكهِ الخاطئ؟ هل طالبتهُ بالتعويض عن خيانتهِ لكَ؟ أتشعرُ بالشفقة عليه أم بالغضب منه؟ ما العلاقة بين العدالة والرحمة؟ وكيف تُحقق العدالة الرحمة (تأمَّل قصة العبد العديم الشفقة متّى 18: 23- 35).
  7. "أغفر لنا خطايانا كما نحن نغفر لمَن أخطأ إلينا". هل تجد هذه الصلاة واقعاً في حياتِك؟ متى كانت آخر مرّة غفرتَ فيها (بفرحٍ) لمَن أساء إليك بالكلام أو بالفعل؟ هل تتذكّر مثل هذه الحادثة؟ هل سعيت إلى الإنتقام منه بأي شكلٍ من الأشكال؟ أَغَفَرتَ له لأنّك لم تكن قادراً على الثأرِ لنفسِكَ، أم كانت لك الفرصة كي تفعل، غير أنّك تجاوزتَ ذلك؟ 

التطويبة الرابعة

طوبى للجياع والعِطاش إلى البرِ فإنهم يُشبعون

"التطويبات -كما يقول البابا فرنسيس- هي طريق الحياة التي يعلّمنا إياها الرب حتى نسير على خطاه ... التطويبات هي صورة المسيح وبالتالي كل مسيحي ... إنّ التطويبات هي بمعنى آخر البطاقة الشخصية أو هوية المسيحي. إنها تُثبِت بأننا أتباع يسوع. نحن مدعوون لكي نكون طوباويين وأتباع يسوع، أن نواجه الصعاب بروح ومحبة يسوع”. ... “طوبى لمن يبقون مثمرين بينما يواجهون الشرّ الذي يقترفه الآخرون تجاههم، ويغفرون من كل قلبهم. طوبى لمن ينظرون في عيون المهمَّشين والمنبوذين ويظهرون لهم القرب. طوبى لمن يرون الله في كل شخص ويجهدون في سبيل جعل الآخرين يكتشفون المسيح. طوبى لمن يحمون بيتنا المشترك ويهتمّون به. طوبى لمن يتخلّون عن راحتهم الذاتية في سبيل مساعدة الآخرين. طوبى لمن يصلّون ويعملون من أجل تحقيق الوحدة الكاملة بين المسيحيين. كلّ هؤلاء هم رسل رحمة الله وحنانه، وسيُكافَؤون بالتأكيد على ذلك".

إنسان التطويبات هو فقيرُ الروح الذي آمن كلياً بالله، والوديع الذي تحّرر من تجربة التسلّط، والحزين على واقع العالم الخاطئ؛ لذا يكون جائعاً وعطشاً إلى البِر، برِ الله. لا يبحث عن اشباع رغباتهِ وحاجاتهِ الجسدية والمعنوية، بل يُريدُ إتمامَ ما يُريدهُ الله أولاً وقبل كل شيءٍ، ويواصِل عمل الله على الأرض: "طَعامي أَن أَعمَلَ بِمَشيئَةِ الَّذي أَرسَلَني وأَن أُتِمَّ عَمَلَه" (يو 4: 34).

ولكن، لماذا اختار ربّنا يسوع كلمتي: "الجوع والعطشِ" في تعليمهِ عن واجبِ طلبِ برِّ الله؟ هل يُمكن أن نطوّب الجوع والعطش؟ أَوَ ليسَ الجوع والعطش إهانة لكرامةِ الإنسان؟! فنحن نؤمِن أن لكلَّ إنسان الحق في الطعام والماء من دون تمييز. أَلَم يرفض ربّنا يسوع صرفَ الجموع الجائعة مثلما اقترحَ تلاميذهُ، فأخذ الخُبز والسمكات وبارَك وكسرَ وأعطى التلاميذ والتلاميذ قدّموا للجموع؟! أَلَم يدعو الجياع والعطاش إلى أن يقبلوهُ هو: "أَنا خُبزُ الحَياة. مَن يُقبِلْ إِليَّ فَلَن يَجوع ومَن يُؤمِنْ بي فلَن يَعطَشَ أبَداً" (يو 6: 35).

يتفقَ مُعظم علماء الكتاب المُقدس أن متّى الإنجيلي أضافَ كلمة "البر" إلى التطويبة، فجعل لها توجهاً خاصاً. فهو لا يتنكّر للجوع والعطش اللَّذَين يُعدان شراً يجب محاربتهُ، مثلما فعل الله عندما رافق شعبهُ في البرية حيث صلّوا إليه طالبين طعاماً وماءً. فليس في الجوع والعطش صلاحٌ أو خير يُرتجى، إلا إذا كانَ نذراً من أجل غاية أسمى، كالصوم مثلاً. أرادَ متّى الإنجيلي أن يعودَ إلى نقطة الإنطلاقة: الجوع والعطش إلى البِر، الجوع إلى الله، والذي يُؤكِد بالضرورة على التزام الإنسان في طلِب مشيئة الله: "لتكُن مشيئتُك كما في السماء كذلِك على الأرض"، وسيكون لهذا الإلتزام المسؤول نتائج وثمار عملية تتركّز في "جعل الله في المركز"، والعمل على إزالة الظلم والفوضى والحرب والفقر والمجاعة عن وجه الأرض، وهو ما فعلهُ ربّنا يسوع في حياتهِ مع الفقراء والجياع والعطاش والمسحوقين والمرضى والمنبوذين، حتّى قدّمَّ نفسهُ خُبزاً يُؤكَل وشراباً يروي عطشَ الإنسان.

لقد عانى الشعبُ مراراً من حالة الخطيئة: إنعدامِ البِر وكثرةِ المظالِم وانحرافِ القضاء وفساد الحُكم، وتعالت أصوات الأنبياء المُطالبة بتحقيق العدالة: "أجروا الحُكمَ بالحق والعدل" (هوشع 10: 12)، فواصلوا شجب كل أشكالِ الظلم والفساد التي حصلت على يد القضاة والملوك، وعدّوا ذلِكَ إهانة لقداسةِ الله: "وَيلٌ لِلقائِلينَ لِلشَّرِّ خَيراً وللخَيرِ شَرّاً، الجاعِلينَ الظُّلمَةَ نوراً والنّورَ ظُلمَة، الجاعِلينَ المُرَّ حُلْواً والحُلْوَ مُرّاً... المُبَرِّئينَ الشِّرِّيرَ لِأَجلِ رَشوَة، والحارِمينَ البارَّ بِرَّه؛ فلِذلك كما يَلتَهِمُ لَهيبُ النَّارِ القَشّ وكما يَفْنى الحَشيشُ المُلتَهِب يَكونُ أَصلُهم كالنَّتْن وبُرعُمُهم يَتَناثَرُ كالتُّراب لِأَنَّهم نَبَذوا شَريعةَ رَبِّ القُوَّات واستَهانوا بِكَلِمَةِ قُدُّوسِ إِسْرائيل" (إش 5: 20 -24). ولأنهم، أي الأنبياء، كانوا يعرفون مدى جسامة خطيئة الإنسان وتعرض العدل والقضاء إلى الفساد، كانوا يتطلعون إلى مجيء الماشيحا الذي سيحكُم بالبِر: "ها إنَّها ستأتي أَيَّامٌ ، يَقولُ الرَّبّ أُقيمُ فيها لِداوُدَ نَبْتاً بارّاً ويَملِكُ مَلِكٌ يَتَصَرَّفُ بِفِطنَة ويُجري الحُكمَ والبِرَّ في الأَرض. في أَيَّامِه يُخَلَّصُ يَهوذا ويَسكُن إِسْرائيلُ في أَمان. والاسمُ الَّذي سيُدْعى بِه هو الرَّبُّ بِرُّنا" (إرميا 23: 5- 6)

فبدء البِر هو عند الله؛ ليجذُبَ الكلَّ إليه، فالله هو الأصل (الجذر)، وهو الذي يمدُّ الساقَ بالغذاء ما دامت متصلّة بالجذرِ لتحملَ الثمار في أوانهِا. هو أب مُحبٌ يُعلِّم أبناءَه طريقَ الاستقامةِ، وإن أخطؤوا وتابوا يستقبلهُم برحمتهِ، فيكون بذلِك أميناً لنفسه: محبّة. فعلى الإنسان التواصل مع الله ليكون لتقواهُ حياةٌ فتحملِ الثمار المرجوة.

مَن هو الجائع والعطشان إلى البر؟

الجائع والعطشان إلى البر: هو إنسان يؤمِن بأن الله وحده هو الذي الذي سيُشبعهُ ويرويهِ، وعليه أن يعي هذه الحاجة في حياتهِ: "أَمَّا أَنا فبِالبِرِّ أُشاهِدُ وَجهَكَ وعِندَ اليَقظَةِ أَشبعُ مِن صورَتكَ" (مز 17: 15)، فلن يُشبع جوعهُ أو يروي عطشهُ تسلطٌ أو مالٌ أو مكانةٌ متميزةٌ أو أي ُّ تطلّعاتٍ إنسانية، فهذا الشكل من الإشباع والإرواء سيتركهُ أكثر جوعاً وعطشاً. الجوع والعطش إلى الله، سيُنظّم كل علاقاتهِ: مع الله ومع الآخرين، ويضعها على المسار الصحيح، فيُعطي الله حقّ التعبّد له بإيمان صادِق وأمين، ويُعطي الإنسان حقّهُ ويرفُض كل أشكال الظلم ِالتي تطال حياة القريب؛ لأنه، أي الإنسان البار، يحمُل حُلمَ الله للخليقة، ويُريدها أن تكون دوماً، مكاناً حسناً فيضعُ السلم حيث العنف، والمحبّة حيث العداوة والنظام حيث الفوضى، واعياً لضعفهِ ومحدودية إمكانياتهِ، وحاجتهِ المُستمرِة إلى الله، إلى التوبة إليه، فلا يتحوّل يوماً من مظلومٍ إلى ظالمٍ، بل يرى "وجه الله" في الفقير والمحتاج: "الحَقَّ أَقولُ لَكم: كُلَّما صَنعتُم شَيئاً مِن ذلك لِواحِدٍ مِن إِخوتي هؤُلاءِ الصِّغار، فلي قد صَنَعتُموه" (متّى 25: 40).

الجائع والعطشان إلى البر: إنسان يؤمِن بأنّ البِر هو عطيّة من الله: "إِلى أن يُفاضَ علَينا الرُّوحُ مِنَ العَلاء فتَصيرُ البَرِّيَّةُ جَنَّةً وتُحسَبُ الجنَّةُ غاباً ويَسكُنُ الحَقُّ في البَرِّبَّة ويَستَمِرُّ البِرُّ في الجَنَّة ويَكونُ عَمَلُ البِرِّ سَلاماً وفِعلُ البِرِّ راحةً وطُمَأنينَةً لِلأَبَد" (إش 32: 16- 18). عطيّة يقبلهُا بمسؤولية وعليه أن يتحلّى بالشجاعة ليواصِل المسيرة بثباتٍ وحماسٍ مقاوماً تجربة الفتور التي تجعلهُ يتراجعَ ويستكينَ إلى الواقعِ "الشرير" ويقبل به يائساً. الجوع والعطش إلى البِر يدفعان الإنسان الى العمل من أجل القضاء على الجوع والعطش المادي في العالم، وهذا يتطلّب الدخول في حياة الشِركة مع الآخرين بثقةٍ ومحاربة الأنانية التي فيه والتي تجذبهُ إلى ذاتهِ وتجعله ينافِس القريب ويرغبُ في السيطرة عليه والاستيلاء على الخيرات المادية متوهماً أنّ فيها راحتَهُ وسعادتَهُ: "وأَقولُ لِنَفْسي: يا نَفْسِ، لَكِ أَرزاقٌ وافِرَة تَكفيكِ مَؤُونَةَ سِنينَ كَثيرة، فَاستَريحي وكُلي واشرَبي وتَنَعَّمي" (لو 12: 19)

الجائع والعطشان إلى البِر: هو من يسعى من أجل تحقيق صلاح الله في العالم. يُصغي ويتأمَل في كلمتهِ، ويبحث عنه ليكونَ حيثُ يُريدهُ الله. هو يعرِف أن ذلك لن يتحقق إلاّ من خلال مسيرة متيقظة للواقع الذي يعيشه؛ ليتلّمس علامات حضور الله. وكونه جائعاً وعطشاناً إلى البِر يجعلهُ حيّاً وفاعلاً ومُبدعاً يواصِل المسيرة، ولا يدّعي يوماً الوصول أو الشبعَ أو الإرتواء، مؤمناً بأنه مدعوٌ لأن يتعاون مع الله في تحقيقِ البّر (الصلاح): "غَيرَ أَنَّنا نَنتَظِرُ، كما وَعَدَ الله، سَمَواتٍ جَديدةً وأَرضًا جديدةً يُقيمُ فيها البِرّ" (2 بط 3: 13). هذا الإنتظار يخلقُ فيه شوقاً إلى الله، ويقظة لرؤية علاماتهِ في حياته، والإصغاء إلى مشورته الصامتة، فيعمَل على أن يُهيء سُبلَهُ على الأرض: زكريا وإليصابات ومريم ويوسف، فكانوا في حياتهِم طريق الله إلى كل إنسانٍ.

الجائع والعطشان إلى البِر: إنسانٌ يُريد أن يكون عادلاً ومُستقيماً ونزيهاً في علاقاتهِ ومنتبهاً لواقعِ الفقر والظلمِ الذي يفتِك بحياة الكثيرين، فيدفعهُ وعيه وشعوره ليكون مُحباً ورحوماً وسخياً: "وإِن كانَ رَجُلاً فَقيرًا، فلا تَنَمْ ورَهنُه عِندَكَ، بل، عِندَ مَغيبِ الشَّمْس، تَرُدُّه إِلَيه، حتَّى يَنامَ في ردائِه وُيبارِكَكَ، فيُحسَبُ لَكَ بِرٌّ أَمامَ الرَّبِّ إِلهِكَ. لا تَستَغِلَّ أَجيرًا مِسْكينًا أَو فقيرًا مِن إِخوَتكَ أَو مِنَ النزَلاءِ الَّذينَ في أَرضِكَ، في مُدُنِكَ، بلِ ادفَعْ إِلَيه أُجرَتَه في يَومِه، ولا تَغِبْ علَيها الشمْس، لأَنَّه مِسْكين وإِلَيها يَطمَح، لِئَلاَّ يَصرُخ علَيكَ إِلى الرَّبّ، فَتكونَ علَيكَ خَطيئَة" (تث 24: 12- 16). عدالتهُ واستقامتهُ مُقدمَة بصحن المحبة والرحمةِ، وهذا يُجنبهُ السقوط في تجربة "تنصيبِ نفسهِ" ديَّاناً للاخرين، فيبقى الله في المركّز لا ما يظنهُ هو ويعتقدهُ، ويكشِف هو عن نفسه إنساناً مُعتدلاً وفطناً في رؤيته وأحكامهِ. محبّة وإهتمامٌ يتجاوز حاجةِ الفقير المادية والمُباشرة ليشمُل حياتهُ كلهّا، فلا يُجازيه على وفقِ ما يستحقُّ فحسب، بل يُعاملهُ بالمحبة أيضاً فيُعطيه أكثر مما يستحق (عمال الساعة الأخيرة: متّى 20: 1- 16).

الجائع والعطشان إلى البِر: ليس شخصاً أنانياً منغلقاً على ذاتهِ وحاجاتهِ: الجوع والعطش، بل يُصلي طالباً "العملَ بمشيئةِ الله"، وهذه الصلاة الفاعلة تجعلهُ منفتحاً على حاجاتِ الآخرين؛ لأنه يرى العالم بعيون الله. فلا يُطالِب الآخرين بأن يكونوا صالحينَ بل يبدأ مسيرة الصلاح من نفسه: فيصومَ ليوفّر الطعام للجياع، ويُصلي ليكون صوتاً للمظلومين والمُهَمَّشين، ويَتَصدّق (يُحسِن) على المُحتاجين ليُشارِكهم عطايا الله. فالجوع والعطش إلى البر يُحِرران الإنسان من نفسهِ ليكون كلياً لله، ويصدقُ في تعبده لهُ: "أَلَيسَ الصَّومُ الَّذي فَضَّلتُه هو هذا: حَلُّ قُيودِ الشَّرِّ وفَكُّ رُبُطِ النِّير وإِطْلاقُ المَسْحوقينَ أَحْراراً وتَحْطيمُ كُلِّ نير؟! أَلَيسَ هو أَن تَكسِرَ للجائِعِ خُبزَكَ وأَن تُدخِلَ البائسينَ المَطْرودينَ بَيتَكَ وإذا رَأَيتَ العُرْيانَ أن تَكسُوَه وأَن لا تَتَوارى عن لَحمِكَ" (إش 58: 6-7).

الجائعِ والعطشان إلى البر: إنسان مُحبٌّ للناس (حكمة 12: 19)، يُبالي بما يُعانيه الفقراء من جوعٍ وعطشٍ إلى أبسط مقومات الحياة الإنسانية الكريمة: الخبز والماء، ويشعر في قلبهِ انها مُعاناتهُ هو، ويُشفِق عليهم مثلما أشفقَ ربّنا يسوع: "أُشفِقُ على هذا الجَمْع، فَإِنَّهُم مُنذُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ يُلازِمونَني، ولَيسَ عِندَهم ما يَأكُلون. وإِن صَرَفتُهم إِلى بَيوتِهم صائمين، خارَت قُواهم في الطَّريق، ومِنهُم مَن جاءَ مِن مَكانٍ بَعيد" (مر 8: 2-3). فلا يُمكن أن يكون مثل الغني الذي رأى معاناة لعازر المسكين وتركهُ يُقاسي العذاب، من دون أن يصلَ صُراخهُ إلى قلبهِ. إيمانهُ بالله يدفعهُ إلى محبّة القريب، فالإيمان من دون أعمال ميّت (يعقوب 2: 17). يستقبِل الإنسان البار كلَّ ما يأتيهِ من الله بشكرٍ وفرحٍ، ويعمَل على تجسيد هذا الفرح من خلال استجابات مُحبة لله وتعبدٍ نزيهٍ يُمجِد فيه الربَّ وينعمُ القريب بحياة كريمةٍ ويقف متضامناً مع الفقير والمسكين واليتيم والأرملة والمُستضعَف.

الجائع والعطشان إلى البِر: إنسان يعيش حياتهُ على وفقَ فكِرِ الربِّ ويسعى لإتمام إرادتهِ في حياتهِ، فيمتلِك علاقاتٍ صحيحة مع العالم ومع الآخرين. فيه جوعٌ وعطشٌ إلى الربِّ، وهذا يعني عملياً أنّ فيه جوعاً وعطشاً إلى أمرين لا ينفصلان: العدالة وحياة القداسة، إلى الله، فهو ليس ثورياً يرغبُ في تغيير الأنظمة السياسية والاجتماعية لتحقيق العدالة الاجتماعية بين البشر فحسب، بل يُريد أن تكون هذه خطوة نحو حياة القداسة، أي الإتحاد بالله القدوّس: "أَنَّ الَّذي دَعاكم هَو قُدُّوَس، فكذلِكَ كُونوا أَنتم قِدِّيسينَ في سيرَتِكم كُلِّها، لأَنَّه مَكتوب: "كونوا قِدِّيسين، لأَنِّي أَنا قُدُّوس" (1 بط 1: 15- 16). ويشهدُ التاريخ الإنساني لحركات طالبَت بتحقيق العدالة وحرّكت الجماهير وقامت بثوراتٍ غيّرت فيها أنظمة مُستبدة لتتحوّل هي نفسها إلى أنظمة أكثر استبداداً من سابقتها؛ لأنها كانت تخلو من منطلقات روحية، من الله.

يسوع الجائع والعطشان إلى البِر

        تربىّ ربّنا يسوع في بيت يوسف ومريم اللّذين عاشا البر من خلال طاعتهما لله وإن لم يستوعبا حقاً معنى تجسدهِ. وقدّم متّى الإنجيلي يوسفَ بوصفه "باراً" (متّى 1: 18)، والذي أبقى الحوار مع الله متواصلاً لاسيما في الساعات الحرجة التي اختبرها في حياتهِ، فصلّى وقت الأزمةِ وكشفَ في ذلك عن صداقةٍ أصيلة مع الله، فلم يتركهُ الله في ضيقهِ فأرسلَ إليهِ ملاكهُ ليُثبّته في الإيمان ويكشِف عن هوية مريم وعنّ سرّ الحبل الإلهي، وكلّفه برسالة: "أن يُسمي الطفل" ليكون والدَهُ الشرعي.

بِر يوسف تجلّى في استعدادهِ ليكون تحت تصّرف الله وخدمة مشروعهِ، مؤمناً بهِ حتّى لو لم يفهَم ما يُريده الله منه. برّه جعله قادراً على تمييز إرادته؛ لأنه أصغى باعتناءٍ لصوتِه، وأعطى المكانة المُطلقة لله في حياتهِ، ولم يدع أفكاره وتأملاتهِ كي تجرّه إلى طُرق عنيفة أو صاخبة وإلى حلول فوضويةٍ، بل واصل السير في ظلمة الأفكار التي تتصارَع فيه، فاستسلمَ كلياً لله (نامَ نومَ المتأمِل)، حتّى لو لم يفهم تدبير الله ومطالبهِ: "يَرُزقُ حَبيبَه وهو نائم" (مز 126: 2)، ونومٌ البار ليس تهرباً من مشروع الله، بل انفتاح على الحضور الإلهي في حالةٍ من الوعي، إذ يضعُ الإنسان جانباً ما يُفكِر به ليسمَح لله بالتفكير فيه ومن خلالهِ.

برّه كان في فعل الطاعة الذي التزمَ به: "فلمَّا قامَ يُوسُفُ مِنَ النَّوم، فَعلَ كَما أَمرَه مَلاكُ الرَّبِّ"، فلم يُؤجِل المهمّة لأيامٍ، ولم يستشر مُفسِّرَ أحلامٍ، بل كمّل كل ما أوصاه به الملاك، فصار الحارس والمُدبر والمعتني والمُحّب والمرافِق للأم وطفلها مُتخلياً عن إرادتهِ ورغباتهِ الشخصية ليكون تحت تصرّف تدبير الله الخلاصي. دُعي ليُحبِ خطيبتهُ وزوجته في بتوليتها، ويعتني بطفلها من دون أن يتوقّع مكافأتٍ شخصيةٍ، بل كان عليه تحمُلُ المشقات بسبب هذه الدعوة. دعوته كانت: أن يكون الأب المرئي لتدبير الله الخلاصي على الأرض، أن يخدُم إبن الله وأمه بسخاء تامٍ، وهذه مكافأة بحدّ ذاتها.

وعندما بدأ يوحنا المعمذان رسالتهُ دعا الجموع إلى معموذية التوبة، أي، العيش بأسلوب حياة يختلِف عن المتعارَف عليه، فكان عليهم أن يتركوا عالم الخطيئة والدخول في عالم الله، واستجابَ كثيرون لدعوته، وبضمنهم ربّنا يسوع الذي تقدّم لينالَ العماذ منه، وعندما عارضهُ يوحنا أجابَ ربّنا: "دَعْني الآنَ وما أُريد، فهكذا يَحسُنُ بِنا أَن نُتِمَّ كُلَّ بِرّ" (متّى 3: 15)، فكانت عبارة "البِر" أولى كلمات ربّنا يسوع في إنجيل متّى. وفي تقدّمه للعماذ أرادَ أن يدخلُ في عالمِ الله، فيعيش أسلوب حياة جديد على الأرض فيُحوّل الأرض إلى سماء (عالم الله)، لذلك؛ انفتحَت السموات له عند عماذه: "واعتَمَدَ يسوع وخَرجَ لِوَقتِه مِنَ الماء، فإِذا السَّمَواتُ قدِ انفتَحَت فرأَى رُوحَ اللهِ يَهبِطُ كأَنَّه حَمامةٌ ويَنزِلُ علَيه. وإِذا صَوتٌ مِنَ السَّمَواتِ يقول: "هذا هُوَ ابنِيَ الحَبيبُ الَّذي عَنه رَضِيت" (متّى 3: 16- 17). 

"ثُمَّ سارَ الرُّوحُ بِيَسوعَ إِلى البَرِّيَّةِ لِيُجَرِّبَه إِبليس. فصامَ أَربَعينَ يوماً وأَربَعينَ لَيلةً حتَّى جاع" (متّى 4: 1-2)، فما الذي فعلهُ ربّنا يسوع في مواجهةِ الجوع؟ 

        طلبَ المُجرِّب من ربّنا يسوع تحويل الحجارة إلى خبزٍ. أرادَ أن يُجرِّب الله الذي خلقَ كلَّ شيءٍ، وفي تجربتهِ هذه كان يُريد السيطرة على قوّة الله لصالحهِ ليخلُق عالمنا مثلما يراه هو: أنانياً، جشعاً ومليئاً بالعنف والصراعات، ويجعَل من ربنا يسوع المُخلِّص ساحراً، ويُبعِده عن أبيهِ، فيترُك العناية الإلهية ليتّكِل على المخلوقات: الحجارة. لكنَّ ربّنا يسوع كانت سعيداً بالحجارة التي رافقته طوال أربعين يوماً وأربعين ليلة، واستمتَعَ بمنظرها، فلم يرغَب بأن تكون غير ما أرادَ الله الخالِق أن تكون، مؤكداً على ضرورة الإيمان والاتكال على الله الآب، مثلما كُتِبَ في سفر تثنية الإشتراع: "لا بالخُبزِ وَحدَه يَحْيا الإِنْسان، بل بِكُلِّ ما يَخرُجُ مِن فَمِ الرَّبِّ يَحْيا الإِنْسان" (تث 8: 3). فعليهِ أن يُواصِل الصلاة كل حينِ إلى الله الآب من دون اللجوء إلى "آلهةٍ" أخرى مزيفة، لأن كلمة فم الله هي ثمرةُ محبة قلبهِ، وكلمة الله هي كلمة خلاصٍ، وحياةٌ للإنسان.

        ربّنا يسوع عاش حياة البِرّ الإلهية وأتمّها في حياتهِ مُجسداً محبّة الله وبرّه على الأرض، ونذكُر هنا حادثتين:

        الأولى: عندما شاهد الجموع الكثيرة التي تبعتهُ متعَبة وجائعة أشفقَ عليهم فقدّم لهم خُبزاً وسمكاً مُباركاً: "ثُمَّ أَخذَ الأَرغِفَةَ السَّبعَةَ والسَّمَكات، وشكَرَ وكسرَها وناوَلَها تَلاميذَه، والتَّلاميذُ ناوَلوها الجُموع. فأَكَلوا كُلُّهم حتَّى شَبِعوا ... وكانَ الآكِلونَ أَربَعَةَ آلافِ رَجُل، ما عدا النِّساءَ والأَولاد" (متّى 15: 36- 38). لم يشبَع هو حتّى شبعوا كلّهم، ولم يكن هناك تمييز وتفضيل لشخص على آخر. كل شخص نالَ حصتهُ بالتساوي، في واقعٍ كان يُميِّز بين الرجل والمرأة والأطفال، ويُصنّف الناس إلى مجموعاتٍ، مفضلاً هذا على ذاك. في واقع ملكوت الله، بِر الله، الجميع متساوون أمام الله الآب، وهذا ما يحصل في سرّ الأفخارستيا فالجميع يقبل جسد ربّنا يسوع ودمهُ.

        والثانية: عندما حانت ساعت رحيله عن الأرض، أعطانا جسدهُ ودمهُ ليكون طعاماً وشراباً من أجل إعادة بناء العلاقة مع الله الآب: المُصالحة. وهو يدعونا إلى أن نصنعَ هذا لذكرهِ، ليس في قبولنا جسده ودمه فحسب، بل عندما نُصبحُ نحن أفخارستيا للآخرين، فلن يهدأ لنا بالٌ ما لم يُرفَع الظلم والجوع والعطش عن الآخرين. هذا هو (بِرُّ) المسيح، هذه هي عدالته التي يدعونا إليها:عدالة نابعة من نعمةٍ إلهية كما يقول البابا بندكتس السادس عشر في رسالة الصوم الكبير لسنة 2010، حين كتبَ متسائلاً:

ما هي إذن عدالة المسيح؟

إنها، قبل كل شيء، العدالة الآتية من النعمة، فليس الإنسان هو مَن يسنّ القوانين ويشفي نفسه والآخرين. ... التوبة إلى المسيح، الإيمان بالإنجيل، تعني في النهاية: الخروج من وهم الاكتفاء الذاتي بغية أن يكتشف الإنسان ويقبل حاجته – الحاجة الى الآخر ، الحاجة الى الله، الى غفرانه وصداقته. نفهم إذن كيف أن الإيمان بعيد عن أن يكون واقعاً طبيعياً ومريحاً وواضحاً: التواضع ضروري لأقبل بحاجتي الى آخر ليحررني من “ما هو لي”، ليمنحني بمجانية “ما هو له”. وهذا يحصل على نحوٍ خاص في سري المصالحة والافخارستيا ... العدالة التي تشعر في كل حالة بانها مدينة أكثر منها دائنة؛ لأنها حصلت على أكثر ممّا كانت تتوقعه”. بقوة هذه الخبرة بالذات، على المسيحي واجب المساهمة في بناء مجتمعات عادلة، حيث يحصل الجميع على ما هو ضروري للعيش بكرامة تليق بالشخص البشري وحيث العدالة تغذيها المحبة.

        فإذا كنتَ جائعاً وعطشاناً إلى البِر، ربّنا يسوع يُطوبَّك؛ لأنّك نلتهُ بالإيمان به: "أَمَّا الآن فقَد أُظهِرَ بِرُّ اللّهِ بِمَعزِلٍ عنِ الشَّريعة، تَشهَدُ لَه الشَّريعةُ والأَنبياء، هو بِرُّ الله، وطَريقُه الإِيمانُ بِيَسوعَ المسيح، لِجَميعِ الَّذينَ آمَنوا، لا فَرْق" (روم 3: 21- 22).

أسئلة للتأمل الشخصي:

  1. هل تشعر بحاجتِكَ إلى الله؟ هل تشعر "بالجوع والعطش" لربّنا يسوع؟ وما الذي يدفعك لقبول ربّنا يسوع في سرِّ الأفخارستيا؟ أهو واجبٌ ومطلبٌ كنسي، أم إنّك تشعر باشتياقٍ إلى العيش بحسبِ مشيئة الله الآب وتعي حقيقة ضعفِكَ ومحدودية إمكانيّاتِك، وتُريد تحقيق مشيئة الله وتطلبُ عونهُ وحضورهُ معك؟
  2. ما الذي تفعلهُ عادة عندما تختبرُ أزمة إيمان أو مُشكلة في علاقتكِ؟ هل تسأل عن السبب والمُسببات ومن هو المُخطئ؟ هل تتأمل ما الذي يُريدهُ الله منك ولك في مثل هذه الأوقات؟ هل تستشير كاهنا أو راهبا أو راهبة؟ هل تُصلي الأزمة وتتحاور فيها مع الله؟ هل تؤمِن بأنَّ الله وبسبب محبتهِ الأبوية يُريد لكَ نُضجَ الإيمان والشخصية حتّى وقت الأزمات؟
  3. أتلتزم بالصلاة والصوم والصدّقة للآخرين لأن ربّنا يسوع والكنيسة أوصيا بذلِك، أم انّك تبحث عن مديحٍ أو مكافأة معنوية، أم إنّك تشعُرُ بالحاجة إلى "الله" وتُريد التواصل معه والوصولَ إليه بتقواك هذه؟ التقوى الإجبارية تجعلنا أكثر جوعاً وعَطَشَاً ولن تُشبِع جوعنا وعطشنا الروحي. الصوم يبدأ من الانقطاع عن السلوكيات الظالمة والمواقف الشريرة. فما هي السلوكيات والمواقف التي يجب عليكَ أن تصومَ عنها اليوم؟ الصلاة ممارسة لعدالة تُطالبنا بتقديم الشكر لله على رعايته وتدبيره الأبوي، أَفَنُصلي شاكرين أم مُتذمرين؟
  4. ما الذي تفعلهُ إزاء الفقر والمجاعة والظلمِ الذي يشهدهُ عالمنا؟ أَتذكر ذلك في صلاتِك إلى الله، أم تصمتُ حزيناً على هذا الواقع الشرير، أم أن الأمر لا يعنيَك؛ لأنّك تشعرُ بضعفِك إزاء هولِ الشر الذي فيه،أم أنّك لا تُفكر فيه البتة؟
  5. أوصى ربنا يسوع تلاميذهُ بالاجتهاد في طلبِ البرِ: "فإِنِّي أَقولُ لكم: إِن لم يَزِدْ بِرُّكُم على بِرِّ الكَتَبَةِ والفِرِّيسيِّين، لا تَدخُلوا مَلكوتَ السَّموات" (متّى 5: 20). ووبّخَ ربّنا يسوع إدعاء الفريسيين وزيف تقواهم، فكيفَ ترى نفسكَ أمام هذا المطلب؟ هل لك أن تُميز بين الإيمان والتديّن في مسيرتك الروحية؟ ما هي السلوكيات الفريسيّة التي عليك الاقلاع عنها؟ هل أنَّ صلاتك وصومَك وإحسانَك يدفعك لدينونة الآخرين والنظر إليهم بوصفهم خطأة لا يستحقون الحياة؟ إنتبه فهي أخطر مظاهر الفريسيّة التي شجبها ربّنا يسوع؟
  6. طلبَ ربنا يسوع من الشاب: "إذا أَرَدتَ أَن تكونَ كامِلاً، فاذْهَبْ وبعْ أَموالَكَ وأَعْطِها لِلفُقَراء، فَيكونَ لكَ كَنزٌ في السَّماء، وتَعالَ فاتبَعْني" (متّى 19: 21)، عليك أن تُعيد تنظيم حياتِك انطلاقاً من واقع الفقراء. أنت مدعو إلى التباعة أي إلى الدخول في حياة الثالوث، فوجود الفقراء يعني أن سلطان الخطيئة مازال هو المُتحكِم في حياة البشر، ووجود الفقراء في العالم يعني أيضاً أنّك مسؤولٌ عن ذلِك. فهل تشعُر بهذه المسؤولية؟ كيف تُدبّر مُقتنياتِك؟ وكيف تتعامل مع الفائض منها؟ هل شعرتَ بالحزنِ إزاء خسارة مادية واجهتها في حياتِك؟ أمازلتَ تتذكر هذه الحادثة وتحزن بسببها؟
  7. ما الذي يدفعُك لتكون مُعتدلاً في نظرتِك وقنوعاً في تطلّعاتِك وعادلاً في أحكامِك؟ أَهي مُتطلباتٌ إلهية مٌلزِمةٌ (مفروضة عليك)، أم إنها وسيلة لكسبِ احترام الناس وإعجابهم، أم أنّك تجد فيها الفرصة للتعبير عن واجب الشُكرِ لله على عطيّة الإيمان؟ هل تعي حقيقة أن التقوى هي ثمرة عمل الروح فيكَ، وأنّهاهي التي تُهيئكَ للقداسة؟ وهل تُصلي من أجل أن تكون "قديساً" في الكنيسة؟ 

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96
الصفحة 1 من 13