ندوة الكتاب المقدس
 المطران بشار متي وردة

المطران بشار متي وردة

الأحد الخامس من الدنح

ولادة من الروح القُدس (يو 3: 1- 21)

إستقبلَ ربّنا يسوع نيقوديموس، معلّم إسرائيل، إستقبالهُ لشعبٍ ينتظرُ المُخلص؛ الماشيحا، ويسعى لتعجيل مجيئهِ إنطلاقاً من الإلتزام بالشريعة. حاوره بصدقٍ ليقوده نحو التوبة والإهتداء إلى "البُشرى السّارة" والإيمان به مخلّصاً ليُولَد إبناً لله، لا بأعمال الجسد التي يسعى لتطبيقها حرفياً، بل بنعمةٍ مجّانية من الله: "أَمَّا الَّذينَ قَبِلوه وهُمُ الَّذينَ يُؤمِنونَ بِاسمِه فقَد مَكَّنَهم أَنْ يَصيروا أَبْناءَ الله" ... لأَنَّ الشَّريعَةَ أُعطِيَت عن يَدِ موسى وأَمَّا النِّعمَةُ والحَقّ فقَد أَتَيا عن يَدِ يسوعَ المسيح. (يو 1: 12- 17). إستقبلهُ وهو يعرِف أن نيقوديموس خائفُ من تبعات هذا اللقاء، فعلى الرُغم من أنه بحث عن ربّنا يسوع ليلتقيهِ إلاً أنه جاء ليلاً خوفاً من أن يراهُ أحدٌ ويفضحَ أمره. وعندما بدأ حديثهُ مع ربنّا إختباءَ خلف رأي الناس بربّنا يسوع بقولهِ: "راِّبي، نحنُ نَعلَمُ أَنَّكَ جِئتَ مِن لَدُنِ اللهِ مُعَلِّماً، فما مِن أَحَدٍ يَستَطيعُ أَن يَأَتِيَ بِتِلكَ الآياتِ الَّتي تَأتي بِها أَنتَ إِلاَّ إِذا كانَ اللهُ معَه"، عوضَ أن يقول: "أنا أعلمُ، أنا أؤمنُ". فبدأ معه ربّنا يسوع مسيرة التوبة مُطالباً إياهُ بأن يُعلِن إيمانهُ الشخصي فلا يكفي أن تُردد ما يقوله الناس عن يسوع، الأمرُ بحاجةٍ إلى إعترافٍ شخصي: "هذا ما يراه الناس، ولكن ما الذي تقولهُ أنت يا نيقوديموس؟ هذا الإعتراف الشخصي ممكن فقط لمَن يُولَد من الروح القُدس.

ربّنا يسوع، نور العالم، لذا قادَ نيقوديموس في رحلة التوبة ليُخرجهُ من الظلمةِ التي هو فيها. نيقوديموس إنسانٌ خائفٌ لم يأتِ ليلتقي مع ربّنا يسوع بمعيّة علماء الشريعة مثلما كان الأمر آنذاك ليشهدوا على صحّة معتقداتِ ربنا يسوع. والحيرة أخذتهُ ولم يتمّكن من التعرّف على هوية ربّنا يسوع الحقيقية: "هو نورُ العالم، هو المُخلِص، هو الماشيحا. لذا، فهو بحاجةِ إلى أن يسمح لله الآب أن يلدهُ له إبناً، والولادة الثانية تعني حرفيا: عليك يا نيقوديموس أن تترك كلَّ شيء، أن تترك ما تعرفهُ عن "الماشيحا"، أن تتخلّى عن أفتراضاتِك من أجل إنطلاقة جديدة في حياتِك، وأترك دفّة القيادة بيدي، وأقبل أن تكون تلميذا لا معلما. أفعل هذا وستنال حريّة الروح لأن الروح سيأخذ إلى كلّ مكان من دون أن يكون لكَ تحفظات أو إعتراضات.

فلا يكفي يا نيقوديموس أن تعلم (تعرِف) أن ربّنا يسوع جاء من عند الله، الأهم هو أن تتوبَ لهذه الحقيقة، وتسمَح للروح القُدس أن يُرفرِف على حياتِك فتُولدَ إنساناً جديداً بنعمةِ الله، مثلما كان روح الله يُرفرف على وجه المياه في البدءِ فأبدع الخليقة (تك 1: 1-2). قف أمام النور الإلهي ليُضيء الظلمة التي أنت فيها، ويُخرجُك إلى النور، إلى الحقيقة. هو الروح نفسه الذي خلقَ إسرائيل شعبأً لله، فأخرجهُ بذراع قديرة من أرض مصر ودبّره في البرية مُعتنياً به إعتناء الآب بإبنهِ البكر (خر 4: 22). لذا، أبدى إستغربَ ربّنا يسوع من سؤال نيقوديموس فردّه قائلاً: "أَأَنتَ مُعلِّمٌ في إِسرائيل وتَجهَلُ هذِه الأَشْياء". فمَن هو شعبُ إسرائيل حتّى يُكرمهُ الله ويختارهُ: "لا لأِنَّكم أَكثَرُ مِن جَميع الشَّعوبِ تَعَلَّقَ الرَّبُّ بِحُبِّكم واخْتارَكم، فأَنتُم أًقَلُّ مِن جميعَ الشَّعوب، بل لِمَحبَةِ الرَّبِّ لَكم ومُحافَظتِه على القَسَم الَّذي أَقْسمَ بِه لآَبائِكم" (تث 7: 7-8).

هنا، كانت لابّد لربّنا يسوع أن يحسِم الأمور مع نيقوديموس ليُقرر: "الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكَ: إنَّنا نتكلَّمُ بِما نَعلَم، ونَشهَدُ بِمَا رَأَينا ولكِنَّكُم لا تَقبَلونَ شَهادَتَنا"، بمعنى: أنا هو المُرسَل من قبل الله، أنا هو الماشيحا، إتبعني يا نيقوديموس، وإذهب وبشّر إخوتَك، إنّك وجدّت الماشيحا. فلا يُمكن الفصل ما بين تعليم رّبنا يسوع وأعمالهِ، وبين شخصهِ. تجسّده يعني أنت مُطالَب بأن تتبعهُ، لأنه هو المُخلِص. هو الذي سيشفَع للإنسان مثلمّا طلبَ موسى من أجل الشعب عندما تمرّد عليه في البرية، فبيسوع المسيح سيكون لهم الخلاص: "وكما رَفَعَ مُوسى الحَيَّةَ في البَرِّيَّة فكذلِكَ يَجِبُ أَن يُرفَعَ ابنُ الإِنسان لِتَكونَ بهِ الحَياةُ الأَبديَّةُ لِكُلِّ مَن يُؤمِن". فعليكَ يا نيقوديموس أن تُقرر لحياتِك: إمّا أن تخرجُ للنور أو تبقى في الظلمة التي أنت فيها، وأن تتبعني حيثما أذهب، إلى أورشليم، إلى الجُلجلة لتقبل صليب بذل الذات حُباً لله وللقريب، وتقبلني مثلما أريدُ أن أكون: أنا الماشيحا المصلوب.

بدأت رحلة التوبة والإيمان في حياة نيقوديموس وأخذت منه بعض الوقت لأن كلمة الله زُرِعَت في قلبه، وسيعتني الله بنموّها على الرُغم من الإعتراضات التي تتحدّها، فما يعرفه عن الماشيحا كان عائقاً أمامه ليتعرّف عليه في شخص ربّنا يسوع. إمتيازاتهُ الإجتماعية ومكانتهُ كأحدِ علماء الشريعة جعلتهُ خائفاً من نظرة الناس إليه إذا قرر أن يكون تلميذا. فكان على نيقوديموس أن يترك مخاوفهُ ويتخلّى عن الكثير من الإمتيازات ليكون أكثر جُرأة في التعبير عن إيمانهُ، وهذا الذي حصلَ فدافع عن ربّنا يسوع أمام رؤساء الكهنة والفريسيين (7: 50)، ورافق يوسف من الرامة لتطيّب جسد ربّنا يسوع ويُقدّم له الإكرام الواجِب (يو 19: 39).

ربّنا يسوع ينتظرنا جميعاً ويُريد أن نضع أمامه كلّ مخاوفنا وهمومنا، ولكّن الأهم من ذلك، أن نقبلهُ مخلّصاً في حياتنا. قبوله لا يعني الإعتراف به مُعلماً، بل تباعتهُ والسير خلفهُ على الطريق الذي اختاره هو. فالخلاص لا يعني تغيير سلوكياتنا الخاطئة، بل السماح لروح القُدس ليلدنا أبناءً لله الآب مؤمنين بمحبتهِ لنا فهو لم يأتِ ليديننا بل ليُخلّصنا: "فإِنَّ اللهَ لَم يُرسِلِ ابنَه إِلى العالَم لِيَدينَ العالَم بل لِيُخَلَّصَ بِه العالَم"، وخلاص العالم سيكون عندما نترُك إنشغالنا بأنفسنا ونتوجّه نحو محبّة الله التي ظهرت لنا بيسوع المسيح. فلندع نورهُ يُشرق على حياتنا ويُضيء الظلمة التي فينا، ويُعرفنا بكل ما يمنعنا من أن نكون الحبُ الذي قبلناه نعمةً من الله.

الأحد الثاني من الدنح

ربّنا يسوع: نور العالم (يو 1: 1- 28)

تأمل يوحنّا الإنجيلي في تدبير الله الخلاصي الذي صارَ لنا بيسوع المسيح. لقد إستجابَ لدعوة ربّنا له ورافقه تلميذاً، وأحبّه على نحو خاص ومالَ إلى صدره في العشاء الأخير فوجّه حياتهُ كلياً نحو ربّنا يسوع (يو 13: 25). وعظ بالبُشرى الساّرة وكتبَ إنجيلهُ ليتقاسم مع الكنيسة خبرة الإيمان، وكتبَ في إفتتاحية إنجيليه مُقدمةً مجّد فيه عظيمَ تدبير الله الذي كشفَ عن محبتهِ لنا بيسوع المسيح؛ كلمتهُ منذ الأزل. وحاول من خلال سردِ أحداث الإنجيل شرحَ معنّى هذه المُقدمة. بشّرنا أنه الحياة، النعمة والحق، "النُّورُ الحَقّ الَّذي يُنيرُ كُلَّ إِنْسان آتِياً إِلى العالَم". ولكن الإنسان، ومثلما قال ربّنا يسوع لنيقوديموس الذي زاره ليلاً: "أَنَّ النُّورَ جاءَ إِلى العالَم ففضَّلَ النَّاسُ الظَّلامَ على النُّور لأَنَّ أَعمالَهم كانت سَيِّئَة. فكُلُّ مَن يَعمَلُ السَّيِّئات يُبغِضُ النُّور فلا يُقبِلُ إِلى النُّور لِئَلاَّ تُفضَحَ أَعمالُه. وأَمَّا الَّذي يَعمَلُ لِلحَقّ فيُقبِلُ إِلى النُّور لِتُظهَرَ أَعمالُه وقَد صُنِعَت في الله" (يو 3: 19- 21). فنسأل: لماذا يُفضّل الإنسان البقاء في الظلمة ويرفض النور؟ وما هي الأعمال التي يخاف الإنسان من أن تُفضَح حتّى أنه يتهّرب من نور الحقيقة؟ هل يتحدّث ربّنا يسوع عن "أفعال خاطئة" أم "واقع خاطئ" نعيشهُ؟

"النور" الكلمة الأولى التي نطقّ بها الله: "ليكن نور"، فكان نور" (تك 1: 3)، وعندما يحلّ الله الكلمة بيننا يُقدِم ذاتهُ نوراً لحياتنا يُضيءُ الظلمةَ التي يختبرونها، وينتظر إستجابتنا له، أي أن نخرجَ إليه من الواقع الذي نحن فيه؛ الظلمة، إلى حيثُ يُريدنا أن نكون؛ النور. في إنجيل يوحنّا كل لقاء حصل وقتَ الظلمة لم يكن له عواقبَ طيّبة، فيهوذا خرجَ من العشاء الأخير في الليل وسلّمَ ربّنا يسوع لرؤساء الكهنة وشيوخ الشعب (13: 30)، وقبضوا على ربّنا في الليل (18: 1- 11)، وأنكره بطرس في الليل (18: 11- 27). في المقابل لدينا قصّة لقاء ربّنا يسوع مع السامرية وقد جرى في وضحِ النهار، عند الظهيرة (يو 4: 1- 42)، وقد حظيت بنعمةِ الخلاص وصارت مُبشرّة له، فبيّنت لنا أن النعمة ننالها لنتقاسمها مع الآخري لا لنحتفِظ بها.

عند الظهيرة، حيث الشمس والنوّر في أوجهِ وصل ربّنا يسوع عند بئر يعقوب وجلس ليرتاح من تعب الطريق، الطريق الذي يمّر وسط مدينة سيخاره وهي مدينة سامرية والذي كان يجب على كل يهودي تقي أن يتجنّب المرور فيه، وهذا ما لن يفعلهُ ربّنا يسوع، لأنه جاء لأجل هذا الغرض، جاء ليُخلّص الخاطئ، وجلوسهُ يعني الثبات الاستقرار، يعني إنه مُستعد ليُعلّم ويُرشد. نحن نعلم أنه وبعد كل لقاءٍ عند البئر هناك فرحٌ وعُرسٌ، هذا ما نقرأه في الكتاب المُقدس، حيث إلتقى كبير خدم إبراهيم برفقّة زوجة إسحق (تك 24)، ويعقوب براحيل (تك 29: 9- 14) وموسى بصفورة (خر 2: 16- 22)، فإذا جلس ربّنا يسوع عند البئر فمعناه أنه يرغب في الإرتباط بالإنسان من أجل تقديسه مثلما شبّه بولس العلاقة ما بين المسيح والكنيسة: "أَيَّها الرِّجال، أَحِبُّوا نِساءَكم كما أَحَبَّ المسيحُ الكَنيسة وجادَ بِنَفسِه مِن أَجْلِها لِيُقدَسَها مُطهِّرًا إِيَّاها بِغُسلِ الماءِ وكَلِمَةٍ تَصحَبُه، فيَزُفَّها إِلى نَفْسِه كَنيسةً سَنِيَّة لا دَنَسَ فيها ولا تَغَضُّنَ ولا ما أَشْبهَ ذلِك، بل مُقدَّسةٌ بِلا عَيب" (أفسس 5: 25- 27).

وصلت المرأة بمفردها حاملّة جرّة ماء، وعادة كانت النسوة تأتي إلى البئر كمجموعةٍ باكراً عند الصباح أو عند المساء، أما أن تأتي هذه المرأة وحيدة وعند الظهيرة فهذا يعني أنها كانت خاطئة ومرذولة إضافة إلى كونها سامرية، وكان يجدر بربّنا يسوع أن لا يتحدّث إلياه، ولكنه لأجل ذلك حلَّ بيننا، جاء ليهبَ النعمة والحق. بادرً ربّنا وطلبَ منها أن تسقيهه ماءً، فمثلنا أننا عطشى إليه: "كما يشْتاقُ الأيَلُ إِلى مَجاري المِياه كذلِكَ تَشْتاقُ نَفْسي إِلَيكَ يا أَلله" (مز 42: 2)، هو أيضاً يشتاق إلى محبّتنا لذا طلب منها أن تسقيهِ ماءً. رفضت، فسألها أن تسألهُ هو ماء الحياة؟ وصار يُحدّثها لتتشجّع وتلقي جرّتها عميقاً لا في البئرِ بل في حياتها الفوضوية، فسألها: مَن هو زوجك؟ مَن هو الذي يُسيّر حياتِك؟ لمَن تصغين؟ أسئلة أرادَ ربّنا من خلالها أن تبدأ هذه المرأة مسيرة التعّرف على ذاتها: أين أنت؟ وما هو توجّهكِ في الحياة وجاء الجواب: ليس هناك في حياتي مرجعية فهي تنتقل من واقع إلى آخر، تبحث عن الراحة والسعادة مع هذا الشخص أو ذاك، مع هذا الواقع أو ذاك من دون أن تصلَ إلى "إشباع"، بل تشعر بفراغٍ أكثر ألماً، فكشفَ لها ربّنا أنها تعيش واقعاً فوضوياً وعليها أن تُقرر الآن أن تتخلّى "الآن" عن هذا الواقع، ليس فحسب، وتتبعهُ، وهذا ما حصل، فتركت كل ما تملّك: "الجرّة"، ودخلت المدينة لتُبشِر به من دون خوفٍ: "هَلُمُّوا فَانْظُروا رَجُلاً قالَ لي كُلَّ ما فَعَلتُ. أَتُراهُ المَسيح؟" نالت الغفران وكانت مُستعدةّ لتقدمه بمحبّة وبشجاعة للجميع.

أول خطوة إذاً بإتجاه النور إذاً هي الشجاعة للقاء يسوع، أن أنكشِف أمامه مثلما أنا وأن أسمح لنوره لأن يُضيء كل خفايا حياتي من دون خوفٍ. أن نسمحَ له بأن يُحاورنا صريحاً ويكشِف لنا: مَن نحن؟ وإلى أين نحن منه؟ معرفة الذات ليست ضمن معالجات نفسيّة من أجل قرارات شجاعة في الحياة أو التخلي عن سلوكيات خاطئة والبدء بسلوكيات جديدة، بل هي بالنسبة لنا: لقاء صريحٌ مع ربّنا يسوع ليُعرّفني بذاتي: أين أنا منهُ، فهو الحياة الحق؟ ليكشِف لي، وبنورهِ، عن تدبيره لحياتي: ما هي رسالتي؟ معرفة الذات ليست من أجل العودة إلى الذات، بل من أجل الخروج نحو ربّنا يسوع، نحو الآخرين مُبشرين إياهم بالخلاص الذي صار لنا بيسوع المسيح.

الأحد الأول من الدنح

ربّنا يسوع المسيح: مُخلص العالم (لو 4: 14- 30)

أثارّ ربّنا يسوع غضبَ أهل الناصرة في أول لقاء جمعهُ بهم. فالجميع كان يشهد له ويُعجَب من كلام النعمة الذي يخرجُ من فمهِ وكانوا يتأملون منه الكثير، ولكنه إصطدمَ معهم إذ كشفَ لهم أن الماشيحا لن يكون "مُخلّصهم وحدهم" بل هو مخلّص العالم كلّه مثلما بشّر الملاك الرُعاة: "لا تَخافوا، ها إِنِّي أُبَشِّرُكُم بِفَرحٍ عَظيمٍ يَكونُ فَرحَ الشَّعبِ كُلِّه" (لو 2: 10). إعترض كل الذين في المجمع على هذا الموقف، وحاول ربّنا يسوع إقناعهم بأن الله أرسل إيليا النبي إلى أرملة صرِفة، مع أنه كان هناك أرامل كثيرة في بيت إسرائيل، وكذا الحال مع نعمان السوري، وكان له أن يذكر كيف أن الله أرسل يونان النبي إلى أهل نينوى. ولكنهم رفضوا الإصغاء إليه وحاولوا قتلهُ لكنّه تخلّص منهم مُبيناً لهم أنه هو الذي يُقرر مصيره وليس هم.

ونسأل هنا، لماذا ذكرّ ربّنا يسوع أرملة صرفة ونعمان السوري؟ ومَن العبرة من هاتين القصتين؟

أظهرَت أرملةُ صرفة، وهي الوثنية، إيماناً متميزاً بالله (1 مل 17: 7- 16). مرّت ثلاث سنوات على المجاعة في إسرائيل، وأمرَ الله إيليا بالذهاب إلى صِرفة في صيدون، هناك وجدَ أرملة تجمع الحطب لتعدّ طعاماً لها ولأبنها لتأكلهُ وتموت. طلبَ منها النبي إيليا أن تُعطيه كل ما تملُك من الدقيق والزيت، ووعدها بأن الدقيق والزيت لن ينقُص من بيتها، فأطاعت هذا الغريب: "فمَضَت وأَعَدَّت كما قالَ إِيليَّا وأكَلَت هي وهو وأَهلُ بيتِهِا أيَّامًا. وجرَةُ الدَّقيقِ لم تَفرُغ وقارورَةُ الزَّيتِ لم تَنقُص، على حَسَبِ كَلام الرَّبِّ الَّذي تَكلمَ بِه على لِسان إيليَّا" (17: 15- 16). فبيّنت موقف إيمان إكراماً لكلمة الله التي جاءت على لسان النبي إيليا. في فقرها وعجزها لم تحتفِظ لنفسها بشيءٍ حتّى القليل الذي تملكهُ، فأعطت لتنال الوفّرة.

وكذا الحال مع نعمان السوري (2 مل 5: 1- 19) الذي كشفَ عن تواضعٍ وإيمان بإله إسرائيل على نحوٍ لم يُظهره ملكُ إسرائيل نفسها الذي خافَ ولم يتكّل على الله وقتّ الشدّة. كان نعمان ضابطاً مشهورأً في جيش آرام عانى من البرص. أخبرتهُ خادمتهُ أن في إسرائيل (السامرة) نبياً عظيماً سيشفيه، فسمِعَ بكل تواضعٍ لخادمتهِ وخاطِب ملكهُ والذي بدورهِ أرسل إلى ملكِ إسرائيل طالباً تقديم العون لنعمان، فألتقى إليشاع النبي والذي أرسلهُ ليغتسِل بمياه نهر الأردن سبع مرات، وعمِل بما أوصاهُ النبي ونالَ الشفاء وعاد ووقفَ أمام النبي إليشاع ممجداً الله: "هاءنذا قد علمتُ أن ليس في الأرض كلّها إلهٌ إلاَّ في إسرائيل". وأخذ كومة ترابٍ، من تراب أرض إسرائيل، ليتعبّد لإله إسرائيل فقط.

في أولِ لقاء مع الناس في الناصرة بشّر ربّنا يسوع أن رسالتهُ هي إعلانُ محبّة الله المجانيّة للجميع من دون إستثناء، لاسيما للفقراء والمهَمَشين والمأسورين الذين ضاقت بهم الحياة. هذه البُشرى تنتظر إستجابة إيمان بطولية وتواضعٍ صادق أمام الله فتهبَّ له كلَّ شيءٍ. أي، أن تتعلّم أسلوب الله في العيش: العطاء بمحبّة مجّانية. فإن لم نتعلّم هذا الأسلوب سنقع في خطيئة "الحسد" التي أختبرها اليهود الذين كانوا في المجمّع عندما عرفوا أن ربّنا يسوع سيتوجّه بالبُشرى لغير اليهود. اختيار الله لهم أضحى امتيازاً لا رسالة، وهو الذي دعاهم منذ البدء ليكونوا نوراً للأمم: "أَنا الرَّبَّ دَعَوتُكَ في البِرّ أَخَذتُ بِيَدِكَ وجَبَلتُكَ جَعَلتُكَ عَهداً لِلشَّعبِ ونوراً لِلأُمَم لِكَي تَفتَحَ العُيونَ العَمْياء تُخرِجَ الأَسيرَ مِنَ السِّجْن الجالِسينَ في الظُّلمَةِ مِن بَيتِ الحَبْس" (إش 42: 7). التمركّز على الذات (حبُّ الذات) قادهم إلى الغيرة والحسد ودفعهم إلى رفضِ ربّنا يسوع التهجّم عليه والرغبة في التخلّص منه بإخراجه خارج المدينة في إستباقٍ لما سيحصل في أورشليم، وسيتكرر هذا المشهد مع إسطيفانوس (أع 3: 14- 15)، حسد المتدينين هو أبشع أنواع الحسد وأكثرهم تطرفاً وعنفاً وعلينا التنبّه له في حياتنا الإيمانية لاسيما في نظرتنا لمَ، هم مختلفون عنّا في السلوك أو في الإيمان.

لا يكفي إذاً الإعجاب بربّنا يسوع مثلما تعجّب أهل الناصرة، المطلوب هو القُدرة على الإصغاء إليه والإيمان به والتتلمُذ له (الطاعة له)، مؤمنين أنه يحمل لنا وللجميع: بُشرى الله السارة، وهي ليست تعاليم بشرية قابلة للنقاش، كما يعتقد البعض أن بإمكاننا تفسير كلام ربّنا يسوع وفقَ الظروف والمكان والزمان. تعليمهُ هو من الروح القدس الذي حلَّ عليه يوم العماذ ومدّه بالقوة ليواجه تجارب الشيطان وأرسله للكرازة، ونحن مدعوون لا إلى سماع كلامهُ فحسب، بل الى الإصغاء إليه والطاعة له حتّى وإن خالَف ما نعتقده صحيحاً أو جاء معترضا لما نرغبهُ ونريدهُ.

هذا ممكن لمَن يشعر بفقره الروحي ويُقرُّ بتواضعٍ أنه عاجز عن مواصلة الحياة بقواه الذاتية، ويُصلي إلى الله الآب طالباً الرحمة. لذا، يُمكن للفقراء والمأسورين والعميان والمظلومين الشعور بقُربِ الله منهم بيسوع المسيح، والإستجابة لدعوتهِ على مثال بطرس ومتّى وبولس، فهؤلاء كان لهم مهنةُ ومال وصيتُ حَسَن، ولكنّهم كانوا يتطلعون لما هو أسمى من المال والعلم والمكانة، كانوا يبحثون عن الله فوجدوا أن الله ينتظرهم. كانوا على مثال ربّنا يسوع قادرين على "الإفلات" من يدي مبغضيه لأنهم كانوا أحراراً من كل تعلّق، حتّى من أفكارهم ومعتقداتهم وتصوراتهم، فالأهم كان دعوة الله لهم بيسوع المسيح: "إِلاَّ أَنَّ ما كانَ في كُلِّ ذلِكَ مِن رِبْحٍ لي عَدَدتُه خُسْرانًا مِن أَجلِ المسيح، بل أَعُدُّ كُلَّ شَيءٍ خُسْرانًا مِن أَجْلِ المَعرِفَةِ السَّامية، مَعرِفةِ يسوعَ المسيحِ رَبِّي. مِن أَجْلِه خَسِرتُ كُلَّ شَيء وعدَدتُ كُلَّ شَيءٍ نُفايَة لأَربَحَ المسيحَ" (فيلبي 3: 7-8).

عيد الدنح

توبوا، قدِ اقتَربَ مَلكوتُ السَّموات (متّى 3: 1- 17)

مع عماذ ربّنا يسوع إنفتحت السموات ليرفرف روح الله على علينا نحن الذين آمنّا ببشارة ربّنا يسوع فاختارنا الله وقدّسنا لنكون آبناءً له: "أَمَّا الَّذينَ قَبِلوه وهُمُ الَّذينَ يُؤمِنونَ بِاسمِه فقَد مَكَّنَهم أَنْ يَصيروا أَبْناءَ الله" (يو 1: 12). مجيءُ ربّنا يسوع عند يوحنّا تثبيتٌ لرسالة نبيّ الله المنادي بمعموذية التوبة، ومُصادقة على نبؤتهِ: "أنا أُعمِّدُكم في الماءِ مِن أَجْلِ التَّوبة، وأَمَّا الآتي بَعدِي فهو أَقْوى مِنِّي، مَن لَستُ أَهْلاً لأَن أَخلَعَ نَعْلَيْه. إِنَّه سيُعَمِّدُكم في الرُّوحِ القُدُسِ والنَّار" (متّى 3: 11)، ليس فحسب، بل هو بدءُ مسيرة العودة إلى بيت الله الآب إذ يقودنا ربّنا يسوع نحن الخظأة ليُدخلِنا إلى فرحِ الآب. التوبة ليست من أجل إصلاحِ الأخلاق، بل هي جوابٌ مُمتننٌ لمُبادرة المُحبّة الذي يدعونا بلسانِ يوحنا: "توبوا، قدِ اقتَربَ مَلكوتُ السَّموات" (متّى 3: 2)، وكانت هذه أولّ منادة لربّنا يسوع عندما بدأ البشارة: "تَمَّ الزَّمانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكوتُ الله. فَتوبوا وآمِنوا بِالبِشارة" (مر 1: 15). الله الآب يُريد أن يرافق الإنسان ليعيش ملءَ إنسانيتهِ.

في عماذهِ اليوم كشفَ ربّنا يسوع اليوم عن حقيقةَ تجسدهِ، فلم يأتينا معلماً أو واعظاً، ولم يكن نبيّا كسائر أنبياء الله، بل كان متضامناً معنا فتقدّم أمام يوحنا كخاطئٍ شعرَ بأنَّ إبتعاده عن الله موتٌ روحي وتغرّبٌ جسدي، فهو ليس قريباً من الله، وخطاياهُ تمنعهُ من التقرّب منه، ويعرِف أن الخلاص ليس ممكناً إلاّ بنعمةِ الله التي تدعوه اليم لأن يبدأ من جديد: "توبوا". فنالَ ما هو أعظمِ إذ أنعم الله الآب عليه لا بالخلاص فحسب: "مغفورة لك خطاياك"، بل وهبَ له نعمةَ البنوّة: "هذا هُوَ ابنِيَ الحَبيبُ الَّذي عَنه رَضِيت" (متّى 3: 17، غلا 4: 4-5). ففي الميلاد صارَ الله إبناً وفي العماذ صيّرنا له آبناء.

موقفُ ربّنا يسوع هذا كشفَ لنا عن جسامة الخطيئة في حياة الإنسان، فإذا كان هو الكلمةُ ونورُ العالم، قد "غطسَ" عميقاً في ذاتهِ، وعرِفَ أن الإنسان خاطئ ويسعى دوما لتأجيل خطوة التوبة ويبحث عن مُبرراتٍ لكي لا يعودِ، وفيه مخاوفَ من متطلبّات هذه التوبة وتبعاتها، تقدّم اليوم مُستجيباً لدعوة يوحنا للتوبة، فهذا يُشجعنا لأن نبدأ مسيرة العودة إلى الله من دون خوفٍ أو ترددٍ أو محاولةٍ إيجادِ أعذارٍ تُؤجِل خطوة التوبة هذه. فالتوبة خطوة أولى وحاسمة في مسيرة الإيمان ببشارةِ ربّنا يسوع، وهي ممكنةُ لأن الذي يدعونا هو محبّة. هذه المحبّة تُثبّتنا في مسيرة التوبة وتحثّنا لأن نُحققها واقعاً في حياتنا: "أَثمِروا إِذاً ثَمَراً يَدُلُّ على تَوبَتِكم". فمعموذية وتوبة من دون ثمار هي مسيحيةٌ من دون شهادة.

نحن مدعوون لتغيير جذري في حياتنا من أجل تطهيرها من الآكاذيب والنفاق والحسد والغيرة والغضب والجشع التي تُفسِد حياتنا. هناك خطايا كثيرة تعوّدنا عليها وتأقلمنا معها وصارت جزءً منّا وأوجدنا لها مُبرراتٍ فأضحت اليوم وكأنها ليست بخطايا، وربّنا يعرِف أن التطهّر منها هو موجعٌ ومؤلِم، جلجلةٌ متواصلة، ولكنهُ ممكن بنعمةِ الله الآب وبمحبتهِ التي تقبلنا مثلما نحن وبنورهِ الذي يكشُف لنا عن "جسامة الخطيئة في حياتنا". هو خلقٌ جديدة، وقيامةٌ لإنسانٍ جديد، لذا تُلبِسُ الكنيسة المعمّذ دوما ثياباً بيضاءَ، ويُؤكِد متّى الإنجيلي على هذه الحقيقة عندما يستذكِر دعوة ربّنا يسوع له، فكتبَ: "فقامَ فَتَبِعَه" (متّى 9: 9)، وهو نفس الفعل الذي إستخدمهُ عندما بشّر النسوة قائلاً: "ِنَّه ليسَ هَهُنا، فقَد قامَ كما قال" (متّى 28: 6). كما وأن لتوبتنا هذه لها بعدٌ إرسالي أيضاً لأنها تُبشّر العالم بأن التوبة ممكنة والخلاصُ الذي صارَ لنا بيسوع المسيح تحقق. ففي العماذ قبلنا الله أبناء الله، ههذ البنوة ليست موضوعَ إفتخارٍ بل مسؤوليةٌ وإلتزامٌ بأسلوب حياة متميّزة. ربّنا يسوع بدأ يكشِف للناس عن جمال هذه الدعوة: "إنه إبنٌ الله الذي نالَ رضاهُ"، وعن معناها ومضمونها وما الذي تتطلّبهُ منه، فحقق في حياته كلّها البنوّة فشهِدَ له قائد المئة تحت الصليب: "كانَ هذا الرَّجُلُ ابنَ اللهِ حَقّاً! (مر 15: 39).

عماذنا كمسيحيين لن يكتمِل إلا بإجتهادنا في تحقيق هذه الدعوة واقعاً في حياتنا، نترُك الخطيئة ونلتزمُ أسلوبَ حياةٍ نتبع فيه يسوع المسيح وحدهُ على غرار الرُسل الذين تلقوا الدعوة وتبعوهُ، فالتوبة ليست تطبيقاً لتعاليم أخلاقية صالحة، بل هي أولاً وقبل كلِّ شيءٍ: تباعةٌ صادقةٌ وأمينة لربّنا يسوع المسيح، وأن يكون فينا فكرُ المسيح الذي وشعورهُ (فيلبي 2: 5). لست أنا الذي يقود طريق التوبة، بل إني أتبعُ ربّي يسوع يقودني إلى الله الآب الذي يستقبلني إبناً له ويجعلني أخاً للجميع ومسؤولاً عن حياتهِم من خلال شهادة حياتي.

ربّنا يدعونا اليوم لأن ننزل معه ونغتسِل من مخاوفنا ومن جروحاتنا ومن تعلّقاتنا ومن أكاذيبنا ومن مساوماتنا مع واقع الخطيئة المُسيطر علينا. هذه كلّها تمنعنا من أن نعيش نعمةَ المعموذية وتُضعِف فينا شعور البنوة التي نلناها نعمةً من الله الآب بيسوع المسيح. جميعنا يعرِف ما التغيير الذي نحن بحاجةٍ إليه، واي خطيئة علينا التخلص منها؟ فينا نور المسيح يسوع الذي يكشِف لنا عن الظلمة التي نعيشها، وفينا من الصدق لنقول: هذه هي خطيئتي وهذا ما أنا بحاجةٍ إليه، ولكن ينقصنا الشجاعة في القيام عن المكان الذي تعوّدنا التواجد فيها وتركِ هذا الواقع البغيض الذي نحن فيه لتباعةِ ربّنا يسوع على مثال أعمى أريحا: "وَقفَ يسوعُ وقال: "اُدْعوهُ". فدَعَوا الأَعمى قالوا له: "تَشَدَّدْ وقُم فإِنَّه يَدْعوك". فَأَلقى عنهُ رِداءَه ووَثَبَ وجاءَ إِلى يسوع. فقالَ له يسوع: "ماذا تُريدُ أَن أَصنَعَ لكَ؟" قال له الأَعمى: "رابُوني، أَن أُبصِر". فقالَ له يسوع: "اِذهَبْ! إِيمانُكَ خلَّصَكَ". فأَبصَرَ مِن وَقتِه وتَبِعَه في الطَّريق. (مر 10: 49- 52).

الأحد الأول من الميلاد

رحلة المجوس للقاء الطفل الملك (متّى 2: 1- 23)

كان "طفل المذود" علامة الملاك للرعاة ليتعرفوا على "الطفل المخلِص" (لو 2: 10)، وكان النجم علامة أرشدت المجّوس إلى "الملِك المخلِص". المجوس الذين كان يقضون ساعاتٍ طويلة في تتبعِ وقراءة حركة النجوم والكواكب ليس فضولاً أو للتسلية، بل ليتعرّفوا من خلالها على تدبير الله الخالق، فالخليقة كلّها هي له وهي تنشِد مجدَه، والخليقة كلها تضحى في خدمةِ تدبيرهِ الخلاصي، وليس فيها ما يُعبد، شمسٌ أو كواكبٌ أو نجومٌ. 

بدأ الله هذه المسيرة فبادرَ وسخرَّ نجماً مميزاً في السماء تعرّف عليه المجوس وفهموا أن "حدثاً عظيماً" قد حصل: وُلِدَ ملكُ اليهود. هذه المبادرة تنتظر إستجابة من الإنسان تمثلّـت في "سهرِ" الرعاة ويقظةِ المجوس. يقظةٌ تجعلنا نميّز إرادة الله التي تتشابَك مراراً مع مصالحِ الإنسان الأنانية لتكون سببَ إضطرابٍ وشكِ، بل سبب صراعاتٍ وحروبٍ ومجازِر. يقظةٌ جعلتهم يتعرفون على النجم وعزمٌ دفعتهم لبدءِ مسيرة (حج) لقاء "الطفل الملك".  

ظهور هذا النجم لم يكن فرصةً لهم للدراسة والنقاش والجدل العقيم، بل حثّهم للبحث والتقصي والتعلّم وإكتشافِ الحقيقة. لم يكن النجم ذا أهمية بقدرِ ما كان علامة إلى الحدث الأهم: ولادة الطفل الملِك. ثابروا وإجتهدوا حتّى حظا بنعمةِ اللقاء. مثابرتهم (إيمانهم) وتواضعهم جعلهم يسيرون الطريق الذي كان محفوفاً بالمخاطر من دون خوفٍ. قطاع الطرق والسراق واللصوص من جهة، أو إنتقاد الآخرين وإستهزائهم: كيف بدأتم مسيرةً كهذا؟ أمجانينَ أنتم حتّى تقطعوا كل هذه المسافات للقاء "طفل – ملك؟" جهلهُم بالأمكنةِ التي رحلوا إليها وبثقافتهم وتقاليدهم ومعتقداتهم، فكانوا غرباء في كلِّ شيء ولم يكن لهم إلاَ ما شاهدوا: "النجم: ملكُ اليهود. كلّ هذه الصعوبات لم تثنيهم عن مواصلة المسيرة. وعندما اختفى النجم وأضاعوا أثره، لم يعودوا ادراجهم، بل ثابروا في المسيرة، وإستفسروا عمّأ كانوا يجهلوهُ بكل تواضعٍ ليتعرّفوا على مكان ولادة الملك. 

مسيرنهم كانت مسيرة "إهتداء وتوبة" بإمتياز. إلهنا له شوقٌ ليكون بقربنا وهو يدعونا للتقرّب منه، ويبعث لنا دوماً علاماتٍ تُساعدِنا لتمييز إرادتهِ والسير نحو لقائهِ شرطَ أن نكون متيقظين لها، ساهرينَ لتمييزها، وفينا عزمٌ ثابٌ في مواصلة السير مهما كان التحديات التي تواجهنا في مسيرة كهذه. هذه التوبة لا تخلو من إعتراضاتٍ داخلية تحاول إيقاف المسيرة. فأحيانا نختبرُ جميعاً أياماً يخفت فيها حماس الإيمان وينتابُنا الشكوك في كلِّ ما نعيشهُ من خبراتٍ. تُغرقنا الهموم ويتغلّب علينا الحزن ويختفي النجم الذي جعلنا نبدأ المسيرة بحماسٍ فندخل إلى ظلمةِ الإيمان إذ يبدو أن كلَّ قد ضاع وإننا نعيشُ ضياعاً في الحياة. أو نواجهِ صعوبات خارجية مثلما كشفت لنا قصّة المجوّس، فهيرودس يحوم حولنا دوما ويسعى إلى أن يُعّكر صفو هذه المسيرة، ويجرّنا أحياناً إلى "طروقاتِ" مُهلِكة، ولكننا نؤِمن أن الذي دعانا إلى المسيرة سيأتي إلى عوننا إن كان فينا رغبّة التعلّم والتعرّف على حضوره.  

لقاء الطفل الملِك، سيُغيّرنا ويعطي لنا توجهاً جديداً في الحياة، فلن نعود نعبد ونسجد ما نعتقد أنهم ملوكٌ على حياتنا: "طموحاتٍ وأحلام وأمنياتٍ" تعلّقنا بها وجعلتنا أسرى لها، لأن الطفل الملك دعانا إلى تعبدٍ أساسهُ المحبّة له لا الخوف منهُ. محبّة تجعلّنا ننحني أمامهُ ونُقدّم لها كلَّ ما نملُك لأنه يستحقُ كلَّ شيء. طفلٌ قادرٌ على أن يُعطي لحياتنا بدءً جديداً ولن نعود إلى الحياة التي كّنا نعيشها من قبلُ: "فآخذوا طريقاً آخرَ إلى بلادهِم".

ثاني أيام عيد الميلاد

عيد تهنئة العذراء مريم: سَوفَ تُهَنِّئُني بَعدَ اليَومِ جَميعُ الأَجيال (لو 1: 46- 55)

تدعونا الكنيسة اليوم إلى تقديم التهاني لإمنا مريم التي وقفت أمام الله بكل تواضعٍ وقبلِت منه عطيّة الخلاص؛ ربّنا يسوع المسيح، وإلتزّمت دعوتها في أن تكون أماً وإنموذجاً لجماعة الإيمان، الكنيسة، شعبِ الله الجديد، شاكرةً الله الآب على اختياراها هذا والذي تطلّب منها إصغاءً متيقظاً لكلمتهِ وطاعة ومثابرة في مسيرة الإيمان، لتكون دوماً الكنيسة المُصلية: "وكانوا يُواظِبونَ جَميعًا على الصَّلاةِ بِقَلْبٍ واحِد، معَ بَعضِ النِّسوَةِ ومَريَمَ أُمِّ يسوع ومعَ إخوته" (أع 1: 14)، من أجل أن تفهم تدبير الله الخلاصي. 

مراراً ما نعتقد أن مريم أمنّا قد استوعَب منذ اللحظة الأولى لبشارة الملاك لها معنى ومضمون دعوتها في أن تكون أم يسوع المسيح، مُخلِص العالم، وهي كانت تعرِف هوية إبنها الإلهية. مثل هذا الاعتقاد سيجعل أمنّا مريم بعيدة عن واقعنا الإنساني، وكأنَ الله الآب قد أعدّها وهيأها في العالم ولكنها خارج العالموتحديّاتهِ، وبذلك لن تضحى مثلما حظيّ الرُسل بخبرة الإيمان بيسوع المسيح الذين أكتشفوا وعلى نحو تدريجي هويّة ربّنا يسوع المسيح لاسيما بعد القيامة والذي يُمثّل بالنسبة لنا حجر الإيمان المؤسِس، وهو ما جعلَ لوقا الإنجيلي يُقدِم لنا صورة أمنّا مريم لا ليُخبِرنا عن حياتها، بل لتكون هي الأخرى علامة إيمان بيسوع المسيح المُخلِص، وعن عمل الخلقة الجديدة التي أبدعها الله نفسه، فالروح الذي كان يُرفرفُ على وجهِ المياه يومَ خلق الأرض والسماء (تك 1: 1- 2)، هو نفسه الذي حلَّ على أمنًا مريم: "إِنَّ الرُّوحَ القُدُسَ سَينزِلُ عَليكِ وقُدرَةَ العَلِيِّ تُظَلِّلَكِ، لِذلِكَ يَكونُ الـمَولودُ قُدُّوساً وَابنَ اللهِ يُدعى" (لو 1: 35). 

فالاعتقاد بأن الله الآب هيأ أمنّا مريم مُسبقاً على نحوٍ غير مألوف سيواجه دوماً بحوادث من حياة ربّنا يسوع يجعلنا نعيد النظر في تفكيرنت هذا. أمنا مريم تعجّبت من كلام الرُعاة: "فَجَميعُ الَّذين سَمِعوا الرُّعاةَ تَعَجَّبوا مِمَّا قالوا لَهم وكانَت مَريمُ تَحفَظُ جَميعَ هذهِ الأُمور، وتَتَأَمَّلُها في قَلبِها" (لو 2: - 18- 19)، مثلما استغرَبت لكلام سمعان الشيخ لها في الهيكل: "وكانَ أَبوه وأُمُّهُ يَعجَبانِ مِمَّا يُقالُ فيه" (لو 2: 33)، ولم تفهَم معنى جوابِ ربّنا يسوع لها في الهيكل: "ولِمَ بَحثتُما عَنِّي؟ أَلم تَعلَما أَنَّه يَجِبُ عَليَّ أَن أَكونَ عِندَ أَبي؟ فلَم يَفهَما ما قالَ لَهما (لو 2: 49-50). ولكنها بقيت في كل هذه المواقف، ولربما غيرها كثيرة لم يذكرها الإنجيل، ثابرت على أن تكون: "المؤمنة التي تتقبّل تدبير الله لها في حياتها وتتأملّهُ في قلبها، وتسعى لتعمَل بموجبهِ، فحظيت بتهنئة إليصابات: "مُبارَكَةٌ أَنتِ في النِّساء! وَمُبارَكَةٌ ثَمَرَةُ بَطنِكِ" (لو 1: 42)، وتهنئة ربّنا يسوع المسيح نفسه: "بل طوبى لِمَن يَسمَعُ كَلِمَةَ اللهِ ويَحفَظُها" (لو 11: 28)، تعقيباً على كلام أمرأة إندهشَت أمامهُ فقالت: "طوبى لِلبَطنِ الَّذي حَمَلَكَ، ولِلثَّدْيَيْنِ اللَّذَينِ رَضِعتَهما" (لو 11: 27). 

مريم أمنّا قَبِلَت دعوة الأمومة التي أنعمَ الله عليها بها، فخافت وتعجّبت وسألت لتفهَم وقبِلَت دعوتها هذه بروح الإيمان، وجعلت حياتها كلّها بين في خدمة تدبير الله الخلاصي، من دون أن تعِرف تفاصيل هذا المشروع الإلهي وما الذي ينتظرها (لو 1: 26- 38)، حتّى تقفِ تحت الصليب لتقبَل من إبنها يسوع أمومة أخرى: أن تكون أماً لجماعة الإيمان فترافقهم بالصلاةِ، ليكتشفوا علامات حضور الله في حياتهِم فيمجدوه على أنه لم ولن يتركهُم، لأنه أبٌ مُحبٌ، الذي يرافقنا اليوم بروحهِ القُدوس بروحهِ القُدوس. 

إلهنا وملكنا يقول لنا دوما: إن كنت قد دعوتُ مريم وإستجابت لدعوتي بطاعة الإيمان، وجعلتني أصنع العظائم بها ومن خلالهاـ فهي علامةٌ على أنني قادرٌ أن اصنع بكَ (بكِ)، ومن خلالك العظائمَ أيضًا، فهل لكَ (لكِ) أن تُصغي وتسمع وتفهم وتعمل بما أوصيكَ (كِ) به؟ هناك ألوفٌ بل ملايينُ من الشهداء والمعترفين والقديسين سمعوا وعملوا فكانوا لي أماً وأخاً وإختاً: "إِنَّ أُمِّي وإخوَتي هُمُ الَّذينَ يَسمَعونَ كَلِمَةَ اللهِ ويَعملونَ بِها (لو 8: 21).

عيد الميلاد

وإِلَيكُم هذِهِ العَلامة:سَتَجِدونَ طِفلاً مُقَمَّطاً مُضجَعاً في مِذوَد  (لو 2: 12)

جميعنا يطلب "علامة" بُرهاناً ودليلاً ليُصدّق حقيقةً ما. نحن نُطالِب الآخرين بأن يُبرهنوا لنا عن صدق محبتهم: بيّن لي ذلك؟ نبحث عن "دليل" محبّة الناس لنا: "ارني ذلك". ننتظر شهادة هذا أو ذاك لبيان حقيقة أمرٍ ما. بإختصار: نحن مثل مار توما، أُناس بحاجة إلى أن ترى وتلمُس لكي تُصدّق وتؤمِن: "إِذا لم أُبصِرْ أَثَرَ المِسمارَينِ في يَدَيهِ، وأَضَعْ إِصبَعي في مَكانِ المِسمارَين، ويدي في جَنْبِه، لن أُومِن" (يو 20: 19). إلهنا يعرِف هذه الحقيقة، لذا، عنّدما بشّر الملاك الرعاة بميلاد "المسيح" قال لهم: "لا تَخافوا، ها إِنِّي أُبَشِّرُكُم بِفَرحٍ عَظيمٍ يَكونُ فَرحَ الشَّعبِ كُلِّه: وُلِدَ لَكُمُ اليَومَ مُخَلِّصٌ في مَدينَةِ داود، وهو الـمَسيحُ الرَّبّ. وإِلَيكُم هذِهِ العَلامة: سَتَجِدونَ طِفلاً مُقَمَّطاً مُضجَعاً في مِذوَد" (لو 2: 10- 12). إذهبوا وستشهدوا على حقيقة هذا الكلام: هناك طفلٌ مولودٌ حديثاً، ومُضجعٌ في مذودٍ، وهذا ليس أمراً مألوفاً، لأن الطفل المولود حديثاً يُضجَع على سرير، أو يكون بين أحضان والديهِ، أما أن يكون مُضجعاً في مذودٍ (معلفٍ) فهذا أمرٌ غريب.

ولكن، لماذا كان مُضجعاً في مذودٍ؟ وما أهميةُ هذه العلامة؟

يُجيبُ لوقا الإنجيلي الذي تقصّى الأمر بإهتمامٍ قائلاً: "لأَنَّهُ لم يَكُنْ لَهُما مَوضِعٌ في الـمَضافة". نزلوا وكانوا فقراء لدرجةِ أنهم أضطروا إلى البقاء مع الحيواناتِ.

1. لا يُمكن التعرّف عن معنى ميلاد ربّنا يسوع من دون عونِ الله الآب، فهو الذي دلَّ الرُعاة الذين كانوا ساهرين متيقظين، وأمر النجم ليقود مسيرة المجوس الذي كانوا بارعين في قراءة حركة النجوم والكواكب في السماء. فإذا كان فينا الشوقُ للتقرّب من الله الآتي إلينا، سيقودنا هو حتماً إليه على نحو لا نتوقّعهُ. كل الطُرق ستقودنا إذاً إلى بيت لحمَ، إنَّ كان فينا شوقٌ للقائهِ. ومع بيت لحم سيبدأ إلهنا بدعوة الناس إليه كلٌّ من موقعهِ ليجعل منهم عائلتهُ الحبيبة، من دون أن يستثني أحداً، بدءً من رُعاة مُهمَمشين لا مكانة لهم في المجتمع. هذا الشوق ليس بحاجةٍ إلى تحضيرات فخمةٍ مثلما تعودّنا عليها إستعداداً للميلاد، فبساطة الحدث وفقرُ الأوضاع التي وُلدَ فيها ربّنا يسوع تتحدانا لنسأل: ما الأمرُ الأهم في الميلاد؟ هل لربّنا مكانٌ في حياتي وسط هذه الإنشغالات؟ أوليست هذه كلّها جزاءً من محاولات التهرّب من "عيش خبرة الميلاد"؟ يأتينا الربُّ يطلبُ السُكنى في قلوبنا ويجدها منشغلةً عنها أو مغلقة لا تُريد الإنفتاح إلى بشارتهِ؟ فلسنا نختلفُ بذلك عن الذين رفضوا إستقبال العائلة المُقدسة في بيت لحم.

2. مُضجعاً في مذوذٍ، هذه علامة الفقرِ والبساطة والتجرّد التام. هو إنسانٌ مُحررٌ من كلِ تعلّقٍ. الإلهُ القدير، ولأنه قدير تخلّى عن مجدهِ وقدرتهِ ليظهَر للإنسان طفلاً فقيراً. تواضعَ وتضاءلَ وصارَ صغيراً ليدعو الكبار إلى محبتهِ، يجذبهُم إليهِ. "فالله من العظمة بحيث يُمكنهُ أن يُصبحَ صغيراً. والله من القُدرة بحيث يُمكنه أن يُصبح ضعيفاً وأن يأتي إلى لقائنا مثل طفلٍ دونِ دفاعٍ، لكي يتسنّى لنا أن نُحبهُ". الله هو من الصلاح والتواضع بحيث يتخلّى عن بهائهِ الإلهي وينزل إلى إسطبلٍ لكي نستطيع أن نجدهُ، وبذلك يمُسّنا صلاحهُ أيضاً، وينتقل إلينا ويستمر في العمل بواسطتنا"، على حدّ تعبير البابا بندكتُس السادس عشر.

اختار الله أن يأتي إلى الإنسان فقيراً مُجرّداً من قدرتهُ وآلوهيتهِ لكي لا يُخيفُ الإنسان، ويُعلّمنا أن القوّة ليس لها القُدرة يوماً على أن تبني "علاقة مُلتزمة مع الآخر". لذا، لكي لا يهابهُ الإنسان أو يخافُ منه، اختارَ أن يأتي فقيراً، لكي يعبدهُ الإنسان بالتقوّى والبر مثلما أنشدّ زكريا: "فَنعبُدَه غَيرَ خائِفين بِالتَّقوى والبِرِّ وعَينُه عَلَينا، طَوالَ أَيَّامِ حَياتِنا" (لو 1: 74- 75). هنا، يسألنا إلهنا: ما نفعُ الغنى إن لم تهبَ لك سلامُ القلبِ؟ وأي سعادةٍ في إمتلاك المزيد من الثروات إن لم تختبِر نعمة مُقاسمة الفقراء والبؤساء "الصلاح والطيبة" التي زرعها الله فيكَ؟ قلوبنا حزينة ومهمومة لأننا لا نملُك ما يملكهُ فلان، فما الذي ستقول أمام طفل المغارة الفقير؟ إنشغالنا بالغنى وجمع الثروات والبحث حزانى عن المزيد هو رفضٌ آخر نقوله للعائلة المقُدسة: "ليس لكم مكان في قلبي".

3. أرادَ الله أن يأتينا متواضعاً ليتمكّن من أن يحمل إنسانيّتنا بكلّيتها، لأن في الله شوقٌ إلى الإنسان، ويتطلّع إلى أن يستقبلهُ في قلبهِ، ومَن منّا يرفُض إستقبالَ طفلاً بطلُب المحبّة. ويتطلّب الأمر لكي ترى وتُصدّق ما قيل لك عنه، أن تذهَب إلى بيتَ لحمَ وتراه هناك، وتنحني  لتقبلهُ. أن تنزل عن كبريائكَ، وتُبادلهُ التواضع. أن تصمُت وتُشخّص نظركَ إليه لأنهُ طفلٌ يبحث عن الحنان والحُب. طفلٌ مثل كلِّ إنسان بحاجةٍ إلى الاهتمام والرعاية، وهو يؤمِن بأنّك قادرٌ على أن تهبّ له ما هو بحاجةٍ إليه؛ المحبّة. إلهنا يؤمِن بالخير والطيبة التي فينا وإن كُنّا مراراً أنانيين في مُقاسمةِ هذا الخير مع الآخرين. هو الله الذي تجسّد ليُخلّص الإنسان، وخلاص الإنسان يكون بأن يهبَ الحُب. يُعطيه بطواعيةٍ ومجّانية لآخرين كمَن يُعطي لطفلٍ. فنحن لا نُطالبُ الطفل بأن يُعيد إلينا الحُب الذي وهبناه إياهُ، بل نُحبّهُ من دون شروطٍ أو إنتظاراتٍ. وهذا هو شكلُ المحبّة التي سيُبشّر بها ربّنا يسوع وينتظرنا نحن كنيستهُ أن نتبعهُ في مُشاركةِ الآخرين المحبّة التي أفاضها الله علينا بيسوع المسيح.

4. طفلُ المذودِ هذا سيكبُر وينمو إذا نالَ المحبّة والعناية التي هو بحاجةٍ إليهما. هو لا يحتاج أن نلتقط له الصور لتُعرَض على المواقع لتنال الإعجاب أو التعطاُف، بل هو بحاجةٍ إلى أن نُخصص له بعض الوقت لنرافقهُ في مسيرة حياته. يُؤسفنا أن نقول ان صورة الإنسان صارت أكثر أهميةً من الإنسان نفسه. ربّما فكّر الإنسان في أنه لو أرادَ ان يكون مُخلّصاً فعليه أن يكون قوياً، متسلطاً، غنياً، مشهوراً. إلهنا وملكنا يقول لنا اليوم: خلاص الإنسان يكمن في أن يكون مُحباً، قادراً على منحِ الحُب بمجّانية وبسخاء، لذا، يأتينا طفلاً ليؤكِد لنا أننا قادرون على ذلك، فمَن ذا لا يُحبُ مولوداً حديثاً؟ ومَن يستطيع أن يُعاديهِ؟ على العكس، فهذا الطفل يرسمُ وبتلقائية تامّة إبتسامةً على وجهِ الإنسان. إلهنا يسمَح لنا جميعاً بأن نحملهُ بايدينا ونضمُهُ إلى قلبنا.

طفلٌ في مذودٍ لا يُمكن أن تتجاهلهُ إذاً مهماً كنت قاسي القلب. فيكَ قوّةٌ ستدفعكَ لأن تنحني أمامهُ، مثلما سينحني المجوس، وتمدَّ يدكَ وتأخذه في أحضانِك وتُقبلّهُ حُباً وكأنهُ إبنُك. وهذه هي رسالةُ الميلاد وهذا هو الغرض من العلامة: الله جاءَ ليكون إبناً: "فولَدَتِ ابنَها البِكَر". هو يُريد أن يكون الأبن البكر لكلِّ واحدٍ منّا، وهذه الولادة ستغُيّر هويّتَك وكيانَك مثلما يُغيّر ولادة طفل حياة الزوجين فيجعل منهما أباً وأماً، وإن كانت هذه المسؤولية جسيمة ومُخيفة، فإلهنا يُبشرنا: "لا تخافوا"، وهو يواصل رسالتهُ إلينا: لا تخافوا وهي كلمةٌ يُعيدها للمرّة الرابعة عارفاً أن لجميعنا مخاوف حتّى بقدوم المُخلَّص. ملكنا يدعونا إلى أن نفرح اليوم: "لا تَخافوا، ها إِنِّي أُبَشِّرُكُم بِفَرحٍ عَظيمٍ يَكونُ فَرحَ الشَّعبِ كُلِّه: "وُلِدَ لَكُمُ اليَومَ مُخَلِّصٌ في مَدينَةِ داود، وهو الـمَسيحُ الرَّبّ". ربّنا يريد منّا أن نحمِّل الفرح إلى كلِّ من نلقاهُ في حياتنا.هذا الفرح لن ننلهُ ما لم نترك "أراضينا وراحاتنا وقناعاتنا" ونذهبَ إليه، لنكون "أُناس رضاهُ"، نبحث عن تتميم إرادتهِ مرنمين مع الملائكة: "المجد لله في العُلى وعلى الأرض السلام للناس الذين يُحبُهم".

5. أخيراً، المذود هو معلفُ الحيوانات، تأتي إليه وتقتاتُ ما وُضِعَ لها منه من الطعام، في إشارةٍ إلى أن هذا الطفل هو "غذاءُ الإنسان". فهذا الطفلُ وُلِد في بيت لحم؛ بيت الخُبز، لأنه هو "خبز الحياة"، هو القُربانة التي تُنعِش حياتنا، ليضحى المذود مذبح الافخارستيا. لقد جاء ليُطعِم الجياع ويروي العطشى، جاء ليخدُمَ ويفدي بحياتهِ كثيرين. وهذا كلّه من أجلنا، لكي نتمكّن من محبتهِ لا خوفاً من جبروتُه بل إنذهالاً أمام تواضعهِ وسخاءَ محبتهِ: "فَنعبُدَه غَيرَ خائِفين بِالتَّقوى والبِرِّ وعَينُه عَلَينا، طَوالَ أَيَّامِ حَياتِنا" مثلما أنشدَّ زكريا بإلهامٍ من الروح القُدس. تجسّده سيقودنا إلى الأفخارستيا حيث يُقدِم لنا نفسهُ مأكلاً وقوتاً للطريق. هو ينتظرنا اليوم، عارفاً أننا لربما لسنا مُستعدين لمثل هذا اللقاء، ولكنّه مُستعدٌ لأن ينحني مرّة أخرى ليغسل لنا خطايانا ويجعلنا أهلاً للمُناولة.

فلنُبارِك إلهنا في عيد تجسّدهِ ولنُمجدّه مع جموع الملائكة والرعاة. لنشكرهُ على عطيّة الخلاص التي صارت لنا بيسوع المسيح، ولنقبَل من أمنا مريم "الطفل المُخلّص"، ولنسمَح له بأن يُغيّرنا ويغسلنا لنُشاركهُ الفرح العظيم، فلقد وُلِدَ لنا اليوم مُخلصٌ وهو المسيح الربّ.

الرابع من البشارة

يوسف البار: المدعو ليكونَ حارساً (متى 1: 18- 25)

"في البَدءِ خلَقَ اللهُ السَّمَواتِ والأَرض وكانَتِ الأَرضُ خاوِيةً خالِية وعلى وَجهِ الغَمْرِ ظَلام ورُوحُ اللهِ يُرِفُّ على وَجهِ المِياه. وقالَ اللهَ:"لِيَكُنْ نور"، فكانَ نور" (تك 1: 1-3)، هكذا تبدأ قصّة الله مع الإنسان، والروح نفسه الذي كان يُرفرفُ على وجه المياه وأبدع النور والخليقة كلّها، هوذا يرفرفُ في حياة مريم التي استقبلهُ بصمتٍ وبطاعةٍ لتحمل للعالم "النور" الحق: "يا يُوسُفَ ابنَ داود، لا تَخَفْ أَن تَأتِيَ بِامرَأَتِكَ مَريمَ إِلى بَيتِكَ. فإِنَّ الَّذي كُوِّنَ فيها هوَ مِنَ الرُّوحِ القُدُس، وستَلِدُ ابناً فسَمِّهِ يسوع، لأَنَّه هوَ الَّذي يُخَلِّصُ شَعبَه مِن خَطاياهم (متّى 1: 20- 21). هو النور وهو المُخلّص الذي شاءَ أن يأتِ إلى العالم ليُعيد الإنسان إلى بيتِ الآب، فاختارَ أن يُولدَ صغيراً في قرية نائيةٍ، ليكون تحت رعاية إنسانٍ بارٍ إسمهُ يُوسُف الذي قالَ عنه الإنجيلي متّى: إنه البار. 

عندما نُصلي المزامير نتعرّفُ على هوية البار. فهو إنسانٌ يتقي الربَ يقفُ متواضعاً أمامه، ويسلُك طريقَ الكمال. يتكلّمُ بالحقِ ولا يغتابُ بلسانهِ ولا يصنعُ شراً أو يُنزلُ عاراً بقريبهِ. يسمعُ لليتمِ والأرملة ويُحبُ رحوماً وعادلاً، فيُفكّر في خير الآخر وإن كان خصمهُ: "أَنتَ أَبَرُّ مِنِّي، لأَنَّكَ جَزَيتَني خَيرًا وأَنا جَزَيتُكَ شَرًّا" (1 صم 24: 18). عرِفَ يوسف أن خطيبتهُ مريم حُبلى فهي كشفتَ له عمّا تختبرهُ في حياتها. ولم يكن هذا الأمرُ سهلاً للقبول، فهمَّ بتخليتها سراً، أي، على عائلتها أن تُدبّر أمرَ هذه الولادة والعناية بالمولود، وينسحِب هو عن حياتها من دون أن يُثيرَ ضجّة حولها، لأن الشريعة ستُحاسبها على هذا الجُرم. ولكن، ولأنهُ إنسانٌ بار، أي، الإنسان الذي يُبقي الحوار مع الله متواصلاً لاسيما في الساعات الحرجة التي يختبرها في حياتهِ، فصلّى وقت الأزمةِ وكشفَ في ذلك عن صداقةٍ أصيلة مع الله، فلم يتركهُ الله في ضيقهِ فأرسلَ إليهِ ملاكهُ ليُثبّته في الإيمان ويكشِف عن هوية مريم وعنّ سرّ الحبل الإلهي، وكلّفه برسالة: "أن يُسمي الطفل" ليكون والدَهُ الشرعي ومُكلفاً بحراسةٍ مريم وإبنها. 

بِر يوسف تجلّى في استعدادهِ ليكون تحت تصّرف الله وخدمة مشروعهِ، مؤمناً بهِ حتّى لو لم يفهَم ما يُريده الله منه. برّه جعله قادراً على تمييز إرادته؛ لأنه أصغى بإعتناءٍ لصوتِه وطاعة تامّة، وأعطى المكانة المُطلقة لله في حياتهِ، ولم يدع أفكاره وتأملاتهِ كي تجرّه إلى طُرق عنيفة أو صاخبة وإلى حلول فوضويةٍ، بل واصل السير في ظلمة الأفكار التي تتصارَع فيه، فاستسلمَ كلياً لله (نامَ نومَ المتأمِل)، حتّى لو لم يفهم تدبير الله ومطالبهِ: "يَرُزقُ حَبيبَه وهو نائم" (مز 126: 2)، ونومٌ البار ليس تهرباً من مشروع الله، بل انفتاح على الحضور الإلهي في حالةٍ من الوعي، إذ يضعُ الإنسان جانباً ما يُفكِر به ليسمَح لله بالتفكير فيه ومن خلالهِ. 

برّ يوسف تواصلَ في فعل الطاعة الذي التزمَ به: "فلمَّا قامَ يُوسُفُ مِنَ النَّوم، فَعلَ كَما أَمرَه مَلاكُ الرَّبِّ"، فلم يُؤجِل المهمّة لأيامٍ، ولم يستشر مُفسِّرَ أحلامٍ، بل كمّل كل ما أوصاه به الملاك، فصار الحارس والمُدبر والمعتني والمُحّب والمرافِق للأم وطفلها مُتخلياً عن إرادتهِ ورغباتهِ الشخصية ليكون تحت تصرّف تدبير الله الخلاصي. هو إبنُ داود ذاك المُحارِب الشجاع الذي لم يخفَ من قوّة أعدائهِ مؤمناً أن الله معهُ. داود الذي تمنّى أن يبني لله هيكلاً يليقُ به، هوذا إبنهُ، يوسف، يُدعى لحربٍ من نوعٍ آخرى يقودها إبنهُ: يسوع (المُخلصِ) وحراسة هكيل الله الجديد؛ مريم. دُعي يوسُف ليُحبِ خطيبتهُ وزوجته في بتوليتها، ويعتني بطفلها من دون أن يتوقّع مكافأتٍ شخصيةٍ، بل كان عليه تحمُلُ المشقات بسبب هذه الدعوة. دعوته كانت: أن يكون الأب المَرئي لتدبير الله الخلاصي على الأرض، أن يخدُم إبن الله وأمه بسخاء تامٍ، وهذه مكافأة بحدّ ذاتها. هل فِهمَ يوُسف كل هذا عندما ظهرَ له الملاك؟ لا نعرِف، الذي نعرفهُ هو أنه تصرَّف كإنسانٍ بار، ونهضَ من نومهُ وأتمَّ كل ما أمرهُ به الملاك من دون أن خوفٍ. ففي هذا هو البيت الذي تربّى فيه ربّنا يسوع على الأرض، بيت يوسف ومريم، وكان "يَتسامى في الحِكمَةِ والقامَةِ والحُظْوَةِ عِندَ اللهِ والنَّاس" (لو 2: 52). قِبِلَ يوسف دعوة الله له بطاعةٍ تامّة، وصمتهُ خيرُ تعبيرٍ عن ذلك، فكان مثالاً ليسوع، إذ عوّدهُ على التقرّب من كلمة الله والحجِ إلى هيكلِ أورشليم كأبٍ صالحٍ، فالأبوّة المسؤولة تعني أن يهتمَّ الأب بنمو أبنائه جسديا وروحياً، فيقبَل الأبن دعوتهُ من الله مثلما قبلها يوسفُ أيضاً. فحلم الله للبشرية لم يكن ليتحقق لولا الـ"نعم" التي قالها يوسف ومريم. "لقد أخذ هذا الرجل وعد الله وحمله قدمًا بقوّة لأنّ هذه كانت مشيئة الله" على حدِّ تعبير البابا فرنسيس. 

اليوم، تأتينا كلمةُ الله لتدعونا إلى إلتزامِ مسؤوليتنا في أن نكون حُراساً أمناء على إخوتنا. نحن نعيش في عالم يبحث عن هفواتٍ صغيرة في حياة الآخرين ليجعل منها عناوين أخبارٍ على صفحاتِ التواصل الإجتماعي. فليكن مار يوسُف مثالاً لنا في كيفية التعامل مع خصوصيات القريب. نحن نبحث وبفضولية مُخزية أحياناً عن أخطاء الآخرين لنفضحهم ونتستّر على "خطايانا"، هوذا يوسف يُعلّمنا طريق البِر فلا نُعرِض حياة الآخرين إلى خطرٍ. نحن ساعاتٍ في التقصي في حياة الآخرين لنُمسِك عليهم هفوة لنشهِرَ بهم، فيدعونا يوسُف اليوم إلى أن نُقرِب إلى الله حياة الآخر بكل ما تحملهُ من شكٍّ وتساؤل وحيرةٍ، ليُدلّنا على كيفية التعامل بمحبة ورحمة وعدالة، لئلا نكون نحن سبب موتِ القريب. دٌعينا على مثال يوسُف لنكون حُراساً على حياة القريببكل جوانبها، فليُساعدنا ربّنا لنُكمِلَ دعوتنا مثلما يُريدها هو، وليكن يوسف البار قُدوةً لنا.

الأحد الثالث من البشارة

وَامتَلأَ أَبوهُ زَكَرِيَّا مِنَ الرُّوحِ القُدُس (لو 1: 57- 80)

أكدّ لوقا الإنجيلي على دور الله الثالوث في تحقيق التدبير الخلاصي، لا سيَّما في تعليم الإنسان كيف وماذا يُصلي: "فإِنَّ الرُّوحَ أَيضاً يَأتي لِنَجدَةِ ضُعْفِنا لأَنَّنا لا نُحسِنُ الصَّلاةَ كما يَجب, ولكِنَّ الرُّوحَ نَفسَه يَشفَعُ لَنا بأَنَّاتٍ لا تُوصَف" (روم 8: 26). ها هو الله الروح القُدس يُصلّي في الإنسان، فلنا هُتاف إليصابات (لو 1: 41- 42) وصلاةُ مريم (لو 1: 46- 55)، ونبؤةُ زكريا (لو 1: 67- 79)، ونشيدُ سمعان الشيخ (لو 2: 29- 32)، وكلّها تُشيد بتدبير الله الخلاصي وتدخلّه الحاسم في تاريخ الإنسان.

ولكن ما الذي يُميّز نبؤة (صلاة) زكريا يوم ميلاد يوحنّا؟

لقد حصلَ ما لم يكن في الحُسبان. فبعد أن اعتقدَ الجميع أن الله نسيَ زكريا الكاهن وإليصابات (شعبه)، ها هو يتذكرّهم (زكريا = الله يتذكّر) فوهبَ لهم ولداً وبعث الحياة فيهم من جديد، حياة في رحمِ الأم وحياة في البيت. لذا، فرحَ الجميع بالنعمة التي صارت للعجوزين البارين، وأرادوا أن يُخلّدوا ذلك بتسمية الوليد بـ"زكريا"، في تأكيد على فعلِ الله الخلاصي في حياة هذا الكاهن. هذا الطفل هو هبةٌ من الله الآب وهو علامةُ رجاءٍ للجميع، فالله أمينٌ في مواعيدهِ ولم ينسَ وعدهُ. مع يوحنّا وربّنا يسوع بدأَ تاريخٌ جديد، فيه أعادَ الله الحياة للإنسان. فالله لن يتوقّف عند ماضي الإنسان الخاطئ بل ينتشلُه من خطاياهُ ويدعوهُ إلى وفرةِ الحياة معهُ. وهذا ما أكدّه نشيد أمنا مريم التي انطلقت من خبرتها الشخصية مع الله لتُنشِد عظيمَ أعمال الله مع شعبهِ، ويأتي زكريا الكاهن ليُبارِك الله الحاضِر مع شعبه، افتقدَ شعبه وتنعم زكريا وبيتهُ بهذا الخلاص. الله يبقى هو الإلهُ الأمين والعامِل في حياتنا، وعلينا أن ننتبهِ لحضورهِ معنا على نحو شخصي أو جماعي.

كان لإليصابات وزكريا رأيٌ آخر، لكنَّ الله كان أميناً في وعدهِ معهم ورحوماً أيضاً. فلم يتركِ اللهُ الكلمة الأخيرة لليأس، وعندما تدخَّل لم تكن كلمةٌ تُعاقِبُ الإنسان على خطاياهُ بل كلمة حنان ورحمة؛ يوحنا = الله تحنّنَ. حنان يجعل الإنسان يعبدُ الله بالروح والحق من دون خوفٍ: "فَنعبُدُه غَيرَ خائِفين، بِالتَّقوى والبِرِّ وعَينُه عَلَينا، طَوالَ أَيَّامِ حَياتِنا". يوحنا هو تعبيرٌ عن حضورِ الله الخلاصي في حياة الإنسان، وهو سيُعلِن عن ذلك صريحاً: "هُوَذا حَمَلُ اللهِ الَّذي يَرفَعُ خَطيئَةَ العالَم" (يو 1: 29). ومن أجل ذلك نحن بحاجةٍ إلى الروح القُدس لنشعرَ بحضور الله في حياتنا وننتبهَ لكثرةِ العلامات التي يحاوِل من خلالها الحديث إلينا. فولادة يوحنا، وولادة كل طفلٍ، علامةُ من الله على أنه مازال يثقُ بالإنسان ويمنحهُ فرصةَ البدءِ من جديد: "ما عَسى أَن يَكونَ هذا الطِّفْل؟".

الروح القدس، روح الله سيحلُّ متى ما أفسحنا المجال له. هذا الروح الذي وُهِبَ لنا يوم عماذنا وجعلنا أبناء وبنات الله الآب لنُشاركهُ الحياة الإلهية. روح الحق الذي يُنير أذهاننا ويُثبّت إرادتنا في فعل الصلاح، فنعرِف الله ونحبّهُ ونجعلهُ معروفاً ومحبوباً. صمتَ زكريا لتسعةِ أشهر، وأخفت إليصابات نفسها لخمسةِ أشهرِ، وعبّرا في ذلك عن ضرورة الإنسحاب والإختلاء بعيداً عن العالم لتلمّس علامات حضور الله. وعندما حان وقتُ الكلام أعلنا عن عظيمِ أعمال الله في حياتهما، فكان الصمتُ نعمةً والكلامُ بركةً، بل فعلٌ خلاصي لأنه غيّر مجرى اهتمام زكريا بنفسهِ، فهو الذي كان يُصلي ولسنوات طويلةٍ من أجل أن ينالَ ولداً. إنه لزِمَ الصمت من أجل أن يتهيأ لتدخّل الله الحاسم في حياته وحياة شعبهِ الذي تقدّمهم كاهناً.

لكن الروح القُدس أشارَ إلى زكريا نحو أمرٍ آخر: علاقتهُ كأبٍ بالطفل يوحنا: "وأَنتَ أَيُّها الطِّفْلُ ستُدعى نَبِيَّ العَلِيّ". هذا الطفل يحمل إمكانيات جمّة، والأهم من ذلك، إنه يحمل للعالم "حلم الله". وعليه كأبٍ أن يسعى جاهداً لينمو الطفلُ ويلتزِم دعوتهُ ضمن تدبير الله الخلاصي. عليه أن يُهيئ الطفل ليستجيب بطاعة تامّة لهذه الدعوة. لذلك أنشدَ زكريا كل ما سمعهُ من الملاك في الهيكل. هو طفل الشيخوخة ولكنّه مكرسٌ لله، وعلى زكريا وإليصابات تحمّل مسؤوليتهما وإرشادَ الطفل إلى حيثُ يُريدهُ الله: "وكانَ الطِّفْلُ يَترَعَرعُ وتَشتَدُّ روحُه. وأَقامَ في البَراري إِلى يَومِ ظُهورِ أَمرِه لإِسرائيل". فالطفل نعمةٌ من الله، وأمانةٌ عليهما أن يقبلاها بفرحٍ وشُكرٍ والتزامٍ مسؤول، لأن هذا الطفل سيُهيئ طريق َالربِّ ويُعلّم شعبهُ أن الله يُحبهم وأن ما يمنعهم من الشِركة معه، خطاياهم، هي مغفورةٌ برحمةِ الله وحنانهِ، فعليهم القيام من "موتِ الخطيئة" والسير في طريق السلامِ، والذي سيتحقق بيسوع المسيح الذي به صالحنا الله ويدعونا إلى أن نُصالحهُ (2 كور 5: 18- 20). نفهمُ الآنَ لمّا كان الصمتُ ضرورةً لزكريا، فضجيجُ العالم من حولهِ، وفوضى الأفكارِ فيهِ تمنعُهُ من رؤيةِ فعلِ اللهِ الخلاصي، لا سيَّما وأنه، ومثلما نفعلُ نحن، عندما نحضر للصلاة، أمامَ الصلاة نبقى منشغلين بما نٌفكّر فيه ونتمنّاه لحياتِنا. كّم منّا قادرٌ على الصمتِ اليوم، وما مضمونُ الكلامِ الذي نتداولهُ بيننا؟ ما الذي نقولهُ في حضرة ِإلهنا في الصلاة؟ أهو فعلُ تمجيدٍ وشكرٍ ومُباركةٍ أم حديثٌ مُحزنٌ عن أنفسنا أو كلامٌ سيِّئٌ عن الآخرين؟ أعطانا الله نعمةَ الكلام وما زال ينتظر أن يكون لساننا مُبارِكاً وشاكراً وشاهداً لحضورهِ المُحبِ في حياتنا، فلنفسحِ المجالَ للروح القُدس ليرفعَ فينا ومن خلالنا صلاةَ شكرٍ لله.

الأحد الثاني من البشارة

البشارة لمريم: إلهنا حاضرٌ معنا (لو 1: 26- 56)

مع أن أمنّا مريم كانت تنتظرُ مثل بقية شعبِ إسرائيل يومَ افتقادِ الله لشعبهِ، إلا أنها لم تكن تتوقّع أنها ستنال هذه الحظوة عند الله وتنعم بزيارة الملاك لها ليُبشّرها بأن لله الثالوث تدبيرٌ لحياتها ودعوةٌ لها. حوارها مع الملاك بيّن أنها لم تحسِب لنفسها مكانة متميّزة، لذا خافت واضطربت، فجاءت كلمة الله لتهبَ لقلبها السلام: "لا تخافي يا مَريَم، فقد نِلتِ حُظوَةً عِندَ الله". آمنت أنّ الله عازمٌ في تحقيق وعدهِ لإبراهيم ولزرعهِ، وسيواصل ذلك من خلاله، وتواصِل هي حياة الإيمان به إلهاً أوحد: "أَنا أَمَةُ الرَّبّ فَليَكُنْ لي بِحَسَبِ قَوْلِكَ"، فقدّمت له كل حياتها من دون تحفظاتٍ، مع معرفتها بكل ما تتطلّبهُ هذه الدعوة من صعوباتٍ، لاسيمّا وأنها ستسير هذا الطريق وحده. فالملاكُ غادرها وتركها تواجه تحدّيات هذه الدعوة بمفردها، وهي مهمّة تتطلّب منها أن تكون المُصغية والمُصلّية. لذا، يُقدمّها الإنجيلي لوقا إنموذجاً للمؤمن، للكنيسة التي تحمل كلمة الله الخلاصية في العالم وللعالم. لربما يعتقد البعض أن الذين يختارُهم الله سينعمون بحياة سعيدة، ولكنّ الكتاب المُقدس، يُبيّن لنا دوماً أن المدعوين ليس لهم أن يفتخروا باختيار الله لهم، لأنَّ هذا الاختيار يحمل معه تحدياتٍ وضيقاتٍ جمّة، وفي حالة أمنّا مريم سيُقال لها صريحاً: "وأَنتِ سيَنفُذُ سَيفٌ في نَفْسِكِ لِتَنكَشِفَ الأَفكارُ عَن قُلوبٍ كثيرة" (لو 2: 35)

بشارة الملاك لمريم أمنّا كشفت لنا أيضاً عن عمل الله الثالوث مثلما نُصلي في ليتورجيّتنا الكلدانية: "السّر العظيم الذي كان مخفياً منذ دهورٍ وأجيال، تجلّى لنا في نهاية الأزمنة. وهو أنّ الوحيد الموجود في حضنِ والدهِ جاء وأخذَ هيئة العبد بنعمتهِ. وهو أخبرنا وكشفَ لنا عن الإيمان الكامل بالثالوث" (ترتيلة الدواساليقي: الأحد الثاني). فالتجسّد كان في فكر الله الثالوث دوماً. ونسأل: ما الداعي إلى التجسّد الإلهي؟ هل أن خطيئتنا هي سببُ حضورِ الله وتجسدّهِ إنساناً؟ أوَ لم يكن يعرِف الله الخالِق أن الإنسان المخلوق حُراً له أن يرفضَ علاقة الشِركة معه؟

جوابُ الكنيسة هو: محبّة الله التي دفعتهُ ليكون مع الإنسان، وليس خطاياهُ، ومحبتهُ هذه ستتجاوز خطايانا وتدعونا للتوبة إليه والعودة إلى بيته الأبوي. فالمحبّة تجعله يكون مع الإنسان (يتجسّد)؛ عمانوئيل، وتجسدهُ يهبُ الخلاص للإنسان (فداء). محبتهُ الأبوية تُثيرُ فينا تساؤلاتٍ كثيرةً حول واقعنا الخاطئ فتحثّنا للتوبة مثلما قال الإبن عندما تأملّ واقعهُ المزري: "فرَجَعَ إِلى نَفسِه وقال: كم أَجيرٍ لَأَبي يَفضُلُ عنه الخُبْزُ وأَنا أَهلِكُ هُنا جُوعاً! أَقومُ وأَمضي إِلى أَبي فأَقولُ لَه: يا أَبتِ إِنِّي خَطِئتُ إِلى السَّماءِ وإِلَيكَ. ولَستُ أَهْلاً بَعدَ ذلك لِأَن أُدْعى لَكَ ابناً، فاجعَلْني كأَحَدِ أُجَرائِكَ" (لو 15: 17- 19). فالله خلّص الإنسان بالمحبّة، ومحبتهُ جعلتهُ حاضراً مع الإنسان.

البشارة لمريم أمِّنا تكشفُ لنا محبّة الله التي جعلتهُ قريباً من الإنسان الذي لا يعرِف كيف يقترِب منه، حتى وإن حاول فهو يُخطئ الهدف مراراً. لذا لزِمَ الأمرُ أن ينزل الله ليُصلِحَ ما أفسده الإنسان وليُصالحهُ إلى قلبهِ. فمسيحيتُنا تُبشرّنا "بشغفِ الله بالإنسان": "أُنظُروا أَيَّ مَحبَّةٍ خَصَّنا بِها الآب لِنُدعَى أَبناءَ الله وإِنَّنا نَحْنُ كذلِك" (1 يو 3: 1). فمَن يقبل هذه المحبّة ويؤمِن بها سينالُ الخلاص. فإلهنا وملكنا، ولأنّه محبّة أرادَ أن يكون دوماً مع الإنسان، إلاّ أنّ الإنسان هو الذي اختارَ العصيان والتمرّد ورفض حياة الشِركة مع الله، وحاول الله إستمالةَ الإنسان ذي الإرادة الحُرة إليه، وفشلَ الإنسانُ في أن يفتح لله مجالاً في حياتهِ، حتّى طرقَ الله أبوابَ مريم أمِّنا، هي التي قالت: "نعم" لإرادة الله وقبلتهُ في رحمها ووهبتهُ للعالم. فالـ" نعم" التي أعلنتها أمُّنا مريم في حضرة الملاك: "أَنا أَمَةُ الرَّبّ فَليَكُنْ لي بِحَسَبِ قَوْلِكَ"، إتَّحَدَت مع الـ"نعم" التي قالها الإبن للآب: "لِذلِكَ قالَ المسيحُ عِندَ دُخولِه العالَم: "لم تَشَأْ ذَبيحَةً ولا قُرْبانًا ولكِنَّكَ أَعدَدتَ لي جَسَدًا. لم تَرتَضِ المُحرَقاتِ ولا الذَّبائِحَ عن الخَطايا. فقُلتُ حينَئذٍ "وقَد كانَ الكَلامُ عَلَيَّ في طَيِّ الكِتاب": هاءَنَذا آتٍ، أَللَّهُمَّ لأَعمَلَ بمَشيئَتِكَ" (عبر 10: 5- 7)، فأصبحت "نعم" واحدة: "والكَلِمَةُ صارَ بَشَراً فسَكَنَ بَينَنا" (يو 1: 14). أمنا مريم وهبتَ لطاعة الإبن جسداً، فصار التجسّد ثمرة حوارين: حوار الآب مع الإبن، وحوار الآب مع مريم. فمحبّة الله هي الدافعُ للتجسّد الإلهي، وجوابُ هذه المحبّة لن يكون إلاً محبّة كاملة مثل محبّة مريم أمنّا.

اليوم، ونحن نُصغي إلى كلمة الله التي بشّرت أمنا مريم بأنه حاضرٌ فيها ومعها وهي تقبلهُ إلهاً في حياتها، لتخدمهُ بطاعة تامة ومحبة سخيّة. هي تدعونا إلى أن نتعلّم أن نقفَ في حضرته وكلّنا استعداد للجديد الذي يطلبهُ منّا حتّى وإن بدا لنا غير معقول. لنتعلّم من أمنا مريم كيف نحاوِر أنفسنا متسائلين: "كيف لي أن أكوَن أميناً في الإيمان؟" فخلاصنا يتحقق عندما نقبل إرادتهُ في حياتنا بطاعة حُرّة ومتواضعة، من دون أن نُفكّر يوماً بأننا متميّزون عن الآخرين بمواهِبَ وإمكانيات، فالأمرُ الأهم في حياتنا، هو حضورُ الله فيها: "إِنَّ الرُّوحَ القُدُسَ سَينزِلُ عَليكِ وقُدرَةَ العَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، لِذلِكَ يَكونُ الـمَولودُ قُدُّوساً وَابنَ اللهِ يُدعى".

الصفحة 1 من 17