ندوة الكتاب المقدس
 المطران بشار متي وردة

المطران بشار متي وردة

التطويبة الثانية: طوبى للودعاء،

فإنهم يرثون الأرض

تبيّن واضحاً في تأملّنا في التطويبة الأولى أن ربّنا يسوع جعل التطويبات واقعاً تاريخياً يستطيع أن يستمد منه كل إنسان القوّة ليعيش هذه التطويبات في حياتهِ، فيرتبِط بربّنا يسوع على نحو شخصي، ويقبَل "يسوع" في حياته نعمةً من الله، ويستجيبُ لهذه النعمة بشهادة حياتهِ هو أيضاً، فيكون صالحاً، يعمل على إحلالِ الخير حيثُما وُجِدَ الشر، والسلام حيثما حصل العنف، واللطف بدلَ العنف، والحوار بدلَ الخصومة، فيكون وديعاً على مثال ربّنا يسوع الذي قدّم نفسه: الوديع والمتواضع القلب (متّى 11: 29).

يواجه المؤمنون تساؤلات مُحيّرة مثل: كيف يسمحُ الله بأن ينالَ الأشرار ما يطمحون إليه؟ يظلمون ويقسونَ ويُحاربون الضعيف ويسلبون الحقوق جشعاً ويغتنون ويتنعمونَ ويبدو أنهم ناجحونَ في حياتهِم، أما الذين يُكملون إرادة الله ويبحثون عن عمل الخير فهم مهانونَ ومظلومونَ ومُضطهَدونَ، فكيف لنا أن نُميّز إرادة الله في مثل هذه الأوقات الصعبة؟ فالجميع يلاحظونَ تنعُمَ الأشرار في الحياة، ويتأسفون لتعاسة حياةِ البار في أحسن الأحوال، هذا إن تذكروهُ! هم يُقِرونَ أن شرَ الأشرار يكمنُ في معاداتهِم الصريحة لله ولشريعتهِ، فيعشون حياةً مُستقلّة عن الله؛ وكأنه غير موجود. ويستغل غيرهم وداعة المؤمنين ولطفهِم ليتغطرسوا أكثر مثلما كتبَ الإمبراطور جوليان رسالةً هزأ فيها بالمسيحيين قائلاً إنه إنمّا إستولى على أموالهِم لكي يجعلهُم فقراء جداً بحيث يتمكنون من أن يدخلوا ملكوت الله. أو يستغِل غيره طيبة المؤمنين ووداعتهم فيواصِل إستغلالهُ وعنفهُ غيرَ مُبالٍ بما يقترفهُ من تغطرسٍ وظلمِ.  

هنا تأتي كلمة الربّ في المزمور 37 وتدعو المؤمن إلى الإتكال على الربِّ والثقة به، فيُمارٍس الإحسان ويحرص على عدم الإنجرار وراء طريق الأشرار لأنهم سيُستأصلون، لأن الذين يرجون الربَّ، الودعاء، سيرثون الأرض وسينعمون بسلامٍ وفيرٍ. مؤكداً على أن الله سيهبُ للصالِحَ وللأمين الأرضَ، )لم يقل سيستملكها(، بل ستُعطى له نعمةً. فلا يحقّ له أن يسمح للحسد وللغضب أن ينسلَّ إلى قلبهِ فيجعلهُ يُعادي ويُخاصِم ويُحارب ويرتكبُ الأثمَ ليحصَل على الأرض مُغتصباً مثلما يفعل الأشرار، بل عليه أن يضعَ رجاءه في الرب وهو سينعم عليه بحياة وافرة.  

ولكنّ ما أهمية الأرض ومكانتها بالنسبة إلى المؤمن؟ لاسيما أن الربَّ وعدَ الآباء بأرضٍ تدرُ لبنا وعسلاً؟

طلبَ موسى من فرعون أن يُطلِق سراح شعبهِ المُستَعبَد ليتعبّد لله: "كَذا قالَ الرَّبُّ إِلهُ إسرائيل: أَطلِقْ شَعْبي لِكَي يُعَيِّدَ لي في البَرِّيَّة" (خر 5: 1)، فهدفُ الخروج كان: الحصول على حُرية العبادة، عبادة الربِّ وليس تملُّك الأرض. فالأرضُ وسيلة وليست غاية، وستُعطى لهم لتكون مكاناً ليعيشوا فيه حياة الطاعةِ للربِّ ويعملوا لتكون حياتهُم والأرض خاليةً من الأصنامِ. لذلك، إنتُزعَت الأرضُ منهم عندما أقترفوا الخطايا وتجاوزوا المحرّمات، فصارت الأرضُ غيرَ صالحة للعبادة، لأن قلبَ الإنسان تشامخَ ونسي خالقهُ وفاديه. ونقرأ توصيات موسى للشعب في سفر تثنية الإشتراع:

"فإِنَّ الرَّبَّ إِلهَكَ مُدخِلُكَ أَرضًا طَيِّبَة، أَرضًا ذاتَ سُيولِ ماءٍ وعُيونٍ وغِمارٍ تَتَفَجَّرُ في الوادي والجَبَل، أَرضَ حِنطَةٍ وشَعير وكَرْم وتينٍ ورُمَّان، أَرضَ زَيتٍ وعَسَل، أًرضًا لا تأكُلُ فيها خُبزَكَ بِتَقتير، ولا يُعوِزكَ فيها شيءٌ، أَرضًا حِجارَتُها حَديد ومِن جِبالِها تَقلعُ النُّحاس. فتأكُلُ وتَشبعُ وتُبارِكُ الرَّبَّ إِلهَكَ لأَجْلِ الأَرضِ الطيّبةِ التي أَعْطاكَ إِيَّاها. تَنَبَّهْ لِئَلاَّ تَنْسى الرَّبَّ إِلهَكَ، غيرَ حافِظٍ لِوَصاياه وأَحْكامِه وفَرائِضِه الَّتي أَنا آمُرُكَ بِها اليَوِم، مَخافةَ أَنَّكَ، إِذا أَكَلتَ وشَبِعتَ وبَنيتَ بُيوتًا جَميلةً وسَكَنتَها وكثُرَ بَقَرُكَ وغَنَمُكَ وفِضَّتُكَ وذَهَبُكَ كلُّ ما لَكَ، يَشمَخُ قَلبُكَ فتَنْسى الرَّبَّ إِلهَكَ الَّذي أَخرَجَكَ مِن أرضِ مِصْر، مِن دارِ العُبودِيَّة، ... ولئَلاَّ تَقولَ في قَلبِكَ: إِنَّ قُوَّتي وقُدرَةَ يَدي صَنَعتا لي هذه الثَّروَة. بل تَذكُرُ الرَّبَّ إِلهَكَ، فإِنَّه هو الَّذي يُعْطيكَ قُوَّةً لِتَصنعً بِها الثَّروَة، لِكَي يُثَبِّتَ عَهدَه الَّذي أَقسَمَ بِه لآبائِكَ كما في هذا اليَوم. وإِن نَسيتَ الرَّبَّ إِلهَكَ وسِرتَ وَراءَ آِلهَةٍ أُخْرى وعَبَدتَها وسَجَدتَ لَها، فأَنا شاهِدٌ عليكمُ اليَومَ بأَنَّكم تَهلِكونَ هَلاكًا. كالأُمَمِ الَّتي يُهلِكُها الرَّبُّ مِن أَمامِكم، هكذا تَهلِكونَ أَنتُم أيضًا لأَنَّكم لم تَسمَعوا لِصَوتِ الرَّبِّ إِلهِكم" (تث 8: 7-20).

فعلى الإنسان أن يعيش حياتهُ وديعاً ليرثَ الأرض، فإذا كان عنيفاً سترثهُ (أوغسطينوس)، وكان القديس فرنسيس الأسيزي يقول لإخوتهِ: إخوتي دعونا من امتلاك الأرض لئلا نُضطَر إلى حمل السلاح ولحمايتها.

يُريدنا إلهنا وملكنا إذاً أن نجعل الوادعة أسلوبَ حياةٍ ونعمَل على تعزيزها في علاقاتنا مع الآخرين إن أردنا أن نكون فاعلينَ في بناء جسدِ المسيح: الكنيسة. "كونوا ودعاء كالحمام (متّى 10: 16)، فتكون سيرتنا تليقُ بالدعوة التي دُعينا إليها، سيرةً ملؤها التواضعُ والوداعة والصبر، متحملينَ بعضُنا بعضاً بالمحبةِ" (أف 4: 1-2). فالوداعة هي ثمرةُ إيمانٍ بالله ووعي بإرادتهِ الطيبّة لنا التي تتجاوّز طموحاتنا وأحلامنا، وانفتاح (إستعدادٌ) لقبولهِا في حياتنا. هكذا نعمل معه على تشكيلِ "جماعة السلام حيثُ يُملُك الربُّ إلهاً أوحَد"، فنحوّل الأرض إلى ملكوت الله، فتندمِج تطلّعاتنا وطموحاتنا الشخصية لتكون في خدمة مشروع الله على الأرض.

 

مَن هو الوديع؟

الوديع: هو الإنسان الذي يُؤمِن بالله أباً يرعاه وبتدبيره المُحِب: "فلا تَهْتَمُّوا فَتقولوا: ماذا نَأكُل؟ أوماذا نَشرَب؟ أو ماذا نَلبَس؟ فهذا كُلُّه يَسْعى إِلَيه الوَثَنِيُّون، وأَبوكُمُ السَّماويُّ يَعلَمُ أَنَّكم تَحْتاجونَ إِلى هذا كُلِّه. فَاطلُبوا أَوَّلاً مَلَكوتَه وبِرَّه تُزادوا هذا كُلَّه. لا يُهِمَّكُم أمرُ الغَد، فالغَدُ يَهتَمُّ بِنَفْسِه. ولِكُلِّ يَومٍ مِنَ العَناءِ ما يَكْفِيه" (متى 6: 31- 33). يطمَح المسيحي إلى أن يكون "مواطن" ملكوت الله ويعيشَ حياتهُ ليقبَلَ ملكوتً الله نعمةً. لا يبحث عن امتيازتٍ معنوية أو مادية، ولا يسمَح لمشاعر الحسد والغيرة والغطرسّة والتذمّر أن تنسلَ إلى قلبهِ، فلا يسعَى إلى التسلّط أو التملّك، بل يشعر نفسه حُراً حتّى في ما يمتلكهُ شاكراً الله على عنايتهِ الأبوية. فهو يعلمُ أنه إزدادت ممتلكاتهُ، إضطرَ إلى حراستها لئلا تُسرَق منه، ويسعى في الحصول على المزيد منها. لذا، يُصلي دوما طالبا نعمة الله لتُثبّتهُ في مواجهة تحديات وتجارِب عدّة قد تجّره إلى الإغتناء مُبرراً ذلك: إنه بركةٌ من الله، أو إلى التكاسُل مدّعياً: أن الله يُدبّر، أو إلى التغطرُس متوهماً أنه "مُختار" من العناية الإلهية لقيادة شعبهِ. الوديع، إنسانٌ طموحٌ مثل الآخرين، ويُريد أن يكون الأول، ويحقُّ له، ولكنه قد اختارَ طريقَ ربّنا يسوع في تحقيق طموحاتهِ، ليس بسحقِ الآخرين، بل بخدمتِهِم، بالنزول إليهم والإرتفاع معهم في نفس الوقت (مر 9: 35).

 

 

الوديع: إنسان يعرِف كيفَ يُدافِع عن إيمانهِ دون أن يكون دفاعهُ فرصةً لإهانة الآخرين، وتكون حياتهُ الصالحة خيرَ شهادة على إيمانهِ بالمسيح: قدِّسوا الرَّبَّ المَسيحَ في قُلوِبكم. وكونوا دائِمًا مُستَعِدِّينَ لأَن تَرُدُّوا على مَن يَطلُبُ مِنكم دَليلَ ما أَنتم علَيه مِنَ الرَّجاء، ولكِن لِيَكُنْ ذلك بِوَداعَةٍ ووَقار، وليَكُنْ ضَميرُكم صالِحًا، فإِذا قالَ بَعضُهم إِنَّكم فاعِلو شرّ، يَخْزى الَّذينَ عابوا حُسْنَ سِيرَتِكم في المسيح. فخَيرٌ لَكم أَن تَتأَلَّموا وأَنتُم تَعمَلونَ الخَيْر، إِن شاءَ اللهُ ذلك، مِن أَن تَتأَلَّموا وأَنتُم تَعمَلونَ الشَّرّ" (1 بط 3: 15- 17).

الوديع: إنسانٌ يتحمّل الظلَم بصبرٍ من دون غضبٍ، فينتصِر عليه بهدوئهِ، ولا يُجازي الشرَ بالشرِ أو الشتيمةً بأخرى. إنسان يُقابِل الشر بالخير. ليس ضعيفاً أو جباناً، بل وديعاً لطيفاً يعرف أن يُحِب ويعرِف كيف يسيطر على غضبهِ ليكون عادلاً ولطيفاً، فلن يأسرهِ، وهذا ما لا يستطيع الجبان أن يفعلهُ لأنه يحبُس عنفهُ خوفاً لا محبةً، لذا، فهو يُؤجِل الإنتقام ويتربص الفرص للإيقاع بالقريب لأنه لم ينسى ولم يغفر، وهذه ليست وداعةٌ بل جُبنٌ وخوفٌ.

الوديع: هو مَن يقفُ إلى جانبِ الضعفاء مُستعداً لأن يتحمَل الألم في سبييلهم. لن يسكُت عن الظُلِمِ والمهانة التي يختبرِها هو أو القريب، ولكنه لن يكون الظُلم مُبرراً لعنفٍ شخصي: "إِن كُنتُ أَسَأْتُ في الكَلام، فبَيِّنِ الإِساءَة. وإِن كُنتُ أَحسَنتُ في الكَلام، فلِماذا تَضرِبُني؟" (يو 18: 23) لذا، فهو يتألَم بسبب ظُلمِ الناس له وللآخرين، ويحزنِ لخيانتهِم، ولكنه راسخٌ في محبّة الله الأمين، ووجدَ مكانهُ في قلبِ الله. وإيمانهُ هذا يجعلهُ متأنياً في أفكاره ومشاعره ومواقفهِ فلا يُبادلُ العنف بالعنف.

الوديع: ينطلِق من محبّة الآخر ليُصلِح القريب الذي يُخطئ، غير متناسياً أنه ليس أفضل منه، فينصحهُ ليُصلِح ذاتهُ من دون الإساءة إليه. يعرِف أن يَختار المكان والزمان والظروف المناسبة للإصلاح، ويتجنّب إهانة الآخر وإحراجهِ: "كونوا ودعاء في تأديب المُخالفين" (2 طيم 2: 25). تواضعهُ ووداعتهُ ولطفه لا تعني أنه يتغاضى عن "إصلاحِ الآخرين"، فسفرُ العدد يقول: "وكانَ موسى رَجُلاً مُتَواضِعًا جِدًّا أَكثَرَ مِن جَميعِ النَّاسِ الَّذينَ على وَجهِ الأَرض". (عدد 12: 3)، مع أنه قضىَ بين شعبهِ معلماً ومُرشداً ومُصلياً وموبخاً، بدافعِ محبتهِ لله ولشعبهِ، من أجل أن يكون تعبدُ الشعب صادقاً. فالإصلاح يجب أن يُقدَّم بصحن المحبّة والرعاية، وإلا صارَ فرصةً للتسلّط على الآخر.

الوديع: إنسانٌ يحترِم الآخرين ويُشعرِهم بقيمتهم مهما قلَّ شأنهم في الحياة. إنسانٌ يبني علاقاتهِ مع الآخرين على أُسس الإحترام والنزاهةِ من دون أن يُنافِسهُم على مكانةٍ أو منصبٍ أو شيءٍ، فلا يتعالى عليهم، ولا يغدرُ بهمِ ولا يُعرّض حياتهم للخطر أو للحرجِ. مُعتدلٌ في أحكامهِ ولا يتسارَع في قراراتهِ، ويعرِف كيف يضبُط أفكارهُ ومشاعرهُ وخاصةً لسانه، فلا يلعَن أو يستهزئ، بل يُبارِك ويُهنى ويشكُر ويعتذِر. وما أكثر الصرعات التي تنشبُ بسبب عدم ضبطِ اللسان الذي نجعلهُ أحياناً كثيرة أنياباً تُمزِق حياة القريب بسبب طيشنا أو غضبنا: " ... وهكذا اللِّسان، فإِنَّه عُضوٌ صَغير ومِن شَأنِه أَن يُفاخِرَ بِالأَشياءِ العَظيمَة. أُنظُروا ما أَصغَرَ النَّارَ الَّتي تُحرِقُ غابَةً كَبيرة! واللِّسانُ نارٌ أَيضًا وعالَمُ الإِثْم. اللِّسانُ بَينَ أَعضائِنا يُدنِّسُ الجِسمَ كُلَّه ويُحرِقُ الطَّبيعَةَ في سَيرِها ويَحتَرِقُ هو بِنارِ جَهَنَّم. ... إِنَّه بَلِيَّةٌ لا تُضبَط، مِلُؤه سَمٌّ قاتِل، بِه نبُارِكُ الرَّبَّ الاَب وبِه نَلعَنُ النَّاسَ المَخلوقينَ على صُورَةِ الله. مِن فَمٍ واحِدٍ تَخرُجُ البَرَكَةُ واللَّعنَة. فيَجِبُ يا إِخوَتي أَلاَّ يَكونَ الأَمْرُ كذلِكَ. (يعقوب 3: 2- 10)

الوديع: إنسانٌ يترُك أثراً طيباً حيثمُا حلَّ، فكلامهُ عذبٌ ولسانهُ طيّب (سيراخ 6: 5). لا يُجامِل على حسابِ الحقيقة، ولكنه يختارُ الجواب الليّن لئلا يُثيرَ غضبَ الآخرين (أم 15: 1). مُؤدَب ويحترِم الآخرين في حضورهم وغيابهِم. وداعتهُ تُكسبهُ ثقة الناس وتجذبُهم إليه، بوداعتهِ وصبره ولطفهِ لأنه يقدِم نفسه "أخاً أو أختاً" للجميع، فلا يُثيرُ حضوره في الآخرين إنزعاجاً أو حرجاً أو غضباً أو عداوة. لذا، يتربّع على قلوبِ الناس؛ يرث الأرض.

من هنا جاءتَ دعوة ربّنا يسوع: "تَعالَوا إِليَّ جَميعاً أَيُّها المُرهَقونَ المُثقَلون، وأَنا أُريحُكم. اِحمِلوا نيري وتَتَلمَذوا لي فإِنِّي وَديعٌ مُتواضِعُ القَلْب، تَجِدوا الرَّاحَةَ لِنُفوسِكم" (متى 11: 28- 29). فإذا كان القلبُ طاهراً ونقياً، سيجعلُ حياة الإنسان طاهرة ونقية من كل خُبثٍ وشرٍ ومقاصدَ سيئة وعنيفة: "وقال: "ما يَخرُجُ مِنَ الإِنسان هو الَّذي يُنَجِّسُ الإِنسان، لأَنَّهُ مِن باطِنِ النَّاس، مِن قُلوبِهم، تَنبَعِثُ المَقاصِدُ السَّيِّئةُ والفُحشُ وَالسَّرِقَةُ والقَتْلُ والزِّنى والطَّمَعُ والخُبثُ والمَكْرُ والفُجورُ والحَسَدُ والشَّتْمُ والكِبرِياءُ والغَباوة. جَميعُ هذِه المُنكَراتِ تَخرُجُ مِن باطِنِ الإِنسانِ فتُنَجِّسُه" (مر 7: 20- 23). فيا يسوع الوديع والمتواضِع القلب، إجعل قلبنا شبيهاً بقلبِكَ.

الأحد الثاني من الصليب

قلّة الإيمان مبعثُ شكوك للآخرين (متى 17: 14 - 21)

سجدَ والد الصبي أمام ربّنا يسوع يشكو حالة إبنهِ طالبا الرحمة ومُعاتباً عدم قُدرة تلاميذه على مساعدتهِ، فطلب ربّنا يسوع منه أن يُحضِر الصبي فشفاه، وكشفَ لتلاميذه عن قلّة إيمانهم، والذي صارَ مبعث شكّ للآخرين. لم يتمكنّوا من شفاء الصبي، ولم يتوجهوا، مثل والده، نحو ربّنا لطلبِ العون في مثل هذه الأوقات، بل تركوه يُعاني، أما والد الصبي، فلم يتراجع أمام فشلِ التلاميذ، فبيّن عن إيمان راسخ مُصلياً: "يا ربّ إرحم إبني". آمن أن لربنا يسوع القُدرة على شفاء إبنهِ، فواصل البحث وألحَّ في الطلب حتّى نال ما أرادَ.

نحن مثل والد هذا الصبي، نختبر صعوباتٍ كثيرة، ونواجه تحديّات الإيمان ونريد العون ولا نجدّه، ولكننا مراراً ما نتراجع والحزن يملاء قلوبنا متسائلين: "أين أنت يا ربُّ؟" "ألاَّ ترى ما أعانيهِ من أزماتٍ وصعوبات؟" والد الصبي يُعلّمنا الصلاة الحقيقية في مثل هذه الأوقات: "إرحمني يا رب، فإني عاجز عن فهِم إرادتِك في حياتي. صليبي مُتعِب، فالصعوبات تُحيط بي، وغيابُك يُرهقني، هب لي نعمة الإيمان".

الإيمان قادرٌ على نقل الجبال، ها هي ذي الأم تريزا إنموذجٌ إيمان الذي نقل جبالاً من الألم والعذاب الذي أصاب كثيرين بإيمانها بالله الذي دعاها، وبالمحبّة التي إحتضنت بها المُهَمشين والمعذبين والفقراء والمرضى، ليس فحسب، بل جعلت كثيرين يستيقظونَ على نداء خدمة أفقر الفقراء، فأضحت أم الفقراء. لقد قدمّت لربنا ألم الآخرين وعذاباتهم، فحضيت بنعمة الثبات، فكان لها العون حتّى في الوقت الذي شعرت أنها تعيش في ظلمةِ "الطريق" متسائلةً: "ماذا تُريد منّي يا ربُّ؟" إيماننا قادرٌ على تغيير العالم من حولنا.

ولكن هل تسألنا نحن المسيحيين، تلاميذ ربّنا يسوع عن أثر وتأثير "قلّة إيماننا وضعفِه" في حياة مَن هم من حولنا؟

بعضنا يُفكّر أن الإيمان قضية شخصية: "أنا وربّي"، من دون أن يعي حقيقة أن قلّة إيماننا له أن يُسبب حرجاً وشكوكاً كبيراً لربنا يسوع. والد الصبي له كل الحق في أن يُفكر في مدى مصداقية رسالة ربّنا يسوع، أين قُدرتُكَ في تلاميذَكَ؟ قدّمته إلى تلاميذ فلم يقدروا أن يشفوه، مع أنكَ وهبتَ لهم طرد الشياطين. وهذا يعني، أن ألمَ العالم ليس بسبب غلبة الخطيئة، بل بسبب قلّة إيماننا وتراجعنا أمام الإلتزام بمسؤوليات إيماننا، فالعالم يتألم لأننا كمسيحيين لسنا مؤمنينَ كما يجب. لسنا مؤمنين الى درجة أن نُرضي إلهنا.

لذا فقد ربطَ ربّنا يسوع المسيح الإيمان بالصلاة. فالتلاميذ كانوا واثقين من قدرتهم على شفاء كل الأمراض، حتى أنهم نسوا الله. ظنّوا أنهم قادرونَ على طردِ الشيطان من دون الصلاةِ إلى الله الذي أنعمَ عليهم بهذه الدعوة. الإيمان بالله هو العلاقة مع الله، وهذه العلاقة تحيا بالصلاة إليهِ دوماً واستحضاره في حياتنا. وكثيرة هي المرات التي نتناسى فيها ذكرَ الله مُعتمدين على قوّتنا وذكائنا فحسب. يروي لنا آباؤنا الروحيون أن أباً كان ينظر إلى طفله ِالصغير وهو يُحرّك حجرةً كبيرة وتبيّن أنه غير قادر على ذلك فبدأ بالبكاء! سألهُ أبوه: هل جرّبتَ كلَّ قوتِكَ يا بُني؟ فأجاب الطفلُ: نعم يا أبي! فردَّ أبوه ولكنّك لم تسألني المُساعدة. وصلاتنا هي دعوتنا ليكونَ إلهنا سيّدَ حياتنا دوماً، وإلا فعالمنا سيبقى رازحاً تحت آلام كثيرةٍ. 

إيماني يجب أن يكون إلتزاماً حتى المنتهى فأحمل الآخرين إلى ربّنا يسوع، فأكون لهم سنداً وقت الأزمات، وأسعى جاهداً أن لا أكون حجرة عثرة في حياتهِم "فلا نُشككهم". ربّنا ينتظر منّا أن نَعِظَ بمثلِ حياتنا الصالِح، فنكون طريقاً صادقاً للآخرين يحملهم إلى الله. أن نكون مؤمنين بيسوع يعني أن نُفكر مثله، ونشعر مثله، ونسلُك مثله، فشهادة الحياة موعظة حيّة. فلنُصل إلى ربّنا ليرحمنا ويهبَ لنا نعمة الثبات وقتَ التجارب والأزمات، وشجاعة الشهادة له ولحضوره المُحِب، ولا نكون يوماً حجرَ عثرةٍ للقريب بسبب قلّة إيماننا أو ثقل الصليب الذي نحملهُ.

 

الثاني من الصليب

التطويبة الأولى: طوبى لفقراء الروح

فإن لهم ملكوت السموات

لم يعلِن ربّنا يسوع في بدءِ عِظتهِ: "طوبى لمَن يُصلي، أو مَن يصوم، أو مّن يُحسِن إلى الآخرين، أو التقي أو المُتعبِد أو مَن يقرأ الكتاب المُقدس ... فهذه كلّها "أفعال" قيمتُها كامنةٌ في الروح الذي يُحييها. فإن كانت نابعة من "روحِ متكبرٍ ومتعالٍ صارت سبباً للدينونة، وإن كانت نابعة من "روحٍ فقيرٍ"، أضحت بركةً للإنسان. فالروح هو "النَفَس" الذي فيه تنتعِش هذه الأفعال. وسيشرَح ربّنا يسوع لتلاميذه وللجموع أن هناكَ مَن يُصلي ويصوم ويُحِسن إلى الآخرينلا ليُمجِدَ الله الآب، بل ليراه الناس ويمدحوهُ (متّى 6: 1- 18). فوجَّهَ إلى ضرورة أن يكون الصوم صمتَ الجسد وصمتَ الإرادةِ ليخلُقَ فراغاً (من خلال إفراغِ المعدة)، وجوعاً وعطشاً إلى الله.

أفتتح ربّنا يسوع خطبة الجبل بـ: طوبى لفقراء الروح، فإنَّ لهم ملكوتَ السموات"، أناسٌ تحرروا من من كلِّ إرتباطٍ وتعلقٍ ليكونوا متحدين بالله. سعادتهم هي في أن يكونوا مع الله.

مَن هو فقيرُ الرُوح؟

"فقير الروح"، هو الإنسان الذي جعلَ كل إتكالهِ على تدبير الله ورحمتهِ، فبِهِ يتنفس: "فتَحتُ فَمي وتَنَشَّقتُ لأَنَّي إِلى وَصاياكَ تَشوقتُ" (119: 131). ربّنا يسوع اختارَ هذا الموقف الحياتي وجعلهُ طريقاً إلى قلبِ الله. فلم يعد الطريق إليه مُستحيلاً. كُشِفَ لموسى وللشعب في حادثة تقديم "الكلمات العشر"؛ لأن الخطيئة تجعل العبورَ إلى الله مُستحيلاً، ربّنا يسوع أعلنَ أن "الإشتياق إلى الله"، بتواضعٍ وفقرٍ روحي يُوصِل الإنسان إلى الله، وهذا ممكن.  

"فقير الروح" هو حالة روحية وليس حالة اجتماعية. هو إنسان سلّمَ كل شيءٍ إلى تدبير الله. إنسانٌ وضعَ رجاءَه في الربِّ فلا يعتمِد على قواه الشخصية، بل مؤمنٌ بالربِ وواثقٌ بصلاحهِ ورحمتهِ. ليس له ممتلكاتٍ يتعلّق بها، ولا شبر من أرض يدعوها مسكنه، ولا مجتمع أرضي يدين له بالولاء المُطلَق بل لا قوة روحية أو اختيار أو معرفة يلجأ إليها بحثا عن العزاء أو الأمان. وإن تملّكَّ شيئا فهو لن يسمحَ لممتلكاتهِ بأن تمتلكهُ، بل يسعى دوماً لأن يكون مُمتلَكاً من قِبلِ الله، جائعاً وعطشاً لأن يعمل إرادته:"طعامي أن أعملَ بمشيئة الذي أرسلني وأُتممَ عملهُ" (يو 4: 34)

"فقير الروح" هو الإنسان المُستعِد لأن يؤمِن ويتحمَل تبعات الإيمان: "فبالنعمةِ نلتُم الخلاص بفضِل الإيمان" (أفسس 2: 8). فالمُبادَرة جاءت من الله، وكان الإيمانُ جواب الإنسان على هذه المُبادَرة. فهو إنسان الإيمان. هو إنسان حُر كلياً أمام الله، لأجله ترك كل شيء وتبع المسيح، وفي سبيل المسيح وفقد كلَّ شيءٍ حتى نفسَه. فلم يعد شيءٌ يمكن أن يأسر قلبه على هذه الأرض، ولن يُحبَ أو يسجدَ إلا للربِ الإله: "ثُمَّ مَضى بِه إِبليسُ إِلى جَبَلٍ عالٍ جدّاً وأَراهُ جَميعَ مَمالِكِ الدُّنيا ومَجدَها، وقالَ له: "أُعطيكَ هذا كُلَّه إِن جَثوتَ لي سـاجداً". فقالَ له يسوع: "اِذهَبْ، يا شَيطان! لأَنَّه مَكتوب: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسجُد وايَّاهُ وَحدَه تَعبُد". ثُمَّ تَركَه إِبليس، وإِذا بِمَلائكةٍ قد دنَوا منهُ وأَخذوا يَخدُمونَه". (مـّى 4: 8-11)

"فقيرُ الروح" هو إنسانٌ لا يفتخِرُ بأعمالهِ وبتقواه أمام الله، ولا يُطالبهُ بأن يُجازيه خيراً لأنه صامَ وصلّى وأكثر الصدقات، مثلما صلّى الفريسي ممجداً نفسهُ ظناً منه أنه يُمجدُ الله، وكشَفَ في صلاتهِ أنه ليس بحاجةٍ إلى الله. إنمّا إنسانٌ ينتظر الله مثل انتظار الأجير أجرَتهِ (أيو 7: 2). فقير الروح  إنسانٌ يُريد العيش في جودةِ الله، ولن ينالَ ذلكَ بقواهُ الخاصّة بل برحمة من الله، فيصبِح هو رحيماً مثلُ الله، فالنعمة تجعلهُ قادراً على فعل الخير والصلاح. هو إنسانٌ يُحب ما يُعطيهِ الله، ويقفَ أمامهُ فارغ اليدين، مثلما قالت القديسة تريزة الصغيرة، أيادٍ تُصلي شاكرة وهي مفتوحة للعطاء ومُستعدة لتقبل من جودِةِ الله. فهو لا يدعي صلاحاً أو خيراً، بل هو واعٍ لفقرهِ ومحدوديتهِ، وفراغهِ مثل الأرض التي تنتظر البذار من الزارِع ليُباركها بثمرٍ وحصادٍ وفير.

"فقيرُ الروح" هو إنسانٌ يُعرِف أنه صغيرٌ جداً، يحتاج إلى عونِ الله، لأنه ضعيفٌ ومعوز، إنسان لا يبحث عن السُلطة والسيطرة على الآخرين، إنسانٌ يشكرُ الله على كلِّ هباتهِ، وإذا إغتنى فغناه لن يأسرهُ بل سيبقى حُراً تجاه ما يمُلك. ويتعامَل مع الأشياء بقناعةٍ وإعتدالٍ مبتغياً حياة البساطة من دون تملكٍ مفرِط أو هدرٍ للخيراتِ. كان القديس فرنسيس الأسيزي يقول لإخوتهِ، كُنتُ عندما أطلبُ الصدقة، أخذ أقل مما أنا بحاجةٍ إليهِ، لئلا يُحرَم فقراء آخرون منها".

"فقيرُ الروح" إنسان يعرِف أن يُبارِك؛ لأنه يقفُ أمام الله بيدين مبسوطتين وبقلبٍ مُنفتح ينتظر أن يُبارَكَ. فعندها فقط يُمكن أن تُباركَ إذا عرفت أنك بحاجة إلى المُباركة. فينا قلب مُتكبر لا يريد أن يُبارِك (الله والآخرين)؛ لأنه يقول: لي ما يكفيني. فينا رغبةٌ في السيطرة على كلِّ شيءٍ، لاسيما في عصرنا الحالي الذي فيه يريد الإنسان أن يُسيطرَ على كل شيءٍ، فالسعادة لن تتوقف على التملُكِ والحصول على المزيد، بل على المحبة والعطاء وبذلِ الذات، على مثالِ الرب يسوع.  

يسوع المسيح، فقيرُ الروح

"فقيرُ الروح" هو ربّنا يسوع المسيح، الذي لم يرغب في أن يمتلِك بيتاً أو أرضاً أو كرماً، ولا مالاً أو مُقتنيات، بل كان مُكرساً كلياً لله، وحُراً للرسالةِ. عانى من الجوع والعطش والحرمان والتعب. كان فقيراً إجتماعياً، لم يكن له عشيرةٌ تدعمهُ أو حلقة أصدقاء تسندهُ وقتّ الشدّةِ، حتّى جماعة التلاميذ تخلّت عنه وقت المُحاكمة والصلب. كان فقيراً إذ أخلَى ذاتهُ وصارَ إنساناً متجرداً من مجدِ الألوهةِ. فلم يبحثِ عن "شُهرةِ"، بل كان يُوصي الذين يشفيهم بعدم الحديث علناً عن شفائهم.

فقير الروح هو ربّنا يسوع المسيح، أُنموذج التطويبات، وقد جسّدها في كل تفاصيل حياتهِ، لاسيما في بستان الزيتون حيث جثا مُصليا: "يا أَبتِ، إِن أَمكَنَ الأَمْرُ، فَلتَبتَعِدْ عَنِّي هذهِ الكَأس، ولكن لا كما أَنا أَشاء، بَل كما أَنتَ تَشاء!" ... ثمَّ مَضى ثانيةً وصلَّى فقال: "يا أَبَتِ، إِذا لم يَكُنْ مُمكِناً أَن تَبتَعِدَ عَنِّي هذِه الكَأسُ أَو أَشرَبَها، فَليَكُنْ ما تَشاء" (متّى 26: 39- 42). لم يرغب ربّنا يسوع في كأسِ الألم، لم يرغب في أن يكون مُهاناً أو مُضطَهَداً، ولكنه أرادَ أن يكون أميناً للبُشرى السارة التي عاشها. "لا كما أنا أشاءَ، بل كما أنت تشاءَ"، هذا هو فقيرُ الروح. ففي عمقِ كيانهِ أرادَ ربّنا يسوع ما أرادهُ الله، فكان كلياً لله، ولله وحدهُ. وماالذي يُريده الله من الإنسان وللإنسان؟ يُجيبُ ميخا النبي: "قد بَيَّنَ لَكَ أَيُّها الإِنسانُ ما هو صالِح وما يَطلُبُ مِنكَ الرَّبّ. إِنَّما هو أَن تُجرِيَ الحُكْمَ وتُحِبَّ الرَّحمَة وتَسيرَ بِتَواضُعٍ مع إِلهِكَ" (ميخا 6:8).  

ربّنا يسوع لم يُمجد حالة الفقرِ المادي إذاً، فالفقر المادي الخالِص لا يُخلَّص، على حدّ تعبير البابا بندكتُس السادس عشر. ربّنا يسوع أحبَّ الفقراء لا فقرهم. هناك فقراء يائسون من رحمةِ الله، ويتملّكهُم الغضبُ من الداخل؛ لأنهم يعتقدون أن الله غير مُهتمٍ بهم، بل نسيَهم، ويشتهون مقتنى الآخرين. وعبّر كاتب سفرِ الأمثال عن ذلك في طلبهِ: "شَيئَينِ سَأَلتُكَ فلا تَمنَعْني إِيَّاهما قَبلَ أَن أَموت: أَبعِدْ عنِّي الباطِلَ وكَلامَ الكَذِب، لا تُعطِني الفَقرَ ولا الغِنى بلِ اْرُزقْني مِنَ الطَّعام ما يَكْفيني لِئَلاَّ أَشبعَ فأَجحَدَ وأَقوَلَ: "مَنِ الرَّبّ؟" أَو أَفتقر فأَسرِق وأَعتدي على اْسم إِلهي" (أم 30: 8- 9).

ففقرُ الروح يتطلب زُهداً، والزهد لن يكون بلعنةِ الخليقة التي باركها الله ورأى أن كلَّ شيءٍ حسنٌ جداً (تك 1: 31)، بل، في موقف التحرر من الممتلكات وعدم التعلّق بها. مثلما صلّى أيوب: "الربُّ أعطى والربّ أخذ، فليكن إسم الربِّ مُباركاً" (أيو 1: 21). فالممتلكات هي للخدمة ليتمكّن الجميع من العيش برفاهيةٍ. وهذا هو المفهوم الأصح للفقر بالمعنى الديني، الفقرُ الذي يختارهُ الإنسان من أجل تحقيق هدفٍ سامٍ: "إفتقرَ وهو الغني لتغتنوا بفقرهِ" (2 كور 8: 9). أفتقرَ ربّنا يسوع محبةً بالإنسان وليس حُباً بالفقرِ. فالفقرُ الاختياري (الروحي) ليس إنغلاقاً على الذات، بل هو انفتاح على الجميع، لاسيما على الفقراء والمعوزين، هو إنطلاقةٌ وليس محطةُ وصولٍ، فيهِ إختارَ الإنسان الفقرَ نتيجةَ فعلِ الله المُحِب في حياتهِ.

ملكوتُ الله

ملكوت الله فعلٌ يقوم فيه الملكُ بفعلِ التملِك على شخصٍ أو شي. ملكوت الله يعني تدخل الله الحاسِم في التاريخ الإنساني، إذ يأتي ليملُكَ على البشرية جمعاء، ويُمارِس سلطتهُ. ملكوت الله هو إعلانٌ لسيادةِ الله على الحياة، فهو ليس مكاناً نذهُب إليه، بل هو حضورُ الله الفاعِل في الحياة والذي صارَ لنا نعمةً بيسوع المسيح. محبّةٌ تُريد خلاصَ الإنسان وتحريرهِ من كل ما يجعله يقف مُكرَماً أمام الله، ويدعوه ليدخلَ في شِركةٍ معه: "خذوا كلوا ... خذوا إشربوا".

هذا الحضور يتطلّبُ تجاوباً من الإنسان، أن يُهيئ له مكاناً في حياتهِ لينمو ويُثمرِ، ليملُكَ الله. فعندما بشرَ ربّنا يسوع بملكوت الله (السموات)، فهو كان "يُبشِر بكل بساطة بالله، أي بالإله الحي القادِر على أن يعمَل واقعياً في العالم وفي التاريخ، والذي يعمل فيهما الآن بالتحديد ... أي إنهُ يُمسِك بزمام العالم بين يديهِ ... إن الله يعملُ الآن" (بندكتُس السادس عشر).

هذا ما يُبشِر به فقير الروحُ في حياتهِ: الله هو السيّد وهو الربُّ الأوحد: "أَنا الرَّبُّ إِلهُكَ الَّذي أَخَرجَكَ مِن أَرضِ مِصرَ، مِن دارِ العُبودِيَّة. لا يَكُنْ لَكَ آِلهَةٌ أُخْرى تُجاهي" (خر 20: 2- 3). كان ربّنا يُصلي يومياً: "إسمعَ يا إسرائيل، إنَّ الربّ إلهنا هو ربٌّ واحد. فأحبب الربّ إلهَك بكل قلبِك وكلّ نفسِكَ وكل قوّتك" (تث 6: 4-5). هذه لم تكن كلماتُ صلاة فحسب، بل مسؤولية عليه أن يلتزِم بها في حياتهِ ويشهَد لها في سلوكه اليومي، فجعلَ حياتهِ كلّها مجالاً لله. وإعلاناً لسيادتهِ وربوبيتهِ. ففي موقف "فقير الروح" يختبِر الإنسان مفاعيل ملكوت الله في حياتهِ؛ لأن الملكوت بدأ في هذا الإنسان، فقير الروح. قلبه فارغ ومُستعدٌ ليكون وحدهُ، ويملك عليه ملكاً أوحد. فهل يستطيع الله أن يملأ شخصاً يكون مليئاً ومتخماً؟!

هذا الموقف الشخصي موقف منفتحٌ على الآخرين وهو موقف إرسالي في الوقتذاته. هناك فقراء لا يملكون بيوتاً أو عقارات أو تجارةٍ، لا يشعرون بحاجةٍ؛ لأن محبّة "الجماعة" قد غمرتهم. هذا هو واقع الملكوت الذي تعيشهُ "كنيسة المسيح، جسدهُ السرّي". فالمُمتلكات لن تكون "إلهاً" يُعبَد وطموحاً لفقير الروح، بل فرصة لتحقيق ملكوت الله، ملكوت العدالة والتضامُن مع الآخر المُحتاج، من أجل تعزيز "كنيسة المسيح" وتثبيتها. "وكانَ جَميعُ الَّذينَ آمنوا جماعةً واحِدة، يَجعَلونَ كُلَّ شَيءٍ مُشتَرَكًا بَينَهم، يَبيعونَ أَملاكَهم وأَمْوالَهم، ويَتَقاسَمونَ الثَّمَنَ على قَدْرِ احتِياجِ كُلٍّ مِنْهُم" (أع 2: 44- 45). لقد عاشت الكنيسة الأولى ما أرادهُ الله من شعبهِ:

"إِذا كانَ عِندَكَ فقيرٌ مِن إِخوَتكَ في إِحْدى مُدُنِكَ، في أَرضِكَ الَّتي يُعْطيكَ الرَّب إِلهُكَ إِيَّاها، فلا تُقَسِّ قَلبَكَ ولا تَقبِضْ يَدَكَ عن أَخيكَ الفَقير، بلِ افتَحْ لَه يَدَكَ وأَقرِضْه مِقْدارَ ما يَحْتاجُ إِلَيه. واحذَرْ أَن يَخطُرَ في قَلبِكَ هذا الفِكْرُ التَّافِه، فتَقول: قد قَرُبَتِ السَّنةُ السَّابِعة، سَنةُ الإِبْراء، فتَسوءَ عَينُكَ إِلى أَخيكَ الفَقيرِ ولا تُعطِيَه شَيئًا، فيصرُخُ إِلى الرَّبِّ علَيكَ وتَكونُ علَيكَ خَطيئَة. بل أَعطِهِ، ولا كَرْهًا إِذا أَعطَيتَه، وبِذلك يبارِكُكَ الرَّبّ إِلهُكَ في كُلِّ أَعْمالِكَ وفي كُلِّ مَشاريعِكَ. إِنَّ الأَرضَ لا تَخْلو مِن فَقير، ولذلِكَ أَنا آمُرُكَ اليَومَ قائِلاً: اِفتحْ يَدَكَ لأَخيكَ المِسْكينِ والفَقيرِ الَّذي في أَرضِكَ. (تثنية 16: 7- 11)

أسئلة للتأمل الشخصي:

  1. هل أستطيع أن أُصلي إلى الله الآب بصدقٍ وأقول: إلهي، أنت وحدَك رجائي ومُبتغاي؟ هل أسعى لتحقيق هذه الصلاة في حياتي اليومية؟ أوَ لا نختبر الحزن والمرارة عندما نفشل في الحصول على ما نرغبهُ ونريده هنا والآن؟ ألم نختبر مشاعر الحسد إزاء نجاح هذا أو ذاك؟
  2. حين تقرأ أو تسمع هذه الاية "ما مِن أَحَدٍ يَستَطيعُ أَن يَعمَلَ لِسَيِّدَيْن؛ لأَنَّه إِمَّا أَن يُبغِضَ أَحَدَهُما ويُحِبَّ الآخَر، وإِمَّا أَن يَلزَمَ أَحَدَهُما ويَزدَرِيَ الآخَر. لا تَستَطيعونَ أَن تَعمَلوا لِلّهِ ولِلمال" (متّى 6: 24)، فما المعنى الذي تتركه في حياتِك؟ هل تؤمِن بتدبير الله الآب؟ ما أهمية أن يكون لك أملاكٌ وأموال؟ هل تتذمّر على الله بسبب فُقرِك؟
  3. كم أمتلِك من المُقتنيات الزائدة اليوم؟ وهل أنا بحاجةٍ إليها كلّها؟ هل توقفنا عن شراء ما يعّرض أمامنا ولسنا بحاجة إليه، فقط لأن هذا أو ذاك يمتلكهُ؟ هل أوقفنا تأثير الدعايات الإعلانية في الحصول على المزيد الذي لسنا بحاجةٍ إليه؟ هل نعي حقيقة أن التبذير هو هدرٌ للنعمةِ ويعكسٌ موقفاً مخالفاً لتطويبة فقراء الروح؟
  4. هل أتعامل مع الأشياء مُبارِكاً وقنوعاً وأتعامل معها بإعتدالٍ أم أُريد إمتلاكَ المزيد؟ كم مرّة تراودني فكّرة: إمتلاك شيءٍ؛ لأن فلاناً امتدحهُ مع أني لست بحاجةٍ إليه؟ أو الحصول على حظوةٍ أو منزلةٍ؛ لأن صديقي (أو أحد معارفي) حصلَ عليها واريدهُ بدافع المنافسة؟
  5. هل أبحث عن الإمتيازات الإجتماعية؟ وهل أنزعِج من تبوّء أحدهم مكانة أو منصِب متميّز؟ هل يطيبُ لنا أن نُبارِك الآخرين ونهنئهم لنجاحهم، ونشعرُ بفرحِ عطية الله في حياتهِم؟ كيّف أُقيّم كلامي مع الناس: مُعتدِل؟ واقعي؟ إدعائي؟ أُبالِغ في مدح إنجازاتي وقُدراتي؟ أم أني أنتقدُ سلوكيات الآخرين وأفكارِهم؟

السبت, 30 أيلول/سبتمبر 2017 16:34

التطويبات - حياة أبناء الملكوت

التطويبات

حياة أبناء الملكوت

 المُقدمة

التطويبات: نَفسُ الله في حياة الإنسان، ودعوة من الله إلى الإنسان ليعيش حياة الإلوهةِ: "فكونوا أَنتُم كامِلين، كما أَنَّ أَباكُمُ السَّماويَّ كامِل" (متّى 5: 48). فالتطويبات تكشِفُ عن عظمةِ عمل الله في الإنسان مثلما أعلنَت أمنا مريم: "سَوفَ تُهَنِّئُني بَعدَ اليَومِ جَميعُ الأَجيال لأَنَّ القَديرَ صَنَعَ إِليَّ أُموراً عَظيمة: قُدُّوسٌ اسمُه" (لو 1: 48- 49).

التطويبات: كشفٌ من ربّنا يسوع لحالة "أبناء الملكوت": هنا والآن. تهنئةٌ يُقدِمها لمَن إختارَ "مواقف حياتية متمايزة عن الآخرين". لكلِ مَن اختار توجهاً في حياتِه يُعجّل مجيء ملكوت الله على الأرض. أُناس وجدوا السعادة لا في ما يملكون بل في الله. لا في المكانة المتميّزة التي يسعون للحصول عليها، بل في الكينونة مع الله.

التطويبات: تُعلِن أيضاً عن حقيقة حياة تلميذ ربّنا يسوع، ما الذي سيُعانيهِ التلميذ في حياتهِ عندما يُكرِس حياتهُ كلّها للرسالة ويُضحي بكلِ شيء من أجل المسيح، الذي وجدَ فيه الحياة: "فما أنا أحيا بعد اليوم، بل المسيح يحيّا فيَّ" (غلا 2: 20).

لا تَعِد التلميذَ بمُستقبلٍ أفضل من الحاضِر، بل تصفُ الحاضر الذي يعيشه: هو تلميذٌ فقير ولكنهُ مُبارَك. مُضطهدٌ ولكنه ليس هالكاً. تلميذٌ يعيش فرح العلاقة مع الله، تلميذٌ سمحَ للمسيح يسوع المرفوض والمُعذَب والمرفوع على الصليب، أن يُواصِل حياته فيه ومن خلالهِ: "ما زلنا نُسلَم إلى الموت لتظهَر في أجسادنا الفانية حياة المسيح" (2 كور 4: 11). وهي تكشِف لنا في الوقتِ ذاته عن وجود علاقة متميّزة بين التلميذ والمسيح.

التطويبات: دعوة من ربّنا يسوع إلى تبني أسلوب حياة شخصي يعمَل على تغيير واقع الحياة من حولنا، حياة التسلّط والتملُك والقوّة والجشع والبحث عن الشهرة والصيت الحسَن. لم يقصد ربّنا أن يعزل الإنسان بعيداً عن الآخرين في تعبّد شخصي لله، بل ليُؤَسِسَ الإنسان حياتهُ على الله، ويعمَل على إحداث إنقلاب جذري في حياة الجماعة التي يتقاسم معها العيش.

للتطويبات رسالة لنا اليوم، وسنتأمل التطويبات الثمانية مثلما قدّمها متّى الإنجيلي، وسنسأل أنفسنا: كيف يُمكننا أن نعيش هذه التطويبات في واقع حياتنا اليوم؟

إستهلَ متّى إذاً عظة ربّنا يسوع على الجبل بالتطويبات:

فلمَّا رأَى الجُموع، صَعِدَ الجَبَلَ وَجَلَسَ، فدَنا إِلَيه تَلاميذُه فشَرَعَ يُعَلِّمُهم قال:

"طوبى لِفُقراءِ الرُّوح فإِنَّ لَهم مَلكوتَ السَّمَوات.

طوبى لِلوُدَعاء فإِنَّهم يرِثونَ الأَرض.

طوبى لِلْمَحزُونين، فإِنَّهم يُعَزَّون.

طوبى لِلْجياعِ والعِطاشِ إِلى البِرّ فإِنَّهم يُشبَعون.

طوبى لِلرُّحَماء، فإِنَّهم يُرْحَمون.

طوبى لأَطهارِ القُلوب فإِنَّهم يُشاهِدونَ الله.

طوبى لِلسَّاعينَ إِلى السَّلام فإِنَّهم أَبناءَ اللهِ يُدعَون.

طوبى لِلمُضطَهَدينَ على البِرّ فإِنَّ لَهم مَلكوتَ السَّمَوات.

طوبى لكم، إِذا شَتَموكم واضْطَهدوكم وافْتَرَوْا علَيكم كُلَّ كَذِبٍ مِن أَجلي،

اِفَرحوا وابْتَهِجوا: إِنَّ أَجرَكم في السَّمَواتِ عظيم، فهكذا اضْطَهدوا الأَنبِياءَ مِن قَبْلِكم.

السياق العام للتطويبات

حسب متّى الإنجيلي

استهل ربّنا يسوع عِظَتَه على الجبل بالتطويبات. وتُقسم على مجموعتين: الأربع الأولى تخصّ علاقتنا بالله، والأربع الثانية تخصُّ علاقتنا بالقريب، وهي موجهةٌ في صيغة الغائب: "طوبى لـِ ..."، ويُضاف إليها تطويبةٌ تاسعة مُوجهةُ في صيغة المُخاطَب: "طوبى لكم ..."، تُعد تواصلاً للتطويبة الثامنة، مثلما سنرى.

تبدأ كلتا المجموعتين بكلمةِ: "مكاريوس" التي تُرجِمتَ الى كلمة "طوبى"، وهي كلمة آرامية تعني "هنيئاً، مُباركٌ" "كم هو محظوظٌ" وكانت لفظة(مكاريوس) تُطلَق حسب الآداب اليونانية على الآلهة؛ لأنهم يتمتعون بحياة متميزة عن الإنسان. فهم خالدونَ وأحرار من الألم والحُزنِ والموت. وإذا كان الإنسان محظوظاً في الحياة فسيكون غنياً ويستمتِع بحياة مترفةٍ، وهذا "التميُّز" هو لقلةٍ من الناس.

وردت عبارة "طوبى" 9 مراتٍ إشارةً إلى أولئكَ الذين يعيشون حياتهُم على وفقَ قلبِ الله؛ لذا يرى الله حياتهم بعيون الرضا (يُصادِق على أسلوب حياتهِم)، مثلما فعلَ في الخلقة: "ورأَى اللهُ جَميعَ ما صَنَعَه فاذا هو حَسَنٌ جِدًّا" (تك: 31). فأصل العبارة "طوبى" ينبَع من عبارة "حسَن: طوف: طاوا"، التي يقولها الله فاعلاً. فالبركة هي من الله، الذي ينجز البركة، ويُبارِك الوالدين وأصحاب السلطة. أما الطوبى فيلفظها الإنسان مُمجِّداً ما هو حسَن في حياة إنسان آخر. فما قام به ربّنا يسوع هو: أنه أعلنَ أن الأكثرية التي تُعاني من الفقر والألم والرفضَ بسبب اختيارها له، ومن ثُمَّ إلتزامها بمواقف حياتية لتصل إلى الله الحق، هم "مُباركونَ ومحظوظون"، مع أن اختيارهم يتضمّن الرفض والإضطهاد: الصليب. ربّنا أعلَن أن الطريق إلى الله هو طريق الصليب؛ لأنه طريق المحبّة. فمَن يحيا التطويبات يقتدِي بالله، الله المحبّة. 

الطوبى إذاً هي لأناس اختاروا أن يُؤسسوا حياتهُم على الله، وهم يعلمون أنها ستكون صعبة بل مُؤلِمة على حدِّ تعبير بولس:

"فإِنَّنا لا نَجعَلُ لأَحَدٍ سَبَبَ زَلَّة، لِئَلاَّ يَنالَ خِدمَتَنا لَوم، بل نُوَصِّي بِأَنفُسِنا في كُلِّ شَيءٍ على أَنَّنا خَدَمُ اللهِ بِثَباتِنا العَظيمِ في الشَّدائِدِ والمَضايِقِ والمَشَقَّات والجَلْدِ والسِّجْنِ والفِتَن والتَّعَبِ والسَّهَرِ والصَّوم، بِالعَفافِ والمَعرِفَة والصَّبرِ واللُّطْفِ، بالرُّوحِ القُدُسِ والمَحبَّةِ بلا رِياء وكَلِمَةِ الحَقِّ وقُدرَةِ الله، بِسِلاحِ البِر، سِلاحِ الهُجومَ وسِلاحِ الدِّفاع، في الكَرامةِ والهَوان، في سُوءِ الذِّكْرِ وحُسنِه. نُحسَبُ مُضِلِّينَ ونَحنُ صادِقون، مَجهولِينَ ونَحنُ مَعروفون، مائِتِينَ وها إِنَّنا أَحياء، مُعاقَبينَ ولا نُقتَل، مَحْزونينَ ونَحنُ دائِمًا فَرِحون، فُقراءَ ونُغْني كَثيرًا مِنَ النَّاس، لا شَيءَ عندَنا ونَحنُ نَملِكُ كُلَّ شيَء". (2 كور 6: 3- 10)

الجبل: كرسي المُعلم

صعدَ ربّنا يسوع الجبل وجلسَ قريباً من حلقة التلاميذ والجموع الكثيرة من حولهم. فأول ما نتعلّمه عن التطويبات هو إنها موجهةٌ إلى حلقة التلاميذ، أولئِكَ الذين اختارهُم ربّنا يسوع وتبعوهُ عن قُربٍ. أُناس مسّهُم حضور الابن وإستجابوا لمُتطلباته: "فتَركا الشِّباكَ مِن ذلك الحينِ وتَبِعاه" ... فَتَركا السَّفينَةَ وأَباهُما مِن ذلك الحينِ وتَبِعاه" (متّى 4: 20- 22). إستجابتهُم لدعوتهِ جعلتهُم أُناساً فقراء يُعانون من العوز والحرمان والإذلال والرفض والعُزلةَ، وهذا يجعلهم مؤهلينَ للطوبى، لا بسبب فقرهم بل بسبب دعوةِ الله لهم بيسوع المسيح، وفي اتِّباعهِم له، ففقدوا كلَّ شيءٍ حتّى أنفسهُم. فإذا تمكّنَ التلاميذ، بنعمةِ الله، من الإستجابة لهذه الدعوة، فهذا يعني أن بإمكان الجموع الكثيرة التي تبعِت يسوع أن تتخذَ القرار نفسه، فالجميع مدعوون إلى أن يكونوا كما أرادهم الله (بونهوفر).

ربّنا لم يُلقِ خُطبة حكمية أو تعاليمَ عامّة، بل وجهّ الكلام إلى الذين قرروا أن يعيشوا الكلمة ويؤسسوا حياتهم عليها: "فمَثَلُ مَن يَسمَعُ كَلامي هذا فيَعمَلُ به كَمَثَلِ رَجُلٍ عاقِلٍ بَنى بيتَه على الصَّخْر. فنزَلَ المطَرُ وسالتِ الأَودِيَةُ وعَصفَتِ الرّياح، فَثارت على ذلكَ البَيتِ فلَم يَسقُطْ، لأَنَّ أساسَه على الصَّخر" (متّى 27: 24- 25). وهكذا يُبنى بيت التلمذة: بالإصغاء والعمل بالكلمة.

تؤمِن هذه الجماعة (جماعة التلاميذ)، مثلما نؤمِن نحن، بأن ربّنا يسوع هو كلمةُ الله، وهو الذي يُفسِر الشريعة ويُعطيها عمقها ويوليها الحياة؛ لأنه هو المُشرِع؛ لذا، لم يقف متّى عند ضجيج العداوة والخصام الذي نشأ في الكنيسة الأولى بين اليهود والوثنيين، بل دعاهم إلى الإصغاء إلى صوت كلمة الله، يسوع المسيح، الذي أرادَ أن يُنشئ تلاميذه، الكنيسة، على نحوٍ خاص، لخيرهم الشخصي، ولخير العالم كلّهِ.

هذه التنشئة تطلّبَت شكلاً من الإنسحاب من ضجيج أورشليم ليكونوا وحدهم: السماء والأرض والمُعلّم، تماماً مثلما فعلَ الله مع شعبهِ إذ أخرجهم من مصرَ العظيمة ليختلي معهم في البرية. الصعود إلى الجبل يُعيد إلى الذاكرة صعود موسى إلى جبل الله ليقبَل "الكلمات العشر" من الله، فقدّم متّى ربّنا يسوع مثل موسى الجديد، بل أعظم. فالفعل: "جلسَ" يُشير إلى سُلطان إلهي، بخلاف موسى والشعب الذين وقفوا يسمعون (خر 19: 16)، فجاء تعليمهُ مختلفاً عن تعليم الآخرين: إنه تعليمٌ ذو سُلطانٍ، وليس مثل الكتبةِ والفريسيون: "ولمَّا أَتَمَّ يسوعُ هذا الكَلام، أُعجِبَتِ الجُموعُ بتَعليمِه، لأَنَّه كانَ يُعَلِّمُهم كَمَن لَه سُلطان، لا مِثلَ كَتَبَتِهم". تعليمهُ جاء مُباشراً: "فشَرَعَ يُعَلِّمُهم قال ..."، ليس لدينا أي إشارة إلى أن ربّنا يسوع كان ينقل رسالةً أو تعليماً: "وكلّمَ الله ... هذا ما تكلّم به الربُّ ..."، لدينا تعليم مُباشر، فلم يعدُ الله يُكلِّم الناس عبرَ وسيط، موسى أو الأنبياء، بل صارَ يُحدثهم على نحو مُباشر بيسوع المسيح، المُعلِم الأوحد: "سمعتُم أنه قيل للأولين ...أما أنا فأقولُ لكم".

بجلوسهِ إذاً كشفَ ربّنا يسوع عن نفسهُ مُعلماً، وشكّل حلقة تعليمية هو مركزها، حلقةً مفتوحةً لكل مَن يُريد الإنضمام إليها، حيث قدّم "كلمة الله الجديدة" التي تُكمِل ما قدّمهُ بوساطة موسى، فالمعلمُ الأوحد يعرِف ما الذي يجول في فكرِ الله، وكيف يرى الله الإنسان والعالم. لقد أعطى الله كلماته العشر، التي أدانت الخطيئة، وسطَ البرق والرعود، بينما أعلنَ ربّنا يسوع دعوتهُ إلى المحبة الكاملة، فأكملَ الشريعة والأنبياء لأنه تحدّث من قلبهِ الإلهي إلى قلبِ الإنسان، فلم تعد كلمتهُ على الحجر، بل أصبحت في القلب:

"ها إِنَّها تَأتي أَيَّام، يقولُ الرَّبّ، أَقطعُ فيها مع بَيتِ إِسْرائيلَ (وبَيتِ يَهوذا) عَهداً جَديداً، لا كالعَهدِ الَّذي قَطَعتُه مع آبائِهم، يَومَ أَخَذتُ بِأَيديهِم لِأُخرِجَهم مِن أَرضِ مِصْرَ لِأَنَّهم نَقَضوا عَهْدي مع أَنِّي كُنتُ سَيِّدَهم، يَقولُ الرَّبّ. ولكِنَّ هذا العَهدَ الَّذي أَقطَعُه مع بَيتِ إِسْرائيلَ بَعدَ تِلكَ الأَيَّام، يَقولُ الرَّبّ، هو أَنِّي أَجعَلُ شَريعَتي في بَواطِنِهم وأَكتُبُها على قُلوبِهم، وأَكونُ لَهم إِلهاً وهم يَكونونَ لي شَعباً.  ولا يُعَلِّمُ بَعدُ كُلُّ واحِدٍ قَرببَه وكُلُّ واحِدٍ أَخاه قائِلاً: "اِعرِفِ الرَّبّ"، لِأَنَّ جَميعَهم سيَعرِفونني مِن صَغيرِهم إِلى كبيرِهم، يَقولُ الرَّبّ، لِأَنِّي سأَغفِرُ إِثمَهم ولن أَذكُرَ خَطيئَتَهم مِن بَعدُ. (إرميا 31: 31- 34).

     فالتطويبات ليست مثل الكلمات العشر "مُحرمات"، تُطالِب الإنسان بإلتزام حدود الطاعّة لله، بل دعوة لعيش خبرة الحُب الإلهي، خبرة القلبِ المُحِب, دعوة للإنسان الفقير ليكون مثل الله، "صارَ الكلمة إنساناً ليصيرَ الإنسانً إلهاً" (القديس أثناسيوس والقديس إيريناوس). إنسان ملكوت الله، إنسان العهد الجديد الذي يعيشَ حسبَ قلب الله، قلب ملؤه الحُب، قلب يدعو الإنسان ليكونَ مثل الله الذي اختارَ أن يكون إلى جانب الإنسان الفقير والمعدوم والمُهَمَش. إنه قلبٌ يُريد أن ينفُخ في العالم حياة الله، حياة المحبّة. الحياة التي تهبُ الإنسانَ السعادة الحقّة؛ لذا، فالتطويبات تصفُ حالة التلاميذ، عائلة الله: هم فقراء وجائعونَ وباكون ومُبغضونَ ومُضطهدونَ، لكنهم مُباركونَ وسعداء في الآب. هنا يُكمِل ربّنا يسوع الشريعة والأنبياء: "لا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُبْطِلَ الشَّريعَةَ أَوِ الأَنْبِياء ما جِئْتُ لأُبْطِل، بَل لأُكْمِل". (متّى 5: 17) فالحُب هو إتمامٌ الشريعة"، "أُعْطيكم وَصِيَّةً جَديدَة:أَحِبُّوا بَعضُكم بَعضاً. كما أَحبَبتُكم أَحِبُّوا أَنتُم أَيضاً بَعَضُكم بَعْضاً. إذا أَحَبَّ بَعضُكُم بَعضاً عَرَف النَّاسُ جَميعاً أَنَّكُم تَلاميذي" (يو 13: 34- 35).

فمن أجل أن نفهَم معنى التطويبات يجب أن نضعَ نُصبَ أعيننا أن ربّنا يسوع هو المُعلِم وهو المُفسِر للتعليم، وأفضل تفسير لتعليمهِ هو حياتهُ. "لقد أفتقرَ لأجلكُم، وهو الغني، لتغتنوا بفقرهِ" (2 كور 8: 9). لقد أعلنَ ربّنا يسوع "التطويبات" وفيها كشفَ عن أسلوبَ حياتهِ؛ لأنه يعمَل قبل أن يُعلِّم: "وأَمَّا الَّذي يَعمَلُ بِها ويُعَلِّمُها فذاكَ يُعَدُّ كبيراً في ملكوتِ السَّمَوات" (متّى 5: 19). فهو أول مَن عاشَ التطويبات. إنّه الفقير الذي لم يكن له مسند رأسٍ يتكأ عليه (متّى 8: 20)، والوديع والمتواضع القلب (متّى 11: 20)، وصانعُ السلام.

ربّنا يسوع لم يتجسّد ليكون مع الإنسان في ألمهِ ومعاناتهِ وصراعاتهِ فحسب، بل ليُغيّر هذا العالم. روحُ الربّ كانت عليه ومسحتهُ (ماشيحا) من أجل رسالةٍ، وهي: "روحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَليَّ لِأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنى وأَرسَلَني لِأُبشِّرَ الفُقَرء وأَجبُرَ مُنكَسِري القُلوب وأُنادِيَ بِإِفْراجٍ عنَ المَسبِيِّين وبتَخلِيَةٍ لِلمَأسورين لِأُعلِنَ سَنَةَ رِضاً عِندَ الرّبّ وَيومَ آنتِقام لِإِلهِنا وأُعَزِّيَ جَميعَ النَّائحين. لِأَمنَحَهمُ التَّاجَ بَدَلَ الرَّماد وزَيتَ الفَرَحِ بَدَلَ النَّوح وحُلَّةَ التَّسْبيحِ بَدَلَ روحِ الإِعْياء فيُدعَونَ بُطْمَ البِرّ وأَغْراساً لِلرَّبِّ يَتَمَجَّدُ بِها" (إش 61: 1- 3). وأرسل إلى يوحنّا في سجنهِ قائلاً له: "اِذهبوا فَأَخبِروا يُوحنَّا بِما تَسمَعونَ وتَرَون: العُميانُ يُبصِرون والعُرْجُ يَمشونَ مَشْياً سَوِيّاً، البُرصُ يَبرَأُون والصُّمُّ يَسمَعون، المَوتى يَقومون والفُقراءُ يُبَشَّرون، وطوبى لِمَن لا أَكونُ لَه حَجَرَ عَثْرَة" (متى 11: 4- 6).

سيتعلّم القديسون هذه الحقيقة ويسعون لعيشها، ليكونوا هم بشهادة حياتهم تفسيراً حياً للكتاب المُقدس؛ لأنهم عاشوا هذه الكلمة بكل كيانهِم، وتمكنوا من تغيير العالم من حولهم، كلٌّ على وفق ما وهبَه الله من هباتٍ.

الأحد الثالث من إيليا

لا للكسل والتراخي (متى 13: 24- 43)

"ولمّا نام الناس جاءَ عدّوهُ وزرعَ زواناً في وسط القمحّ"ِ.

يقول المُزمّر إن الله "لا ينام ولا يَوسِن" (مز 121: 4)، وكذلِك الإنسان الذي يبحث عن إتمامِ إرادة الله في حياتهِ ليجعلَ حضورهُ واقعا ملموساً، فهذا الإنسان لن يهبَ لعينهِ نوماً (مز 132: 4- 5)، وهو ليس مثل الإنسان الكسول الذي لا يُفارِق سريرهِ فيقع في العوز (أمثال 6:: 6- 11)، أو مَن يتهّرب من تحمل مسؤولية دعوته مثل يونان النبي (يونان 1: 5)، وإيليا (1 ملوك 19: 4- 8)، أو الرُسل الثلاثة الذين اختارهم ربّنا يسوع ليرافقوه عندما كان يُصلي في بستان الزيتون (مر 14: 34، 37، 40).

هكذا، وبينما الناسُ نيامٌ جاء العدو وزرعَ الزؤان وسط الحقل ومضّى، وعوضَ أن يُقدِم عبيد ربّ البيت إعتذاراهم وتأسفهم على أنهم لم يسهروا ليحرسوا الحقل، جاؤوا يُلقونَ اللومَ على سيّدهم قائلين: "لم يكن زرعاً جيّداً الذي زرعتَ". وكشفَ ربُّ البيت عن طيبتهِ فلم يُحاسبهُم على كسلهم وإهمالهم أو على إفتراءهم، فكان مُحباً ليس فحسب، بل صبوراً فطلبَ منهم أن يتريثوا فيما هم مزمعونَ عليهِ: "دعوهما ينميان كلاهما معاً".

جميعاً يسأل: "إن كان الله قد خلق الأرض والإنسان بشكل حسن، فمن أينَ الشر؟

ويُجيبُ ربّنا يسوع: عندما يغفلُ الإنسان وينام ولا يتحمّل مسؤوليتهُ في أن يحرُسَ الأرضَ، عندها يغيبُ الخير وينتشّر الشر على الرُغم من أنه لن ينتصّر. الكسل والتراخي تجربةٌ تتحدّى الإنسان، وسيكون سبب فساد القمحِ الصالِح، لذا، وجبَ السهر واليقظة دوماً لئَلا يفسدَ الخير الذي زرعهُ الله في فينا.

ولعّل أعظم التجارِب التي تتحدانا هي تجربة الدينونة والحكم على الآخرين مثلما أقترح العبيد: "أتُريد أن نذهبَ ونجمعهُ؟" فينا جميعاً هذه الرغبة في تطهير العالم من الفاسدين والمفسدينَ إنطلاقاً من أحكامنا، فنتعجّل الأمور، ونحكمُ على الناس مما يبدو عليهم في الظاهِر. ربّنا يُعلّمنا اليوم قائلاً: "تمهلوا واصبروا إلى يومِ الحصاد، يوم الدينونةِ". إلهنا إلهُ صبور طويل الآناة وكثير الرحمة ويعطي الفرصة الثانية والثالثة ليتوبَ الإنسان ويعودَ إليه. صبرُ الله يعني إنتظاره توبة الإنسان وعودتهِ إليه، فإذا كان الله ينتظر الإنسان، تُرى ما الذي ينتظره الإنسان في حياتهِ؟

نحن مسيحيون، يعني إننا حُراسُ العالم ليبقَ حسناً، نحن ملحهُ ونورهُ. هذه الحراسة تتطلّب منّا اليقظة والتنبّة وتعلّم الإنتظار. الإنسان يعتقد متوهماً أن بإمكانهِ أن يصنعَ كلَّ شيءٍ، لذا، لم يعد ينتظر من الله شيئاً، ولكنه سُرعان ما يتفاجئ بمُباغتةِ العدو له، فيُفسِد حياتهُ.

هناك زؤوان كثير زُرِعَ في حياتنا وفي قلوبنا من جراء كسلنا وتراخينا، ونحن مدعوون اليوم لأن نتحلّى بالشجاعة ونُقِرَ بوجوده وبمسؤوليتنا الكاملة عنهُ. ربّنا يدعونا لأن نسأل أنفسنا: "أوَ لم نسمحَ بتراخينا وكسلنا للعدو لأن ينسلَ بيننا ويزرعَ سمومهُ في قلوبنا وفي عوائلنا وكنائسنا؟ ألم نسمح له بإنشغالنا عن عوائلنا بأن يزرعَ أفكاره الخبيثة في عقول أبناءنا؟ إهتمامنا بأنفسنا جعلنا أنانيين لا نُفكِر إلا في راحتنا فصرنا نسمعُ تلَك الأصوات التي "تهمُس" في آذاننا: ما نفعُ الإيمان وما نفعُ الكنيسة؟

لربنا يسوع بشارة اليوم، فهو لا يُقول لنا كيف يُمكن القضاء على الشر، بل يُبشرنا: مَن هو إلهنا وخالقنا الذي نعبدهُ؟ هو الله محبّة، ولأنه محبّة فهو إله الإنتظار والصبر والغفران، صحيح إن الزؤوان لن يُصبحَ قمحاً جيداً، ولكن الإنسان الخاطئ يُمكن أن يُصبحَ قديساً، وإن في تاريخ الكنيسة أمثلة كُثر. إلهنا يعرِف خفايا القلوب ويفهَم ضعفنا وعنادنا، وهو يعرِف أن فيها بصيصٌ من الخير له أن ينمو بالمحبّة. لذا، ينتظر إستيقاظنا. 

ولربنّا بشارة أخرى، فواقع الملكوت سينمو ويعظم ويتغلّب على الشّر، فقداسة شخص واحد لها أن تُغيّر حياة كثيرين، هي مثل حبّة الخردل والخميرة التي تُخمّر العجينة كلّها. وعلينا أن لا نيأس من هولِ الشرِ وجسامة الخطيئة في العالم، بل، ننفتح لنعمة الله المُخلِصَة.

فعلى خُطى التلاميذ لندخل مع ربّنا يسوع إلى البيت، ولنسألهُ بتواضع: "إهدنا وعلّمنا وأرشدنا إلى الطريق لنفهَم بشارتِكَ. دخول البيت والبقاء مع ربّنا يسوع سيقوينا ويعضدنا في مسيرة حياتنا ويجعلنا لا نُسرِع في الحكم ودينونة الآخرين، ولا نغضَب أمام مشاهدِ الشر مهما كانت مُحزنة، بل نكون مثل إلهنا، نسهَر ليكون عالمنا أرضاً طيبة للعيش، وهذا يحتاج إلى الكثير من المحبة والإيمان بإلهنا الرحوم. وهناك خطأة كثيرون آمنوا بالبشارة وفتحوا قلوبهم ليُقدسهم الله ويُقدِسَ العالم من خلالهم.

لنُصلِ يا إخوتي وأخواتي ليمنحنا إلهنا نعمة الصبر، أن نكون صبورين مع أنفسنا مع الآخرين ومع الله. أن يهبَ لنا نعمة رؤية الناس لا من خلال أفعالهم، بل من خلال عيونهِ هو، عيون المحبة والرحمة والغفران. فالأم تريزا، والتي رفعتها الكنيسة قديسة على مذابحها كانت تقول: "إذا دُنتَ الناس فلن يكون لك وقت لتُحبهُم".

 

الثالث من ايليا

الأحد الثاني من إيليا

أرضٌ طيّبة وثمارٌ وفيرة (متى 13: 1- 23)

أنعمَ الله على الجميع من دونِ إستثناء بالخلاص بيسوع المسيح، كلمتهُ الحاسمِة، فهو لم يأتِ ليدينَ العالمَ بل ليُخلّصهُ. الله بذرَ الكلمة بوفّرة على كل الأراضي، وهو ينتظِر أن تستقبِل هذه الأرض كلمتهُ وتحرُص على أن تأتي بثمارٍ وفيرةٍ. هذا الحرِص يعني: فرحَ قبولِ هذه الكلمةِ، والاجتهاد في حراستها فتنمو بعيداً عن الأخطار والتجارِب التي تسرِق الحياة منها، والسعي لتكون الأرض طرّية تتفاعلُ مع نمّو هذه البذرة ولا تعترِضها حتّى تطلعَ سُنبلةً وثُثمِرٌ ثمراً صالحاً.

إلهنا وملكنا ينتظِر من الجميع إذاً أن يكونوا مُستعدين لقبولِ كلمتهِ، والحال يجد الله أن هناكَ أراضٍ ليس لها حدود أو ضوابط بل هي عُرضة لكل مَن هبَّ ودبَّ. وأرضٌ أخرى سطحيّة ليس لها قُدرةُ الحفاظِ على هذه النعمةِ. وهناك أرضٌ صخرية صلبةٌ لا تتحملُ ولا تتفاعلُ مع نمّو الكلمة، لقد فقدت طراوتها وأصبحت قاسية. وهناكٌ أرضٌ تفرحٌ بالكلمة ولكنها محبوسةٌ في همومِ هذا العالم. وأرضٌ خصبةٌ طرية تستقبلُ الكلمة وتسمح لها بأن تنغرس فيها لتموتَ وتُنمو وتُثمِر وتُعطي ثمراً وفيراً.

هذا هو حالُ الإنسان أمام نعمة كلمة الله التي تُعطى له. بعضٌ له قلبٌ مُتكبرٌ ومتعجرِف لا يعرِف الإنضباط ومُعرضٌ لكل الأهواء والشهوات، متعلقٌ براحتهِ ومصالحهِ وغيرُ مكترثٍ بما يتطلّبة الإيمان. أو مَن له قلبٌ مرائي يفرحُ بالكلمة ويبدو للناس مؤمناً ولكنه غير مُستعدٍ للإلتزامِ بما تتطلّبهُ من جهدٍ وإجتهادٍ لحراستها، فأضحى قلباً جافاً ويابساً لا حياة فيه يغزوه شوكُ الغضب والحسد والخصومة والعداوة، وإن لم يُظهِرها. أو ذاك الذي له قلبٌ حزينٌ ومنشغلٌ بهمومِ هذا العالم: الغنى والسلطة والشهرة. أو مَن إمتلَك قلباً منفتحاً لنعمةِ الله يستقبلُ الكلمة ويتأملَ فيها ويتوبَ إلى متطّلباتها ويجتهِد ليأتي بثمارٍ وفيرة.

مثلُ الزارع هو من الأمثلة التي فسّرها ربّنا يسوع المسيح، ويدعونا لنسأل أنفسنا: أيُ أرضٍ أنا؟ وهل أجتهدُ في الحفاظ على نعمةِ كلمة الله في حياتي؟ هل سعيتُ لأن أنزَع عن حياتي كل ما يعيقُ نمّو هذه الكلمة؟ هل يكفي بأن أُظهِرَ للناس فرحتي بكوني مسيحي أم أن ربّنا ينتظر مني أكثر مما يبدو في الظاهِر؟ هل أن إلهنا ينتظر منّا حماسة التدين أو شجاعة الإيمان؟

لنُصلي ليُنعِمَ علينا الله الآب بالرحمة ويجعلنا رُحماء مثلهُ، ولكن ما الذي تغيّر فينا خلال هذه السنة؟ طلبُ الرحمة وأن نكون رُحماء ليس أمنيةً، بل مسيرة علينا أن نجتهدِ فيها ليكونَ لنا فُكرٌ الآب، حتّى نكون رُحماء مثله. قلوبنا أرضٌ جرداء بسبب المخاوف التي تأسرها. قلوبنا أرضٌ صخرية قاسيةٌ بسبب الهمومِ والخلافات والخصومات والعداوة التي لنا مع هذا وذاك، والتي نرفض الإستغناء عنها، وكأنها لن تُعطّل الأرض أبداً. صرِنا نسألُ الرحمةَ ونحن لا نستحقها في الواقع، فرحمة الله ستأتي لتُبارِك حياتنا بمحبتهِ، وستجدنا مشغولين ومنشغلينَ عنها، ومهمومين بمشاكل وأزمات كثيرة، ولسنا مُستعدين للتنازُل عن ما نعتقد أنه هو الصحيح، وإن طُلِبَ منّا التنازل فنُقدِم أقل ما يُمكِن أن يُقدَم، وليس لنا الشجاعة للإعتذار والتوبة إلى ما يُريده الله منّا، فتُسرَق منّا هذه النعمة، أو تختنِق من دون أن تأتي بالثمار المرجوّة. ونواصِل حياة الإزدواجية فنقِف أمام الله طالبينَ الرحمةَ. فما الذي غيّرتهُ نعمة الرحمة فينا؟

ربّنا يدعونا اليوم لنشكَر الله الآب لأنه يشمُلنا جميعاً بمحبتهِ من دون إستثناءٍ، ويدعونا أيضاً لنبدأ مسيرة التوية من خلال تنظيف قلوبنا من كل ما يُعيقُ نمو كلمتهِ فينا. يدعونا ربّنا لأن نؤمِن أن الحياة هي مع كلمتهِ وليس من دونهِ، وأن كلمتهُ هي أهمُ من أفكاري ورؤيتي. يُنادينا لأن نتخلّى عن ما نعتقد متوهمينَ أن لنا فيه الحياة، فالحياة هي مع كلّمةِ الله وليس من دونها: "فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله".

ربنا يدعونا ليكون لنا الشجاعة فنقلَع ونرفع عن قلوبنا كل ما يُعيقُ نمّو هذه الكلمة، كلمة الله لا تنمو مع الخصومة والعداوة، ولن تُثمِرَ في قلوب قاسية مشوشة بالحسد والعجرفة. إلهنا يعرِف أن هذه الكلمة ستنمو وسيتطلّب ذلك أن نكون مُستعدين للتفاعل مع هذا النمو الذي يكبُرُ فينا ويحتاج إلى "طراوة" تجعل الكلمة تنمو بأمان، وتأخذ كل ما هو خيرٌ وحسنٌ فينا، ليكون سخاء الثمار نتيجة "نعمةِ" الله وتعاونِ الإنسان الذي يُؤمِن بالكلمةِ، وهذا لن يكون إلا إن كان لنا إستعداد لنتخلّى عن "الأنا" العظيم من أجل "كلمة الله" المتواضعِة.

"مَن له إذنان لتسمَع فلتسمَع"، دعوةٌ إلى التوبة يوجهها ربّنا يسوع للجميع من دون إستثناء. يُخاطبنا على نحوٍ شخصي، ويهبُ لنا الفرصة تلو الأخرى للتوبة، ليُرطبَ جفاف قلوبنا ويبوستها، ويطهر قلوبنا من الأحجار والأشواك ومن ما هو ضارٌ، فيكون القلبُ أرضاً خصبةً. ربّنا عالمٌ بأن السماع يعني "الإجتهاد"، التأملُ والسعي في تحقيقِ إرادة الله في مواجهةٍ إرادتي الشخصية وأهوائي ورغباتي، قبل النظر إلى الآخرين ودينونتهم، وهي تجربةٌ تُبعدنا عن ما يطلبهُ ربّنا منّا: "إجتهد ليكونَ قلبُكَ أرضاً طيبّة لإستقبالِ الكلمة".

 

الثاني من ايليا

الأحد الأول من الصليب

الكنيسة: جماعة التطويبات (متى 5: 13 – 20)

عهدَ الله لموسى الوصايا في العهد القديم لتكون نوراً وهداية لشعبهِ، لكّن ربّنا يسوع كان أعظم من موسى، إذ تجسّد وصار إنساناً بيننا ومعنا. فعلّم ما كان يعيش. أعطانا التطويبات والتي تُجدد فينا "صورة اللهِ" التي تشوهّت بأنانيّتنا وخطايانا. فما يُميّزنا نحن المسيحيين هو أننا "جماعة التطويبات". جماعة تعيش كل حياتها تحت أنظار الله وفي مملكتهِ، فالتطويبات ليس تعاليم ووصايا وإرشادات، بل حالة الإنسان المؤمِن بالله الوقف أمام الله شاكراً والسائر أمامه متواضعاً، ومُستعداً للتخلي عن كل شيء، حتى عن إرادته الشخصية، من أجل إتمام إرادة الله.

إنسان جعل إتكالهُ على الله الآب من دون أن يبحث عن ضمانات أرضية أو ممتلكاتٍ، فغناهُ ومُلكهُ هو في الله، وإن تملَّك على الأرض يقفَ شاكراً الله على هذه النعمة متحرراً من سطوتها فقلبهُ صارَ مُلكَ الله، وهو يُصلي دوما بتواضع: "يا ربًّ أنــا مُحتاجٌ إليك يا رب".

جماعة التطويبات جماعة تحزن لخطايا العالم البعيد عن الله والباحِث عن فرحٍ عابرٍ ويعتقد متوهما أنه قادرٌ على الحصول على سعادته وحريته من دون الله. هو حُزن مُقدس لأن الإنسان الخاطئ لم يتذوّق طيبة الله فسيطّر عليه الخوف وتملّكه همٌّ أفقدهُ الثقة بالله فراح يبحث عن سعادتهِ بعيداً عنه. هذا الحزن المُقدس لن يكون إلا أن "تواضع" الإنسان، وجعل أنظاره مشخصّة نحو الله ونحو القريب، فلا يتعالى أذا حصلَ على منصبِ ولن يتفاخَر بموهبةٍ ولن يتشامخ على الآخرين الذين "لا يعرفون"، بل يسير معهم، ولن يبتغي بأن يكون "الأول" بل الأقرب إلى الناس لاسيما الفقراء والمهمشين على مثال ربّنا يسوع، ليحملهم إلى الله الآب، لأنه إنسان يبحث عن الحقيقة، والحقيقة هي: أن الله هو الذي يهبُ للإنسان الكرامة، وعندما يملُكَ الله إلهاً في حياتنا وعلى قلوبنا، عندها فقط: ننالُ كرامتنا. لذا، فإنسان التطويبات هو الباحِث عن البر، عن الله الذي خرجَ بربنا يسوع المسيح يبحث عن الضآل ليُعيده إلى الحظيرة.

هو إنسان الرحمة على مثال الله الآب فيُشارِكه في أعمق شعور إلهي: الرحمة. رحمة تنظر إلى معاناة الآخر وتتفهمه من دون أن تدينهُ، وتتجاوز له خطاياهُ وتغفِر له تقصيراتهِ وتراه بعيون الحب من جديد ولن يسمح للغضب والعداوة والإنتقام أن تسيطرَ عليه، لتكون الحياة ممكنة على الأرض. هكذا، يحفَظ قلبهُ طاهراً فيترجّى الخير من الإنسان فيسلُك تبعاً لذلك لأنه يرى الله في الآخرين فيُباركهُ، لتكون علاقاته بالآخرين فعل عبادة، ويضع السلام حيثما حلَّ بطيبِ الكلام والأفعال، فلا يتعب من مُصالحة الناس مع بعضهم ومع الله.

ربّنا دعانا إذن لنكون "جماعة؛ كنيسة التطويبات"، أن نعيش حياتنا كأبناء الله وندعو الآخرين ليكونوا معنا. يُريدنا أن نكون ملحاً يحفظ العالم من الفساد، ويُبقيهِ طاهراً مُكرساً لله. ينتظرنا ربّنا لنكون نوراً في العالم يُرشدهُ إلى الحقيقة، إلى الله بشهادة الحياة: "ليروا أعمالكم الصالحة"، فيشهدوا أن روح الله يعمل فينا ومن خلالنا.

 هذه ليست تعليمات وإرشادات، بل هي دعوة نلتزم بها وشهادة حياة تُرشد الناس وتعلّمهم أين يكمن الفرح الحقيقي: في الله الذي نختبره فرحاً في حياتنا على الرغم من الصلبان اليومية التي نُدعى لحملها. ربّنا يُعلمّنا أن طريق التطويبات سُيكلّفنا الكثير، ولكنه يدعونا إلى أن نوجّه أنظارنا إلى صليبِه، الذي فيه إنتصرَ على تجربة العيش إنساناً من دون الله، فقدّس حياتهِ ليُقدسنا.

اليوم تأتينا البشارة لتحملَ لنا مهمّة ومسؤولية: أن نحفظ العالم من الفساد ونُوصله إلى لله. فإذا كُنا نحن نسلُك مثلما يسلك العالم، نُخاصِم ونغشُّ ونكذبُ ونسرق وندين ونغضب ونُعادي، فما الذي يُميزنا؟ وكيف سيُمجّد العالم الله إذا لم يختبروه فينا؟

 

الأول من الصليب

عيد إكرامُ الصليب

الصليب؛ إنتصار محبّة الله وحكمتهُ (لوقا 24: 13- 35)

           

"ما معنى كل ما حصل؟" "ولماذا حصلَ كل هذا لنا؟" "لمّا هذا الصليب؟" "لماذا يُقتلَ الإنسان البرئ الطيّب الذي عاش رحمّة الله بيننا، وتتوقف المسيرة من دون أن يكون لنا الفداء؟ هذه بعضٌ من الأسئلة الكثيرة التي حملها قليوبا وزميلهُ وهما يُغادران أورشليم حزانى بسبب مشاعر اليأس والإحباط بعد توقفٍ فاشل لمسيرة خلف المعلّم القدير "يسوع الناصري". فلم يفهما أبداً معنى الأحداث ولماذا الصليب والموت، وما معنى أنه حيٌّ؟ نحن مثلهما نسأل مراراً كثيرة: "لماذا كل هذا الألم والشَر يا إلهي؟" "وأين حضوركُ في كل ما يحصل في حياتنا؟"

         ربّنا الذي تجسّد ليُشارِك الإنسان حياتهُ لن يتركهُ أسيرَ الحزن واليأس والحيرة، بل يرافقه ليُعيد له الفرح ويُعيده إلى الجماعة رسولاً، فرحُ اللقاء به والإنطلاق إلى العالم مُبشرين بمحبّة الله التي تتغلّب على قسّوة قلب الإنسان. فأول ما نتعلّمهُ من لقاء عمّاوس هو أن الربَّ عندما يُنعمِ على إنسان برؤية فهو يبغي بناء الكنيسة وليس قسمتها، هكذا، لم يؤسس قليوبا كنيسة جديدة، بل عادَ إلى جماعة الرُسل ليقوّيهم ويُثبتهم في المسيرة.

         بدءَ ربّنا يسوع رحلة تعليم التلميذين من جديد بعباراتٍ قاسية (وبخهما) وتحدّاهما لينفتحا على حقيقة الله ويفهما الكُتب، لأنه عرِف أن قلبهما يحترِق طالباً "الحقيقة"، والحقيقة هي: أن الله يُحبُ الإنسان ومحبتهُ لا تعرِف الحدود ولا يوقفها صليبٌ أو موتٌ، وإن تطلّبَ الأمر أن يبذُلَ حياتهُ من أجل الإنسان، فسيقدمها حُباً به. ربّنا ربّى تلاميذه على الحقيقة وعندما ييأسُ الإنسان ويخافُ ويحزَن معنى ذلك أنه "جاهلٌ" و"بطئُ الفهِم" ولا يعرف محبة الله، ولم يفهم مسيرة الله مع الإنسان. ربّنا لم يُلاطِف التلميذان أو يجاملهما، بل واجههما بحقيقتهما: "أنتما أغبياء".

         السؤال هنا: "لماذا أغلقت عيونهما عن معرفتهِ؟ كيف لم يعرفا المعلّم الذي تبعه لفترة ليست بالقصيرة؟ والجواب هو من حديثهما للغريب: "كُنّا نرجو"؟ كانوا هم الذين يُخططون لله كيف له أن يتصرّف ولم يكونا مستعدين لقبول تدبير الله، لذا، أُمسِكت أعينهما عن معرفتهِ، وتطلّب الأمرُ توبيخاً قاسياً من المعلم. نظنُّ أننا في مثل هذه الأوقات بحاجة إلى كلماتٍ تُهدأ من مخاوفنا وترافقنا بحنانٍ وطيبةٍ، ولكنَّ ربنا يسوع واجه التلميذان بحقيقتهما: أنتما جاهلان ولا تفهمان.

ظنَّ التلميذان أن "الغريب" الذي يرافقهما يجهلُ ما حصلَ في أورشليم، ولكنّ ربّنا يسوع كشفَ لهما عن جهلهما التام بالكُتبِ المُقدسة، فما حصل سبقَ وأن تحدّث به الأنبياء. فلم يكن في فكرِ الله "تدمير" الإنسان ليتغلّب على خطيئتهِ. وبدأ هذا الغريب يشرح لهما "فكر" الله. وتأزمَ الأمرُ أكثر إذ حلَّ الظلام على الجميع، هنا، وعوضَ أن يتركا هذا الغريب الذي وبخهما يُواصِل رحلته، طلبا منه البقاء، فقبِل الدعوة ولكنه ترأس "أفخارستيا" المحبّة، وعرّفهما معنى كل ما حصل: "هذه هي حياة الله"، حياة المحبّة والرحمة والعطاء الذي لا يعرِف الحدود، فأنفتحت أعينهما وعرفاهٌ فتجاوزا الخوف وعادا إلى أورشليم، إلى جماعة "الرُسل" إلى الكنيسة ليجعلا من خبرتهما هذه خبراً مُفرِحاً: بشارة؛ إيونكاليون.

         الصليب ليس علامة القسوة والفشل بل علامة إنتصار محبّة الله. فالله الذي وهبَ للوالدين محبّة تجعلهما يبذلان كل شيءٍ محبّة بأبنائهما لن يكون أقل منهما محبّة بالإنسان. فهو نبعٌ كلِّ محبة وأصلها. وهل يُمكن أن ننعمَ بفرح القيامة من دون جمعة الألم والخيانة؟ هل يُمكن للوالدين أن يفرحا بنجاح أبنائهما من دون تعبٍ وألم وسهر الليالي؟ لذا، يأتي ربّنا اليوم ليسيرَ مع التلميذين ودعاهما ليقرأ حياتهما على ضوء كلمة الله والافخارستيا، ليُوصلهما إلى الإيمان بأن الصليب على الجُلجلة ليس علامة إنتصار الخطيئة على الخير، بل شهادة حُبِّ الله للإنسان، هذا الحب الذي لا يُمكن أن تُوقفهُ الخطيئة: "ما مِن حُبٍ أعظمَ من هذا من أن يبذًلَ الإنسان نفسه عن أحبّائه". فصليبُ الجلجلة ليس صليب الفشل بل صليبُ الانتصار. ليس صليب القسوة بل صليب حنان الله الثابت. ليس صليبَ ضعفِ الله بل صليبَ قوّته وحكمتهِ، ليس صليبَ الموت بل صليب الرجاء.

مسيرتنا إلى الله تتطلّب تخليات كثيرة وتجّرداً عن الرغبات الخاصة لأكون مُستعداً لأقبلَ ما يُريده الله مني. ربنا يدعونا مثلما دعا تلميذي عمّاوس لينظرا إلى الحياة بعيون الفصح والقيامة، بعيون الحب الغير المشروط. بعيون تعرف أن تنظر إلى الآخر وإلى حاجته. تعرف أن تُسامح وتغفر وتُصالح، وتعود إلى الأخوة مُبشرة أنها إلتقتِ الربَّ. العيون التي ترى كيف يعطينا الرب حياته ليجعلها خُبزاً مُتقاسماً. بعيون ترى في المعاناة حضور الرب الراعي لنا، والذي لم ولن يتركنا بل أحبّنا بإمتياز وخاصة في ساعة ضُعفنا ويأسنا، فلم يدعنا أسرى الحزنِ، أو فريسة حيرتنا ويأسنا، بل يأتينا وكُلّه عزم ليقوي ضُعفَ إيماننا إن سمحنا له بأن يُكلّمنا، وإن دعوناه ليدخل بيتنا فيحلَّ لا ضيفاً بل صديقا حميماً.هذا هو انتصار الصليب الحقيقي: أن يدخل ربّنا يسع حياتنا، ونسمح له بأن يُباركها هو.

الأحد الأول من إيليا

ماذا تُريد أن أصنعَ لك: أن أُبصِرَ يا ربُّ (لو 18: 35- 43)

جلس الأعمى لسنوات طويلة يستعطي عطفَ الناس وشفقتهم، وكان يتحسس مرورهم ويلتمس رحمتهم، ليضمُن طعامه اليومي، فلم تتغيّر حياتهُ كثيراً. ولكنّ مرور ربّنا يسوع كان حاسماً في حياتهِ. فلقد إنتظره طويلاً، فصرخَ: "يا يسوع إبنَ داود إرحمني". وها هي الجموع التي كانت تُشفقُ عليه تريد إسكاتهِ، ولكنه إزدادَ صراخاً ثابتاً في قصدّه: يا إبنَ داود إرحمني". إصراره ولجاجته أوقفت ربّنا يسوع وأمرَ بأن يُحضروه ليلتقيهِ. لقد رأى بعيون الإيمان ما لم يراه الآخرين بعيون الجسد: هو المسيح المُخلّص الذي أرسلهُ الله ليهبَ البصر للُعميان.

عَرِفَ الأعمى أنه لا يُبصِر وهو مشلولٌ لا يقوى الحركة ولا يستطيع فعل الكثير ليُعينَ نفسه ليحظى بلقاء ربّنا يسوع، ولكنه كان يعرِف كيف يصرخ فاستغلَّ ذلك ليُحقق اللقاء بيسوع، وعندما دُعيَّ تركَ كلَّ شيءٍ في الحال وأسرعَ من دونِ إبطاءٍ إلى لقاء ربّنا يسوع الذي سألهُ: ما تُريد أن أصنعَ لك؟ وكان يعرِف ما يُريد: أن يُبصِرَ! أن يترُكَ المكان الذي تجمّد فيه منذ سنوات طويلة، فكان له ما أرادَ لأنه آمنَ. أبصرَ وراح يتبع ربّنا ويُمجّد الله، والجموع التي أرادت أن تُسكته إنطلقت تُمجّد الله. لقد تحرر من حبسهِ وتحولّ من "ساكنِ متشائم" إلى مُبشِّر فرح. من إنسان يصرخ طالبا عطف الناس إلى مُرنّم يُمجّدُ الله على الرحمة التي حصلَ عليها بربّنا يسوع المسيح.

لم تكن عملية شفاء الأعمى "سهلّة"، بل رافقها الكثير من الصعوبات. فربّنا يسوع كان بعيداً عن الأعمى، وهو في حركة متواصلة ويُحيط به جمهور كبير، بخلاف الأعمى الجالس على جانب الطريق ساكناً من دون حرِاك، وعليه أن يبذل جهداً للوصول إلى ربّنا، ولم يملُك إلا صوتهُ، فراح يصرخ. أجبره الناس على السكوت، فإزداد صراخاً، وهنا، جاء تدخّل ربّنا ليحسِم القضية، ويطلب لقاء الأعمى ويبدأ حوار شخصي بينهما يسمح للأعمى بأن يشترِك في مسيرة ربّنا نحو أورشليم. طلبَ الرحمة فنالها، ليس فحسب، بل حوّلتهُ إلى تلميذ ورسول ومُبشِّر.

يمرُ بنا ربّنا عشراتِ المرّات ولكننا مراراً ما نكون محبوسين في يأسنا، ومحبطين بسبب الصعوبات التي نختبرها، فلا نقوى حتّى على الصلاة والصُراخ لأننا خائفون وحزانى فنخسر لقاءاتٍ كان من شأنها أن تُغير حياتنا كلياً بسبب عدم إيماننا. وليس فينا إيمان من أن الآب السماوي هو معنا ويرافقنا بل يتقاسم معنا حمل صليبنا. ربّنا معنا لا ليُزيل عنّا الصعوبات، بل ليُقوينا ويُثبتنا في المسيرة حتّى نجتاز البحرَ آمنين ومؤمنين.

لقد طلب الأعمى النظر لا من أجل أن يعود إلى مكانهِ فينظر ويميّز بين فقراء القوم وأغنيائه ليطلب ما يشاء، ولم يعد إلى المدينة باحثاً عن عملٍ، بل إنطلقَ خلف يسوع السائر إلى أورشليم الموت. ربّنا يسوع لم يعدنا بمسيحية خالية من الصليب، بل جعل الصليب في مركزها: "كل مَن لا يحمل صليبهُ ويتبعني فلا يستحقني". ولجميعنا صُلبانٌ كثيرة  وصعوبات جمّة، والسؤال الذي يتحدانا اليوم: هل جعلتنا هذه الصُلبان، أقرب إلى الله الباحِث عنّا، أم إن المُجرّب نجحَ في إبعادنا عنه بسبب ما نُعانيه من ضيقٍ وهمِّ وحيرة وشكٍّ؟ هل جعلتنا المتاعِب والهموم والألم والضيق عمياناً جالسينَ على طريق الحياة نستعطي عطفَ الناس وشفقتهم، أم ملأتنا إيماناً وإنتظاراً لخلاص الله الآتي إلينا في طُرقٍ لا نتوقعهُ؟ أوَ لم يحن الوقت لنترُك "أراضينا المريحة" وننطلق نتبع جديد الله؟

نحتاج إلى شيء واحد إذن: أن نثبت في الصلاةَ وأن نواصل الطلب، مؤمنينَ أن الله الآب آتٍ لخلاصنا مهما طال الانتظار. مواصلة الصلاة تُبقي الإيمان حيّا فاعلاً فينا عارفين أن الذي دعانا هو أمينٌ. نختبرُ الكثير من الصعوبات التي تشلُّ حركتنا وتأسرنا في مشاكلَ وتُعمي أنظارنا فلا نُبصِر حقيقةَ الناس والأحداث من حولنا. فلنطلب نعمة الإيمان اللجوج، نعمة البصر لنرى تقّرب الله في حياتنا، فلنطب رحمة الله فنتقوّى وننهض من مشاكلنا ونسير خلفَ يسوع، فنُصبِح سبب تمجيد الله: "ولمّا رأى الشعبُ ما جرى، مجدّوا لله كلّهم" (لو43:18).

اليوم، إذا دعانا ربّنا وسألنا: ماذا تُريد أن أصنعَ لك؟ كيف أخدُمك؟ تُرى ما الذي سنطلبهُ منه؟ جوابُ هذا السؤال مهمٌ جداً في حياتنا، وعلينا أن نتأمل ملياً في حياتنا كلّها قبل أن نطلب. ما الأمرُ الأهم الذي عليَّ أن أطلبهُ اليوم إذا سألني ربّنا هذا السؤال. بالتأكيد هناك قائمة بالكثير من الحاجات المادية التي نحتاجها في حياتنا، ولربما نفسية أو إجتماعية، وكلّها حاجاتٍ حقيقية يعرفها ربّنا قبل أن نطلبها منه. ربنا يُريد منّا أن نطلب ملكوت الله وبرّه، أما البقية فتزاد.

الأعمى إنموذج إيمان للإنسان الذي لا توقفهُ صعوباتٌ بل يُتابِع المسيرة حتّى لو عارضه الناس ومنعوه. إيمانه تحوّل إلى صلاة وإستغاثة لجوجة، وعندما تحينُ السرعة فهو مُستعد لأن يترُكَ كل ما يملُك، كل الضمانات، من أجل اللقاء بيسوع.

 

الاول من ايليا

الجمعة, 08 أيلول/سبتمبر 2017 20:21

عيد مار قرداخ الشهيد - الدعوة إلى القداسة

عيد مار قرداخ الشهيد

الدعوة إلى القداسة

يجمعنا ربنا يسوع في أفخارستيا الشُكر اليوم لنحتفل بذكار مار قرداغ الشهيد والذي شهدَ لربنا يسوع في تقدمة حياتهِ، وفيها يدعونا جميعاً للتأمل في دعوة القداسة التي دُعينا إليها جميعاً، لأن الله، وبحسبَ ما علّمه بولس الرسول أختارنا لنكون قديسين: "هكذا كان (الله) قد اختارنا فيه (المسيح) قبل تأسيس العالم، لنكون قديسين بلا لوم أمامه. إذ سبق فعيننا في المحبة". فالقداسة دعوّة لجميعنا وليس حكراً على نُخبةٍ من المؤمنين.

القديس هو كل مؤمنٍ سمَحَ لربّنا يسوع المسيح أن يملُكَ عليهِ: "وفيما بعد لا أحيا أنا بل المسيح يحيا فيّ". إنسان خصص، كرّسَ نفسه وحياتهُ كلّها للمسيح، فالعلاقة بيسوع المسيح هو بدءُ مسيرة القداسة وأساسها، فهي ليست أعمالاً خارقةِ، بل دعوة للإتحاد بيسوع المسيح والإلتصاق به، ولبسُ المسيح، ليكونَ فينا فكرُ المسيح ومواقفهِ، المسيح المتواضِع والرحوم، وجه الله المُحِب، والذي لم يأتِ لدينونةِ الإنسان، بل، بحثَ عنه ليُخلّصهِ. فالقديس يحملُ في قلبهِ المسيحَ يسوع، ويهبُهُ لكلِّ مَن يلتقيهِ.

لقدّ تعلّم القديس أن يكون تحت إرشادَ الروح القُدس، والذي يُعطيهِ الحكمة ليسلكَ حسبما يُريده الله، والشجاعة ليشهدَ لمحبّة الله التي ظهرت بيسوع المسيح، عارفاً أن ذلك نعمةٌ من الله وليست بقدراتهِ الخاصّة. الروح القُدس هو الذي يجعل القديس يُحبُ الله فوق كلِّ شيءٍ ويُصلّي إليه ويتأمل كلمتهُ، ويحتضِن القريب بذات المحبّة من دون رياء أو نفاق أو حسدٍ. فكل ما يفعلهُ القديس هو بدافع المحبّة لله وللقريب.

وهكذا تمكّن القديس من محاربة الشّر في حياتهِ هو أولاً فأختبرَ تخليّات عديدة، وتنازل عن إمتيازاتٍ كثيرة، وإجتهدَ في إماتات عظيمةٍ، وتزهدَ عن الدنيا ومفاتنها، فعاش بساطة "الألوهة"، فكان كليّا لله، وأنتصرَ على الشّر بقوّة المسيح يسوع، عرِف أن العالم كلّه صارَ أكثر خيراً بوجود إنسان تغلّب بقوّة المسيح على الشّر. فالقديس هو إنسان يعرِف اين يُحارِب الشرِ، في حياتهِ أولاً.

هذا هو سرّ قداسة حياة قديسو الكنيسة وشهداؤها: "الإلتصاق بالمسيح إلتصاق الأغصان الكرمة"، ونشر قداسة الله وطيبتهِ، فلا يُمكن للإنسان أن يُصبِحَ قديساً من دون المسيح، فالمسيح، قدّوس الله، هو الذي يُقدِس حياة الإنسان.

الصفحة 1 من 11