ندوة الكتاب المقدس
الثلاثاء, 05 كانون2/يناير 2016 00:59

تأملات في الرسالة إلى الرومانيين اللقاء السادس

كتبه
قيم الموضوع
(2 أصوات)

المطران بشار متي وردة

الندوة الكتابية (كنيسة مار يوسف – عنكاوا- أربيل)

تأملات في الرسالة إلى الرومانيين

اللقاء السادس

 

مات المسيح من أجلنا ونحن خاطئون (الفصل الخامس)

أعلَن بولس أن الإيمان بيسوع المسيح هو الذي يُبرر الإنسان، فمن خلال الإستشهاد بإبراهيم، والذي كان يحتل مكانة متميزة بين اليهود كونهُ شخص قادم من أور الكلدانيين (أممي وليس يهودي)، والذي رفض تعددية الآلهة وعبادة الأوثان، مُعلناً العبادة للإله الواحد الذي يخضع له كل الكون، ومُكملاً كل ما يأمره به الله (التوارة)، ذكر بولس محاججيه بأن إبراهيم الذي آمنَ بأن الله قادرٌ على هبةِ الحياة على الرغم من مماتية جسده وجسد سارة، هو قادرٌ على أن يُقيمَ ربّنا يسوع المسيح، المؤمن المُطيع لله للآب. في ذلك يقف الإنسان، كل إنسان يهودي أم أممي، أمام الله متواضعاً معتمداً على نعمتهِ ومُستجيباً لهذه النعمة في إيمان يتمثّل بالثقة والطاعة والرجاء. طاعةٌ وثقة من أن الله قادرٌ على تغيير الواقع المرير الملموس إلى واقعٍ آخر، على الرغم من الإستحالة التي يختبرها الإنسان.

كما وبيّن بولس أن "يوم الله" قد أتى، وأن الله دانَ العالم بيسوع المسيح، فبرر الإنسان بالإيمان، إلا أن واقع الإنسان الخاطئ يفرِض السؤال: إذا كانت الخطيئة قائمة فما زالَ العالم تحت لعنة التألم؟ فكيف يُمكن لك يا بولس أن تقول: أن المسيحي هو: إنسان جديد؟ وأن العالم هو: "خليقة جديدة؟ ألا ترى ضعفَ الإنسان؟ ألم تتنبه إلى خطاياه؟ ما شكلُ هذا الخلاص الذي نلناهُ بيسوع؟ وما مضمونهُ؟

كان على بولس أن يُجيب على هذه الأسئلة، وهذا ما سيعمل عليه في الفصول 5- 8 من الرسالة إلى الرومانيين، إذ يؤكد أن البرارة التي نلناها بيسوع المسيح تمنح لنا جميعاً فرصة "المُشاركة" في حياة المسيح المائت والقائم من بين الأموات. هي حياة مع المسيح لله، موت معه عن الخطيئة.

 

أسلِمَ من أجل خطايانا

أنهى حديثه في الفصل الرابع بإعلان إيمانه بيسوع المسيح قائلاً: "الَّذِي أُسْلِمَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا وَأُقِيمَ لأَجْلِ تَبْرِيرِنَا" (4: 25). هذه هي عقيدة الكنيسة الأولى والتي سيُعيد تكرارها لاحقاً، فالخلاص هو للجميع الذين يؤمنون بيسوع المسيح المصلوب والقائم من بين الأموات. هي إنجيلهُ الذي "لا يستحي به" (1:16)، لأنها بالحقيقة خبرٌ سار لكل إنسان وجد نفسه أسير الخطيئة (اليهودي) أو بعيداً عن مجد الله (الوثني). الله يُهبُ لكل إنسان إمكانية أن يكون مُبررا من خلال الإيمان بيسوع المسيح، لأنه في يسوع لم يستخدم الله حقهُ في المُطالبة بالتعويض عن الإهانة والتجاهل الذي لحِقَ به، بل عامَل الإنسان بالرحمة ومنحَ له فرصة العيش إنساناً جديداً: يَا امْرَأَةُ أَيْنَ هُمْ أُولَئِكَ الْمُشْتَكُونَ عَلَيْكِ؟ أَمَا دَانَكِ أَحَدٌ؟ فَقَالَتْ: "لاَ أَحَدَ يَا سَيِّدُ". فَقَالَ لَهَا يَسُوعُ: "ولاَ أَنَا أَدِينُكِ. اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضاً" (يو 8: 10- 11).

ربنا يسوع المسيح حصلَ لنا على ما لم نكن نحن قادرونَ على الحصول عليه بمجهودنا الشخصي. فهو من جهة أنعمَ علينا بغفرانِ الخطايا من دون السعي لتطبيق ما تأمر به الشريعة، ومن جهة أخرى وهبَ لنا حياة جديدة بالروح القُدس. ربنا يسوع نالَ لنا النصر مع أننا لم نُحارِب، بل وقفنا مُشاهدين مُشجعين، وأحيانا متخاذلين. هو الذي حاربَ وجُرحَ ونال النصر، وحين نُمجده يقول لنا: هذه الكأس هي لك، هو إنتصارُكَ أنت يا إنسان.

 

ربنا يسوع أُسلِم من أجل خطايا الإنسان، مات عوضا ًعن إنسان خاطئ، لربما يجرؤ إنسان ليموتَ عن إنسانٍ بريء، ولكن لم يُسمَع قط أن يموت إنسان بدلاً عن إنسان خاطئ. ربنا يسوع إنطلقَ ليبحث عن الإنسان الخاطئ، فوجدهُ مُتعباً مرهقاً يعمل في حقلٍ للخنازير ليعوض ما أنفقه من أموالٍ هدراً، فقدم نفسه طوعاً ليعملَ بدلاً عنه، وبعث الخاطئ ليعود يستريح ويفرَح في بيت الآب الذي اعدَّ له وليمةً، بل عُرساً وأعادَ إليه كل حقوق البنوّة التي فقدها بإرادتهِ هو.

لم يكن بإستطاعة الإنسان العودة لأنه هو مَن بادرَ وأهانَ الله، وتجاهلهُ، بل حسبهُ ميتاً: "أعطيني نصيبي من الميراث"، فجلبَ على نفسه، وبسبب فعلتهِ غضبَ الله، فكانت العداوة ما بين الإنسان وما بين الله. لكن الله، وبدافعِ محبتهِ، بادرَ إلى مُصالحةِ الإنسان، فكان بحاجةٍ إلى إنسان بريءٍ لتتمَ المُصالحةُ بواسطتهِ، وبسبب عدم وجود مثل هذا الإنسان: "كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «أَنَّهُ لَيْسَ بَارٌّ وَلاَ وَاحِدٌ. لَيْسَ مَنْ يَفْهَمُ. لَيْسَ مَنْ يَطْلُبُ اللهَ. الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعاً. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحاً لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ" (3: 10- 12)، تجسّد كلمة الله، ليأخذ على نفسهِ وزرَ الخطيئة، وتحمل الخيانة والنكران والرفض والسخرية والعذاب والصلبَ. تعاملَ الناس مع يسوع كما نتعامل تماماً مع الله، مُستغلينَ طيبتهُ ومحبتهُ وصبرهُ، ونتمادى في الخطيئة.

يُريد بولس أن يؤكد لمُستمعيه: أن حُبَ الله هو الضمانة لمُستقبل مجيدٍ، فموت المسيح لم يكن صدفة بل هو أمرٌ إلهي محبةً بإنسان خاطئ (بعيد عن الله)، وعاجز عن التقرب من الله، وهو موقف متميز، مقارنة بالإنسان الذي لربما يُفكر في أن يُضحي بنفسه من أجل إنسان بارٍ، أما الله فقدم إبنه من أجلنا نحن الخطأة. فيحقُ لنا الإفتخار بالله الذي جعل في الإنسان الحياة، حياة لا يُمكن للموت أن يتسلط فيها على الإنسان بعدُ، مع أنه له سلطة على الإنسان، إلا أنه فقدَ السلطة في الإنسان. الخلاص الذي أنعم به الله على الإنسان، جعل فيها "سلطة الحياة"، فلا يُمكن للإنسان أن يختار إلا ما يدعم الحياة ويُثبتها.

 

مات المسيح من أجلنا ونحن خاطئون

"وأما الله فدل على محبتهِ لنا، بأن مات المسيح من أجلنا ونحن خاطئون".

عندما يُؤكد بولس على حقيقة: "بأن مات المسيح من أجلنا ونحن خاطئون"، فهو يدعونا للتعمّق في موت ربّنا يسوع وقيامتهِ. ففي عبارة: "ونحن خاطئونَ"، يُعلِن بُولس أن خطايانا كانت حاضرة في بستان الزيتون، على الطريق إلى الجلجلة، على صليب الجلجلة. هذا أكدهُ بطرس الرسول عندما خاطبَ الجماهير يوم العنصرة: "هَذَا أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّماً بِمَشُورَةِ اللهِ الْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِقِ وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ" (أع 2: 23)، مع معرفته أن الجمهور لم يكن حاضراً في بستان الزيتون، ولم يشترِك بأي شكلٍ من الأشكال في مؤامرة صلبِ يسوع، ولم يتواطؤ من رؤساء الكهنة أمام بيلاطس ضدّ ربّنا يسوع. وبرهاناً على حقيقة كلام بطرس سأل المستمعون: "ماذا علينا أن نعمل أيها الأخوة؟ (أع 2: 37). لقد شعروا بأنهم هم كانوا مسؤولين عن موت يسوع، وليس السُلطة الرومانية أو رؤساء الكهنة وحدهم. فالخطيئة تُبرهِن واقعاً يعيشهُ كل إنسان ألا وهي تغلغل الشر في حياة الإنسانية.

 

بالعودة إلى ربنا يسوع بستان الزيتون، نجد أن الرُسل تفاجاؤوا بمنظر ربّنا يسوع، فمع أنه حدّثهم عن حتمية ساعة الألم، وعن قُربها، ولكنه لم يفهموا "إضطراب نفسهِ وحُزنهِ". هو الذي طردَ الشياطين، ووهبَ البصر للعميان، والصحة للمرضى، والخبز للجائعين، هوذا يطلب العون من تلاميذه العاجزين عن مقاومة النُعاس، لأنه شعرَ بالوحدة، لا يسمع أحد بكائهِ؟، فصرخَ: " قال: "أبا، يا أبت، إنك على كل شيء قدير، فاصرف عني هذه الكأس. ولكن لا ما أنا أشاء، بل ما أنت تشاء" (مر 14: 36). وصورة الكأس في الكتاب المُقدس إِشارةُ إلى غضبِ الله، وكتبَ بولس في بدءِ رسالتهِ إلى كنيسة روما: "فقد ظهر غضب الله من السماء، غضب الله على كل كفر وظلم يأتي به الناس، فإنهم يجعلون الحق أسيرا للظلم" (1: 18)، فغضب الله يظهَر دوماً في مواجهة خطيئة الإنسان، فحيثما الخطيئة هناك حُكمُ الله الصريح عليها، إذ لا يُمكن بأي حال من الأحوال أن يكون هناك شكل من المساومة ما بين الخير والشر. لذا، حملَ ربّنا يسوع كل عداوة الإنسان ضد الله، كل كبرياء وعصيان، كل مراءةٍ، كل العنف، الغضب، ليس بمعنى أنه هو مَن قامَ بها، بل حملها ليفضحها إلى العَلَن: هذه هي خطيئتُكَ يا إنسان. كلّما أبعدتَ الله عن حياتِك، وكلما إبتعدت عن الله، كنت في الخطيئة، كنتَ مَيتاً.

قراءة 4741 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *