ندوة الكتاب المقدس
الأربعاء, 23 كانون1/ديسمبر 2015 00:58

تأملات في الرسالة إلى الرومانيين اللقاء الخامس

كتبه
قيم الموضوع
(1 تصويت)

المطران بشار متي وردة

 

الندوة الكتابية (كنيسة مار يوسف – عنكاوا- أربيل)

 

تأملات في الرسالة إلى الرومانيين

 

اللقاء الخامس



برّ الله وإيمان إبراهيم (الفصل الرابع)

كشف بولس في الفصول الثلاث الأولى عن عدم قُدرة الإنسان في الحصول على الخلاص إستحقاقاً، فالشريعة تشهد عليه إنه إنسان خاطئ، وسلوكياتِه تفضحهُ. فصار غفران الخطايا من المُستحيلات على الإمكانيات البشرية، فالخطيئة إهانة موجهة ضد الله، والغفران يتطلّب المُصالحة، ويشهد الناموس على إستحالة العيش من دون خطيئة، فصار الناموس بيان غضِب الله. لذا، بيّن الله عن برّه، بأنه غفر لنا بيسوع المسيح، وصالحنا إلى نفسه، لا بسبب تطبيقنا لمتطلبات الناموس، بل نعمة منه ووفاء للوعد، ويطلب هذا إيمان بأن هذا الغفران والمصالحة صارت لنا بيسوع المسيح.

 

"وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ ظَهَرَ بِرُّ اللهِ بِدُونِ النَّامُوسِ مَشْهُوداً لَهُ مِنَ النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءِ. بِرُّ اللهِ بِالإِيمَانِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ إِلَى كُلِّ وَعَلَى كُلِّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ. لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ. إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ مُتَبَرِّرِينَ مَجَّاناً بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ". (3: 21-24).

 

الله الآمين في وعدهِ، كشفَ عن برّه، أنه رحومٌ فعادَ وعرضَ صداقتهُ (خلاصهُ) إلى الإنسان. لم يتغيّر الإنسان ليُصبحَ إنساناً صالحاً، الله هو مَن بادَرَ فكان الخلاص والفرح على الأرض. لم ينتقِم الله من الإنسان بسبب عصيانه وتجاهله، بل رحمهُ فكان باراً مع نفسهِ: هو إلهٌ رحومٌ مثلما أعلن عنهُ إبراهيم (قصة سدوم وعمّور (تك 18: 17- 33)، وعادَ يونان النبي في صلاتهِ من نينوى: "يَا رَبُّ أَلَيْسَ هَذَا كَلاَمِي إِذْ كُنْتُ بَعْدُ فِي أَرْضِي؟ لِذَلِكَ بَادَرْتُ إِلَى الْهَرَبِ إِلَى تَرْشِيشَ لأَنِّي عَلِمْتُ أَنَّكَ إِلَهٌ رَأُوفٌ وَرَحِيمٌ بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ وَنَادِمٌ عَلَى الشَّرِّ" (يو 4:2).

 

محبة الله تجعله يرحَم، فأظهرَ رحمتهُ للإنسان، وكشفَ عن برّه، فغفرَ للإنسان دينهُ الكبير بعد إستحالةِ الدفعِ، ومنح له حياةً جديدة، فكان لزماً على الإنسان أن يبدأ العيشَ: "إنساناً مغفورا له". وهذه هي بشارة (إنجيلهُ) بولس لكنيسة روما: لله إرادة طيبة نحو الإنسان، فهو رحوم وأنعَمَ على الإنسان بالغفران، تماماً مثلما أعلنَ ربّنا يسوع: " قَدْ كَمَلَ الزَّمَانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكُوتُ اللَّهِ فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِالإِنْجِيل" (مر 1: 15). إنجيل بولس هو بشارتهُ عن خلاص الله الذي صارَ لنا بصليبِ وقيامةِ ربّنا يسوع المسيح. خلاصٌ يكمنُ في التحرر من الخطايا وفي نيل الحياة الجديدة بعدما عجِز عنها بقدرتهِ الشخصية.

 

خلاص المسيح الشامل

        واجه بولس إعتراضاً من قبل اليهود، وهو يهودي ملتزِمٌ أيضاً، بأن لا يحق للأممين مخالطة اليهود ولن ينالوا خلاصَ الله، فلليهود الشريعة والختان والوعد، فبيّن لهم بولس أن الشريعة ليست ليتفاخروا بها، في الواقع أن الشريعة تشهد عليهم أنهم خطأة، والختان المطلوب هو ختان القلب، القلبُ المُطَهَر بكلمة الله. أما الوعد فهو يؤكد مقولة بولس بشمولية الخلاص، فأستشهدَ بإبراهيم (الآباء) وداود (الأنبياء) في حديثه عن أن الإيمان هو الذي يُبرر الإنسان أمام الله، والناموس نفسه يشهد لما كان بولس يقوله: التبرير من الإيمان. خلاص ربّنا يسوع رفع إذن الحاجز الذي كان يقفَ ما بين الله والإنسان (الخطيئة)، وما بين الإنسان وأخيه الإنسان (التمييز على أساس العبادة). المطلوب هو الإيمان بيسوع المسيح ربّا، وهذه هي عائلة الله الجديدة في يسوع المسيح.

قرأ بولس قصّة إبراهيم في ضوء بشارة ربّنا يسوع، فأكدَ على أن الله هو الذي إلتقطَ إبراهيم؛ اختاره، مع أن إبراهيم لم يكن يعرف الله، ولم يكن إبراهيم مختوناً، بل كُشِفَ له الختان والناموس بعد الاختيار وليس قبله. اختيار الله أهلَّ إبراهيم لأن يكون أباً للجميع: يهود ووثنيين، الايمان والسلوك حسب متطلبات هذا الإيمان هو الذي يؤهِل الإنسان لأن يكون إبنا حقيقياً لإبراهيم. وهبَ الله لأبراهيم أبوّة روحية للجميع، وغيّر الله إسمه من أبرام إلى إبراهيم، وهذا هو قرار الله وتدبيره: "جعلتُكَ أباً لأمم كثيرة". عائلة الله الجديدة هي عائلة تجمع كل مَن غفرَ لهم الله خطاياهم، عائلة خطأة المُنعَم عليهم بالخلاص: "أَمَّا الَّذِي يَعْمَلُ فَلاَ تُحْسَبُ لَهُ الأُجْرَةُ عَلَى سَبِيلِ نِعْمَةٍ بَلْ عَلَى سَبِيلِ دَيْنٍ. وَأَمَّا الَّذِي لاَ يَعْمَلُ وَلَكِنْ يُؤْمِنُ بِالَّذِي يُبَرِّرُ الْفَاجِرَ فَإِيمَانُهُ يُحْسَبُ لَهُ بِرّاً. كَمَا يَقُولُ دَاوُدُ أَيْضاً فِي تَطْوِيبِ الإِنْسَانِ الَّذِي يَحْسِبُ لَهُ اللهُ بِرّاً بِدُونِ أَعْمَالٍ: "طُوبَى لِلَّذِينَ غُفِرَتْ آثَامُهُمْ وَسُتِرَتْ خَطَايَاهُمْ. طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لاَ يَحْسِبُ لَهُ الرَّبُّ خَطِيَّةً" (4: 4- 8).

ربنا يسوع لم يكشِف لنا ولم يُبشرنا إلا بإلهِ إبراهيم وإسحق ويعقو، والإيمان الذي يطلبهُ سيكون في الطاعة والولاء والأمانة لمشروع الله الذي كشفهُ لنا ربنا يسوع المسيح، والذي يُعد تواصلاً لما أعلنهُ الله لأبراهيم وللأنبياء. فإختيار الله لداود لم يأتِ لأنَ أعمالهُ تؤهله لنعمةِ الاختيار التي وهبها الله له، بل نالَ كل شيءٍ نعمةً. الله قالَ لأبراهيم وفي إبراهيم ما أرادَ ان يقولهُ للعالم أجمع: أنا إلهُكم، إلهم الذي يغفر للخطأة لا للذين يحسبون أنفسهم صالحين وأصحاء.

ولكي يكون الوفاء (الأمانة) للإيمان تامّاً كشفَ الله عن الناموس في محاولة من الله ليُساعِد الإنسان، فالناموس هو إرادة الله للإنسان لتأتي إستجابة الإيمان تامّة. الناموس يُعبّر أولاً وقبل كل شيءٍ عن مشيئة الله وتدبيرهِ، ولكنه لا يمتلِك القوّة الداخلية التي تُؤهِل الإنسان لأن يُتممَ ما جاء في الناموس، فكل شيء متروك للإنسان الحُر. ولأن الإنسان قسّى قلبهُ، ولم يتمكّن من إتمام مُتطلبات الناموس، صارَ الناموس كشفاً في الوقت نفسه عن غضبِ الله على الإنسان الخاطئ. ولكن، وبسبب أمانة الله المُحِب، ووفاءَ للعهد وللوعود التي أقسمَ به، يأتي الخلاص نعمة. فلا مجال للإنسان أن يقفَ أمام الله ليُبرر نفسه تبعاً لأعمال الناموس.

 

إبراهيم إنموذج إيمان

يبقى الحديث عن إبراهيم محور هذا الفصل، فيقول بولس عنه: آمنَ وترجى، فالرجاء يتبع الإيمان، فمن يؤمن يترجّى، ومَن يترجى يكشِف عن إيمان واثق، حتّى لو أن الواقع البشري يجعل من المُستحيل تصديق ما يؤمن به الإنسان: أن يكون أباً وهو مسنٌ، وشارفَ جسمهُ على الموت، لكنه آمن بالله، ومجّد الله وترك كل شيءٍ ليتبعَه في طاعة الإيمان، مؤمنا أن الله يتسامى على كل الإمكانيات البشرية.

سَمِعَ إبراهيم نداء الله: "اذْهَبْ مِنْ ارْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ ابِيكَ الَى الارْضِ الَّتِي ارِيكَ. فَاجْعَلَكَ امَّةً عَظِيمَةً وَابَارِكَكَ وَاعَظِّمَ اسْمَكَ وَتَكُونَ بَرَكَةً. وَابَارِكُ مُبَارِكِيكَ وَلاعِنَكَ الْعَنُهُ. وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الارْضِ" (تك 12: 1-3)، أطاع في الحال، وتركَ كل شيءٍ خلفه ليسيرَ إلى الأرض التي أعطاه الله له، متحملاً صعوباتٍ جمّة في الأرض التي يُفتَرَض أن تكون مصدر نعمةٍ وفرحٍ.

 

بعد مرور ثلاثة عشر سنة على ولادة إسماعيل، وحين لم يرَ أبرام أو ساراي أية ملامح لمجيء إبن الوعد، وعمرُ أبرام وساراي لم يسمح لهما مُطلقاً بالولادة، فلقد ماتت أحشاءُ ساراي. أخذَ الله المُبادرةَ وتراءى لأبرام وأعلنَ له العهد الذي أسسه؛ وعزمهُ على أن يُعطي لأبرام وساراي ولداً في ساعة لا ينتظران فيها ولد: "سأنميكَ كثيراً جدّاً، وأجعلُكَ أُمما، وملوكٌ من نسلك" (تك 15: 6)، وقَبِلَ أبرام هذا العهد المُعلن له من خلال تعبّد مهيب: "فوقعَ أبرامُ على وجههِ ساجداً" (15: 3).

مسيرة إيمان إبراهيم لم تكن سهلةَ البتةّ، فمع أن الله كررَ وعده لإبراهيم، إلا أن إبراهيم لم يتمكّن من إستيعاب وفِهم وعدَ الله، لذا، لم يثق كلياً بالوعد وحاول بطرقه الخاصّة تنفيذه. لم يعد للشكِّ مكاناً في نفس إبراهيم لأنه وصلَ إلى قناعاتِ من أنه غير قادرٍ هو وسارة بشرياً على الإنجاب، "أيولدُ وَلدٌ لأبن مئةِ سنة؟ أم سارةُ تلد وهي إبنةُ تسعينَ سنة؟ لذا، ضَحِكَ عندما سمعَ أن سارة ستُبارَك بإبنٍ وبنسلٍ وشعوبٍ وملوك، مُعبّراً بذلك عن خيبة أمله وعن قلّة إيمانهِ؛ وكان ما كان يتمناّه هو أن يحيا إسماعيل ليرثَه، إسماعيل الذي يُمثل محاولة بشرية لإتمام وعدِ الله، أضحى تهديداً للوعد الإلهي، كونه يحمل آمالَ وطموحات إبراهيم البشرية، الذي أبعدَّ الله عن دائرة الأحداث. وكأني بإبراهيم يقول لله: أنا الذي أنجحتُ مشروعَك يا الله، لولا تدخلي في اللحظات الأخير، أنا وساراي، لما كان لوعدكَ أيُ مُستقبلٍ.

 

"أيصعبُ على الربِّ شيءٌ" (تك 18: 14)

عادَ الله وواصلَ كشفهُ لإبراهيم وهذه المرة في وضحِ النهار ومن خلال قدومِ ثلاثةِ رجالٍ لا نعرّف هويتهم ولا مرجعيتهم، ولم يسأل إبراهيم من أين جاءوا أو إلى أين هم ذاهبون، هو رأى فيهم ببساطة حضور الله الذي يجب أن يُضيَّف بمهابة. نحن نعرف أن لهم علاقة بتراءي الله: "وتراءى الربُّ لإبراهيم"، ولكنَّ إبراهيم نفسه لم يعرف ذلك، حضورهم كان مُفاجاة لإبراهيم، لأن الراوي لم يقل لنا: "فرفعَ [إبراهيم] عينيه ونظرَ فرأى ثلاثة رجالٍ يأتون إليه"، بل يُخبرنا بأنهم كانوا "واقفين أمامهُ" في ظهورٍ مُفاجأ لإبراهيم، ووقوفهم أمام إبراهيم تعبير عن رغبتهم في البقاء.

 

قام إبراهيم الشيخ بالتحرّك الفاعل وإهتم بتفاصيل إستقبال الرجال فأمّر جميعَ مَن هم في الخيمة بالعمل، فأختار إبراهيم أفضل ما لديه وقدّمه لضيوفه ووقف أمامهم تحت شجرة ممرا: "شجرة التعليم" يخدمهم. وقوف الخدمة وقوف إحترام في حضرة ضيفٍ مهيبٍ، وهذا الوقوف والإستعداد سيُؤتي ثمره بالتأكيد.

 

فيما هم مُغادرون تتغيير الأدوار ليكونَ إبراهيم "المُستقبِل" لخبر ولادة الإبن، ولادة لا يُمكن تصوّرها عقلياً لأنها مُضادة للواقع الإنساني، فصمتَ. أما سارة، التي كانت واقفة عند باب الخيمةَ وراءَه؛ وراء مَن؟ لا نعرف!!! فتضحك وقالت: أبعدما عجزتُ وشاخَ زوجي تكون لي هذه المُتعةُ؟ تضحك وتُنكر أنها ضحكت، ويؤكد لها الله الخبر وأنها ضحِكت. إبراهيم وسارة مُستعدان لإستقبال الله ولكنّهما غير مُستعدان لإستقبال ما يُريد منهما. لذا، نصل عند الكلمة الأهم في كلِّ القصة: "أيصعبُ على الربِّ شيءٌ" (14). عدم إيمان سارة يقودها إلى حالةٍ من الخوف عندما تواجه بهذه الحقيقة، وخوفها يدفعها للكذب: "ما ضحكتُ" (15) ليختم الربُّ اللقاء بتأكيدٍ: "لا، بل ضحكتِ". مرة أخرى نجد أنفسنا أمام "أزمة إيمانية"، فالواقع بما يحمله من معطيات يُخالف وعدَ الله. تعوّدَ إبراهيم وساراة على حالة العقمِ، وقبلاَ على مضضٍ موتهما المُبكّر؛ لا أولاد لا مُستقبَل، لذا يرفضان بقوّة قبول البشارة التي يُعلنها الربُّ لهما.

 

السؤال الأساسي للكتاب المقدّس، والذي تذكره هذه القصّة هو: "أيصعبُ على الربِّ شيءٌ" (14). فالبشارةُ تحدٍ يتطلّب موقف، وسؤال ينتظر الإجابة، ويجب أن تكون الإجابة من الإنسان، لا من الله، أي إجابةٌ شخصية من إبراهيم وسارة (منّا).

 

"أيصعبُ على الربِّ شيءٌ" (14) فإذا كان الجواب: نعم، هناك بعض الخبرات صعبة على الربِّ أن يُحققها!!! فمعنى ذلك أن الله فقدَ قدرتُه وحرّيته في أن يكون الله، وما نحن إلا خلائق تعيش في كونٍ له قوانينهُ وأعرافه ومآسيه وأزماتهِ.  وإذا كان الجواب: لا، ليس هناك من صعوبة أمام الربِّ، فهذا يعني عملياً قبول الله في حريّته، وتسليم العالم والخلائق إليه رعايته ورعاية الآخر.

 

إذن الإيمان يتطلّب: طاعة وتسليم الذات الكامل بيد الله. فيُطلَب من إبراهيم وسارة (منّا) أن يتركا حياتهم بواقعها المحدود بيد الله ليعملَ مشيئتهُ، فمُستقبلهم هو تحت عناية الله وهنا تكمُن صعوبتهما. الإيمان نداء للإيمان بالله، مثلما يُريد أن يُقدّم ذاته في الوقت الذي يشاء. نداء سمعه إبراهيم وسارة وجموع كثيرة من مدعويين وصولاً إلى مريم التي تقفَ "رمزاً" للجماعة المؤمنة، "فما مَن شيءٍ غير ممكنٍ عند الله". فقالت مريمُ: "أنا خادمة الربِّ: فليكن لي كما تقولُ" (لوقا 1: 37- 38). والأمر لا يقف عند موضوع الولادة، بل يتعدّى إلى صعوبة التباعة، التلمذة ليسوع المسيح.

 

أسلَم لك حياتي يا الله:

ماضيَ وحاضري ومُستقبلي

وأختبرَ الله إبراهيم بعد أن أنعمَ عليه بإسحق قائلاً: "يا إبراهيم!" قالَ: "نعم، ها أنا". قال: "خُذ إسحق إبنكَ وحيدَكَ الذي تُحبهُ وإذهب إلى أرضِ مورية، وهناك أصعده لي مُحرقةٍ على جبلٍ أدُلكَ عليه. دعى الله إبراهيم بإسمه، الأسم الذي حملَ تاريخَ إنسانٍ، فحضر أمامه إبراهيم بكل ما حملته له الحياة من أفراح وأحزان. حضر أمامه بماضيهِ وحاضرهِ ومُستقبله، ليجعلها كلّها بين يديّ الله: نعم، ها أنا.    

 

وجّه الله إبراهيم في البدء: "إرحل ... إلى الأرضِ التي اُريكَ ... وأبارككَ" (12: 1-3)، ووجهه مرّة أخرى: "خذ إبنكَ وحيدكَ الذي تُحبّهُ وأذهب إلى الأرضِ التي أُريكَ (22: 1-2). اسلوب التوجيه مُشابهٌ ولكنَّ المحتوى مُختلفٌ تماماً، لا بل مُخيفٌ. حملت الدعوة الأولى وعداً بالبركة: أرضٌ ونسلٌ، أما الثانية فكانت قاسية ومُخيفة. كان على إبراهيم أن يتركَ أباه في الدعوة الأولى، وهوذا يُسأل الآن ليتركَ إبنه. طلبَ الله، وعلى إبراهيمَ أن يُصغي ويطيع واثقاً بالله في كلِّ الظروفِ.

 

هو إمتحانٌ لإبراهيم: "إمتحنَّ الله إبراهيم". الراوي والمُستمِع للقصة يعرف أنه إختيار، وأن الله لن يأخذ الأمرَ على محملِ الجدِّ، وهذا ما لا يعرفه إبراهيم نفسه، لأنه تعلّم أن أمرَ الله يُطاع إذا ما أرادَ أن يكونَ شريكاً أمينا في العهد. قسوة الاختبار لم تمنع إبراهيم من أن يطيع: فبكّرَّ وأعدَّ مُتطلّبات الذبيحة بنفسهِ: أسرجَ الحمار، وهي خطوة تأتي في آخر مرحلة من مراحل التحضيرات، ولكّنها يجعلها أولاً ليُبرِزَ إستعداده التام للرحلة، فسارَ لثلاثةِ أيام مؤكداً عزمه، ومُبعداً عن طريقه كل ما يُمكن أن يُعيقهُ من إتمام الأمرِ الإلهي: الخُدّام الثلاثة.

 

طاعة إبراهيم جعلتهُ يترك ماضيه وحاضره إلى رعاية الله، ليتغرّبَ في أرضٍ لم يعرفها من قبلُ. ها هو الآن يترك مُستقبله أيضاً بيد الله، وبنى مذبحاً علامة إستعداده التّام ليكون تحت تصرّفِ الله. طاعة إبراهيم أعطته عينان ليرى ما يُريده الله منه، على الرغم أن الله لم يذكر له إسم المكان تحديداً، ولكنه سارَ حياته بما يُرضي الله: "رفعَ إبراهيمَ عينه فأبصرَ المكان من بعيدٍ".

 

طلَبَ إبراهيم من خدمه البقاء أسفل الجبل، لينفردَ هو مع إسحق "الصبي" للسجود لله، ولن يُعيقوه إذا ما أرادَ تقديم إسحقَ ذبيحةً. يُسميّه "الصبي أو الغُلام" وكأنه يتخلّى عنه منذ الآن لله واهبهُ، ليكون منذ الآن خادمُ المحرقةِ، خادم وصيّة الله. حملَ إسحق الخشب كونه هو الذبيحة التي ستُحرق مع المذبح، أما النار والسكين فستكون مع إبراهيم الذي سيُقدّم الذبيحةَ. حُبّهُ لإبنه يجعله يحمل كل ما يُؤذي الإبنَ: السكين والنار. وقفَ إبراهيم أما أختيار صعب: الولاء لله أم الولاء لإبنه إسحق، فأختارَ الثقة بالله على الرغم من أنه لا يستوعبها تماماً.

 

وصلَ الجبلَ وأعدَّ الذبيحة: إسحق الذي أطاعَ صامتاً: ""ظُلِمَ وهو خاضعٌ وما فتحَ فمهُ. كانَ كنعجةٍ تُساقُ إلى الذبحِ، وكخروفٍ صامتٍ أمام الذين يُجزّونهُ لم يفتح فمهُ". (إش 53: 7). ورفعَ إبراهيم يده وأخذ السكين ليذبح إبنه، فناده ملاك الربَّ بإسمه مرّة أخرى: "إبراهيم، إبراهيم! قال: "نعم، ها أنا". (22: 11). إبراهيم لم يبخَل بإبنه على الله، لقد قدّمه له، ونالَ إسحق حياته من الله، وليس لإبراهيمَ فضل في ذلكَ.

 

الله دبّرَ كل شيءٍ، هو يرى، وهنا يكتمِل التعليم المُقدَّم في القصة، وهو ما يُؤكد عليه بولس عندما يستشهد بإبراهيم: "أن نتعلّم طاعة العيش تحت تدبير الله ورؤيته، لا مثلما نحنُ نرى، بل أن نثِقَ برؤية الله. الله الذي يثقُ بالإنسان شريكهُ في العهد، مؤمناً أن الشراكة والمحبّة مجانية من كلا الطرفين، وهو ما قاله للشيطان الذي إتهمَّ أيوبَ (كل إنسان) أنه لا يخافُ الله مجّاناً، فأكدَّ الله: الإنسان يخافني مجاناً. ومخافة الله تظهر من خلال "طاعة الإنسان" لمشيئة الله، فهي ليست مشاعر وعواطف رخيصة، بل إلتزاماتٍ مُكلفة وإبراهيم يعرف كم كلّفته هذه الطاعة من تخلّياتٍ. وحين يتأمل بولس شخصية إبراهيم يكتُب: "فَهُوَ عَلَى خِلاَفِ الرَّجَاءِ آمَنَ عَلَى الرَّجَاءِ لِكَيْ يَصِيرَ أَباً لِأُمَمٍ كَثِيرَةٍ كَمَا قِيلَ: «هَكَذَا يَكُونُ نَسْلُكَ». وَإِذْ لَمْ يَكُنْ ضَعِيفاً فِي الإِيمَانِ لَمْ يَعْتَبِرْ جَسَدَهُ - وَهُوَ قَدْ صَارَ مُمَاتاً إِذْ كَانَ ابْنَ نَحْوِ مِئَةِ سَنَةٍ - وَلاَ مُمَاتِيَّةَ مُسْتَوْدَعِ سَارَةَ. وَلاَ بِعَدَمِ إِيمَانٍ ارْتَابَ فِي وَعْدِ اللهِ بَلْ تَقَوَّى بِالإِيمَانِ مُعْطِياً مَجْداً لِلَّهِ. وَتَيَقَّنَ أَنَّ مَا وَعَدَ بِهِ هُوَ قَادِرٌ أَنْ يَفْعَلَهُ أَيْضاً. لِذَلِكَ أَيْضاً حُسِبَ لَهُ بِرّاً. وَلَكِنْ لَمْ يُكْتَبْ مِنْ أَجْلِهِ وَحْدَهُ أَنَّهُ حُسِبَ لَهُ بَلْ مِنْ أَجْلِنَا نَحْنُ أَيْضاً الَّذِينَ سَيُحْسَبُ لَنَا الَّذِينَ نُؤْمِنُ بِمَنْ أَقَامَ يَسُوعَ رَبَّنَا مِنَ الأَمْوَاتِ. الَّذِي أُسْلِمَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا وَأُقِيمَ لأَجْلِ تَبْرِيرِنَا

قراءة 10072 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *