ندوة الكتاب المقدس
الخميس, 10 كانون1/ديسمبر 2015 16:31

تأملات في الرسالة إلى الرومانيين اللقاء الثالث

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

المطران بشار متي وردة

الندوة الكتابية (كنيسة مار يوسف – عنكاوا- أربيل)

 

تأملات في الرسالة إلى الرومانيين

 

اللقاء الثالث

 

 

لأَنْ لَيْسَ عِنْدَ اللهِ مُحَابَاةٌ (روم الفصل الثاني)

بعد أن وصف حالة الوثنيين الدينية والأخلاقية (رفض لله وفساد أخلاقي)، يأتي بولس ليصفَ حالة اليهود، فيقول له: يا تُحاكِم غيرَك! فيقول عنه: يا إنسان: بمعنى أنك كيهودي لستً مميزاً عن باقي الناس في أزمة الخطيئة. أنت إنسانٌ مثلهم، فلا تدين الآخرين (الوثنيين)، لأنك تفعل تماماً مثلما هم يفعلون. لأنك بحُكمِك على الآخرين تجلس على كرسي الله الديان وتُزيح الله عن مكانهِ، وهذه خطيئة أبشع من عبادة الأصنام، بل هل أصل كل الشرور.

يعترِض اليهودي على بولس قائلاً: أنا لستُ مثل هؤلاء الوثنيين الذين يُحرفون الحق ويجعلونه باطل، والباطل حقاً، وبولس يقبَل الإعتراض، ويواصل القول: بالحقيقة أنت (يا يهودي) تحاول الإختباء خلف قناع دينونة الآخرين لتتجنّب حكم الله عليك. فالله سيدين وفقاً للحقيقة، والحقية هي: أن إنسان مُتكَبِر جعلتَك من نفسك حاكماً على الآخرين، وتُعطي المج لنفسك لا لله. كلاهما: الوثني واليهودي، لم يُعطيا المجد لله.

اليهودي الذي يقوم بدينونة الآخرين إذن يتجاوز على حقوق الله، لأنه يقوم بإستبعاد الإنسان القريب لغرض الإذلال (المرأة الزانية (يوحنا 8: 1- 11)، وهو ما يُعارضوهُ الله إذ لا يُريد إبعاد الإنسان عن حضورهِ، هو الذي أرسلَ إبنه لا ليدينَ العالم، بل ليُخلّص العالم (يوحنا 12: 45). بالطبع هذا يختلِف عن عملية تقويم الأخطاء والتي نقوم بها بدافع محبتنا للشخص. الدينونة هي: أن نقول للآخر: أنت لا تستحق الحياة، والله سيديننا على دينونتنا للآخرين.

على المؤمن، وهو يرى عاقبة الإنسان الخاطئ، أن لا يستخفّ بمحبة الله وأمانته التي تجعله يترحّم على الإنسان، فعلى اليهودي، وكونه نالَ كشفَ الله أن يعرِف أنه ُملزمٌ أكثر من غيره (اليوناني)، لأنه أُعطيَّ كثيراً، ومن نالَ كثيراً يُحاسَب كثيراً. فالتوارة اُعطيت له لم تُعطى لكي يُضغي إليها، ويفتخر بها أمام العالم: لنا التوارة! بل أُعطيت ليُطبقها ويعيشها، لذلك، سيُدينُه الله وفقاً للتوارة.

بنو إسرائيل كانوا واعين لنقائصهم، ولكنهم كانوا يتكلون على محبة الله وأمانتهِ والتي كشفها الله لهم من خلال: العهد والختان (علامة العهد) والناموس (مسؤوليات الإنسان أمام عهد الله)، ولكن بولس يعتمد على عهد الله وأمانتهِ، أكثر من الختان الجسدي، (الأهم هو ختان القلب) والناموس (الذي يفضح خطيئة الإنسان). فاليهودي، وبسبب الناموس صارَ يتكبّر على الآخرين، فجعل نفسه مساوياً لله، مع أنه لم يتمكّن من حفظ متطلبات الناموس كلّه (القاعدة اليهودية: مَن حفِظَ الناموس كله وأخلَّ بنقطة واحدة منه أخطأ به جميعاً"). بالطبع يعرِف بولس أن الأهم هو حفظ الناموس وليس سماعُ الناموس شريطة أن لا يكون هذا الحفظ مداعة للإعجاب بالذات، أو محاججة الله: إني أستحقُ الخلاص. حفظك للناموس هو جواب لنعمة الله التي بدأت لك طريق َالخلاص.

على المؤمن أن يعترِف بُقدرة الله التي تعمل حتّى في الوثنيين: سأجعل ناموسي في ضمائرهم وأكتبهُ في قلوبهم" (إر 31: 33)، فلا يُمكن للمؤمن أن يُحدد حرية الله، الله له اختياراتهُ وتدبيره للإنسان أيهوديا كان أم وثنياً. فلا يُمكن لليهودي ان يدعي أنه نالَ الخلاص أو أنه باقي على العهد بسبب عدم حفظه للناموس، الله قرر أن يُنعِم على الإنسان بعهد جديد (إر 31: 33).

بولس يُريد الدفاع عن حقوق الله وحريتهِ؛ الله هو أعظم من أن نُحدد نحن له طريقة تعامله مع البشر. والأسوء هو أن يُطالِب اليهودي الآخرين بما لا يلتزم به هو، حتّى على صعيد الآخلاق، ليكون هو بذلك: مُلحداً وفاسداً أخلاقياً أيضاً. لذا، فالأهم هو ختان القلب، وهذا الختان لا يُمكن أن يتحقق إلا بعطية الروح القُدس، وهي عطية من الله للين يؤمنون به وليست لمَن يدعي تطبيق متطلبات الناموس الخارجية. بل على العكس من ذلك، دُعي اليهودي ليكون نوراً في ظلمة العالم، ولكنه فشِلَ في أن يكون "شعبَ العهد".

 

وماذا عن خطيئتنا؟

حاول الرسول بولس فضح الإنحرافات التي عاشها معاصروه من غير المسيحيين في خطوة ليُوجه بعد ذلكَ تساؤلات حقيقية حول ما يعيشهُ المؤمن من إنحرافات في علاقته مع الله. وتعمّد بولس في شرح تفاصيل الخطايا التي يقوم بها الوثنيون ليُيرَ غضب مُستمعيه اليهود، ليصل إلى القول: "أنت هو هذا الإنسان"، تماما مثل فعل يوناثان النبي فضح خطيئة داود الملك (2 صم 12).

عندما تبدأ بمحاسبة الآخرين، إنطلاقا من الثوابت الإيمانية التي لك، وإعتماداً على المعايير الأخلاقية التي تؤمن بها، فإنك تدين نفسكَ من دون وعيٍّ. فالتمييز بين الخير والشر، والذي يدعي به المؤمن، سيكون سبباً للإتهام يُضاف إلى قائمة السلوكيات المخجلة التي تُثيرُ غضب الله. آن الآوان لترى خطاياك من خلال مواجهة خطايا الآخرين التي أن تدينها.

يعتقد الديان أن إيمانه يجعله إلى جانبِ الله ليس فحسب، بل يُؤهلهُ لمعرفة أفكارِ الله وما الذي يتبع من خطوات، غير واعٍ أنه يحكم على نفسه بما يُصدره من أحكامٍ على الآخرين: "فَأَنْتَ إِذاً الَّذِي تُعَلِّمُ غَيْرَكَ أَلَسْتَ تُعَلِّمُ نَفْسَكَ؟ الَّذِي تَكْرِزُ أَنْ لاَ يُسْرَقَ أَتَسْرِقُ؟ الَّذِي تَقُولُ أَنْ لاَ يُزْنَى أَتَزْنِي؟ الَّذِي تَسْتَكْرِهُ الأَوْثَانَ أَتَسْرِقُ الْهَيَاكِلَ؟ الَّذِي تَفْتَخِرُ بِالنَّامُوسِ أَبِتَعَدِّي النَّامُوسِ تُهِينُ اللهَ؟ لأَنَّ اسْمَ اللهِ يُجَدَّفُ عَلَيْهِ بِسَبَبِكُمْ بَيْنَ الأُمَمِ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ" (روم 2: 21- 24). معرفة الخير والشر لا تعفيك عن الدينونة، والإتكال على معرفة الشريعة لا يعني أنك وصلتَ، أو لكَ إمتيازات خاصّة، بل مسؤوليات، وستُحاسَب أكثر، لأنك أُعطيتَ أكثر.

هناك خطيئة حيثما يقوم الإنسان بإستبدال الخالقِ بما هو صنع يديه، سواء أكانت "الأنا" أم "أشياء أخرى". فالوثنية هي في عبادة الذات، تمجيد الذات، السلطة، الأنا، والتي يقوم الشخصية بتقديم الأضاحي (الوقت والجهد والعلاقات) لها. وتعظم جسامة الخطيئة عندما يقوم الشخصية بالتضحية بالله من أجل الحفاظ عليها.

 

خطيئتي ... خطيئة العالم

بعض الناس يحاولون تشويه صورة الله من خلال جعل مقارنة ما بين صورة الله في العهد القديم: الله العنيف والغضب والقاسي، وصورة الله في العهد الجديد إلهٌ رحيمٌ ولطيفُ ومُحِب، في محاولة للتكيّف مع خطاياهم، وتبرير الخطيئة من أجل الهرب من مسؤولية التوبة عنها. يسعون إلى "التخفيف" من جشامة الخطيئة من خلال سرد الظروف التي جعلَت الخاطئ يُخطي، للهرب من مسؤولية التوبة عنها. وبالتالي يرغبون في نعمةٍ رخيصة: غفران من دون توبة، حلةٌ من الخطايا من دون الندامة ِعليها. مسيحية من دون إلتزامٍ. تباعةٌ للمسيح من جون حمل الصليب، في حينَ ان ربّنا يسوع بيّن لنا أن التباعة غالية كونها تتطلب تركَ كل شيٍ والإلتصاق به.

يُريد بولس على يُوقضنا على حقيقة أننا بخطايانا نشترِك في خطيئة العالم، وخطايا البشر تحيا في خطاياي، فلا نستطيع أن نقول لله: "هذه ليست مسؤوليتي! الإعتراف بانني خاطئٌ يُمهدُ الطريق لقبول نعمة التوبة: أنت مُبرَر فعشِ حياتَك مغفوراً لكَ. وهكذا سنتعلّم أن نُبغِضَ الخطيئة.

ربنا يعرِف أن هذا من المهام الصعبة في حياتنا لأننا لا نتحمَل الشعور بالنقص والخطيئة، فنسعى من خلال شروحات وتفسيرات تفادياً لأي شكلٍ من "الخجَل والخزي" أمام الناس: هو خاطئٌ. الخوف من موقف الناس من دون التأكيد على "النقاوة الداخلية" يُشير إلى حاجة هذا الإنسان إلى النضوج، فهو مازال يبحث عن رضى الناس ومحبتهم، وبالتالي لم يصل بعد إلى النُضج الانساني.

"قلباً نقيا ًاخلق فيَّ يا الله"، هذا يعني إستعداد الخاطي للتعاون مع نعمة الله من أجل مُستقبل أفضل. فلا يكفي أن يكون فينا الإستعداد للإعتراف بخطايانا فحسب، بل الرغبة الصادقة للتعاون مع نعمة الله، الذي يعتبرنا مسؤولين عن العالم.  هذا التعاون يعني قبول التطهير الذي يُقدمهُ الله لنا من خلال الروح القدس: "فَطَارَ إِلَيَّ وَاحِدٌ مِنَ السَّرَافِيمِ وَبِيَدِهِ جَمْرَةٌ قَدْ أَخَذَهَا بِمِلْقَطٍ مِنْ عَلَى الْمَذْبَحِ. وَمَسَّ بِهَا فَمِي وَقَالَ: «إِنَّ هَذِهِ قَدْ مَسَّتْ شَفَتَيْكَ فَانْتُزِعَ إِثْمُكَ وَكُفِّرَ عَنْ خَطِيَّتِكَ" (إش 6: 6-7). الله ينزَع عن الإنسان خطيئتهُ عندما يستجيبُ الإنسان لفعلهِ من خلال:

نشعر بتأنيب الضمير

نعترِف بخطايانا

نندم عليها

نقبل نعمة الحلّة

ونتغيّر بنعمة الله المُبررة

فتأنيبُ الضمير ينزَع عنّأ حالة السلام المُزيفة التي نحاول إظهارها: كل شيءٍ يسير حسبما يُرام، والحقيقة هي أنه سلامٌ مزيفٌ. صوتُ الله يُوقظنا على حقيقة هذا السلام المُزيّف، ويبدأ العمل في التعريف بالخطيئة وتسميتها مثلما هي من دون مُبررات. بعضنا يشعر بالخطيئة من خلال الشعور بأثارها، فيتعامل مع تأثيرات الخطيئة، ويترك الخطيئة. تماماً مثل مَن يعمل على تخفيف الحمى من خلال الكمادات الباردة، ويترك تشخصي المرض.

أبوّة الله ومحبتهِ تجعله يبعث لنا برسائل تُشعرنا بأننا على الطريق الخطأ، وعلينا إلتقاط هذه الرسائل وعدم تجاهلها، لأنها بدايات لخطواتٍ حاسمة في حياتنا، والتي هي الإعترف بالخطيئة للتنعم بفرح الغفران مثلما يُصلي المُزمّر:

 

طُوبَى لِرَجُلٍ لاَ يَحْسِبُ لَهُ الرَّبُّ خَطِيَّةً وَلاَ فِي رُوحِهِ غِشٌّ.

لَمَّا سَكَتُّ بَلِيَتْ عِظَامِي مِنْ زَفِيرِي الْيَوْمَ كُلَّهُ

لأَنَّ يَدَكَ ثَقُلَتْ عَلَيَّ نَهَاراً وَلَيْلاً. تَحَوَّلَتْ رُطُوبَتِي إِلَى يُبُوسَةِ الْقَيْظِ. سِلاَهْ.

أَعْتَرِفُ لَكَ بِخَطِيَّتِي وَلاَ أَكْتُمُ إِثْمِي. قُلْتُ: [أَعْتَرِفُ لِلرَّبِّ بِذَنْبِي] وَأَنْتَ رَفَعْتَ أَثَامَ خَطِيَّتِي

 

هذا الإعتراف هو لقاءٌ شخصيٌ مع ربّنا يسوع المسيح القائم، والذي جاءَ إلينا ليُشعرنا بأننا بعيدون عنهُ، فهيأ لنا عودتنا من خلال التحرر من كل ما يُقيدنا ويُبقينا بعيدونَ عنه. هذه الخطوة تحمل ندامة مرفقة بإيمان من أن الله هو الذي حملنا على ذلك، من خلال شعورنا بأن كل خطيئة نقترفها هي مُشاركة في خطيئة العالم: أنا المسؤول عن خطيئة العالم وليس الله! فالله ليس مؤولاً مثلما أن الله لن يقوم بالتوبة عوضاً عني، هذه هي مسؤوليتُك يا إنسان.

قراءة 6427 مرات آخر تعديل على الخميس, 10 كانون1/ديسمبر 2015 16:51

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *