ندوة الكتاب المقدس
الإثنين, 30 تشرين2/نوفمبر 2015 08:52

تأملات في الرسالة إلى الرومانيين اللقاء الثاني

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

المطران بشار متي وردة

 

الندوة الكتابية (كنيسة مار يوسف – عنكاوا- أربيل)

تأملات في الرسالة إلى الرومانيين

اللقاء الثاني

غضبُ الله (روم: 1: 18)

لا يعني أن الله غضبان من الإنسان الخاطئ، الله محبّة وهو آمين في محبته حتّى عند تمّرد الإنسان وخيانتهِ. الله يُحب الخليقة ويُحب الحياة الأفضل للإنسان، بل أوكلَ إلى الإنسان أن يُكمِل عمل الله الحسَن. والإنسان، كل إنسان قادرٌ على معرفة الله، فالله وضعَ فيهم "شريعةً لأنفسهم" وهذا يعني أنهم مدعوون للتعرف على الحقيقة: الله يستحق التمجيد"، وما أنهم عرفوها إلا أنهم لم يُمجدوا الله، بل مجدوا أنفسهم وشهواتهم. لذلك، تركهم الله يواجهون خطاياهم.

يعترِف بولس أن في الإنسان ضعفٌ وشرٌ لا يُمكن تنكره وتجاهلهُ، أو الاختباء هربا من مواجهتهِ. وهو يُؤمِن في ذات الوقت بأن الله هو محبّة ولن يقبل إلا ما هو حسنٌ وحسنٌ للإنسان. هذا الله المحبّة لن يقبل بوجود هذا الشر، مثلما لن يقبل أيضاً أن يبقى الإنسان المخلوق عل صورته يواجه الشر وحدهُ. فكشَف عن محبته في يسوع المسيح، وعن الحُكم الذي سيناله الإنسان إذا لم يقبل هذه المحبة بالتزام. تجسّد ربنا يسوع وموته وقيامته تُشكل حداً فاصلاً: إما أن تكون مع الله وتتحمل المسؤولية هذه الـ"نعم" التي تلتزم بها، أو تقول لا وتتحل عواقب هذا الرفض. كلما أرادَ الله أن يقولهُ لنا، قاله بيسوع المسيح. رفض بشارة ربنا يسوع يعني رفض إكرام الله إلهاً. ورفض إكرام الله يعني التعبّد لإلهةٍ اخرى. الإنسان المخلوق على صورة الله، والمدعو لتمجيد الله رفضَ ذلك والنتيجة كانت: على الإنسان أن يواجه عاقبة خطاياهُ. فالعقاب لا يتوافق وخطيئة الإنسان فحسب، بل هو نتيجة الخطيئة ذاتها، لأن الإنسان استبدَلَ حق الله بأكاذيبهِ هو.

غضبُ الله، "أسلمهم الله"، أن الله ترَك الإنسان في عنادهِ، ليواجه عاقبة خطاياه؛ الخطيئة تُعاقِب نفسها بنفسها، فيقع الإنسان ضحية فساده الأخلاقي. يُصبح الإنسان ظالماً لأنه يقمعُ الحقيقة: الله هو الربُّ الخالِق وهو الذي يستحق الشُكر والتمجيد. خطيئة الإنسان هي عدم تقديم الشكر والتمجيد الواجب لله، لذا يسقط ضحية خطاياه. ضحية فساده الفكري (عبد للأصنام) وفساده الأخلاقي. هنا، يُثبّت بولس حقيقة أن الإنسان مسؤول عن خطاياه، خطايا الإنسان هي التي سيُعاقَب عليها، لاسيما بعد أن قال الله كل ما يُريد أن يقولهُ بيسوع المسيح، الكشف النهائي لله. ومع أن الكشفَ صارَ واضحاً إلا أن الإنسان يرفض أن يُعطي المجد لله، ويرفض معرفة الله، ويستبدلون مجد الله بما هو باطل. لذا، يقول الله: واجه خطاياك يا إنسان.

الخطيئة، رفض الله

يكشف لنا الوحي الإلهي عن أن جميع الناس اخطأوا، والكشف الإلهي وحده يعي جسامة خطيئة الإنسان على نحو لا يُمكن لأحدٍ حتّى لاهوت الأخلاق ولا الفلسفة من وعيها. كما وأن الإنسان ليس قادراً من ذاتهِ أن يتعرّف على جسامةِ خطيئته لأنه هو مُبتلى بها، هو في حالةِ الخطيئة، وإن تحدّث عنها فسيكون مُلطفاً لها أو مُخففا من شناعتها. بمعنى آخر: للإنسان مفهومٌ ضعيفٌ عن الخطيئةِ، وهذا يُعد بحدّ ذاته خطيئة على حدِّ تعبير كيريغارد. يشرح المُزمّور ذلك في صلاته إلى الله:

"تُوَسوِسُ المَعصِيةُ لِلشَريرِ في صَميمِ قَلبِه فإِنَّ مَخافةَ اللهِ لَيسَت نُصبَ عَينَيه. لأَنَّه تَمَلَّقَ نَفسَه حتَّى لا يَجِدَ إِثمَه مَمْقوتًا في عَينَيه. كَلامُ فمِه إِثمٌ وخِداع وقد عَدَلَ عنِ التَّعَقُّلِ والإِحْسان. في الإِثم على مَضجَعِه يُفَكِّر وفي طَريقٍ غيرِ صالح يَقِف وعنِ الشَرّ لا يُعرِضُ. (مز 36: 1- 5).

الإنسان لا يرى شرّ أعمالهِ، وهذا يجعل من الصعوبة بمكان أن يعيَّ الإنسان جسامةَ الخطيئة التي يرتكبها ضدّ الله. لربما يستيقظ على أخطائهِ ضد القريب، ويكتشِف أنه تعدّى على حقوقِ الإنسان، ولكنه من الصعب عليه أن يصحو على جسامةِ خطيئته ضد الله وتعدى على حقوقهِ. لذا، وحده الوحي الإلهي قادرٌ على تعريفنا بجسامة الخطيئة مثلما أشارَ ربّنا يسوع إذا قال عن الروح القُدس: "هو، متى جاءَ أخزى العالمَ على الخطيئةِ والبرِ والدينونةِ" (يو 16: 8). فأصبح لزماً علينا أن نسمع لصوت الله الذي يقول لنا عن ماهية الخطيئة وجسامتها:

الخطيئة هي: رفضُ تقديم التمجيدِ الله وشكرهِ، أي رفضُ قبول الله "إلهاً"، وبالتالي عدم إحترامهِ ووقارهِ. تجاهل الله والسلوك وكأنهُ غير موجودٍ البتةَ. صرخَ موسى في الشعب قائلاً: "فاعلم أن الرب إلهك هو الله الإله الأمين الحافظ العهد والرحمة لمحبيه وحافظي وصاياه إلى ألف جيل" (تث 7: 9)، وكررَ المُزمّر النداء قائلاً: "إعلموا أن الرب هو الله هو صنعنا ونحن له نحن شعبه وغنم مرعاه" (مز 100: 3). الخطيئةُ هي: رفضُ الإعترافِ بالله إلهاً، ومحاولةُ تجاهل سُلطانهِ بعنجهيةٍ، فتُحبسُ الحقيقةُ في سجن الظلمِ وتُخنَق، والمأساةُ تكمنُ في عدمِ قُدرة العالم معرفةَ فظاعةَ الخطيئة.

إتخذَ الإنسان من عبادةِ الأوثان تعبيراً عن رفضه لسُلطةِ الله: "إتخذوا الباطل بدلاً من الحق الإلهي، وعبدوا المَخلوقَ وخدموهُ من دون الخالِق" (1: 25). ففي الوثنيةِ لا يُقبل الله بل يصنع الإنسان له "إلهاً"، ليُقرر هو عن الله وليس الله عنهُ، بمعنى آخر: يقوم الإنسان بعكسِ الأدوار، ليكون الإنسان هو الخزاف والله هو الطينة ليُشكلهُ وفق مزاجهِ وما يُحبه ويرتاحُ إليه.

لهذا الاختيار تبعاتٌ أخلاقيةٌ في حياةِ الإنسانِ ظهرَ منها: سيلٌ من هلاكٍ محتومٍ يجرُّ الإنسانية إلى الفناءِ: ظلمٌ وفسادٌ وطمعٌ وحسدٌ وخصومةٌ ومكرٌ وثرثرةٌ وشتائم من أناسٍ مُتكبرينَ متعجرفينَ. إنسانيةٌ بلا وفاءٍ ولا أمانةٍ ولا تعرِف أن تشكرَ أو ترحمَ أو تُحِب، مع علمهم أن مثل هذه الأعمال عاقبتها الموت، إلا أنهم يُواصلونَ عنادهم (روم 1: 27- 32). ويُشدد الرسول بولس على أن هذه كلّها هي في الوقت ذاتهِ نتيجة غضبِ الله على تجاهلِ الإنسان له، فالله أسلمهم إلى شهواتِ قلوبهم فيهينونَ أجسادهم (روم 1: 24) وإلى فسادِ عقولهم الرافضة لمعرفةِ الله (1: 28).

إلهنا لا يُريد هذه الشرور ولكنه يسمح بها ليُعرِفَ الإنسان الحُر والعاقِل: أي مصير ستلقى إن رفضتني، فالخطيئة تُعاقِب نفسها بالخطيئة: "ليَعلموا أن الإنسان يُعاقَبُ بما خَطئَ به" (حكمة 11: 16). فيترك الله الإنسان يواجه شرورهُ، فلا يكون داعماً له في ظلمهِ، لكي يتمكّن الإنسان من تعقّب خطواتهِ. "أنا المُخطئ".

الخطيئة وعاقبتها

عاقبةُ الخطيئة إذن هو فوضى أخلاقية في المجتمع، وهذا صحيح ليس في أيامِ بولس فحسب، بل في أيامنا أيضاً، حيث عُميتُ العيون من أن ترى الحقيقة، وقادَ كبرياء الإنسان ورغبتهُ في تمجيد ذاتهِ إلى رفضِ تمجيد الله، وعدمِ التمييز الحق ما بين الخير وبين الشّر. لذا، علينا أن نسمحَ لكلمةِ الله أن ترفع عن حياتنا هذه الأقنعة المزيفة لتُفضّحَ الخطيئة التي في مُجتمعنا ليس فحسب، بل في حياتنا أيضاً، فهذا هو واقعٌ حياتنا ومُجتمعنا الإنساني في كلِّ تاريخهِ.

نحن لا نعرِف النوايا، الله يعرِف ما في القلوب، فهو فاحصها، ولكننا نحكمُ على أسلوب حياةِ الإنسان: "من ثمارهم تعرفونهم". فخلال التاريخ الإنساني ظهرت محاولاتٌ لرفض الله ومازالت فاعلة إلى يومنا هذا، منها ما قامَ به كارل ماركس الذي رفض مفهوم "الخالِق" وأعلن أن الإنسان هو شخصٌ مُستقلٌ إذا تمكّن من السيطرة على مجريات حياتهِ وكان سيد وجودهِ، فمَن يعيش تحت نعمةِ هذا أو ذاك، فهو شخصٌ إتكاليٌ، وسيعيش من أجلهِ لأنه هو سبب وجودهِ. وعادَ سارتر ليقول: إذا كان الله موجوداً فالإنسان ميتٌ، وإذا لم يكن الله، فلا يوجد سماء ولا جهنمٌ، بل الأرضٌ فحسب.

وقبل عقود شرعَ بعضٌ من علماءِ النفس طريقاً آخر لرفضِ الله من خلال التركيز على اللاشعور وما يتضمنهُ من خفايا وأسرار عوضَ ان يُسلطوا كلمة الله على هذا الجانب النفساني ليتطهّر، قاموا بإبعاد هذه الكلمة، وكأن هذه الكلمة هي الشؤم الذي يُسيطر على حياة الإنسان، وعليه أن يتخلّص منها، بل العمل على أن يعي ذاتهُ، فهذا هو الخلاص لأنه في الإنسان ومُلازمٌ له، فعليه أن يثقَ بـ "اللأشعور" فهو منبعُ الخير (بعدما كان في نظرهم منبع الغرائز والأوهام). هم أناس يُحرفون الحقيقة مثلما قال عنهم إشعيا النبي: "وَيْلٌ لِلْقَائِلِينَ لِلشَّرِّ خَيْراً وَلِلْخَيْرِ شَرّاً الْجَاعِلِينَ الظَّلاَمَ نُوراً وَالنُّورَ ظَلاَماً الْجَاعِلِينَ الْمُرَّ حُلْواً وَالْحُلْوَ مُرّاً. (إش 5: 20). ومع أن النور جاءَ إلى العالم إلا أن العالم أرادَ أن يبقى في الظلمة: " وَهَذِهِ هِيَ الدَّيْنُونَةُ: إِنَّ النُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً. (يو 3: 19).

والأخطر بين الرافضين ليسوا أولئك الذين يرفضون وجوده الله؛ الملحدون، بل هم مَن يؤمنون بوجودهِ إلا أنهم يرفضونهُ، وهذه هي "الخطيئة بتطرّف"، والتي تُعبّر عن كُرهٍ لله، وتجديفٍ ينكشِف من خلال تفضيل الشر على الخير، والظلمة على النور، والكراهية على المحبة والشيطان على الله. وذلك من خلال الإعتقاد بالنسبية التي تقول بأن الشر هو "خيرٌ منحرفٌ" أو "خير أُسيءَ تفسيرهُ.

ونأتي إلى ممارسة الشحر والشعوذة التي أخذت مساحة واسعة في حياة الناس اليوم، وصاروا ينفقون عليها الكثير من الأموال، والتي فيها يسعى الإنسان ليكون مثل الله، من دون الله، طامحاً في القوّة والسيطرة في مُعارضةٍ متعمدة لكلمة الله التي تأمرنا بعدم ممارستها: "لا يُوجَدْ فِيكَ مَنْ يُجِيزُ ابْنَهُ أَوِ ابْنَتَهُ فِي النَّارِ وَلا مَنْ يَعْرُفُ عِرَافَةً وَلا عَائِفٌ وَلا مُتَفَائِلٌ وَلا سَاحِرٌ. وَلا مَنْ يَرْقِي رُقْيَةً وَلا مَنْ يَسْأَلُ جَانّاً أَوْ تَابِعَةً وَلا مَنْ يَسْتَشِيرُ المَوْتَى. لأَنَّ كُل مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ عِنْدَ الرَّبِّ. وَبِسَبَبِ هَذِهِ الأَرْجَاسِ الرَّبُّ إِلهُكَ طَارِدُهُمْ مِنْ أَمَامِكَ" (تث 18: 10- 12).

الله أنعمَ على الإنسان بوسيلتين شرعيتين للسيطرة على الذاتِ: الطبيعة والنعمة. فمن خلال الطبيعة، أي من خلال عقلهُ المنوّر بالإيمان يبحث ويستقصي ليكتشِف كل ما هو جديد من أجل السيطرة والحد من الأمراض التي تُصيبهُ، ويعمل على مواصلة عملية الخلق التي شرع َبها الله من أجل إزدهار الحياة البشرية في كل مجالاتها، وقد شهدنا تطوراً في العلوم والطب والتكنلوجيا، وسعى الإنسان لأن يُخضِعَ الأرض بما فيها من أجل "عالمٍ حسَن وحسنٍ جداً".

والنعمة التي تظهر في الإيمان والصلاة مؤمنين أن الله هو سيّد الحياة وهو خالقها، وهو الذي يُنعمِ علينا بما نعجز عن وصفهِ: "المعجزات"، ويكون أعظمها تلك التي يعي فيها الإنسان أنه إنسان وليس الله. أي طريق آخر غير الطبيعة والنعمة يُعَد طريقاً غير شرعيٍّ وتكذيبٌ شيطاني يدعي القوّة التي سيمنحها لمَن يسجد له: "وَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: «لَكَ أُعْطِي هَذَا السُّلْطَانَ كُلَّهُ وَمَجْدَهُنَّ لأَنَّهُ إِلَيَّ قَدْ دُفِعَ وَأَنَا أُعْطِيهِ لِمَنْ أُرِيدُ. فَإِنْ سَجَدْتَ أَمَامِي يَكُونُ لَكَ الْجَمِيعُ». (لوقا 4: 6-7). خرفات ستقود أصحابها إلى الموت، لأن الخطيئة تُعاقِب نفسها. فمنَ يرفض الله سيخجل (إر 17: 13)، لأنه سيضيع ويتيهِ عن الحقيقة، فالخطيئة هي فشلٌ في إصابة الهدف، وإنحرافٌ عن الطريق الصحيح. فالإنحراف هنا ليس على مستوى الأفعال والسلوكيات التي سيتوب ويعوّض عنها إن أمكن، الإنحراف الذي نعنيهِ هو على مستوى الوجود، أي رفضٌ الله، وسيكون الموت عاقبة الخطيئة (روم 6: 23).

قراءة 11012 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *