ندوة الكتاب المقدس
الثلاثاء, 24 تشرين2/نوفمبر 2015 10:20

الندوة الكتابية - تأملات في الرسالة إلى الرومانيين - اللقاء الأول

كتبه
قيم الموضوع
(1 تصويت)

الندوة الكتابية (كنيسة مار يوسف – عنكاوا- أربيل(

تأملات في الرسالة إلى الرومانيين

 

اللقاء الأول

 

لمَن هذه الرسالة؟

تعرف بولس على كنيسة الرومانيين من أقيلا وبرسقة اللذان إلتقاهما في كورنثس بعد أن هجرها أثر سنة 49. لم يؤسس بولس هذه الكنيسة التي ضمت العديد من المعمين من الأمميين، ليس من أصل يهودي. بولس لم يعرِف كنيسة روما ولا هم يعرفوهُ أيضاً، ولكنه يعرِف حاجاتهم وما يُعانوه من أزمات إيمانية وتساؤولات أخلاقية، لذا، فالرسالة ليست عرضا ًعقائدياً لما يؤمِن به بولس، بل تلبية لحاجة راعوية يراها بولس مهمّة ليُكرِس لها بعض الوقت، ليواصل عمل المصالحة الذي شرعَ به ما بين أعضاء الكنيسة المنحدرين من أصل يهودي، وبين أولئك المنحدرين من أصل يوناني او روماني.

 

كتب إليهم ليُخبرهم برحلتهِ إليهم، وبرغبتهُ في توسيع نشاطه التبشيري ليشمل اسبانيا ولكن قبل أن يبدأ هذه الرحة عليه أن يعود إلى أورشليم ليلتقي الجماعة المسيحية فيها ويحمل لهم الصدقات التي جمعتها كنائس أسيا الصغرى ومقدونيا واليونان. وتوقع أن يواجه بعض الصعوبات في أورشليم، لذا طلبَ صلاة كنيسة روما من أجل نجاح المهمة التي عزِم عليها (روم 15: 30- 32). بناءً على هذه المعلومات يُمكن أن يكون تاريخ الرسالة حوالي سنة 55- 56، وكتبها في كورنثس ليشجعَ كنيسة روما فيما يُعانوه من ضيقٍ من خلال مُقاسمة خبرة الإيمان، مثلما يُعلِنُ هو في مُقدمة الرسالة: "فإِنِّي مُشْتاقٌ إلى رُؤَيتِكُم لأَفيدَكم بَعضَ المَواهِبِ الرُّوحِيَّةِ تأييدًا لَكم، بل لِنَتَشَدَّدَ معًا عِندَكُم بِالإِيمانِ المُشتَرَكِ بَيني وبَينَكم" (1: 11- 12). فهدف الرسالة إذن كان: بناء الإيمان، ومُساعدة المؤمن لينتقل من حالة العيش لنفسهِ إلى حالة العيش من أجل الربّ: " فما مِن أَحَدٍ مِنَّا يَحْيا لِنَفْسِه وما مِن أَحدٍ يَموتُ لِنَفْسِه، فإِذا حَيِينا فلِلرَّبِّ نَحْيا، وإِذا مُتْنا فلِلرَّبِّ نَموت : سَواءٌ حَيِينا أَم مُتْنا فإِنَّنا لِلرَّبّ (14: 7-8).

 

تُقسَم الرسالة إلى قسمين رئيسيين: عقائدي (1- 11)، وأخلاقي (12- 15). في القسم الأول يتأمل بولس في حقيقة أن ربّنا يسوع هو عطية الله لنا نُقلها بالإيمان، فيما يُقدمه في القسم الثاني "نموذجاً للإيمان نقتدي به فنعيش فضائلهُ، فيؤكد بذلك على ضرورة تفاعل وتعاون النعمة مع الحرية.

 

مع أن كنيسة روما كانت جماعة صغيرة إلا أنها كانت تضم أعضاء من أصل يهودي سعوا، وبسبب عوز في الوعظ، للإحتفاظ بالعادات اليهودية السابقة: الختان والناموس وحفظ السبت، فيما طُلِبَ من الأمميين أن يتركوا الخطايا من دون أن يفهموا أثر وتأثير حفظ الناموس والختان وحفظ السبت، ناهيك عن مشاعر الإحتقار التي يكنّها اليهودي تجاه الأمميين الذين كانوا يعبدوا الأصنام ويزنون في المعابد، فأخترع بعضهم طريقة في قبول الأمميين، أن يتهودوا أولاً ثم يُعمذون مسيحيين. يُختنون ويخضعون للناموس، وهو ما أثار غضب بولس وبرنابا اللذان نزلا إلى أورشليم سنة 51 (مجمع أورشليم) وإجتمعوا مع الرسل ليضعا حداً لهذه الهرطقة. الإيمان بيسوع المسيح هو طريقُ الخلاص.

 

نحن نؤمن أن لرسالة روما كونها "كلمة الله الحيّة" رسالة لعالمنا اليوم، فمحبة الله تحتضن حياتنا وتهبُ لنا ما نحن بحاجة إليه اليوم: النعمة والسلام، ثمرةُ هذا الحُب. الله بمحبتهِ يدعو الإنسان إلى القداسة، ليس فحسب، بل يعمل من أجل قداسة الإنسان، وتتجلّى هذه القداسة من خلال هبة النعمة وثمرتها السلام (عليكم النعمة والسلام).

 

الفصل الأول

ثبتَ بولس سلطتهُ الرسولية من خلال ثلاثة ألقاب:

هو عبد المسيح يسوع: يعني هو في خدمة يسوع، وفي خدمة الكلمة، على مثال الأنبياء في العهد القديم. لم يعد يذكر إسم أبيه وسبطه، فمع ربنا يسوع نالَ هوية جديدة.

مدعو ورسول: فلم يُعينه إنسانٌ إنما الله نفسه هو الذي دعاهُ لإعلان البشارة.

مفروز لبشارة الله: الله هو فاعلُ الرسالة وهو الذي يُكلِف من خلال فرز (تكريس) الإنسان.

 

هذه الهوية الجديد: "عبدُ يسوع المسيح"، تتجذر في تسليم بولس لحياتهِ كليا ًليسوع المسيح، مثلما سلّمَ ربّنا يسوع المسيح حياته لله، فكان كلياً لله، ليكونَ بولس كُليا ًليسوع المسيح الذي صارَ المُحرِك لعقله وقلبهِ وفكره عواطفهِ، لن يعيش منذ الآن إلا ليُتممَ إرادة ربّنا يسوع المسيح. إنجيل ربّنا بالنسبة لبولس ليس دعوة تنتظر إستجابة، بل كلمةٌ تُطاع، هكذا، بولس، وكل مؤمن بالمسيح يسوع، مدعو ليُنفِذَ إرادة ربنا يسوع المسيح ومشيئتهِ في العالم، إذ كان يبحث عن خدمة حقيقية. لذا، أكدَّ بولس على ضرورة تقديم نفسه كـ"عبد المسيح" ليقول أن تبشيره هو حقٌ وأصيل وموثوق به، وخدمتهُ لإنجيل يسوع تُكسبهُ سُلطة في التبشير. فهو لا يبحث عن تأكيد نفسه، بل على تأكيد نشر "إنجيل يسوع"، ففيه الخلاص للعالم أجمع.

 

فُرِزَ بولس وكرِسَ ليكون مُبشرا ًورسولاً في خدمة يسوع، كلمة الله الأخيرة. ومضمون هذه البشارة هو: يسوع المسيح، إبنُ الله ذاتهُ. فهو المسيح (من خلال نسبه الداودي) وهو مرفوع إبناً لله بقيامتهِ. هذه ليست جملتان منفصلتنا، بل "إيمان الكنيسة التام". المسيح مُرسلٌ من قبل الله مُخلصاً، فالمسيرة تبدأ من عند الله وليس من الإنسان. وُلِد من نسل داود، صارَ إنساناً مثلنا، فوُسِمَ بوسمِ الخطيئة والموت وستغلّب على الخطيئة، ولكنهُ مُجدَّ بمجد القيامة. وهو المصير الذي ينتظر الإنسان. هذه هي إرادة الله للإنسان، والتي من أجلها تم إفراز (تكريس) بولس ليكون رسولاً.

هذه هي نعمة من الله نالها هو مجاناً، وقبلها بولس (إستجابَ لها) من خلال موقف شخصي إذ قَبِلَ فيه بشارة الله وخضعَ لها: فصارَ مؤمناً (الطاعة = الإيمان/ الإيمان = الطاعة)، أي، إعتراف بأن يسوع هو المسيح الرب.

أولى مواقف الإيمان هي الطاعة، فالطاعة هي ميزة الشُكر في حياة الرسول (المسيح): فأولاً أشكر إلهي يسوع المسيح، هذه هي ميزة حياة المسيحي. فربنا يسوع يحمل لنا نعمة الله ويحمل لله شُكرنا.

 

ولكن السؤال هو: لماذا الشُكر؟

لقد عجز جسدنا عن تكملة مقتضيات الناموس، هذا العجز ينتهي بنا إلى الموت؛ خطأة بعيدون عن الله. ولكن الله بمحبتهِ، ووفاءً للعهد الذي أقسمه ِعلى نفسه، أعطى للإنسان الحياة بيسوع المسيح. الله يقول للإنسان: لم تعطيني الأمانة التي إنتظرتها منّك، أطلبَ منك الإيمان بأني أُحبُكَ، وها يسوع إبني يشهدُ لهذه المحبة. آمن ببشارة يسوع المسيح. لذا، علينا أن نشكر الله على هذه النعمة: لن نموت بخطايانا، وهذا ليس لأننا أتمننا كل ما يطلبهُ الناموس منّا، على العكس الناموس يشهد على تقصيراتنا. نلنا الخلاص بيسوع المسيح.

 

محبّة الله

"إلى جميع أحباء الله في روما، المدعوين ليكونوا قديسين. عليكم النعمة والسلام من لدن الله أبينا والرب يسوع المسيح" (روم 1: 7)، بهذه التحيّة يبدأ الرسول بولس رسالتهُ إلى كنيسة روما، وهي تحيّة تحمل أخبارًا سارة (إيونكاليون)، والخبر السار هو: لقد صارَ لهم بالمسيح يسوع: المحبة والسلام والنعمة، وذلك لأنهم:

"أحباء الله"،

وأن "السلام حلَّ بين الأرض والسماء،

و"النعمة حلّت عليكم".

فالمحبة والسلام والنعمة هي البُشرى السارة التي صارت لكنيسة روما (ولنا)، وهي البركة الموعود بها والتي كان على الكاهن أن يتلوها حين يقبل العطايا من أبناء إسرائيل: "يباركك الرب ويحفظك، ويضيء الرب بوجهه عليك ويرحمك، ويرفع الرب وجهه نحوك. ويمنحك السلام! (عدد 6: 24- 25). هذه ليست أخباراً سارةً فحسب، بل دافعاً لنوعيةِ حياة جديدة ميزتها الشُكر. محبةٌ الله تُباركنا بالنعمة والسلام، وهي التي تُؤسس علاقتنا معه، ويؤكد عليها الرسول بولس ثلاث مرات في رسالتهِ إلى كنيسة روما:

"إلى جميع أحباء الله في روما" (1: 7).

"ورجاؤنا لا يخيبُ، لأن الله سكبَ محبتهُ في قلوبنا بالروحِ القدس الذي وهبهُ لنا (5:5).

"ولا علو ولا عمق، ولا خليقة أخرى، بوسعها أن تفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا" (8: 39).

 

"محبة الله" هي الرابط في هذه النداءات الثلاثة، وهي "رسالةُ إرسالية الرسول بولس إلى كنيسة روما". ولكن لهذه العبارة معنيين يجدر بنا تحديدها قبل مواصلة هذه التأمل. إذ يُشير الأول إلى أن الله هو موضوع المحبة، فيُقدِم الناس تعبدهم لله الذي يُحبوه، فيما يُشير المعنى الثاني إلى أن الله هو "الفاعِل" فهو الذي يُبادِر بالمحبة تجاه الإنسان.

يتجه العقل البشري نحو إلتزام المعنى الأول والتركيز على "واجباتنا في محبّة الله"، فلنا الكلمات العشر (الوصايا)، والتي هي إرادة الله التي علينا أن نُتمّها، وبذلك نُبيّن أننا "نُحبُ الله. محبّة الله أصبحت بهذا المعنى وصيّة، وفيها درجات متفاوتة، ولكن الكتاب المُقدس يُعطي اهمية للمعنى الثاني: محبة الله لنا أكثر منها محبتنا لله، فالله خلقَّ العالم والإنسان لأنه يُحب الإنسان والعالم: "وما تقوم عليه المحبة هو أنه لسنا نحن أحببنا الله بل هو أحبنا فأرسل ابنه كفارة لخطايانا." (1 يو 4: 10). هنا تأتي النعمة (الهبة والعطية) قبل الوصايا، فنحن نُحبُ لأنه هو أحبنا أولاً: "أما نحن فإننا نحب لأنه أحبنا قبل أن نحبه" (1 يو 4: 19). وهذه المحبة قادرة على تغيير حياتنا، ومحبة الله هي الجواب على كل تساؤلات المؤمنين: "لماذا خلق الله العالم؟ لماذا خلق الإنسان؟ لماذا التجسد؟ لماذا الفداء؟ محبة الآب (يو 16: 27)، لأن الله هو محبّة حتّى وإن غضِبَ. فليس المهم أن نسأل إذا كان الله موجوداً أم لا، المهم هو معرفة إذا كان الله محبّة، والكتاب المقدس يقول لنا: الله محبّة.

 

هذه المحبة ليس كلماتٍ فارغة المحتوى، بل أفعالٌ بحاجةٍ إلى تعابيرَ قدّمها أنبياء الله، أصدقاء العريس الذين اختارهم الله منذ أن حُبلَ بهم، وأعطاهم قلباً مُصغياً له وللإنسان، فأعلن من خلالهم بشارتهُ (روم 1: 29). أنه يُحبُ الإنسان: "لما كان إسرائيل صبيا أحببته ومن مصر دعوت ابني. يدعونهم لكنهم يعرضون عنهم ذابحين للبعل ومحرقين البخور أنا درجت أفرائيم وحملتهم على ذراعي لكنهم لم يعلموا أني اهتممت بهم. بحبال البشر، بروابط الحب اجتذبتهم وكنت لهم كمن يرفع الرضيع إلى وجنتيه وانحنيت عليه وأطعمته". (هو 11: 1-4).

 

ولكن الإنسان ليس سهلاً في المطاوعة معه وقبول هذه المحبة، فكلما أرادَ الله أن يُقربهم إليه، كلما ازدادوا توثناً وابتعدوا عنه، لتعودَ محبةُ الله فتجذبهم من جديدٍ إليهم من دون أن تُهلكهم، لتكون محبةُ الله "ضُعفُ الله" في نفس الوقت: "كيف أهجرك يا أفرائيم كيف أسلمك يا إسرائيل؟ كيف أعاملك كأدمة وأصيرك كصبوئيم؟ قد انقلب في فؤادي واضطرمت أحشائي. لا أطلق حدة غضبي ولا أعود إلى تدمير أفرائيم لأني أنا الله لا إنسان والقدوس في وسطك فلن آتي ساخطا" (هو 11: 8-9). "أيكون أفرائيم آبنا لي عزيزا ولدا أتنعم به؟ فإني كلما تحدثت عنه لا أنفك أذكره فلذلك اهتزت له أحشائي. سأرحمه رحمة، يقول الرب" (إر 31: 20).

هذه المحبة هي محبّة أبوية: تتضمن عناية وتشجيعاً من أجل الوصول بالأبناء إلى النُضج مُستخدماً التأديب أحياناً: "فمن أحبه الرب إذا وبخك، فمن أحبه الرب أدبه" (عبر 12: 6)، وتُعطي الأمانَ والحمايةَ لتكون صخرة لحياة الإنسان: "الرب صخرتي وحصني ومنقذي إلهي الصخر به أعتصم ترسي وقوة خلاصي وملجأي" (مز 18: 2). محبةُ الأب هي محبةٌ من دون ضعفٍ.

 

وهي محبة أمومية في ذات الوقت تظهر من خلال احتضان المحبوب في ألفةٍ تامّة نابعة من حيث بدأت حياة الطفل: "الرحم" لتملئ حياتهُ رحمةً. فلا يُمكن رفضُ الطفل مهما كانت سلوكياتهُ ومواقفهِ، حتى إذا تحدّى سلطة الأب وهربَ بعيدا عن بيت الأب، ستكون الأم أولَ من يتوسّل إلى الأب ليقبَل الأبن العائد ولا يُعنفهُ بشدّة. فالأم لا تنسى ولديها، وإن نسيت فالله لن ينسى: "أتنسى المرأة رضيعها فلا ترحم آبن بطنها؟ حتى ولو نسيت النساء فأنا لا أنساك. هآنذا على كفي نقشتك وأسوارك أمام عيني في كل حين (إش 49: 15- 16). محبةُ الأم هي محبةٌ بضعفٍ.

 

وجهان من الحبِ منفصلان عند الإنسان ولكنهما متحدان في الله مثلما بينهما ربنا يسوع المسيح في مثل الأبن الضال والذي فيه يتصرّف الأب كأم أكثر منه أباً يُعّنف ويوبّخ (لوقا 15: 11- 32). بل هو أكثر من ذلك، هو حُبٌ قوي كحُب العريس لعروسهِ فيخلق حالة من الفرح العارِم في نفس العروس. هو حُب الرغبة، الرغبة في الآخر. فالإنسان يرغب الله، والله يرغب الإنسان، رغبة تصل حالة الغيرة: "لا تسجد لها ولا تعبدها، لأني أنا الرب إلهك إله غيور، أعاقب إثم الآباء في البنين، إلى الجيل الثالث والرابع، من مبغضي" (خر 20: 5)، "لأن الرب إلهك هو نار أكلة وإله غيور. (تث 4: 24). ويُحفّز هذا الحُب مشاعر الغيرة لدى العريس، وهي حالةٌ ضعف إذ ينتابُ الحبيب خوفٌ من أن يأتي من هو أقوى منه أو أكثر جاذبيةٍ منهُ فيخطفَ قلبَ المحبوب.

 

في حالة الله الأمرُ ليس كذلك، فالله ليس خائفاً من ضعفهِ أو لا يُريد أن يخسر مُلكيتهُ، محبتهُ للإنسان تجعلهُ يخاف على الإنسان من ضعفِ الإنسان نفسه وعبثية إختياراتهِ والتي تجعلهُ أسير أوثانٍ يصنعها في حياته ويتعبّد لها، وهي كلّها عبثٌ وهباءٌ وعدمٌ مميتُ، لأن التوثن هو حُب مزيفٌ: "فتجري وراء عشاقها فلا تدركهم وتطلبهم فلا تجدهم فتقول: أنطلق وأرجع إلى زوجي الأول لأني كنت حينئذ خيرا من الآن" (هو 2: 7).

غيرةٌ الله ليست علامةٌ لضعفٍ أو عدم إكتمالٍ، بل غيرتهُ هي علامةُ محبتهِ، وهو في محبتهِ يكشِف عن تواضعهِ أيضاً، فأن تُحب يعني أن تكون متواضعاً. محبةٌ الله وتواضعه تمنحُ الإنسان فرصةَ البدء من جديدٍ. وحبهُ ليس من أجل أن يكتمِلَ هو، فهو كاملٌ، بل هو حُب مجاني من أجل كمال الإنسان. فالله ليس بحاجة إلى الامتلاء، بل يُريد أن يملئ َالإنسان. هو يُحب لأنه "صالحٌ"، وصلاحهُ يجعلهُ حُباً فريداً. الله يُحب الإنسان، لا بحثاً عن مجدهُ، فمجدهُ هو الإنسان الحي (إيريناوس)، وصلاحه يتوجه إلى الإنسان ليجعلهُ كاملاً ويفيض عليه البركة. ومحبة الإنسان وتعبدهُ لا تزيد أو تنقص من مجد الله. لذا، يصرخ المُزمّر قائلاً: "ما الإنسان حتى تذكره وابن آدم حتى تفتقده؟ دون الإله حَطَطتَه قليلا بالمجد والكرامة كللته. على صنع يديك وليته كل شيء تحت قدميه جعلته" (مز 8: 4-6).

 

محبة الله أفيضت في قلوبنا

نحن أحباءُ الله، بل أن محبة الله أُفيضَت في قلوبنا. كان هناك حاجزان يمنعان الإنسان من الشِركة التامة مع الله، الأول هو طبيعة الله، فهو روحٌ، في حين أن الانسان جسدٌ، والحاجز الثاني هو "خطيئة الإنسان"، رفضُ الشركة مع الله. فما كان من الله إلا أن تجسّد فتغلّب على هذين الحاجزين ليفيضَ محبتهُ في قلبِ الإنسان من دونِ حواجزَ تذكَر. فصار بإمكان الإنسان أن يحوز على الله، بل أن حُبَ الله ملَكَ الإنسان: "وأعطيكم قلبا جديدا وأجعل في أحشائكم روحا. جديدا وأنزع من لحمكم قلب الحجر، وأعطيكم قلبا من لحم، وأجعل روحي في أحشائكم وأجعلكم تسيرون على فرائضي وتحفظون أحكامي وتعملون بها. وتسكنون في الأرض التي أعطيتها لآبائكم. وتكونون لي شعبا وأكون لكم إلها" (حز 36: 26- 28). فالله هو الذي اعطى ذاته لنمتلكهُ، وهذه هي النعمة: الله يهبُ ذاته إلينا، أمام تردد الإنسان في أن يُبادِل الله بالعطية نفسه: أن يُعطي الإنسان ذاتهُ كلياً لله.

 

ما يُميّز هذه العطية (النعمة)، هو أنها عطية أبدية، لأننا نترك خلفنا كل ما نمتلكهُ، إلا الله فهو مُلكنا إلى الأبد، وهذا كان لنا بيسوع المسيح، المُلكُ الأبدي. فالله أعطى ذاته لنا وأفاضَ محبتهُ في قلوبنا، أي أعطانا ذات الحب الموجود فيه: "إذا أحبني أحد حفظ كلامي فأحبه أبي ونأتي إليه فنجعل لنا عنده مقاما" (يو 14: 23). الله أعطانا أن نعيش محبة الثالوث: الآب والأبن والروح القُدس: الهبة والقبول والمُشاركة: "عرفتهم باسمك وسأعرفهم به لتكون فيهم المحبة التي أحببتني إياها وأكون أنا فيهم" (يو 17: 26). فهو ذات الحُب الموجود بين الآب والأبن، فالله لا يُعطي إلا ما هو عليهِ، وهذا يُعَد مبعثُ فرحٍ وسلامٍ في نفوسنا، تماماً كالفرحِ والآمان الذي يشعر فيه الطفل وهو يختبر محبةَ والديه واحدهم للآخر، فهذا الحب يُطمئنهُ أكثر من محبتهم له منفصلينَ. لذا، لا يُمكن للمسيحية أن تكون من دون الثالوث. الثالوث الذي يدعونا لأن نُشاركه هذه المحبة، فلا يحتاج الإنسان إلى براهين خارجية ليتأكد من أنه محبوب من قبل الله، وجوده هو كإنسان هو عطية وهبة من الله، وهذا يكفيهِ: "أنا موجود، إذن أنا محبوب".

 

لا يوجد إذن ما يُمكن أن يفصلنا عن هذه المحبّة لأنها محبّة كلفت الله حياته إبنهِ، وهي محبة أعطتنا الغلبة في وقت كنّا فيها خطأة وبعيدون عنه. ويُعلن الرسول بولس، وبعد أن أختبرَ الكثير من لحظات النجاح والفشل، المجد والألم، الإطمئنان والقلق، القبول والرفض، أن لا شيء يُمكنه أن يُفصله عن محبّة الله (روم 8: 35- 39 ).

 

الرسول يستعرض حياتهُ كلّها ليكتشِف أن لا شيء يُمكنه أن يغلبَ محبة الله له، ليس لهذه الخبرات الإنسانية القوّة التي تُمكنها من أن تفصلهُ عن الله، لأن الله جذبهُ إليه، وهو يدعونا لنستعرِض حياتنا في ضوء محبّة الله لنا، وسنختبر الفرح والسلام والنعمة التي صارت له بيسوع المسيح، فهو "الذي أحبني وجاد َبنفسه عنّي" (غلا 2: 20). الله هو الحصن والحماية وفيه الآمان مثلما يُنشُد المزمّر (مز 46):

 

أَلله مُعتَصَمٌ لنَا وعِزَّةٌ نُصرَةٌ نَجدُها دائمًا في المَضايِق.

لِذلك لا نَخْشى إِذا الأَرضُ تَقلَبَت والجبالُ في جَوفِ البحارِ تَزَعزَعَت.

إذا عَجَّت مِياهُها وجاشَت والجِبالُ بِطُمُوًّها رَجَفَت. ( رَبُّ القُوَّاتِ مَعَنا إِلهُ يَعْقوبَ حِصْنٌ لَنا  (

هُناكَ نَهرٌ فُروعُه تُفرِحُ مَدينةَ الله أَقدَسَ مَساكِنِ العَليّ.

 

أَللهُ في وَسَطِها فلَن تَتزعزَع أَللهُ عِندَ اْنبِثاقِ الصُّبحِ يَنصُرُها.

الأُمَمُ ضَجَّت والمَمالِكُ زُعزِعَت فرَفع صَوتَه والأَرضُ اْنحَلَّت.

رَبُّ القُوَّاتِ مَعَنا إِلهُ يَعقوبَ حِصْنٌ لَنا.

هَلُمُّوا فاْنظُروا أعمالَ الرَّبِّ مَن يُقيمُ في الأَرضِ ذُهولاً.

 

يُزيلُ الحُروبَ حتَّى مِن أَقاصي الأَرض يُحَطِّمُ الأَقْواسَ ويكَسِّرُ الرِّماح ويُحرِقُ التُّروسَ بِالنَّار.

كُفُّوا واْعلَموا أنَي أَنا الله المُتَعالي على الأُمَمِ، المُتَعالي على الأَرض.

رَبُّ القوّاتِ مَعَنا إِلهُ يَعْقوبَ حِصْنٌ لَنا.

 

أمام هذه المحبّة تُرى ما جوابُ الإنسان؟ وهل له أن يبقَ ساكناً؟

 

ما الجواب الذي عليَّ أن أُعطيه لهذه المحبّة التي بادرَ بها الله تجاهي؟

 

محبة خلصتني من "الحياة لأجل الذات" إلى "الحياة من أجل المسيح".

قراءة 3848 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *