ندوة الكتاب المقدس
الجمعة, 18 نيسان/أبريل 2014 11:11

اللقاء الثامن عشر(28 تشرين ثاني 2013)

كتبه
قيم الموضوع
(1 تصويت)
الندوة الإيمانية اللقاء الثامن عشر(28 تشرين ثاني 2013) المقدمة عندما سأل ربّنا يسوع عظماء الكهنة والكتبة والشيوخ عن مصدر معموذية يوحنّا، أرادَ أن يُوقِظَ فيهم رغبة الـتأمل في كلمةِ الله
الندوة الإيمانية اللقاء الثامن عشر(28 تشرين ثاني 2013) المقدمة عندما سأل ربّنا يسوع عظماء الكهنة والكتبة والشيوخ عن مصدر معموذية يوحنّا، أرادَ أن يُوقِظَ فيهم رغبة الـتأمل في كلمةِ الله مثلما هو أوحاها لا مثلما يحلو لهم أن يُفسروها، والحال، إنهم لم يتخلّصوا من أنانيّتهم في تفسير النصوص لأن هذه التفسيرات تصبُ في مصلحتهم الشخصية. إلهنا كشفَ عن ذاتهِ وأعلنَ عن مشيئتهِ ليكون الإنسان معهُ. الله بحكمتهِ ومحبتهِ أرادَ أن يُشركَ الإنسان في حياتهِ الإلهية الخاصّة، فيجعلنا بيسوع المسيح، أبناء لهم بالتبني، لذا، كشفَ عن ذاتهِ ليعرفه الإنسان ويحبهُ ويُعرّفهُ إلى العالم أجمع. ولكن الإنسان، وحُباً بنفسهِ، وتكبراً ينكمش على ذاتهِ رافضاً محبةَ الله، وهذه هي الخطيئة: لا أريد أن أكون حيثُ الله، وهو يعني الإبتعاد عن هويتهِ: محبوبُ الله، وهذا يخلق تمزقاً في العلاقات وإتهامات متبادلة: أنت سببُ تعاستي! فأنت عدوي (قايين وهابيل)، فانتشرت المظالم بمختلف أشكالها، وعمَّ الفساد في الأرضِ كلّها. إلا أن الله، وبسبب محبتهِ، لم يترك الإنسان ليواجهَ هذا المصير، فأرسلَ الأنبياء ليُوقظوا الشعبَ على ما هو حقٌّ، فيسمحوا لله بأن يجمعهم شعباً واحداً، لذلك، أختارَ الله شعبَ إسرائيل ليكونَ شعبهُ الكهنوتي، ليس بمعنى أنه الشعب الوحيد الذي سينال خلاصَ الله، بل الشعب المكلَف ليُعلِن عن خلاص الله. الشعب الذي تكلّم الله إليهم أولاً ليكونوا البكر لإخوةٍ كثيرين. فعليهم أن يُؤمنوا بتدبير الله، وهذا الإيمان يعني: الإلتصاق بالله إلتصاقاً شخصياً فيُسلَّم أمرهُ لله، ويسعى لمعرفة مشيئة الله من خلال الإيمان العامل بالمحبّة، فيسعى بذلك لفهم سرّ الله، حدّ قول القديس أوغسطينوس المأثور: "إني أؤمن لكي أدرك، وأدرك لكي أؤمن إيماناً أفضل". الكرامون القتلة (12: 1- 12) بدأت محاكمة ربّنا يسوع مُبكراً من خلال الجدالات التي أثارها رؤساء الكهنة والكتبة والفريسيون الذين سألوه: بأي سلطان تفعلُ هذا؟ ومَن أعطاكَ هذا السُلطان؟ فتوجّه ربنا إليهم بتعليم يحمل توبيخاً، فأختار نشيد الكرم الذي أعلنهُ إشعيا النبي ليصوغَ منه مثلاً. يقولُ النشيدُ: "لأنشدن لحبيبي نشيد محبوبي لكرمه. كان لحبيبي كرم في رابية خصيبة وقد قَلبهُ وحصاه وغرسَ فيه أفضلَ كرمه وبنى برجاً في وسطه وحفر فيه معصرة وآنتظر أن يثمر عنبا فأثمر حصرما بريا. فالآن يا سكانَ أورشليم ويا رجال يهوذا أحكموا بيني وبين كرمي. أي شيء يصنع للكرم ولم أصنعه لكرمي؟ فما بالي انتظرت أن يُثمر عنباً فأثمر حصرماً بريا؟ فالآن لأعلمنكم ما أصنع بكرمي. أزيل سياجه فيصير مرعى وأهدم جداره فيصير مداسا، وأجعله بورا لا يقضب ولا تقلع أعشابه فيطلع فيه الحسك والشوك وأوصي الغيوم ألا تمطر عليه مطرا. لأن كرم رب القوات هو بيت إسرائيل وأناس يهوذا هم غرس نعيمه وقد آنتظر الحق فاذا سفك الدماء والبر فإذا الصراخ". (إش 5: 1- 7). نشيدٌ بيّن خيانةِ الشعبِ إزاء محبة الله التي صنعت للكرمِ كلَ ما يحتاجهُ الكرمُ؛ عنايةٌ مثاليةٌ: سياجٌ يحميهِ من الجوالينَ وعبثيّتهم، ومعصرةٌ وبرجٌ وفعلةٌ أوكلَ إليهم مهمةَ إدارة الكرم. جاء المثل ليُبرِزَ أمانةَ الله للعهد الذي قطعوهُ لآبائهم، وليكشِف عن خيانةَ قادة الشعب الذين تسلموا من الله إدارة الكرم، فلم يكونوا أمناء على الوديعةِ، ولم يستقبلوا رُسل الله بل أهانوهم وعذبوهم وقتلوهم، إلا أن الله واصلَ إرسالَ خُدامهِ، في إشارةٍ واضحةٍ إلى الأنبياءِ الذين كانوا يُدعون خُدام الله: "من يوم خرج آباؤكم من أرض مصر إلى هذا اليوم، ما زلت أرسل إليكم جميع عبيدي الأنبياء بلا ملل، فلم يسمعوا لي ولم يميلوا آذانهم، بل صلبوا رقابهم، وزادوا في عمل الشر على آبائهم". (أر 7: 25- 26). "لأن السيد الرب لا يفعل شيئا ما لم يكشف سره لعبيده الأنبياء". (عا 3: 7). أمام هذه العداوةِ الصريحةِ ولم يبقَ أمام الأب إلا إبنٌ وحيدٌ أرسلهُ لينالَ من الكرامين مَا لم يعطوهُ للعبيد من إحترام وتقدير وثمارٍ. لكنهم، وعندما شاهدوا الأبنَ الوحيد، ولأنهم قطعوا العلاقة مع ربِّ الكرم، إعتقدوا أن الأبن يمثل الأب الذي ماتَ في ظنّهم، وهو الوارثُ الوحيد، عاملهُ بقسوةٍ أعنفٌ من تلك التي تلقاها الخدمُ، قتلوهُ ورموا بالجثةِ خارجِ سياج الكرم ولم يدفنوهُ، وكأن ربنا يُنبأُ للمرة الرابعةِ بالمصيرِ الذي سينتظرهُ: الرفض والإهانة والعذاب والموت. فما كان من ربِّ الكرم إلا أن يُعاقِب مَن اختارهم أولاً ليرعوا كرمهُ، ويُسلِمهُ لآخرين، ليُوقِفَ ظلم َالكرامينَ إذ لا يُمكن أن يواصلوا خيانتهم وعجرفتهم. لقد استلموا الكرمَ ولكنهم قطعوا كل علاقةٍ مع صاحبِ الكرمِ، وكأن َالكرم صارَ مُلكهم متناسين أنهم: وُكلاءٌ على الكرم وليسوا مالكيهِ. لسنا بحاجةٍ إلى ربِّ الكرم، هو المحتاج لنا، وهذه هي خطيئتهم الكُبرى. لقد تناسوا أن محبّةَ الله اختارتهم من دون أن يكون لهم ما يُميزهم، فتكابروا عليهِ وتأمروا ليُفسدوا تدبيرهُ الخلاصي. لقد كُلِفَ رؤساء الكهنة والكتبة والفريسيون بحراسةٍ الأمانة (الشعبَ) لتصلَ إلى الله، لكنهم أرادوها لأنفسهم، فكانوا مرائين يقولون ما لا يفعلون، ثم كذابين وسرّاق للوديعة، فأدعوا ملكية ما ليسَ لهم. لذا، وجّه ربّنا توجيهاً صريحاً لمُستمعيه من رؤساء الكهنة والكتبة وشيوخ الشعب: لقد أوكلَ الله لكم العناية بهذا الشعب عن طريق التأمل في التوارة والإصغاء إلى الأنبياء، ولكنكم تجاهلتُم مسؤوليتكم، وأردتُم أن تمتلكوا الكرم (الشعبَ)، وتُعدوني الآني عدواً للشريعة ولكم، بل خطورة على حياتكم ومصالحكم، وأنتم تفكرون بطريقة للخلاص مني، ولكن إعلموا: "الحجر الذي رذلهُ البناؤونَ هو الذي صارَ رأس الزاويةِ". كبريائكم وأنانيتكم تجعل من الصعوبة بحالٍ التعرّفَ على تدبير الله، بل صرتُم عُميانا لا تعرفونَ الله ولا تُميزوا خدامهُ ولا إبنهُ الذي يجب أن ينالَ كل إكرامٍ، لأنه يُذكركم بربِّ الكرم. ولأنكم فعلةٌ كذبة وسُراق وجدتم ان الأبن هو العائق الوحيد أمام إمتلاك الكرم، تريدون قتلهُ والخلاص منه. أنتم حُراس الكرم وتعرفونَ الحقيقة ولكنكم تكذبونها. أنتم بناؤونَ تعرفون أين توضَع الحجارةُ، وها أنتم ترفضون الحجارة القوية والتي جعلها الله رأساً للزوايةِ، أساسٌ للبنيان والذي بدونها لن يتواصل البناء ويكمُل، في تذكير لجانب من الهيكل يُقال أنه بُني على حجارة مرفوضية في وقت البناء. عَرِفَ رؤساء الكهنة والكتبة وشيوخ الشعب أن ربّنا يسوع يعينهم بهذه القصّة فحولوا أن يُمسكوه، ولكنهم خافوا الشعب فتراجعوا عن مقصدهم، وواصلوا التفكير بمؤامرةٍ للخلاصِ منه. أندفعُ الجزيةَ أم لا (12: 13- 17) إتحد الفريسونَ والهيرودسيين لإحراجهِ ثم إهلاكهِ، ولم تكن هي المحاولة الأولى، فسألوه بعد مُقدمة ذات كلامٍ معسول: أندفعُ الجزيةَ لقيصر أم لا؟ والجميع يعلمُ أن أمرَ الجزية مُحرجٌ بسبب الجدالات التي كانت تنشأ من جرّاء ذلك. فقد كانت ثقيلةً على الشعبِ لاسيما أن الجُباة كانوا يحملونها أجوراً إضافيةً. الغيارى من جانبهم رفضوا إعطاء الجزيةِ لأنها تُمثل إعترافاً صريحاً بسلطة قيصر عليهم، والحال أنهم يؤمنون بأن الله هو الإله الأوحد الذي يجب على الإنسان، وخاصة بني إسرائيل أن يُكرموه. الربُّ الإله خالق السماء والأرض هو ملكٌ إسرئيل الذي علينا أن نخدمهُ. أما الفريسيون فكانوا يُعدون الجزيةَ إهانةً للشعب ولكنهم كانوا يدفعون الجزية، في حينَ أن الهيرودسيين، والذين كانوا يدعمونَ السلطة الرومانية فكانوا من الموالين لأنظمتها ومنها نظام الجزية، فجاءَ السؤال لإقحامِ ربّنا يسوع في جدالٍ ديني إجتماعي سياسي مُحرِج. أدرَكَ ربّنا أنهم يُريدون إحراجهُ وإنهم لم يكونوا صادقينَ فيما قالوا في مقدمتهم المعسولةِ، لذا، أرادَ أن يُحرجهم هو فطلبَ منهم قطعةً نقديةً، وعليها بالطبع صورةَ قيصر. فسألهم: لمَن الصُورة هذه والكتابة؟ إنها صورة قيصر، وقيصر كان يطلبُ دائماً أن يُكرَم إكرامَ الإله، وهو أمرٌ أكثر غرابةٍ من قضية أنه مُحتَل. فلربما كان بالإمكانِ قبول دفع الجزية جزاء حماية العساكر لهم، ولكن أن تُقدَم لمَن يحسبُ نفسهُ إلهاً، فهذا ما لم يكن مقبولاً في فكر اليهودي الذي أوصاهم الله: "لا يكن لك إلهٌ غيري". لذا، فجوابُ ربّنا يسوع يحمل سخريةً وتوبيخاً للفريسيين والهيرودسيين: "كيف لكم، وأنتم حُراس الشريعة أن تقبلوا بأن تكونوا تحت حُكم شخص يدعي إنه إله؟ والسخرية تكمنُ في أن هذا مصيرهُ سيكون الهلاك لأن مالَ الجزية محملٌ بالغش والفساد والدسائس والتملق والخوف من قيصر، في حين أن الله يطلب المحبة والإيمان والحرية والعطاء بسخاء، وهذا الذي سيقى َوسيدومُ. فأعطوا ما لقيصر لقيصر، فمصريه هلاكٌ، وأعطوا ما لله لله ، فهذا باقٍ وسيثبُت وينتصِر. هل هناك قيامة (12: 18- 27) جاء أخيراً دور الصدوقيونَ ليُجادلوا ربنا يسوع حول موضوع القيامة ليكون جدالهم هو الأخير. الصدوقيون كانوا طبقة أرستقراطية من الكهنة، وكانوا موالين للمحتل الروماني، وعلى صعيد الدين هم المحافظون فيما يتعلّق بشؤون الشريعة، ولكنهم كانوا يعترفون بالتوارةَ كتاباً وحيداً، ولا يقبلون ما جاء من تعاليم في كتب الأنبياء والحكماء. كان الفرّيسيّون يؤمنون بحياةٍ ما بعد الموت وبقيامة الأموات، أما الصدّوقيّون فكانوا ينكرون ذلك أو لا يحلمون بوجود حياة أخرى ما بعد هذه الحياة. خاصّة لأنّهم لم يعترفوا إلا بكتب التوارة الخمس والتي هي لا تتضمن أيّ تلميحٍ عن قيامةِ الموتى. لذا جاءوا إلى يسوع بسؤالهم المتنازع عليه، لعلّه يحل لهم الخلاف القائم بينهم وبين الفرّيسيين، الذين مع الكتبة ورؤساء الكهنة يُشكلون الجماعة المؤهلة لتفسير النصوص الكتابة، وكانوا في جدالات مُستمرة، فطرحوا قضية زواج زوجة الأخ المتوفي ليُنجِب له نسلاً مثلما جاء في سفر تثنية الإشتراع (25: 5- 10). تسعى هذه الشريعة للحفاظ على النسل أولاً، ولكن كانَ لها بُعد اقتصادي من خلال المحافظة على ورث العالئة فلا يذهب للغرباء. ويبدو من خلال الفرضية التي قدّموها لربنا أنهم على جهلٍ تام بالكُتب لأنهم لم يقرؤا كل الكتاب المُقدس بما فيه أسفار الانبياء التي لا تضع حداً لقُدرة الله، مثلما هو يعتقدون: الله لا يستطيع إقامة الموتى، كما وفي داخلهم رغبة في السخرية من كل الذين يؤمنون بالقيامة من خلال السؤال: لمَن تكون هذه الزوجة في القيامة، وكأن غاية الزواج هي الجنس وإنجابُ البنين، في حين أن الكنيسة تُعلّم أن غاية الزواج هي أولاً: خيرُ الزوجين، ثم إنجابُ البنين. علّمهم ربنا أن جهلهم يجعلهم يعتقدونَ أن حياة الآخرة هي مواصلة لحياة الأرض الجسدية وهذا خطأٌ فادحٌ. لذا، أختارَ ربّنا آية من سفر الخروج، الذي يُعد واحد من الكتب التي يعترفون بها: "وكان موسى يرعى غنم يترو حميه، كاهن مدين. فساق الغنم إلى ما وراء البرية، وأنتهى إلى جبل الله حوريب. فتراءى له ملاك الرب في لهيب نار من وسط عليقة. فنظر فإذا العليقة تشتعل بالنار وهي لا تحترق. فقال موسى في نفسه: "أدور وأنظر هذا المنظر العظيم ولماذا لا تحترق العليقة". ورأى الرب أنه قد دار ليرى. فناداه الله من وسط العليقة وقال: "موسى موسى". قال: "هاءنذا". قال: "لا تدن إلى ههنا. اخلع نعليك من رجليك، فإن المكان الذي أنت قائم فيه أرض مقدسة". وقال: "أنا إله أبيك، إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب" فستر موسى وجهه لأنه خاف أن ينظر إلى الله. (خر 3: 1- 6) أكدَّ ربّنا على أن الزواج مرتبطٌ بحالتنا الأرضية، والأهمُ تأكيده على أن الأباء إبراهيم وإسحق ويعقوب هم أحياءٌ ودخلوا في حياةٍ جديدةٍ مع الله. إلهنا هو إلهُ الأحياء وليس الأموات، والإيمان بالقيامةِ هو تواصل للإيمان بالله الخالق القادر على بعثِ الحياة من جديد. فمعاصروا ربّنا يسوع كانوا يُصلّون يومياً مُباركين الله الذي حفظَ الأباءَ: إبراهيم وإسحق ويعقوب، وهي علامةُ أمانته في أنه يحفظ شعبهُ مثلما حفظَ حياة الآباء. فإذا كانت محبته الله ورحمتهُ تتضمن رعايتهُ للإنسان لكي لا يُخطأ في حياتهِ الأرضية، ولا تتضمن أن يُنقذَ الإنسانَ من مصير الموتِ المحتَم عليه جسدياً، فلا قيمة لهذه المحبة والرحمة، لذا، يؤكدُ ربّنا على أن محبةَ الله تتغلّبُ على الموتِ ولن تسمح بأن يكون للموت الكلمة الأخيرة. "أنتم في ضلالٍ، لأنكم لا تعرفونَ الكُتبَ ولا قُدرةُ الله". قُدرة الله هي أولاً محبتهُ ووفاءه للعهد الذي قطعهُ للآباء وهي أعظم من وفاء الأباء والشعبِ لهذا العهد. قُدرةُ الله التي لها أن تهبَ الحياة وتنتصرَ على الموتِ. إلهنا هو إلهٌ إرتبطَ بعلاقةٍ مع كلِ واحدٍ منّا، كلٌّ بإسمهِ. إلهنا، وهو بمحبتهِ ورحمتهِ يربطنا معه في الحياة الأبدية. الحياة الأبدية تمنح لنا رجاءً على الأرض من أن حياتنا هنا ليست عبثاً أو لهواً، بل إنتظارٌ للقاءِ الله. حجٌ يبدأ من الحياة مروراً بالموت نحو الحياة الأبدية مع الله. فالحياة ما بعد الموت هي حياة أشبه بحياة الملائكة إهتمامها الوحيد هو الإتصلاق بالله. الله الذي التصقَ بشعبهِ (إرميا 13) وُلد أرميا سنة 650 – 645 (؟؟؟)، وبدء نشاطه النبوي حوالي سنة 626 ق.م، في عمرِ الثامنة عشرة. نما وتربى في عائلة كهنوتية أقامت في عناتوت، وهي قرية صغيرة تبعد 6 كم إلى الشمال الشرقي من مدينة أورشليم، وكانت القرية تابعة لأورشليم إدارياً. يبدو أن أرميا لم يُمارس الكهنوت، وقد يكون سببُ ذلك أن إصلاح الملك يوشيا سنة 627 قد بلبلَ حياة الكهنة على نحوٍ عام، وممارسة الكهنوت في قرية عناتوت بشكلٍ خاص. فرفضَ كهنة أورشليم خدمة خدّام المعابد المحلية. أضافة إلى ذلك، إصطدمَ أرميا بالمؤسسة الكهنوتية والهيكل (إرميا 7)، وكانت هذه علامة لإستقلالية أرميا عن المؤسسة الكهنوتية من أجل أن يكون كُلياً في خدمة كلمة الله. فكان نبي الله وحامل كلمته. عاش أرميا في فترة إجتماعية وسياسية حرجة جداً، إذ بدأ نجم الكلدانيين يعلو في مدينة بابل (العراق) بقيادة نبوخذ نصر الذي هزم المصريين في كركميش سنة 605 ق.م، فوصلَ إلى أورشليم وأخضعها لسيطرتها. وكان قد أسقطَ من قبل حُكم مملكة أشور عام 612 في نينوى وأخضعَ مُدنها لتكون تحت سيطرتهِ، فكانت مملكة يهوذا تحت وصايته. عرفَ أرميا أن الخطر آتٍ من الشمال، من بابل، فتوقّعَ المصيبة وحاول تهيئة الشعب لها، لئلا يفوتَ الأوان فلا ينفعُ الندمُ. معظمنا يفهم الأحداث "بعد فوات الأوان"، أما أرميا فهو بحقٍ نبي "قبل فوات الأوان" فأعطى للحدث بُعده الحقيقي، ولكن لم يجد مَن يسمع له ويُصغي إلى تحذيراتهِ. لقد وعظَ أكثر من 23 سنة، سنواتٌ كلّفتهُ جهداً ورفضاً زإضطهاداً بسب سوء الآخرين لرسالتهِ وعدم قُدرتهم على تفهم أقوالهِ وتحذيراتهِ. فالشعبُ أختارَ الاعتمادَ على غير الله طلباً للسلام والمُصالحة ... وغيرها كثيرٌ من مظالمَ اجتماعية. عَرِف أنه أُلقيَّ في ظلمة وعليه أن يُصغي جيداً إلى الله ليعرف ما يقول لحظة تلو الأخرى، وهو مُدركٌ تماماً أنّ الله لم يُزودّه بخطة واضحةُ المعالِم لإرساليتهِ، يكفيه ان يثقَ بالله فحسب. ولكن من التأاملات الرائعة التي قدّمها لنا، كانت قصةُ الحزام التي وردت في الفصل الثالث عشر، إذ يقول: هكذا قال لي الرب: "إذهب وآشتر لك حزاما من كتان، وآشدده على حقويك ولا تضعه في الماء". فآشتريت الحزام بحسب كلمة الرب، وشددته على حقوي. فكانت إلي كلمة الرب ثانية قائلا: "خذ الحزام الذي آشتريته، الذي على حقويك، فقم وآذهب إلى الفرات، وأخفه. هناك في نخروب الصخر". فذهبت وأخفيته عند الفرات، كما أمرني الرب. وبعد أيام كثيرة، قال لي الرب: "قم فآذهب إلى الفرات، وخذ من هناك الحزام الذي أمرتك أن تخفيه هناك". فذهبت إلى الفرات، وحفرت وأخذت الحزام من الموضع الذي أخفيته فيه، فإذا بالحزام قد تلف، فلم يعد يصلح لشيء. فصارت إلي كلمة الرب قائلا: "هكذا قال الرب: إني كذلك أتلف كبرياء يهوذا وكبرياء أورشليم العظيمة. وهذا الشعب الشرير الذي يأبى أن يسمع لكلامي، سائرا على تصلب قلبه، ويسير وراء آلهة أخرى ليعبدها ويسجد لها، يكون مثل هذا الحزام الذي لم يعد يصلح لشيء. فإنه كما أن الحزام يلتصق بحقوي الإنسان، فكذلك ألصقت بي جميع بيت إسرائيل وجميع بيت يهوذا، يقول الرب، ليكونوا لي شعبا وآسما وحمدا وفخرا، لكنهم لم يسمعوا". (13: 1- 11) لم يفهم النبي إرميا معنى أوامر الله وحقيقتها وما الدافع من ورائها، إلا أنه أطاعَ في مسعى منه ليفهم. فحين يُطيع يحصل على المعرفة لأنه يعيشُ ما يُعطيهُ. وهذا هو الإيمان: أطع لتفهم. المدينة التي أرتبطَ الله معها بعهدٍ، وألتصقَ بشعبها، نسيته وتعبّدت لآلهة أخرى لم، فلم تعد نافعةً ليكونَ شعبها شريكاً في العهد. خطيئتها كانت رفض الثقة بالله والإيمان بهِ، قساوة القلب، وعدم فعل إرادته والخضوع لتدبيره. ناهيك عن التوثن، ليُقرر الرب بعدها نقض العهد (الأية 11). فالعهد هو مشروع الله وإرادته لشعبهِ. العهد الذي نفهمه أنه مسؤوليةٌ مُتبادَلةٌ ما بين الله والإنسان. فإذا سألنا: ما الذي يُريده الله من الإنسان؟ وما هي أمنيته للتاريخ الإنساني؟ كان الجواب: العهد؛ أن يلتصِق الله بشعبهِ. فالله خلق الإنسان للعهد. "ستكونون لي شعباً وأكون لكم إلهاً" (خروج 6:7). لذا يستخدم أرميا كلمة: إلتصقَ بشعبه كتعبير للعهد الذي أراد فيه الله أن يتجلى مجده وإسمه في شعبه. فمن شعبه يأخذ المجدَ والاسم فيكون الله ممجداً في شعبه، والشعب هو مجد الله. الشعب هو مفخرة الله، غنى الله، أغنيته، سعادته، فرحته. لقد استثمرَ الله الكثير من المشاعر والعواطف في شعبه، كعروس أحبّت عريسها بكليّتها ولكنها تشعر الآن بأنها مخدوعة، مُخانة. "أتنسى العذراء حليتها والعروس زنّارها؟ أما شعبي فنسي أياماً لا تُحصى". (أرميا 2: 32). لقد أَلصقَ الله نفسه بنا، ليكون نجاحنا نجاحه، وفشلنا فشله، وعدم فهمنا وكسلنا سبب حزنه، لأننا تُحفة الله وكنزه. ولكنَّ الشعبَ رفض العهد، فاضحى من دونٍ توجهٍ: سكران. مجتمعٌ لا توجه له في الحياة، غير قادر على تحمّل المسؤولية، ولا يُمكن الاعتماد عليه. ليس له سند لأنه يتأرجح ما بين اليمين واليسار. يتقدم خطوة ليعود خطوتين. ليس له قيم يُحافظ عليها، ولا يُفكر أو يتأمل فيما يقول. يسمح لكل الأفكار بأن تطفو وتصرخ فيقولها من دون تحفظات. تخيلوا أن المجتمع كلّه مُبتلى بوباء السُكر. فلا قيم ولا اعتبارات تُذكر: إنه دمار شامل للشعب، فلا عدالة، بل ظلم وانتهاكات، وبالتالي هو مجتمع حكمَ على نفسه بالموت. مجتمع بلا قيم، مُجتمع يستغل وينتهك الضعفاء، مجتمع بلا هوية: نحن شعبُ الله. وذلك كلّه بسبب رفض العيش كشركاء في العهد، وبالتالي نكران العهد. هنا يتحمّل رؤساء الشعب (الملك الكهنة) المسؤولية الكُبرى لمثل هذا الحدث. يرى النبي وبحزن عميق أن أورشليم المدينة العظيمة خسرت التوجه: الله ، خسرت شراكة العهد، خسرت العهد وهذا هو العقاب. وعلى الرغم من توجيهاته وصرخاته المتواصلة للتغيير إلا أن الجميع يرفض ان يسمع. قست قلوب الناس فلا إصغاء لكلمات النبي. لذا يتحمّل كل إنسان مسؤولية تجاه ما سيحصل. لذا، يبكي أرميا سراً لدرجة أنه لم يبقَ له دموع ليذرفها على المدينة التي يراها تُدّمر أمامه (17)، وسبب الدمار خطيئة أهلها. وتُشير الدموع إلى علاقة وارتباطٍ شخصي من قبل النبي بالرسالة، وبألم شعبه. فلا يبقَ أرميا خارج الحلقة ليُشاهد ما سيجري، بل يشعر نفسه لا مُرتبطاً مع شعبهِ فحسب، بل متورطاً في كل المأساة. هو ليس برسول يُبلغ الرسالة ويرحل، بل هو إنسان يتألم عندما يتحدّث، وبسبب ما يتحدّث، وبسبب ما يُعلنه أيضاً. إرميا لم يحكم على الشعب ويدينه يهرب بحياتهِ، بل يبقَ مع الشعب مرتبطاً به، فينال نفس المصير، مع أنه بريءٌ من العقاب. هو صورة لربنا يسوع الذي يبكي على المدينة ليُوقظها لما سيحدث قريباً (مرقس 13)، ومع ذلك سيكون أول مَن سيموت من أجل المدينة. وأعظم نبؤة ليسوع عن أورشليم ستكون موته. ربنا الذي عاشَ ألمَ الإنسانية وتحمل عاقبة الخطيئة، مع أنه لم يُخطأ، ولكن ألمه العظيم كان من أكل خطايا الشعب الرافض الإصغاء إلى كلمة الله والإيمان به.
قراءة 5032 مرات آخر تعديل على الإثنين, 30 تشرين2/نوفمبر 2015 03:28

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *