ندوة الكتاب المقدس
الجمعة, 11 نيسان/أبريل 2014 09:44

اللقاء السابع عشر(22 تشرين ثاني 2013)

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
اللقاء السابع عشر(22 تشرين ثاني 2013) المقدمة نحن على مشارف مدينة أورشليم وسيبدأ فصل جديدٌ من حياة ربنا يسوع المسيح، إذ تتسارعُ الأحداث، ويبرز فيها حقيقة واحدة: تحققت جميع النبؤات ربّنا يسوع الم
اللقاء السابع عشر(22 تشرين ثاني 2013) المقدمة نحن على مشارف مدينة أورشليم وسيبدأ فصل جديدٌ من حياة ربنا يسوع المسيح، إذ تتسارعُ الأحداث، ويبرز فيها حقيقة واحدة: تحققت جميع النبؤات ربّنا يسوع المسيح عن العصر المسيحاني الموعود به. سنقرأ الكثير من أقوالِ الأنبياء عن هذا العصر والذي جاء ًوعداً من الله وتحقق بيسوع المسيح. إقتربَ ربنا يسوع من أبواب أورشليم، ومعه أعطى البصر لأعمى كان جالسا ًطوال حياته ِيستعطي، فتحقق قول النبي إشعيا: "وفي ذلك اليوم يسمع الصم أقوال الكتاب وتبصر عيون العميان بعد الديجور والظلام ويزداد البائسون سرورا بالرب ويبتهج المساكين من البشر بقدوس إسرائيل" (إش 29: 18- 19). في هذه الرحلة، والتي كانت جغرافياً صعوداً نحو أورشليم، لأن أورشليم مدينة مبنيةٌ على إرتفاع 2500 فوت عن سطح البحر فيما بُنيت الجليل 690 فوت تحت مستوى سطح البحر. وأعتاد الحُججا إلى أورشليم أن يترلوا مزاميز المراقي (118- 131) خلال الرحلة، ولكن الإنجيلي مرقس (ومتى ولوقا من بعده) فجعل ثلاث نبؤات عن آلمه في طريق الصعود إلى أورشليم، في ثلاث محطّات رئيسة من الرحلة، ليكون الصعود إلى أورشليم طريقاً نحو الهيكل حيث أرادَ الله أن يكون: "فأي مكان اختاره الرب إلهكم ليحل فيه اسمه، فإليه تأتون بكل ما أنا آمركم به من محرقاتكم وذبائحكم وأعشاركم وتقادم أيديكم وخيرة نذوركم التي تنذرونها للرب". (تث 12: 11). كان صعود ربنا يسوع صعوداً إلى الله أبيه من خلال الصليب، الذي يُمثل عطية الذات الكاملة، والتي تستبدِل ذبائح العهد القديم مثلما أشارَ كاتب الرسالة إلى العبرانيين: "لأن المسيح لم يدخل قدسا صنعته الأيدي رسما للقدس الحقيقي، بل دخل السماء عينها ليمثل الآن أمام وجه الله من أجلنا". (عبر 9: 24)، فالصعود إلى الله سيمرُ من خلال الصليب: "قبل عيد الفصح، كان يسوع يعلم بأن قد أتت ساعة انتقاله عن هذا العالم إلى أبيه، وكان قد أحب خاصته الذين في العالم، فبلغَ به الحب لهم إلى أقصى حدوده". (يو 13: 1). فلا يكفي طلبُ الرحمة: "إرحمني يا أبن داود"، مثلما صرخَ أعمى إريحا، مع أنه تعبيرٌ عن إيمان واثق بالله الرحوم. كما ولا يكفي أن يعلو هتاف التمجيد الحماسي: "يسوع مخلصّنا" مع أن هذا هو تعبير صادقٌ عن الإيمان أيضاً. يتطلّب الإيمان السير خلفَ المعلّم ليُصعدنا في صعودهِ. دخول أورشليم (11: 1- 11) بعد مسيرة طويلة إذن دخلَ ربّنا يسوع مدينة أورشليم من جهةِ الشرقِ، فتمّت نبؤة زكريا الذي قالَ: "في ذلك اليوم تقفُ قدماهُ على جبلِ الزيتونِ، قبالةَ أورشليم من الشرقِ" (زك 14: 4)، ويتبيّن أن ربنا يسوع كان على درايةٍ بكل ما سيحصل له، فلم يترك للصدفة أن تتحكمَ بالأحداث، بل كانَ هو الذي يُسيّر الأحداث، فأخذ على عاتقه ترتيب مُستلزمات دخول أورشليم، وهيأ كل شيءٍ فأرسلَ إثنين من تلاميذهِ ليُحضروا له دابةً ما ركبها أحدٌ، وهذا يعني أنها دابةٌ كرست لمهمة مقدسة، وهي دابةُ ملوك إسرائيل مثلما صنعَ داود الملك عندما أرادَ أن يُنصبَّ سليمان إبنهُ ملكاً، فنقرأ في سفر الملوك الأول: "وقال الملك داود: "ادعوا لي صادوق الكاهن وناتان النبي وبنايا بن يوياداع". فدخلوا إلى حضرة الملك. فقال الملك لهم: "خذوا معكم خدم سيدكم وأركبوا سليمان ابني على بغلتي وانزلوا به إلى جيحون، "وليمسحه هناك صادوق الكاهن وناتان النبي ملكا على إسرائيل، وانفخوا بالبوق وقولوا: ليحي الملك سليمان. "واصعدوا وراءه، فيأتي ويجلس على عرشي، وهو يملك مكاني، فانه هو الذي أوصيت ان يكون قائدا على إسرائيل ويهوذا". (1 مل 1: 33- 35). ربنا ملكٌ إذن، فيه تمّت نبؤة يعقوب لأبنهِ يهوذا: "لا يزول الصولجان من يهوذا ولا عصا القيادة من بين قدميه إلى أن يأتي صاحبها وتطيعه الشعوب. رابطٌ بالجفنة جحشه وبأفضل كرمة آبن حمارته. غسل بالخمر لباسه وبدم العنب ثوبه". (تك 49: 10- 11). المكُ الآتي هو ملكٌ ستُطيعهُ جميعُ الشعوب، لا بسبب العساكر التي ترافقهُ، بل لأنهُ ملكٌ مُسالِمٌ جاءَ ليُحطِمَ قوة السلاحِ والحرب، ببساطتهِ وفقرهِ وصُغره، مثل الأطفال، عارفاً أنه ملكُ الفقراء ليشمِلَ الجميع برعايتهِ، وليُحقق نبؤة زكريا القائل: "ابتهجي جدا يا بنت صهيون وآهتفي يا بنت أورشليم هوذا ملكك آتيا إليك باراً مخلصاً وضيعاً راكباً على حمارِ وعلى جحش آبن أتان". (زك 9: 9). لقد أرادَ أن يدخل أورشليمَ مسيحاً وديعاً ومتواضعاً ومُسالماً. لم يركب الحصان لئلا يظهر أنه ملكٌ مُحارِبٌ يرغب الحربَ والعنفَ، بل دخلها ليُعبّر عن فقرُ الله وسلامهِ اللذان هما سلاحهُ في نشر هذا الملكوت، وعلى المُستَمِع أن يؤمِن بأن الخلاص آتٍ. ومن أجل أن يحصل على ذلك الإيمان عليه أن يطلب نعمة البصر مثل أعمى إريحا ليرى فعلَ الله الخلاصي. دخل ربنا يسوع مدينة أورشليم برفقة تلاميذه وجموعٌ جاءت من الجليل، فحولّوا الدخول إلى مراسيم تنصيبُ ملكٍ مثلما كانت العادة في تنصيب الملوك: "فقال أسرعوا وأخذ كل رجل رداءه وجعلوه تحته عند أعلى المنصة، ونفخوا في البوق وقالوا: "قد ملك ياهو". (2 ملوك 9: 13). أُستقبلتهُ الجموع التي رافقت التلاميذ بأغصان الأشجار وهتافٌ من المزمور 118: "أوشعنا: مُباركٌ الآتي بإسم الرب"، وهو هتافٌ من أجل إستحضار فعل الله الخلاصي: خلّصنا: تعالَ إلى نجدتنا. هُتافٌ كان الكهنة يُرتلونهُ في اليوم السابع في إحتفالية عيد المظال، وهم يطوفونَ سبعَ مراتٍ حول مذبح الذبائح، وفيها يطلبونَ نعمة المطر. ثم صارَ بعد ذلك هُتاف ترحيبٍ بالقادمينَ إلى أورشليم وهم يدخلون الهيكل، فيُبارَكون من قبل الكهنة. فأضحى في أيامِ ربّنا يسوع تعبيراً عن الفرح بحضور الله الخلاصي، ورجاءً من أن مسيحَ الله حاضرٌ بينهم، وأن ملكوتهُ صارَ واقعاً. ولكنه ملكوت ملك متواضعٍ يستقبلنا في مدينتهِ ليُصعدنا إلى صليبهِ والاحتفال بقيامتهِ. عندما دخل ربنا يسوع مدينة أورشليم غابت الجموع عن المشهد، فدخلَ الهيكل وحده، أو برفقة تلاميذه الإثني عشر، ويبدو أنها لم تكن المرّة الأولى التي يدخل فيها الهيكل، ولكنّ الإنجيلي أرادَ أن يقول للقارئ أن ربّنا دخل الهيكل وتجوّل في أرجائهِ، لأنه ربُّ الهيكل فتفحّصَّ فيه ليرى هل أن كلَّ شيءٍ هو في مكانه ِالصحيح! "هاءنذا مرسل رسولي فيعد الطريق أمامي، ويأتي فجأة إلى هيكله السيد الذي تلتمسونه، وملاكُ العهد الذي ترتضون به. ها إنه آت، قال رب القوات" (ملا 3: 1). ويبدوُ أنه لم يكن راضياً عمّا يجري في الهيكل، فخرجَ من دون كلمةٍ، وأنهى مرقس الإنجيلي هذا المشهد بهدوء: "فخرجَ إلى بيت عنيا (بيت المسكين) ومعه الاثنا عشَر"، ولكنه الهدوء الذي يسبق العاصفة. التينة العقيمة: الشعبُ العقيم (11: 12- 25) تركَ ربّنا يسوع الهيكل في نظرة غاضبةٍ بسبب ما يحدث فيه من انتهاكاتٍ، وتبيّن له أن الهيكل لا يُعطي الثمار المرجوّة منه، فإنسحبَ ليعودَ في صباح اليوم التالي، ومع أول فعلٍ له: لعنَ التينة، كشفَ لنا عن ما سيعملهُ في الهيكل. فالهيكل مُزدحمٌ بالناس: تينةٌ مُورقةٌ، ولكنه خالٍ من الثمار، إشارةٌ إلى الشعب الذي لم يُعطِ الثمار ولم يعش الرسالة المُوكلةَ إليه، مثلما تنبأ إشعيا النبي: "لأنشدن لحبيبي نشيد محبوبي لكرمه. كان لحبيبي كرم في رابية خصيبة وقد قَلبهُ وحصاه وغرس فيه أفضل كرمه وبنى برجا في وسطه وحفر فيه معصرة وآنتظر أن يثمر عنبا فأثمر حصرما بريا. فالآن يا سكان أورشليم ويا رجال يهوذا أحكموا بيني وبين كرمي. أي شيء يصنع للكرم ولم أصنعه لكرمي؟ فما بالي آنتظرت أن يثمر عنبا فأثمر حصرما بريا؟ فالآن لأعلمنكم ما أصنع بكرمي. أزيل سياجه فيصير مرعى وأهدم جداره فيصير مداسا، وأجعله بورا لا يقضب ولا تقلع أعشابه فيطلع فيه الحسك والشوك وأوصي الغيوم ألا تمطر عليه مطرا. لأن كرم رب القوات هو بيت إسرائيل وأناس يهوذا هم غرس نعيمه وقد آنتظر الحق فاذا سفك الدماء والبر فإذا الصراخ". (إش 5: 1- 7). لعنُ التينة هو حُكم الله بيسوع المسيح على الشعب الغير الأمين، وهو نفس حُكم الأنبياء على أورشليم الغير الأمينة مع الله، وهذه الأمانة تظهر في مختلف السلوكيات الخاطئة التي وصفا ميخا النبي قائلا: "ويل لي فإنى قد صرت لموسم جني الصيف كموسم خصاصة القطاف لا عنقود للأكل ولا باكورة تين تشتهيها نفسي. قد زال الصفي عن الأرض وليس في البشر مستقيم. جميعهم يكمنون للدماء وكل منهم يصطاد أخاه بالشباك. إنما اليدان لإتمام الشر. الرئيس متطلب والقاضي يقضي بالأجرة والكبير يتكلم بهوى نفسه وكلهم يحوكونه. أفضلهم كالحسك والمستقيم منهم شر من سياج الأشواك في اليوم الذي أخبر عنه رقباؤك أتى آفتقادك. الآن يكون آضطرابهم. لا تأمن صديقا ولا تثق بأليف وآحفظ مداخل فمك من التي تنام في حضنك. فإن الآبن يستخف بأبيه والآبنة تقوم على أمها والكنة على حماتها فيكون أعداء الإنسان أهل بيته". (ميخا 7: 1- 6) لا يُمكن فهمُ حادثةُ التينة إذن إلا في إطار زيارة الهيكل والتجوال فيه والعودة إليه في اليوم التالي. ربّنا يسوع نطق بحُكم الله الذي أعلنهُ على لسان إرميا النبي: "سأبيدهم إبادة، يقول الرب لا عنب في الكرمة ولا تين في التينة. والورق قد ذوى وأجعل عليهم من يدوسهم. (8: 13). دخل ربنا يسوع الهيكل من الرواق الخاص بالوثنيين إذ نُصبَ فيه سوقٌ ينافس الأسواق الأربعة التي كانت على جبل الزيتون، وجميع هذه الأسواق كانت تحت إشراف السنهدريم، وليس تحت سلطة رئيس الكهنة. كانت في الهيكل تجارة عامرة من بيع الخراف والثيران والحمام وبقية مُستلزمات الحج بالنسبة للقادمين من خارج أورشليم، والذي يقتضي وجود الصيارفة لاستبدال العلمة الرومانية التي كانت تحمل صورة أباطرة الرومان، وهي محرمة في أورقة الهيكل. وقد قسموا الهيكل إلى أمكنة محرمة على الوثنيين وأخرة محرمة على عامة الشعب. إضافة إلى أن هناك تسّوق خاصٌ بالأغنياء وأخر للفقراء. قام ربنا بطرد الباعة وقلب موائد الصيارفة، ووضع حدِّ للإنتهاكات والإنحرافات التي تجري فيه والتي تعد تشويهاً لعبادة الله. غيرتهُ على بيت أبيه الذي أحبهُ منذ الصغر جعلتهُ ينتفض على هذه السلوكيات المشوهة للهيكل. أمام هذا الفعل النبوي تجمّع رؤساء الكهنة وقرروا إهلاكَهُ، فلا يُمكن السماح له بقلبِ نظام الهيكل والسكوت على ذلك. ربّنا لم يُهاجم الهيكل كمبنى، بل على سوء إستخدام هذا المكان من أجل مصالح شخصية بسبب الأرباح الفاحشة التي كانت الكهنة يحصلون عليها من جراء عمليات البيع والشراء في ساحات الهيكل وأروقتهِ، ومثل هذه السلوكيات الخاطئة كانت سببا في دمار الهيكل، مثلما أشارَ إليها أرميا النبي عندما قالَ: قف بباب بيت الرب، وناد هناك بهذا الكلام، فتقول: إسمعوا كلمة الرب يا جميع بني يهوذا الداخلين في هذه الأبواب ليسجدوا للرب: هكذا قال رب القوات، إله إسرائيل: أصلحوا طرقكم وأعمالكم، فأسكنكم في هذا المكان. لا تتكلوا على قول الكذب قائلين: "هذا هيكل الرب، هيكل الرب، هيكل الرب". فإنكم إن أصلحتم طرقكم وأعمالكم وأجريتم الحكم بين الإنسان وقريبه، إن لم تظلموا النزيل واليتيم والأرملة، ولم تسفكوا الدم البريء في هذا المكان، ولم تسيروا وراء آلهة أخرى لشركم، فإني أسكنكم في هذا المكان، في الأرض التي أعطيتها لآبائكم من الأزل إلى الأبد. ها إنكم تتكلون على كلام الكذب الذي لا فائدة فيه. أتسرقون وتقتلون وتزنون وتحلفون بالزور وتحرقون البخور للبعل وتسيرون وراء آلهة أخرى لم تعرفوها، ثم تأتون وتقفون أمامي في هذا البيت الذي دعي بآسمي، وتقولون: "إننا منقذون!" حتى تصنعوا جميع تلك القبائح؟ أفصار هذا البيت الذي دعي بآسمي مغارة لصوص أمام عيونكم؟ بل هذا ما رأيت أنا، يقول الرب. (أرميا 7: 1-11) بالطبع، كان ربّنا يرغب في تطهير أعمق من هذا الذي كان في نظرِ رؤساء الكهنة. تطهيرٌ يسمح لكل الشعوب بأن تأتي وتقدم الإكرام لله مثلما قالَ إشعيا النبي: "آتي بهم إلى جبل قدسي وأفرحهم في بيت صلاتي وتكون محرقاتهم وذبائحهم مرضية على مذبحي لأن بيتي بيت صلاة يدعى لجميع الشعوب". (56: 7)، فلا فرقَ بين غني أو فقير، أو يهودي أو وثيني، الجميع مدعو لدخول بيت الله، ليُصلوا لله الواحد. فكان عليه أن يرفع كل الحواجز التي تُعيقُ هذه العبادة. وهكذا أنهى العبادة القديمة ليبدأ العبادة الجديدة. أنهى الذبائح وقدّم نفسهُ ذبيحة مرضية لله عن العالم أجمع. فلا حاجةَ بعد للذبائح، وصار الباب مفتوحا أمام الجميع للصلاةِ، فلا يوجد فيه أمكنة مُحرمةٌ على الناس، ولا تصنيفات داخل الهيكل ولا حواجز أمام مَن يرغب التقرّب من الله. عَرِفَ ربّنا يسوع نيةَ رؤساء الكهنة والكتبة الخبيثة فإنسحبَ خارجَ المدينة. وفي صباح اليوم التالي لاحظَ التلاميذ أن الشجرة يبست من أصلها فلا مُسنقبلَ لها، ولن يكون بإمكان اي شخص أن يأكل منها. إنه دمارٌ حاسم مثلما تنبأ حزقيال النبي: قل: هكذا قال السيد الرب: أتراها تنجح؟ أفلا تقلع أصولها ويقطع ثمرها فتيبس براعمها النابتة؟ إنها تيبس ولا حاجة إلى ذراع عظيمة أو شعب كثير لنزعها عن أصولها" (17: 9)، وهي فرصة للمعلّم ليُشجع تلاميذه على ضرورة الإيمان، فهذا ما يُميّز بناء الهيكل الجديد: "النفس غير المستقيمة غير أمينة أما البار فبأمانته يحيا" (حبقوق 2: 4). أرادَ ربّنا يسوع أن يُؤسس للعبادة الجديدة بعد حادثة الهيكل؛ العبادة المبنية على الإيمان. الإيمان بالله الذي يطلب الصلاة إليه، والصلاة تعبيرٌ عن ثقةٍ تامّة به، ولكنها صلاة صادقةٌ، إذ نطلبُ فيها أن يرفع لنا الجبال، فيسألنا أولاً أن نرفع عن قلوبنا جبالاً أخرى. ربّنا يُريد أن يُؤسس الهيكل الجديد على الإيمان، وهذا الهيكل فيه أُناسٌ لهم ثقةٌ واحدهم بالآخر، وليسوا تجمع لصوصٍ لا يثقون بالآخرين، ويُريد كلٌّ منهم مصالحهُ الخاصة. الإيمان بأن ملكوت الله بدأ لن يكون بالإتكال على القوة العسكرية، ربنا يسوع مَلكٌ مُسالمٌ، ولن يكون الذبائح، فقد ألغى كل هذه، بل على أمانةِ الله، وعلى قُدرة الإنسان من أن يرفع عن قلبه ِكل شكوكٍ، مؤمناً بصلاح الله، ليكون َالإيمان نفسه مُعجزةً. فالله سيستجيبُ لكل صلاةٍ: "قبل أن يدعو أجيب وبينما هم يتكلمون أستجيب" (إش 65: 24). ربنا، وبسبب عمق علاقته ِبالآب يعرف أن صلاتهُ ستُستجاب، وهو يدعونا لأن نُصلي بثقة وستكون صلاتنا جزءً من صلاتهِ هو إلى الآب: "وكذلك فإن الروح أيضا يأتي لنجدة ضعفنا لأننا لا نحسن الصلاة كما يجب, ولكن الروح نفسه يشفع لنا بأنات لا توصف. والذي يختبر القلوب يعلم ما هو نزوع الروح فإنه يشفع للقديسين بما يوافق مشيئة الله. (روم 8: 26- 27). الإنسان المُصلي ينحني أمام الله مؤمناً أنه قادرٌ على تجاوز كل الصعوبات، وأولى الصعوبات تأتي من داخل الإنسان: صعوبة أن أغفر للقريب، فعدم الغفران يُبقي الخلافات ويُقسّم جماعة الأخوة، لذان لا يُمكن للمسيحي أن يُصلي، وأن يتوقّع أن صلاتهُ تُقبلَ ما لم يكن مُستعداً لأن يغفرِ للقريب، ويُحافظ على وحدة جماعة الإيمان. إذن ربّنا يُريد أن يكون لنا مساحةٌ يومية للحديث مع الله؛ كان ينسحب يومياً من الجموع ليكون مع الله. ليس المهم طريقة الصلاة، بل أن يكون لنا وقت للصلاة، للحديث مع اللهظ، فيتقوّى الإيمان والمحبة والرجاء والرحمة. ربنا يُريد أن يكون فينا: جوعٌ لله (جاعَ)، وينتظر منّا ثمارا (لم يجد فيها ثمراً)ً، وهذه الثمار ممكنة إن كان لنا عمقٌ روحي (يبست من جذورها)، بسبب الإيمان الراسخ (الجبال) المُعبَر عنه بصلاةٍ واثقةٍ تُصلى لمَن نؤمنُ به: الله الغافر الذي صالحنا بيسوع المسيح. هذا الإيمان ليس حماسياً كما شاهدناهُ في حادثة دخول أورشليم، حيث أحاطَ الحُجاج بربنا يسوع وتركوه يوم الجمعة وحيداً على الصليب، بل هو إيمان متجذرٌ في محبة الله وأمانتهِ. إيمان يُترجَم عمليا من خلال تحقيق العدالة وعيش الرحمة والمحبة، فالإيمان من دون محبة هو إيمانُ الشيطان. هذه المحبة ستقود بالضرورة إلى الصليب. محبة تغفر، وهو بذلك يقول لكل مَن سيُعاديهِ من رؤساء الكهنة والكتبة والفريسين، لأنهم بحاة لأن يغفر لهم الغضبَ والحقدَ والخوف الذي يشعرونَ به. سلطان ربنا يسوع (11: 27- 33) صار الهيكل مركز إهتمام ربّنا يسوع فكان يدخل المدينة صباحاً ويبقى في الهيكل يُعلّم، ثم ينسحِب منها ليلاً إلى بيت عنيا (بيت المسكين). المُلاحَظ أن إستجواب ربّنا يسوع قد بدأ منذ الآن، فسألوه عن السلطان وعن الجزية وعن قيامة الموتى. تقدمت سلطات الهيكل، والتي كانت مسؤولة عن الأنشطة التجارية فيه، تسأله عن مَن أعطاه السلطان ليطرد الباعة: أهو نبيٌّ؟ أم أن أحدهم كلّفهُ بهذا الأمرِ؟ فطرح عليهم سؤالاً عن يوحنا وسيكون جوابهم جواباً على سؤالهم عن: السلطان الذي لربنا يسوع ليقومَ بما قامَ من أعمالٍ". ربنا كان يعرف أن رسالة يوحنا أحدثت إنقساماً بين الناس، وهو يعرِف أن رسالته كان تدبيراً إليهاًن فلا يُمكن التراجع عن هذا الأمرِ الإلهي. فإذا قالوا أن رسالة يوحنا كانت من السماء، حكموا على أنفسهم بأنهم أُناس غير مؤمنينَ، وبالتالي حكموا على أنفسهم مُجدداً لأنهم لا يؤمنونَ بربّنا يسوع الذي قالَ عنه يوحنا في بدءِ الإنجيل: " يأتي بعدي من هو أقوى مني، من لست أهلا لأن أنحني فأفك رباط حذائه. أنا عمدتكم بالماء، وأما هو فيعمدكم بالروح القدس". (مر 1: 7-8). وإن قالوا من الناس فسيغزونَ في نظر الناس الذين يعدون يوحنا ويسوع أنبياء حقيقيين. فأكتفى الناطق الرسمي بالقول: لا نعرف، تهرباً من الجواب الذي يعرفونه جيّدا. ورفض َربّنا أن يُجيبَ على سؤالهِم، مُفترضاً انهم عرفوا أنه يعمل هذا بأمرٍ إلهي: فله سلطان ذا قوة.
قراءة 32861 مرات آخر تعديل على الإثنين, 30 تشرين2/نوفمبر 2015 03:28

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *