ندوة الكتاب المقدس
الجمعة, 04 نيسان/أبريل 2014 10:10

اللقاء السادس عشر(15 تشرين ثاني 2013)

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
الندوة الإيمانية اللقاء السادس عشر(15 تشرين ثاني 2013) المقدمة قَبِلَ ربّنا يسوع أن يعمل بمشيئة الله الذي أرسلهُ، فنزلَ في نهرِ الأردن ليُؤكد أن ساعة الخلاص الحاسم إقتربتَ، وعلى الجميع أن ي
الندوة الإيمانية اللقاء السادس عشر(15 تشرين ثاني 2013) المقدمة قَبِلَ ربّنا يسوع أن يعمل بمشيئة الله الذي أرسلهُ، فنزلَ في نهرِ الأردن ليُؤكد أن ساعة الخلاص الحاسم إقتربتَ، وعلى الجميع أن ينتبهِ للنداءِ الذي أعلنهُ يوحنا فيُغيّر حياتهُ لقبول حياةِ الله، وسارَ مُبشراً أن الله عازمٌ على خلاصنا، فهو يُحبُ الإنسان ولا يُريدهُ بعيداً عنه. عاشَ ربّنا هذا القُرب من خلال صلاتهِ المتواصلة إلى الله الآب، ومن خلال تعليمهِ وعمله ِالذي فيه أرادَ أن يُعيد الإنسان إلى الله الآب، فصارَ هذا هدفُ حياتهِ كلها. علاقتهُ الحميمةُ بالله فتحت له الطريق لينتبه بشكل مُميز على ألمِ الآخر، ودعتهُ ليُحبهُ محبةَ الله الآب، لذا، نسيَّ نفسه أمام الله وأمام الإنسان. فالعلاقة بالله تقودهُ إلى الإنسان القريب، والعلاقة مع الإنسان القريب تقودهُ إلى الله الآب. فلن يطلبَ من الله مجداً شخصياً، بل يُريد مجدَ الله، ومجدُ الله هو الإنسان. لقد كشفَ ربّنا يسوع للرجل الغني أن الحياة الأبدية ليست إنجازاً شخصياً، بل هي لقاءٌ مع الله بيسوع المسيح وتتطلب السير خلفهُ بفرحٍ، وهذه كفايتهُ، لأنه لقاءٌ سيُغيّر حياة الإنسان ويكشفَ له هويتهُ: هو أبن الله المحبوب الذي سيقول له: "يا آبني، أنت معي في كلِّ حينِ، وكلُ ما هو لي فهوَ لكَ" (لو 15: 31)، وعلى الإنسان أن يعيش هذه البنوة من خلال الفرح الذي يُعيشه في حياته ِمه الأخوة: "ولكن كان علينا أن نفرحَ ونمرحَ، لأن أخاكَ هذا كان ميتاً فعاشَ، وضالاً فوُجِدَ" (لو 15: 32). لقاءُ ربنا يسوع يُحيي علاقاتنا الإنسانية ويجعلها تدور في محيط المحبة لأنه سيُغيّر مشاعرنا، وقلبنا، وعقلنا، وإرادتنا، وجسدنا، وعواطفنا، وعلاقاتنا الإنسانية. علاقاتٌ تتسمُ بالمحبة، والمودة، والرعاية، وبذل الذات أمام الآخر، بعيدا ًعن روح المنافسة والحسد والعجب، بل السير بتواضع خلف المعلم، ربنا يسوع المسيح فنرى العالم بعيونهِ، ويكون فينا مشاعرهُ، مثلما كتبَ بولس لكنيسة فيليب (2: 1- 8). على المسيح أن يُعاني الألم والموت (مر 10: 32- 34) تقدّم ربّنا مسيرة التلاميذ الخائفين إلى أورشليم راغباً في إتمام ما يُريده الآب منه. ربنا يسوع كان هو الأول على الطريق المؤدي إلى أورشليم حيث سيواجه الرفض والإهانة والعذاب والموت، وهو سيتقدمهم في قيامتهِ أيضاً: "فآذهبنَّ وقُلنَ لتلاميذه ولبطرس: هو يسبقكم إلى الجليل، وهنالك ترونهُ كما قالَ لكم" (مر 16: 7). أكد الإنجيلي مرقس على أن ربّنا يسوع كان في المُقدمة فهو صاحب القرار وليس مدفوعاً (مُجبراً) بل سارَ إلى أورشليم بإرادتهِ، وخلفهُ تلاميذه والحيرة والخوف تملأهم. الحيرة ليست على أنهم سائرون في طريق يقودهم إلى أورشليم، بل الحيرة من شخص ربنا يسوع الذي يحمل مصيره في يديهُ ويذهب ليواجه العذاب والموت، فأخذ تلاميذه وذكّرهم للمرّة الثالثة والأخيرة بالمصيرِ الذي ينتظرهُ عارفاً أن تلاميذه يجدون صعوبةً في قبولِ مثل هذا التنبيهِ، فكيف يُمكن لمُرسل الله ومسيحه أن يفشل؟ صعوبة التلاميذ كانت صعوبة الكنيسة الأولى، بل حجر عثرةٍ (1 قور 1: 23)، فأرادَ مرقس أن يدعو القارئ ليدخل إلى سرّ المسيح الذي جعل حياتهُ كلّها تحت أنظار الله وتدبيرهِ، فجعلَ نفسهَ خادمَ هذا التدبير حتّى لو تطلّبَ الأمر بذلَ ذاتهِ من أجل تحقيق هذا التدبير. طلبُ إبني زبدى (10: 35- 45) في هذه الأثناء، وبسبب أن الرحلة ستقودهم إلى أورشليم حيث حماس الجميع إرتفعَ من أن المسيح آتٍ ليُعيدَ المُلكَ لإسرائيل ويُرجع عظمةَ عرش داود وهيبتهُ، تقدّم يعقوب ويوحنا وطلبا إليه أن يُؤمِنَ لهما مُستقبلاً زاهراً فيهبَ لهما مكانةَ الشرف وسلطةَ الحُكم، وبذلك يكونان مثل بطرس الذي أرادَ أن يُبعِد المعلم عن الطريق، ليكونَ المسيح الذي ينتظره إسرائيل والذي تركا من أجله كلَّ شيءٍ (مر 8: 32- 33). ولكن تدبير الله سيجعل لصينِ عن يمينهِ وعن يسارهِ عندما يصعد إلى عرشه: الصليب. "يا مُعلّم، نُريد أن تصنعَ لنا ما نسألُكَ": هذه كانت طلبتهمُ وصلاتهم، وهي مثل صلاتنا، طلباتٌ نرى أنها خيرٌ لنا، والكنيسة تُعلّمنا أن الصلاة هي: تقدمٌ مهيبٌ أمام الله الذي نؤمن بأنه يُريد الخير لنا حتّى وإن كان الاختيار في أول مراحله صعباً أو مُخالفاً لما نريد، لكننا واثقونَ أنه يُحبنا وهو يرعانا بأبوّتهِ، ولأنه يُحبنا، سنضعُ إرادتنا رهنَ إرادتهِ ونعمل ما يطلبهُ منّا. وهذا يتطلّب تسليماً للذات، موتاً عن الإنسان العتيق الذي يبحث عن راحتهِ وأمنهِ وغناهُ. إستقبلَ المعلم طلبَ إبني زبدى، وكشفَ لهما جهلهما به مع أنهما كانا قريبين منه لدرجةِ أنه جعلهما شهودَ الساعات الحاسمة في حياتهِ. أمامهُ كأس عليه أن يشربها (عذابٌ) ومعموذيةٌ عليه أن يقبلها (موتٌ)، فالطريق الذي يتقدمهُم فيه طريقٌ يؤدي بهم إلى الموتِ (سيغرقُ في الموت)، فأجابا: نحن مُستعدان، وهو ما سيحصل بالفعل إذ سيستشهد يعقوب في سنة 44 (أع 12: 1- 2)، وسيمرُ يوحنا بمحنٍ كثيرة عبّر عنها في سفر الرؤية. وأكدَّ لهما ربّنا يسوع المسيح أن هذا سيحصل لامحالة، فهم تلاميذهُ، ولكن يبقى الله هو السيّد وله السلطة ليهبَ هذه مكانةَ اليمين والشمال. لربما كان طلبُ التلميذين مُبرراً كونهما من أقربَ التلاميذ إلى ربنا. تقليدُ الكنيسة يُشير إلى أنهما من أقارب ربنا يسوع المسيح، وبالتالي لهم الحق في نيل مثل هذه المناصب. إلا أن رسالة الإنجيلي واضحة: الخلاص لن يكون بناءً على إنتماءٍ لنسبٍ، بل انه هبةٌ من الله لمَن يؤمن ويعمل بما يؤمِن. فعلى التلميذ أن يتعلّم أن يكون مثل معلمه: "الخادم"، والخادِم ليس مثل العبد الذي يُكلَف بإتمام أمورٍ مادية فحسب. الخادم هو إنسانٌ أمنهُ ربُّ البيت على جميع ما يملُك ليرعها ويعمل الحفاظ عليها بل إزدهارها (كبير خدم إبراهيم (تك 24)). خدمةٌ من دونِ إمتيازات. خدمةٌ من دون مكافآت. إستاءَ التلاميذ من طلب إبني زيدى الجريء إذ أثارَ فيهم مشاعر الحسد مع أنهم على طريق الإهانة والعذاب والموت، فكشفَ غضبهم وإستيائهم عن أنهم يحملون نفس الطموحات وإن لم يُعبروا عنها صراحةً مثل يعقوب ويوحنا، وهي بيّنت في الوقت نفسه أن ربنّا يسوع ذاهبٌ إلى أورشليم وحدهُ، فتلاميذه قريبونَ منه جسدياً ولكنهم بعيدونَ عنه في قلوبهم، وسيتركونهُ وحدهُ يواجه مصيره، فكانت فرصةً لربنا يسوع ليُعلّمهم أن السلطة ليست تسلطاً وإستبداداً وبطشاً، كما يفعل الرومان في عصرهِ، ويجب أن تكون مثل هذه المفاهيم في جماعتهِ. فالعالم يرغب في عمل أقل ما يُمكن للحصول على أكثر ما يُمكن. السُلطة خدمةٌ لا تبحثُ عن مكافأت أو امتيازاتٍ، بل خدمةٌ تبحث دوما عن خير مَن هم تحت رعايتها على حساب راحةِ مَن هم في السلطة، عكس الأنانية التي تبحث عن سعادتها على حساب سعادة الآخر. وبما أنه يتقدمهم، فعليهم أن يتعلموا منه هو الذي جعلَ نفسهُ خادماً ووهبَ حياتهُ للآخرين. هذه كانت مواقف الكنيسة الأولى لاحقاً والتي عبّر عنها بطرس إذ كتبَ: "ولا تتسلّطوا على الذين هم في عنايتكم، بل كونوا قُدوةً للرعيةِ" (1 بط 5: 3)، وبولس الذي كتبَ: "أنا رجلٌ حُرٌ عِندَ الناس، ولكني جعلتُ مِن نفسي عبداً لجميع ِالناس حتّى أربحَ أكثرهم" (1 قور 9: 19). بيّ، الحوار أيضاً عدم فهمِ التلاميذ لسّر ربنا يسوع لغاية الساعة، بل أن قلوبهم عَميت عن معرفتهِ فلم يعرفوا ما يطلبون، ولم يُميّزا الحياة التي يُريدها الله في ملكوتهِ. موقف التلاميذ لا يختلف عن موقف إبني زيدى: كلهم عميان، لذا، وجبَ أن يُشفوا من عماهم قبل دخولهم أورشليم، لأن أورشليم لا تتحمل غشاوة العين أو عماها، إذ أن على الصليب سيكشِف ربنا يسوع أن موتهُ على الصليب هو خدمةٌ لله وخدمة لكثيرين الذين سيجدون في موتهِ خلاصاً من الخطيئة. موتٌ لم يتطلع فيه ربّنا لينالَ شيئاً إلا رضى الله، مثلما يُفكر التلاميذ. على الصليب سينجلي معنى: أن السُلطة خدمة، سُلطة رحمةٍ من دون عنفٍ، سلطة عدالة وغفرانٍ لا ترغبُ في الإنتقام، ولا تبحث عن الإستقواء على الآخرين أو إستغلال ضعفهم، بل تخدمهم حتّى بذلِ الذات، وهو ما لم يتمكّن التلاميذ من رؤيتهِ. لقد فَهِمَ يوحنا معنى ذلك بعد سنوات طويلةٍ فكتبَ في رسالتهِ: "ونحن عرفنا المَحبةَ حينَ ضحّى المَسيحُ بنفسهِ لأجلنا، فعلينا نحنُ أن نُضحي بنفُوسنا لأجل إخوتنا" (1 يو 3: 16). شفاء أعمى أريحا (10: 46 – 52) وصلَ ربّنا يسوع إلى محطة حاسمة في طريقه إلى أورشليم يتبعهُ تلاميذهُ وجمعُ كبيرٌ، وهو إشارة إلى نجاح رسالتهِ في أريحا، فإذا بأعمى حفظَ لنا مرقس إسمهُ: برطيماوس (إبنُ المُحتَرَم)، ووصفهُ بأنه: شحاذٌ أعمى جالسٌ على جانب الطريق، أي قضى حياتهُ كلها على الهامش. هو إنسانٌ فقيرٌ معوزٌ يتكلّ كلياً على إحسانٍ الناس إليهِ. إنسانٌ بلا مُستقبلٍ وليس له أحلامٌ أو طموحاتٌ، بل بحاجةٍ دوماً إلى مَن يقودُه في الطريق ليجلس في مكانة يتسّول، ولربما يبيتُ في مكانهِ أيضاً. إنسانٌ لا يقوى على السير وحده لأنه يخافُ السقوط أو التعثر، حياتهُ ظلامٌ دائمٌ، فصارَ مرضهُ، مثل كل مرضٍ في ايام ربّنا يسوع المسيح، عقاباً إلهياً على خطيئةٍ ما. لذا، بقيَّ على جانب الطريق لا يستطيع السير مع الناس، بل صارَ خارجَ الجماعة: "وبينما هو خارجٌ من أريحا". بمعنى آخر: هو إنسان ميتٌ إنسانياً وإجتماعياً ودينياً، وعندما جاءَ ربّنا يسوع إلى أريحا لم يتمكّن من دخول المدينة للإقتراب منه مثلما فعلت المرأة، ولم يكن له أصدقاء ليحملوه إلى ربّنا مثلما حصل مع غيرهِ. سمعَ برطيماوس عن ربّنا وعن رسالته وأعمالهِ في أريحا، وبقيَّ يُمني النفس مع أحلامهِ، جالساً على جانب الطريق، يبكي عُزلتهُ، ولكن ليس طويلاً، إذ أتت الساعة التي فيها عليه أن يُقرر إما البقاء حيثما هو، أو أن يُغامِر فيتركَ مكانهُ الذي التصقَ به لسنواتٍ طويلةٍ، ولدهشةِ الجميع، فقد رأى ما لم يراه غيره من الأصحاء: "رُحماكَ، يا إبنَ داود، يا يسوعَ". لقد عرَفَ مَن الذي يمر: هو المسيح الذي ينتظره الشعب طويلاً: هي صرخة إستغاثة ولكنها صرخةُ إيمان، والتي لم يتراجع عنها حتّى لو قام الناس بإسكاتهِ، بل صلّى بإلحاحٍ: "رُحماكَ، يا إبنَ داود". وصارتَ الناس قبراً تُريد أن تدفنهُ فيه: أسكت، ولكن قوّة الحياة فيه أقوى من قوّة الموت، فإنفتحت أذناهُ وميّز صوتَ الله، وأنفتحَ لسانهُ وراحَ يصرخ بالضد من صراخ الناس وضجيجهم، ثم أعطى القوة لرجليهِ فقفزَ ليلتقي المُعلّم. مرَّ الربَّ بحياتهِ اليابسة فأعطى الحياة لها، ولم يبقى إلا أن تكتملَ الحياة بنورٍ إلهي. سمعَ ربنا صُراخهُ في وسط ضجيج الناس فميّزه ودعاهُ وطلبَ أن يُقرَبَ إليه: "تشدد وقُم فإنه يدعُوكَ". تحوّلت الناس بسبب دعوة ربّنا يسوع من أُناس تُريد إسكاته إلى إناس تُشجعهُ ليقومَ، وهذه بداياتُ المعجزة، فربّنا يشفي الجماعة تمهيداً لشفاء هذا ألأعمى. فقامَ هذا الأعملى ورمى عنه ما كان يمنعهُ من القيام، كل عتيقٍ من الملابس، كل ما يُملكهُ وقفزَ نحو ربّنا يسوع (الثوب يرمز إلى الشخص). قد حقق هذا الفقير الأعمى ما لم يُحققه الغني سليمُ البصر. قفزَ ليقترِب من الذي حاولت الجموع أن يُبعدوه عنه. اقتربَ من ربّنا واستلم ربنا زمام المبادرة: "ماذا تريد أن أصنعَ لكَ؟" هي المرّة الأولى التي فيها يُطلَب منه أن يقول ما يتمنّى، فلم يحاورهُ إنسانٌ من قبلٌ، ولم يسألهُ عن أمنياتهِ ورغباتهِ. في العادة كانت الناس هي التي تُقرر ما الذي تُعطيه لها، اليوم: ربّنا هو يسأله: "ماذا تُريد أن أصنعَ لك؟" أنت لست شحاذا بالنسبة لي، أنت أخٌ لي جعلَك الله في طريقي إليه. ربّنا أقامَ هذا الإعمى من مكانة التسول إلى مقام الأخ، التلميذ. نالَ الأعمى ما أرادَ، وتغيّرت حياتهُ من أعمى جالسٌ على حافة الطريق يتسوّل عطفَ الناس، إلى جوالٍ يسير الطُرقات يحمل إلى الناس البشارة؛ بل صارَ هو الذي يُسلّيهم وأضحى نموذجاً للتلميذِ الحقيقي: "فأبصرَ من وقتهِ وتبعهُ في الطريق". تغيّرت حياتهُ كلياً، من إنسان على الهامش، إلى إنسان هو محور حديثِ الناس وإهتمامهم. من إنسان يُسكتهُ الناس وتنتهرهُ إلى إنسان تُهنئهُ الناس بل تغارُ منه: "تشدد وقُم! فإنه يدعوكَ". من إنسان من دون طريق إلى إنسان صارَ ربنا يسوع هو طريقهُ. من إنسان كان يعتمد على الناس ليقوده على الطريق، إلى إنسان يقود الناس أجمع على طريق الحياة الحقّة. "إذهب! إيمانُكَ خلّصكَ"، إيمان هذا الأعمى بدأ من السماع لا الرؤية: "سَمِعَ عن ربّنا يسوع وعن تعليمهِ وعن الشفاءات التي أجراها في أريحا والتي حشدت خلفهُ جمهورا كثيراً: "ووصلوا إلى أريحا، وبينما هو خارجٌ من أريحا، ومعه تلاميذهُ وجمعُ كثيرٌ". فأغتنمَ فرصة مرور ربّنا يسوع ليصرخَ مواجهاً ضعفهُ وعجزه، بل عنف الجمهور الذين كانوا يُريدون إسكاتهِ. تعِبَ من الجلوس على هامشِ الحياة فترَك كل شيءٍ يملكهُ ليقبل كل شيءٍ من الله الآتي إليهِ. لم يعرِف برطيماوس شكلَ ربّنا يسوع، لكنه رأه في قلبهِ واثقاً أنه يُكلّمهُ: "أُريد أن أُبصر"، آمنَ فنالَ ما هو عجيبٌ. أحبَّ الله الذي مرَّ بقربهِ فطلبَ الرحمةَ: "رُحماكَ" (هي لفظةٌ موجهةٌ إلى الله فحسب)، ولكي ينالها كان عليها أن يخسر كل ما يملك. آمن وتبعَ ربّنا يسوع على الطريق، ليرى ما لا يُصدق من رفضٍ وإهانة وتعذيب، لينعمَ بأن يكون شاهداً للقيامة: "فنظرنَ فرأينَ أن الحجرَ قد دُحرجَ، وكان كبيراً جداً. فدخلنَ القبرَ فأبصرنَ شاباً جالساً عن اليمينِ عليهِ حٌلةٌ بيضاء فارتعبنَ. فقال لهنَ: "لا ترتعبن! أنتنَّ تطلبنَّ يسوع الناصري المصلوب. إنه قامَ وليس ههنا، وهذا هو المكان الذ يكانوا قد وضعوه فيه" (مر 16: 4- 5). نحن مُجربون برغبةِ التملكِ ونخاف كثيراً التركَ أو التخلي فنبقى أسرى ما نملُكُ. نخافُ أن نترك أفكارنا الضيقة. نخافُ أن نتركَ عاداتنا. نخافُ أن نتركَ منطقنا المنقوص. نخاف أن نترك نظرتنا عن الناس. لذا نرى أن الخوف والكبرياء والحسد والحقد والكسل يُعشش فينا فيحبسنا فيما نحنُ عليهِ، ولن يكون بإمكاننا أن ننهضَ إلا إن لبيّنا دعوة الله لنا: "أدعوهُ". الله الذي يسمعَ صلاتنا حتّى لو حاولت أصوات كثيرةٌ أن تُسكِتها، لأنه أحبنا فتوقف َليقول لنا: "أنا مهتمٌ بك، وأريد أن أعرِف ما تُريد". لقد طلبَ إبني زبدى أن يكونَ لهما سُلطانٌ يُقرران فيه مصير العالم، أن يأخذا مكان الله، أما الأعمى فقد طلبَ أن يُمجد إسم الله: "رُحماكَ، يا يسوع، يا أبنَ داود". وعندما وَهَبَ الله رحمتهُ وأنارَ حياتهُ لم يدخل أريحا ليستمتع بالحياةِ التي حُرِمَ منها لسنواتٍ طويلة، ولم يُفكر في أن عليه أن يتزوج ويُنجب أطفالاً ليرتاح بقية حياتهِ، بل تركَ الرداء تركَ ومعه تكرَ أحلامهُ وطموحاتهِ. لقد إنفتحَت عيناهُ ورأى أن الحياة الأبدية هي أن يكون خلفَ ربّنا يسوع. لقد باعَ كل شيءٍ ليكون تلميذاً ليسوع يتبعهُ إلى أورشليم حيث الإهانة والعذاب والموت، لذا، كُتبَ إسمهُ في البشارة ليُذكَر حيثما تُذكر بشارة ربّنا يسوع.
قراءة 11797 مرات آخر تعديل على الإثنين, 30 تشرين2/نوفمبر 2015 03:27

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *