ندوة الكتاب المقدس
الجمعة, 28 آذار/مارس 2014 10:15

اللقاء الخامس عشر (8 تشرين ثاني 2013)

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
الندوة الإيمانية اللقاء الخامس عشر (8 تشرين ثاني 2013) المقدمة تقدّم يوحنا، وهو التلميذ المفضل عند ربّنا يسوع ليُبيّن هو الآخر عجزه عن فهِم ربنا يسوع، فأعلنَ أنهم، أي التلاميذ
الندوة الإيمانية اللقاء الخامس عشر (8 تشرين ثاني 2013) المقدمة تقدّم يوحنا، وهو التلميذ المفضل عند ربّنا يسوع ليُبيّن هو الآخر عجزه عن فهِم ربنا يسوع، فأعلنَ أنهم، أي التلاميذ، أرادوا أن يمنعوا أحدهم، من التعزيم، بسبب عدم إنتمائه إلى حلقة التلاميذ، مع أنهم فشلوا هم أنفسهم في شفاءِ الصبي المصروع! فكشفَ بذلِكَ عن عوزِ في فهِم عمل الله الذي لا يُمكن أن يُحددهُ إنسان. هذا الغريب، والذي لم نعرف إسمهُ، تمكّن في فهم جانب هام من رسالة ربنا يسوع المسيح المُرسل ليطرد الشياطين ويُثبّتَ حُكمَ (ملكوتِ) الله، فكان يطردهم بإسم يسوع: "أنا أمركَ باسم يسوع المسيح بأن تخرجَ منه (منها)، ليُعلِن أن يسوع نفسه هو الذي يطرد بإرادتهِ الإلهية. هذا الغريب كان يستحضِر إسم ربنا يسوع مؤمناً به، ومُعلناً أنه عازمٌ لتباعته في طريق الطاعة لله، وليشهدَ أن ملكوت الله قد بدأ. فكل سلوكٍ إذن في حياة المسيحي يجب أن يعكس إذن دعوة ربّنا له لأن يتبعهُ، وهذه السلوكيات لا تكون لإرضاء الله ونيل إستحسانه ليُكافأ الإنسان على حثسنَ أعمالهِ، بل أنها جوابٌ على الدعوة التي دُعينا إليها. مواقفنا الأخلاقية وسلوكياتنا لا تتوخى رضى الله، بل هي جوابٌ مُحبٌ للذي دعانا، فلا يجوز والحال هذه أن يكون المسيحي عثاراً لأخيه، بل عليه أن يكون حارساً عليهِ، فالمسيحي هو الملح الذي يحفظ العالم من الفساد. "الملحُ شيءُ جيّد، فإذا صارَ الملحُ بلا ملوحةٍ، فبأي شيءٍ تُملحونهُ؟ فليكن فيكم ملحٌ وليُسالِم بعضُكم بَعضاً"، بهذه الكلمات أنهى ربّنا يسوع درسهُ التعليمي لتلاميذه والذي بيّن فيه أهمية أن يكون المرءُ مسيحياً، فالعالم من دون المسيحي سيكون عالمٌ لا طعمَ له (لا معنى له)، مثلما أن الطعام من دون ملحٍ لا طعمَ له، لذا، فالمسيحية دعوةٌ للمسؤولية على العالم، وعلى المسيحي أن لا يكونَ عثاراً لمَن هم من حولهِ، بل يحرصُ ان يكون حارساً على إيمان القريب، لاسيما أولئِكَ الذين هم في مرحلة إيمانٍ هش، وهذا يعني السهر على سلامةِ الفكرِ ونقاوةِ القلبِ، وإلا هلَك الشخص بعيداً عن الله، فكانَ في جهنم. (جهنم كان وادياً في جنوب أورشليم لرمي النفايات، وتتصاعد منها النيران دوماً) وكانت "جهنم" إشارة إلى النار الأبدية التي لا تنطفأ، كعقاب للذين تمردوا على الله. لذا، فالتطهّر متطلبٌ دوماً من قبل كل مسيحي. مسؤولية المسيحي هي أن يحفظ العالم من الفساد، مثلما يحفظُ الملحَ اللحومَ من الفساد. المُشكلة الكُبرى هي: أن كل شيءٍ ممكن أن يُحفَظ الطعام من الفساد بواسطة الملح، ولكن لا يوجد ما يُملّحُ الملحَ إن فسدَ! فدينونة العالم ستعتمد لا على رفضِ العالم للبشارة أم قبولها، بل على نوعية حياة المسيحي: هل كان ملحاً صالحاً للإستخدتم أم لا؟ فعلى المسيحي أن يُسالِم الأخوة والأخوات، وعملية المُسالمةِ صعبة لأنها تتطلّب الكثير من التجرد عن الأنا وإمتيازاتهِ. عملية المُسالمة تعبيرٌ عن تلمذة صادقة لربنا يسوع المسيح، فهذه الدعوة تتطلّب تخلياً كلياً عن كل المواقف الشريرة (فكراً وقولاً وعملاً) التي نحملها في حياتنا إزاء الآخرين، ليكون التلميذُ تحت حُكم الله (إرادتهُ وملكوتهُ)، فيُقدّم المسيحي حياتهُ ذبيحة حيّة مُقدسة مرضية عند الله، بخدمة طاهرة (روم 12: 1). وهذه الذبيحة تتطلّب تمليحاً قبل أن تُحرقَ بالنار: "وكل قُربانٍ مِن تقادمِكَ تُملّحهُ بالملحِ، ولا تُخلُ تقدمتَك من ملحٍ عهدِ إلهكَ" (لاويين 2: 13)، هذا التمليح سيكون من خلال الصبر على المِحَن التي يمرُ بها المسيحي: "فيُمتَحَن بها إيمانُكم وهو أثمنُ مِن الذهب الفاني الذي مع ذلك يُمتَحن بالنارِ، فيؤولُ إلى الحمد والمجد والتكرمةِ عند ظهور ربّنا يسوع المسيح" (1 بط 1: 7)". بل أكثر من ذلك يكون الملح علامة للعهد الذي لا يفسد ولحياة لا يُفسدها موتٌ: "سالموا بعضكم بعضاً. علاقات الجماعة (10: 1- 12) تقدم الفريسيون ليُجربوه كعادتهم، مثلما كان آباؤهم يُجربون الربَّ في الصحراء مُبينينَ عدم إيمانهم بما يقولهُ موسى: "جربوا الربَ فقالوا: هل الله في وسطنا أم لا؟ " (خر 17: 7)، فأرادوا من ربّنا يسوع أن يأخذ موقفاً إما أن يكون إلى جانب الرجل ضد المرأة، أو أن يكون إلى جانب المرأة ضد الرجل، بمعنى إما أنه مع مُجتمع مُتشدد أو متساهل، فأعادهم ربّنا إلى الشريعة ليقرؤها من جديد: "بماذا أوصاكم موسى؟" هذا من جهة. من جهة، أرادَ الفريسيون جرَّ ربّنا يسوع إلى جدالٍ يثُيرُ غضبَ هيرودس عليه والذي سبق وأن سجنَ يوحنا المعمذان الذي قال له: "لا يحلُّ لك أن تأخذَ إمرأة أخيكَ" (مر 6: 18)، فسألوه عن قضية الطلاق ليُناقشوهُ لاحقا في قضية زواج هيرودس لاسيما وإن الهيرودسيين سبق وأن تعاونوا مع الفريسيين ضد ربنا يسوع (مر 3: 6). سؤال ربّنا كان من أجل أن يقود السامع للتفكير على نحو جدَي وعميق ويُسمو به إلى تدبير الله الأول، لاسيما وأنهم أبناء شعبٍ قاسي القلب والذي قررَ الإبتعاد عن الله الذي جمعَ الرجل والمرأة وأردهما معاً. هنا برزَ ربّنا يسوعَ ليكون ليكون موسى الجديد، بل أعظم، لأنه أعادَ الشريعة إلى أصلها، إلى إرادةِ الله الأساسية: هذا ما أرادهُ الله: أن يكونان معاً. صحيح أن شريعة موسى سمحَت بالطلاق ضمن شروطٍ تحفظ للمرأة كرامته، ولكنها لم تُشرّعه، بل سعت لتحفظ المرأة من خُبثَ الضعف البشري، فيتم السيطرة على الشّر وعلى تبعاتهِ، إذ كان على الرجل أن يذهب إلى الكتبة ليطلب منهم إصدار كتاب الطلاق، وهم بدورهم كانوا يعملون على تهدئة الأجواء وإعادة الصُلح ما بينه وبين زوجتهِ، مؤمنين أنه لا يحل للرجل أن يفعل ما يشاء ويُطلّق زوجته لكل علّةٍ. فعليهم أن لا يحرّفوا توجيهات موسى ويجعلونها إنحرافاً عن تدبير الله. في حُكم شريعة موسى خطيئة الزنى كانت على الزوجة (تث 22: 13- 29) لأنهم كانوا ينتظرون الوفاء للعلاقة الزوجية من جانب المرأة فقط، أما الرجل فكان يُعد زانياً إذا أقتحمَ علاقة زواجية لشخصٍ آخر من دون أن يُحسبَ ذلك زنى تجاه زوجتهِ. جديد تعليم ربّنا يسوع هو: أن الوفاء والولاء للعلاقة مطلوب من الرجل والمرأة على حدٍّ سواء. ربّنا يتحدّى السامعين في جوابه ليقولَ لهم: عليكم أن تعرفوا وتُدركوا أن الرجل والمرأة ليسا وحدهما على الأرض، بل هما تحت أنظار الله دوماً، والذي يعتني بهما بنعمتهِ. فقصدُ الزواج يكمنُ في "الوحدة"، وعلى الزوج والزوجةَ أن يلتزما بصدقٍ وولاءٍ تام لمتطلبات هذا العهد. فجاء تعليم ربّنا ليحمي الزوجين من الضعف البشري الذي يُجربهما وماً، وليجعل الرجل أمام حُكمِ الله. وفي ذلك حُكمٌ واضحٌ وصريح تجاه حياة هيرودس، مثلما أعلنها من قبله يوحنا. مُباركةُ الأطفال (10: 13- 16) أكد ربّنا يسوع على قُدسية الحياة الزوجية وها هو يُبارِك ثمار هذه الحياة: "الأطفال"، الذين حاولَ التلاميذ إبعادهم عن ربّنا بطريقة عنيفةٍ من دون أن يُبيّن لنا الإنجيلي مرقس عن الأسباب التي دعت التلاميذ يتصرفون على هذا النحو العنيف إذ لم يذكر نهم ضايقوا ربّنا يسوع. بالطبع، لم يكن للأطفال أهميةً إجتماعية في أيامِ ربّنا يسوع، بل كانوا يُعتبرون على هامش الحياة، ناهيك عن أنهم يجهلون الشريعة فلا مسؤوليةَ عليهم، وهذا ما جعل التلاميذ يقومون بإبعادهم. إلا أن ربّنا غضِبَ من سلوك التلاميذ هذا إزاء َ الأطفال الذين جعلهم ربنا مثالاً للسمعِ والإصغاءِ والطاعةِ واثقينَ من تدبير الكبار، هذه الصفات التي فقدها الإنسان الناضج عُمراً مع تقدّمِ الزمن. ليُبيّن أن ملكوت الله هو لمَن لا اعتبارَ له، ولمَن ليس له قيمة في عيون الناس. ملكوت الله هبة مجانبة من الله وليست مكافأة لعمل، وعلى الإنسان أن يقبلهُ مثلما يقبل الطفل كل شيء ٍمن والديهِ. ملكوت الله هو لمَن لا ضمانات له وليس له إمتيازات إجتماعية، بل ليس له مَن يُدافِع عنه. "ليضعَ يدهُ عليهم"، ليُباركهم ولهذه البركة ميزة خاصّة في حياة هؤلاء، إذ تُعطيهم الكرامة التي جُردوا منها بسبب مفاهيم إجتماعية ضيّقة الأفق، وهكذا حقق لهم المُصالحة التي فقدوها في حياتهم اليومية. يُبارِكهم لأنه آتٍ من الله الذي وحده له الحق في أن يُبارِك، (مع الأب الذي يُعد مصدر الحياة)، وفي مُباركتهم يكشفون عن سرّه: هو المسيح الآتي من لدنِ الله من أجل سلامة الحياة ورفاهيتها، وهي تأكيد على تعجّب الإنسان أمام مَن اختاره الله، فأعلَنَ عن نفسه إلهاً مُحباً: فالبركة إعترافٌ علني بمحبّة الله وقدرتهِ، وهي شُكرٌ على سخائهِ الفيّاض. ربّنا يسوع هو البركة بالذات لأنه: النعمة التي نزلت علينا من لدن ِالآب، وهو الشُكر الذي يتصاعد نحو الآب. ففي ربنا يسوع أعطى الله للإنسان كلّ شيء: أعطاه ذاتهُ. دعوة الشاب الغني (مر 10: 17 – 31) وفيما يُواصل ربّنا المسيرة نحو أورشليم إستوقفهُ شابٌ كان له معه قصّة مميزة، بقيت في ذاكرة بطرس الذي شهِدَ لهذا المشهَد، إذ أسرع َإليه وقدّم الإحترام اللائق به: "جثا له" ونادهُ: أيها المعُلم الصالح، ماذا أعمل لأرثَ الحياة الأبدية؟" رفض ربّنا يسوع أن يُدعى "الصالح"، فالله هو الصلاح الأسمى وهو مصدر الكرم السخي والمحبة الصادقة التي أظهرها ربّنا يسوع بيننا، وهكذا كشفَ للشاب عن الموقف الأول الضروري في الوقوف أمام الله: أن يكون الله في المركز لا أنت: "ماذا أعمل لأنالَ". عليك أيها الشاب أن تعتمد كُليا ًعلى الله، فهو مصدر كل خيرٍ، والحياة الأبدية هي خيرٌ سامٍ يأتيكَ نعمةً من الله. وأنا هنا بينكم بسبب محبة الله: "من قبلكم فقد قبلني، ومَن قبلني قَبلَ الذي أرسلني". بيّن له ربّنا يسوع في جوابهِ أن إقتناء الحياة الأبدية ليس إنجازاً بشرياً، فلا مجال للإنسان أن يتوهم أنه قادرٌ على الحصول على الملكوت بأعمالهِ التي تجذبُ رضى الله وإستحسانهِ، ملكوت الله يُوهَب مجاناً لمَن هو مُستعدٌ لقبولهِ. لذا، كان لزماً على ربّنا يسوع من أن يُغيّر تركيز الشاب على نفسه ويُوجههُ إلى الله، فهو منبعُ الصلاح، وعلى الشاب أن لا يعتمد على "إنجازاتهِ"، بل على الله الذي سيمُنُّ عليهِ بالملكوت، فوجههُ نحو "الكلماتِ العشر": الوصايا. فالله الذي كشف َعن إرادتهِ من خلال الكلمات العشر، لاسيما تلك التي تخصُّ محبّة القريب وتعتني به وبسلامة حياتهِ وإختياراته وممتلكاته وأسمهِ. حفظها يعني عملياً تقديم الإكرم الصادق لله والطاعة المُخلصة له، وهو ما عملَ عليه هذا الشاب منذ صباهُ، فنظرَ إليه ربّنا يسوع وأحبهُ، مثلما أحبَّ الله شعبهُ فأختاره: "لا لأنكم أكثر من جميع الشعوب تعلق الرب بحبكم واختاركم، فأنتم أقل من جميع الشعوب، بل لمحبة الرب لكم ومحافظته على القسم الذي أقسم به لآبائكم أخرجكم الرب بيد قوية وفداك من دار العبودية، من يد فرعون، ملك مصر" (تث 7: 7- 8). حُبٌّ دفع َربّنا لأن يوجه الدعوة له لأن يتخلّى عن كل شيءٍ على مثال الرُسل الأوائل، ليتبعهُ إذا أرادَ أن يكون له الحياة الأبدية. الكلماتُ العشر هي طريقٌ حقٌّ للحياة الأبدية ولكننا مدعوون للمزيد: نحن مدعوون لنسيرَ في إثرِ ربنا يسوع المسيح، وهو قرارٌ صعبٌ على هذا الشاب الذي كان شديد التعلٌّق بما يملِك، فرفض الدعوة ورجعَ حزيناً، وخسر الكنز السماوي. كشف َله ربّنا يسوع المسيح أن كل ما فعلتهُ حتّى الآن أيها الشاب هو تجنّب الشر وحان الوقت لتتعلّم فعلَ الخير. فغاية الكلمات العشر هو أن تتعلّم كيف تقف أمام الله متعبداً له إلهاً أوحد يُحرركَ من كل عبوديةٍ، وهو ما لست مُستعداً له أيها الشاب، فتحرر وتعال إتبعني. على الشاب الغني إذن، وعلى كل تلميذ، أن يتخذ مكانهُ الصحيح: أن يتبع ربنا يسوع، أن يلتصق به ويخضعَ له فيترك كل شيءٍ، ويتخلّى عن كل المُتعلّقات والتي ربطَ فيها حياتهُ لسنواتٍ طويلةٍ، وهو قرارٌ يومي يتمثل في التزام مواقف متمايزة عن الآخرين، فيتحمّل إهانات الناس ويتناسى حقوقه الشخصية، ويحمل خطاياهم وأثقالهم وبغضهم وحسدهم وخطاياهم، فيغفرَ لهم ويسامحهم، مع كل ما الألم الذي يعيشُه من جرّاء هذا الغفران. كل هذا ليبقَ ملتصقاً بالذي أحبهُ مجاناً، فدعاهُ على نحو شخصي وميّزه في هذه الدعوة عن باقي الناس: "أنت من دون الآخرين: تعال إتبعني"! فلستَ أنت مَن يُعطي للحياة معنى، بل دعوتي لكَ ستُميزكَ، أما أختيارُكَ فسيُرجعَك إلى الناس لتكون واحداً منهم. كشفت نظرة ربّنا يسوع المحبة عن هشاشة التقوى التي بيّنها هذا الشاب، فخلفَ هذه التقوى هناك حُزنٌ بحاجة إلى شفاءٍ، وقدّم ربّنا يسوع له يد العون، ليمُنَّ عليه بتعبدٍ صادقٍ، فحفظُ الوصايا لا يستبدِل الإيمان الذي يعني: تسليمَ الحياة كلّها بين يدي الله، وقبول عطية الله: يسوع المسيح والطاعة له بمحبةٍ تامّة. فيكون ربّنا يسوع جواب الله على سؤال الشاب الغني: تُريد الحياة الأبدية: ها هي امامكَ عطيةٌ مجانيةٌ مرّت في حياتِك، فهل أنت مُستعد لقبولها؟ رفض الشاب دعوة ربّنا يسوع المسيح لأنه كان مُتعلقاً بما يملُك فخنقت فتنةُ الغنى كلمة الله التي بذرها الله في أرضه: "ولكن همومَ الحياة وفتنة الغنى وسائر الشهوات تُداخلهُم فتخنقَ الكلمةَ، فلا تخرج ثمراً" (4: 19)، وكشفَ في الوقت نفسه أنه لم يُكمِل الوصايا التي يقول أنه حفظها، لأن غاية الوصاي هي أن تجعل الإنسان باراً أمام الله، والبار بالإيمان يحيا، والإيمان يعني الإستسلام التام لله. لم يكن ربنا ضد الغنى، فالغنى عطية من الله، ولكنه ضد التعلّق بالغنى وتجاهل الله. الشاب الغني، مثلهُ مثل كثير من الأغنياء يعتقد أن بإمكانهِ حل مشاكله بالمال، فيجعله إنساناً أنانيناً أسيرَ غناهُ، بل عنيفاً يسعى لحماية غناه والحفاظ عليه لئلا ينقص فيهلَك. وها أن ربّنا يسأل الشاب ليتخلّى عن ذلك طوعاً ويلتصقَ به، مثلما فعل إبراهيم عندما أصعدَ إبنه الحبيب إسحق ليُقدمه لله، فعادَ ونالهُ منه مُباركاً. صار رفض الشاب الغني لدعوةِ ربّنا يسوع فرصة له لكي يُوجه تعليمه للتلاميذ الذين مازالوا غير مدركين البتةَ عمقَ تعاليمَهُ، فتسائلوا: "فمَن يقدر أن يخلص؟" ثم سألوه على لسان بُطرس: "ها نحن تركنا كل شيء ٍوتبعناك"، وفي سؤالهم بيّنوا أنهم لا يختلفون في تفكيرهم عن الشاب الغني الذي تركهم قبل قليل. هذا الشاب مضى بعيداً عن يسوع مع أفكاره في انه قادرٌ بما يعمل من الحصول على الحياة الأبدية، والتلاميذ باقون مع يسوع ويحملون نفس الفكرة: بتركنا كل شيء ٍوتباعة يسوع سنحصل على الحياة الأبدية! جاء جواب المُعلّم: نحن نؤمن بالله القادر على تجاوز الإمكانيات البشرية، وهو قادرٌ على أن يُعطي بمجانية وسخاء، ولا يُمكن للإنسان أن يُحققه بنفسهِ، بل يقبلهُ، وهذا هو رجاؤنا. والله المُحِب ينتظر من الإنسان أن يُبادلهُ ذات السخاء، والذي يعني الإنفصال (التجرد، التخلي) عن أشياء وممتلكات كثيرةً ممن أجل الدخول في عائلة الله الآب الكبيرة (حذف لفظة الأب هو متعمدّ لأن الله هو أب هذه العائلة) وأختبار خيرات كثيرة، مع الإضطهادات وهي أمرٌ واقعٌ لا محالة. فالله لا يطلب التخلي عن شيء ٍإلا ويُضاعِف على الإنسان ما فقده من أجل يسوع ومن أجل البشارة. ولكن على التلاميذ أن يفهموا أن تباعتهم له أساسها إيمانهم بالذي أحبهم وميّزهم بمحبتهِ (نظرَ إليه وأحبهُ)، فدعاهم ليقطعوا كل علاقة بالماضي، وإستسلامهم التام لله الذي أرسلهُ وأمانتهم في التباعة وإلتزامهم بتحمّل تباعات هذا القرار، والذي يبقى تحت أنظارِ الله المُحب، والذي يمنُّ عليهم بوفرة كلَّ ما قدّموه له، ولكنه يجعلهم يؤمنون: أن كل شيءٍ يعتمد على محبة الله ورعايتهِ. الندوة الإيمانية
قراءة 4075 مرات آخر تعديل على الإثنين, 30 تشرين2/نوفمبر 2015 03:27

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *