ندوة الكتاب المقدس
الأحد, 09 آذار/مارس 2014 09:56

اللقاء الثالث عشر (24 تشرين أول 2013)

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
الندوة الإيمانية اللقاء الثالث عشر (24 تشرين أول 2013) المقدمة الإيمان هو الثقة بمحبّة الله، وهذا الإيمان ليس تنكراً للحقيقة أو محاولة الهرب من إلتزام مسؤوليتنا إزاء ما يحدث في العالم
الندوة الإيمانية اللقاء الثالث عشر (24 تشرين أول 2013) المقدمة الإيمان هو الثقة بمحبّة الله، وهذا الإيمان ليس تنكراً للحقيقة أو محاولة الهرب من إلتزام مسؤوليتنا إزاء ما يحدث في العالم. الإيمان هو ثقةٌ بالله الذي كشفَ عن ذاتهِ أميناً في محبتهِ عبر التاريخ، وبكل كامل في يسوع المسيح، لذا، فنحن نؤمن وإيماننا يقودنا لمعرفة الحقيقة، والحقيقة هي: إن الله جدير بثقتنا وعلينا أن نُشييد حياتنا على كلمتهِ، فهو أمينٌ مع الإنسان. موضوع هذا الإيمان هو الثقة بمحبّة الله، وهذه المحبّة كفيلةٌ بتغيير الإنسان لتجعلهُ منفتحاً على الآخر. محبّة الله، والتي تجلّت بيسوع المسيح جمعتَ البشر ووحدتهم، وتغلّبت على كل القوى التي عملت على تشتيت الإنسان. فالإنسان ميّالٌ بطبعهِ إلى "الشغفِ بأناه"، هذا الشغفُ يقوده بعيداً عن الله وعن القريب، و حتّى عن ذاتهِ العميقةِ. تأتي دعوة الإنسان كنداء للخلاص، وإنفتاح على المحبة. هي عودة: توبة وإهتداء: "تمَّ الزمان وآقتربَ مَلكوت الله. فتوبوا وآمنوا بالإنجيل" (مر 1: 15). هي إحتفال بإكتشافٍ يُغيّر حياة الإنسان ويدعوه ليكون ما يحتفل به: محبة. فالإيمان يُعطينا عيوناً جديدة لنُبصِر ما كانَ حولنا دوماً ولم ننتبهِ لحضورهِ، وتهب الإنسان الشجاعة ليخرجَ عن إهتمامهِ بذاتهِ والسير نحو القريب ليجدَ الإنسان أناهُ الحق في حقيقة المحبة. إعتراف بطرس (8: 27- 33) إنتهت مسيرة التعليم في الجليل، وبدء ربّنا يسوع رحلتهُ نحو أورشليم وهو يعرف ما الذي سيحصل فيها، فكان لزماً أن يستوضح مع تلاميذه: مَن هو في رأيهم؟ هل يعرفون مَن الذي يتبعون؟ وما هي أفكارهم وإنتظاراتهم؟ لقد حاول ربنا يسوع خلال الأشهر (السنوات) التي قضاها معهم أن يُعلّمهم ما معنى حضور الله في حياة الأنسان؟ فجاءت الساعة ليفصلهم عن الجموع التي كانت تأتي لتسمعه من دون إلتزام التباعة، ليكونوا الكنيسة التي تسير الطريق خلف المعلم. في إنجيل لوقا، حاولَ الإنجيلي أن يُقدم صورة أخرى للحدث، "ففيما كان ربّنا يسوع يُصلي، سألهم: مَن أنا في راي الناس" (لو 9: 18). فربنا يجذب التلاميذ إلى عمق العلاقة التي تربطهُ بالآب، فيجعلهم في شِركة مع الله لينالوا إمتياز رؤيته يُصلي إلى الآب وجهاً إلى وجهٍ، فيروا ما لا يراه الناس، فيُعطينا إشارة إلى شكل الكنيسة التي يتطلّع إليها ربّنا يسوع المسيح. الكنيسة التي تُبني في شِركة الآب والأبن. في هذا الطريق الطويل، عند منابع نهر الإردن، سألهم: "مَن أنا في قول الناس؟" فقدمَ التلاميذ نظرة مشوشة عنه، مثل نظرةِ أعمى بيت صيدا عند بدايهِ شفائه: "أبصرُ الناس فأراهم كأنهم أشجارٌ وهم يمشونَ" (8: 24). ربنا يعرف أن تلاميذه مازلوا عمياناً أو على الأقل لم يفهموا هويتهُ الحقيقية. هم بحاجة إلى عيون وآذان تُعطى لهم نعمةً من الله. ففي عجز الإنسان سيعرف أن كل ما له إنّما هو هديةٌ ونعمةٌ من الله، ولكن عليه أن يعترِف أنه عاجزٌ عن الرؤية والسماع والحديث. ترى الناس أن ربّنا يسوع هو نبيٌّ، وليس كأحد الأنبياء: يوحنّا المعمذان أو إيليا، والنبي هو الإنسان المدافع عن حقوق الله وحقوق أحباء الله. وجميعا يعرف أن شخصية إيليا مرتبطة بقيامة إسرائيل الجديد، وفيها إشارة إلى جانب من هوية ربّنا يسوع. هم يرون ربّنا من منظور الماضي، أو من منظور "المُحتَمَل"، ولم يلحظوا (الناس) فرادتهُ. هذا الرأي ما زال مُتداولاً أيضاً بين الناس، فكثيرون يرون ربّنا يسوع كمعلمٍ فذ، وكمصلحٍ إجتماعي، وليس من منظار الله الداعي إلى إستجابة حاسمةٍ في التاريخ. وهي خبرة الإنسان عن الله، في حين أن ربّنا ربنا جاء بما هو جديد: الله بيننا ومعنا: عمانوئيل، والحال أن الإنسان، بما له من قدراتٍ محدودةٍ، ليس له أن يستوعب هذه الحقيقة، بل سيختبِر ومضاً منها، وعليه أن يُقرَّ بتواضع بمحدوديتِ هذه. ربنا يسوع هو أكثر من نبي، هو حضور الله الحق. هو مثل موسى الذي كان يُخاطِبُ الله وجهاً لوجه. فالله الذي يبحث عن علاقة شخصية مع الإنسان، لذا عادَ وسالهم: "ومَن أنا في قولكم أنتم؟" معرفة الناس هي صحيحة ولكنها ليست كافية، وإذا أرادَ الناس معرفة يسوع حقاً، عليهم أن يتبعوه ويُشاركوه الطريق. لقد مرّت فترة طويلة من تباعتهم لربنا يسوع فكانت رحلة جغرافية وروحية وتعليمية، وأحبّ ربنا أن يسمع رأيهم، والذي عبّر عنه بطرس باسم التلاميذ: "أنت المسيح". أنت الذي كرّسه الله ليُقيمَ مُلكهُ الحاسم على الأرض، وهذا لن يكون إلا من خلال "خسارة الحياة" التي على المسيح أن يقبلها من خلال الصلب، والتي على التلاميذ أن يقتدوا بها. معرفة ربّنا يسوع لا تتمُ من خلال الإعلان الشفهي، بل من خلال التباعة. فحتّى هذه اللحظة كان ربّنا يُعلِّم الجموع والكتبة والفريسيين والأصدقاء والتلاميذ، وحان وقت العمل، وليس هناك إلا أن يختار التلميذ الطريق الذي يُريد: إما خلف يسوع أو بعيداً عنه. هو المسيح، ولكنه إبن الله. فيُمكن أن تُعلِن أن يسوع هو المسيح (الجزء الأول من الكتاب)، ولكن أن تُعلنهُ: "إبن الله"، فهذا يتطلب تباعة وتلمذة أمينةً لتصل تحت الصليب: "وكان قائدُ الحرس واقفاً تجاه الصليب، فلما رأى كيف أَسلَمَ يسوع الروح، قال: "بالحقيقة كان هذا الرجل آبن الله" (مر 15: 39) مَن هو يسوع بالنسبة لك؟ كانت الناس تنتظر مسيحاً يُخلّصهم من الحكم الروماني، ويُعيد لهم الحرية والكرامة الأرضية ليتنعموا بالفردوس الأرضي: الهكيل والملوكية، وهي إنتظاراتٌ رفضها ربّنا يسوع المسيح، فأمرَ الشياطين والناس بالصمتِ. مسيحانية ربّنا يسوع ستمر من خلال الخدمة والألم من أجل أن يفتح أبواب الخلاص أمام الجميع فتتأسس الإنسانية الجديدة: "أما الآن ففي المسيح يسوع، أنتم الذين كانوا بالأمس أباعد، قد جعلتم أقارب بدم المسيح. فإنه سلامنا، فقد جعل من الجماعتين جماعة واحدة وهدم في جسده الحاجز الذي يفصل بينهما، أي العداوة، وألغى شريعة الوصايا وما فيها من أحكام ليخلق في شخصه من هاتين الجماعتين، بعدما أحل السلام بينهما، إنسانا جديدا واحدا ويصلح بينهما وبين الله فجعلهما جسدا واحدا بالصليب وبه قضى على العداوة. جاء وبشركم بالسلام أنتم الذين كنتم أباعد، وبشر بالسلام الذين كانوا أقارب، لأن لنا به جميعا سبيلا إلى الآب في روح واحد. فلستم إذا بعد اليوم غرباء أو نزلاء، بل أنتم من أبناء وطن القديسين ومن أهل بيت الله، بنيتم على أساس الرسل والأنبياء، وحجر الزاوية هو المسيح يسوع نفسه. فيه يحكم البناء كله ويرتفع ليكون هيكلا مقدسا في الرب، وبه أنتم أيضا تبنون معا لتصيروا مسكنا لله في الروح. (أفسس 2: 13- 22) لذا، بدأ يُعلّم التلاميذ أي مسيحٍ عليهم أن يتبعوا، فهو ليس مسيحياً سياسياً، بل مسيحٌ الله الذي قَبِلَ تدبير الله في حياتهِ من أجل جمعِ الإنسانية كلّها أمام الله، لتكون تحت سُلطانهِ: ملكوت الله. فلا مجال لتصوراتٍ بشرية تُسيرّ تدبير الله، بل على الإنسان أن يبقى في مكانه ِالصحيح: "إنسحِب ورائي": أن يكون تلميذاً يتبع المعلم ولا يسعى لجرِ المعلم في طريقٍ ليسَ طريقهُ، بل عبارةٌ عن حلمٌ بشري ليس في فكر الله. لذا، سيُخصص مرقس بقية إنجيله ليُبيّن كيف أن الله أرادَ من مسيحيهِ أن يكونَ ملتصقاً بالبشرية حتّى لو تطلّبَ الأمر الألم والموت، ليتمكّن من إعادتها إليه. بالطبع هذا التعليم مرفوض من قبل بطرس، ليس فحسب، بل من قبلنا نحن أيضاً: "فأنفردَ به بُطرس وأخذ يُعاتبهُ". نحن مثل بطرس لا نقبل مسيحاً مهاناً على الصليب، بل نريد مجداً أرضياً. نحن مثل بطرس نبحث عن مسيحية من دونٍ الآلام، مسيحية من دون تضحياتٍ، مسيحية من دون صليب، وإن وُجِدَ صليبٌ فليكن مزداناً بالوردو. هنا تأتي اهمية أن يكون التلميذ خلف المعلّم، يُصلي ليقبَل من الله أفكارهُ، ويفحص أصالة ما يُفكر فيه، لئلا يكون يبحث عن عطايا يسوع لا عن يسوع نفسهُ. فالتجربة قائمة، وحاول بُطرس، أن يُجرّب ربنا يسوع فيُزيحهُ عن هذا الطريق. فجاء توبيخ ربّنا له صريحاً ولطيفاً: أفكارك شيطانية، ولكن إبقى خلفي، لا تبتعد عن أنظاري. أنت تُحبني حُباً إنسانياً ويجب أن يُعمّذ هذا الحب بالمحبة الخالصة. حاول الشيطان في بدء الإنجيل جذبَ يسوع إلى جانبهِ فلم ينجح، وها هو يُحاول ثانية من خلال الصديق، وأي صديق. لذا، كان من الضروري لربنا أن يوضح لبطرس، ولجميعنا: كيف لنا أن نتعرّف على هوية يسوع الحقيقية؟ وأين هي مكانتنا؟ نحن تلاميذه نتبعهُ على الطريق حاملين الصليب يومياً لنشهدَ لمحبة الله. ربنا لم يأتي ليجعل الحياة سهلة، بل ليجعل الإنسان عظيماً، وهذه النعمة ليست نعمةً رخيصة، بل هي نعمةٌ مكلفةٌ تقتضي السير خلفَ ربّنا مثلما هو: حُراً لحب الله، وهو حُبٌ مكلِف. كيف تكون التلمذة (مر 8: 34- 9: 1) كتبَ مرقس الإنجيلي كتابه بعد أكثر من 35 سنة من صلبِ ربّنا يسوع في وسط جماعة يضربها الإضطهاد وقدمت العديد من الشهداء، فجاء تعليم ربّنا تعزيةً لهم، إذ يؤكد لهم أنهم على الطريق الصحيح مؤمناً بأن الإنتصار آتٍ لا محالةَ. آمنَ المسيحيون الأوائل أن بشارة ربّنا يسوع هي التي تُعطي معنى لحياتهم، فقدموا حياتهم من أجل هذه الشهادة، فأضحت شهادة موثقٌ بها، لأنها شهادة مختومةٌ بالدم. هي مسيحية مُكلفة كونها كلّفتهم حياتهم، وهي مسيحية نعمة لأنها أعطتهم الحياة الحقّة: الله. هي مسيحية مُكلفة لأنها تطلبّت ترك الإنسان القديم، وهي مسيحية نعمة لأنها قبلتهم إنساناً جديداً. ربّنا يعرِف أننا مُجربونَ بأن نعيش "المساومة" منهجاً وأسلوب حياة، فلقد غلّفنا مسيحيتنا بأفكار بشرية، وأحياناً هناك حالات من نكران صريح لها. لقد نجحنا مراراً في إكتشاف كل السُبل الكفلية التي تجعلنا نتكيّف مع العالم وأفكاره. وكأننا نقول: "لا تهتم المسيح دفعَ عن الفاتورة، وليس عليك أن تُغيّر شيئاً من حياتِك"، نعمة الله قادرةٌ على إحيائِك من جديد. ربنا يُعرفنا أنه بُكرنا على الطريق، وهو يُقدم حياتهُ عنّا، ولكن هذا لا يعني أبداً أننا "نكرة في هذا الطريق"، بل عيلنا أن نحملَ صليبنا ونتبعهُ، وفي هذا تأكيد على حقيقة تجسدهِ. فمن دون هذه التباعة الصادقة سيبقى الحال كما هو عليه، ولن يتغيّر عالمنا؟ بالطبع، مع إنتشار المسيحية أضحت المسيحية سهلةَ المنال، بل تكيّفت مراراً مع العالم، لذا، أوجدَ الله بتدبيره العظيم الحياة الرهبانية، لتكون صرخةً نبوية في وجه جماعة تُجرّبَ بأن تتكيّف مع العالم ومُتطلّباتهِ. فيدعو الله يومياً أنساناً ليشهدوا لحياة التخلي المطلوبة من كل مسيحي، ويبذلوا جهداً في تباعةِ ربنا يسوع. ليس في أن الحياة الرهبانية هي النموذج الأمثل في التباعة، بل أنها أجمل ما يُمكن أن تُقدمه الكنيسة لعريسها. فيُطلَب من العائلة أن تعيش دعوة يسوع في تفاصيل حياتها اليومية، وتُقدم الشهادة اللازمة. فالإيمان موقف حياتي متطلّب هو ليس إعلان عقائد فحسب، بل هو شهادة. هو إنضمام إلى شهادة الذين أعلنوا الإيمان قبل أن نُولَد، فكانت شهادتهم دعوة للإيمان: هناك الله الواحد وربّنا يسوع المسيح هو الطريق الحقُ إليه وجعل فينا الروح القُدس لنعرفهُ ونميّز إرادتهُ لنصلَ إليه. هذه الشهادات جاءت عن خبرة حياتية صادقة، فأضحت شهادةً موثوقٌ بها. فالإيمان علاقة، ولا يُمكن أن يكون غير ذلك: إتبعني! الإيمان يعني أن أقول نعم لسر الحياة وأسير على الرغم من كثرة التساؤولات التي تحملها دعوة الإيمان لي. وهذا الإيمان ليس لأجل تقديم اجوبة عن مواقف وأزمات حياتية مُستعصية! بل هو دعوة (نداء) وإستجابة مُحبة تتطلّب بالضروة لقاءٌ بين الداعي وبين السامع، وهي تفترض وجود رغبة من الداعي وحُرية للإستجابة أو الرفض من المدعى! لذا، يُطالِب ربنا يسوع تلاميذه (الكنيسة) بأن تتبعهُ. ومَن تقولون أنتم عني أنا؟ نحن نُجيبُ: إنك دعوة الله لنا وجوابُنا لهذه الدعوة. ربنا يسوع هو الله الأمين بيننا وهو الإنسان الأمين السائر أمام وجه الله في عهدٍ معه. وهذا يعني، أننا كمسيحيين، مُلزمونَ بأن نأخذ بعين الاعتبار وعلى نحوٍ جدي ومُميّز، بشارة ربّنا يسوع المسيح، سواء إنسجمَ ذلك مع رغباتنا أو ميولنا، أو عارض ما نُريده أو نتطلّع إليه. ربّنا يسوع المسيح هو الطريق والحق والحياة. هو المعيار والقاعدة، فنصحّح بالرجوع اليه مسارَ حياتنا ورؤيتنا وتقييمنا للخبرات التي نُعيشها، ونُلزِم أنفسنا، مسؤولين عن هذه الرؤية وتبعاتها. وسيُؤثّر ربّنا يسوع المسيح لي رؤيتنا وينوّرها، فنختار ونتميّز: بما نختار: المحبة، الغفران، التسامح الأخوي….الخ. فنرى ونفكر ونُقرر، كما رأى وفكّرَ وقرّرَ يسوع؛ فهذه هي التلمذة. فتلميذُ ربنا يسوع هو مَن ولائهُ كلّياً ليسوع من خلال شهادة حياتية صادقة، تظهر عليها وفيها آثارُ هذه التلمذة، فيحقُّ لَنا ما حقّ لتوما فطالبه: أرني آثار المسامير؟ (يو 20: 25) التلمذة تعني: "التخلي عن كل ما نتصوّر أنه يُقدم لنا الضمانات اللازمة للعظمة" النكران للذات (متى 8: 34). فما لم نتخلَ عن إفتراضاتنا وقناعاتنا الشخصية عن الخير، وما لم نكن مُستعدين للتنازل عن مواقفنا الراغبة في السيطرة على التاريخ الإنساني وتسييره حسب إرادتنا، وذلك من أجل الخير الذي نظنه هو الصحيح، فلن نكون أحراراً بشكل كافٍ لمُتطلبات هذا الاتّباع. التلمذة هي إستسلام تامٌ لواقعِ الملكوت الذي أعلنهُ ربّنا يسوع المسيح؛ هي أن نُفرغ ونهيئها لدعوة يسوع، التي هي، لا مُثلاً عُليا للإيمان فحسب، بل هي تحدٍ يومياً لنا للإلتزامِ بتخلّياتٍ حياتية متواصلة: تخلٍ عن العائلة وارتباطاتها (متى 10: 37)، تخلٍ عن الممتلكات (مرقس 10: 21)، تخلٍ عن الطموحات (مرقس 10: 43) وحتى عن الحياة نفسها . أي التخلي عن كلِ التحصينات والضمانات الشخصية من أجل أن نكون أمنين آمنينَ في الحب الإلهي. فالتاريخ الإنساني يُرينا أنه: كلما زادَ الإنسان تملُكاً، كلما أصبحُ أكثر عُنفاً لحماية ما يملك. إن تحدّي التلمذة يكمن في أن يكون الله دوماً موضوع ولائنا ورجائنا الوحيد، في أن نأخذ بقيةُ الأمور مكانها الطبيعي، وفي عدم التعلّق بضمانات آنية تُقيد سيرنا وتُضيّق فينا المجال المُخصص لحب الله لنا. فلا فرصة للنجاح، إذا ما سعى الإنسان لتدبير الغنى والشهرة والتواضع معاً، لأن هذا يجعل التلمذة مستحلية، مثلما سنرى مع الشاب الغني الذي، فهو وعلى الرغم من الحب الذي اظهره يسوع له، لم يتمكّن من التحرر مما كان مقيداً نفسه فيه، ومن ضماناتٍ عدّة صنعها لذاته ليُقيّم ويُحَب (مر 10: 17- 27). الدعوة للتلمذة هي دعوة لتفريغ القلب وتحضيره كلّيا لحبِ الله وبُشراه، فيكون هو فيه ملكاً وإلهاً ولا إلهَ آخر سواه (خر 20: 3). والقلب الممتلئ من الله يُمارس العناية والرأفة والقوة التي تحرر مقتدياً بطرق الله المحررة معنا؛ فملكوت الله يكمن في قوّة الحُب والعطاء التام للآخر، ما يخلق ويُحيي العلاقات الصادقة والعادلة، العلاقات غير المبنية على مبدأ العلوية لشخص ما ودونية الآخرين، وغير المؤسسة على مدى إنتفاعي من الآخر، فمثل هذه البٌنى تخلق المنافسة وتديمها للحفاظ على المراكز الأولى، مهما كان الثمن، وسواء كانت احتكاراً، استغلالاً أو عنفاً: انها تَطلب شخصاً قوياً، صراعاً وحرباً وسلاحاً قوياً، وبالتالي أشخاصاً وضحايا تُرفض ويُنكر حقها في الحياة!
قراءة 5017 مرات آخر تعديل على الإثنين, 30 تشرين2/نوفمبر 2015 03:26

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *