ندوة الكتاب المقدس
السبت, 01 آذار/مارس 2014 11:27

اللقاء الثاني عشر (17 تشرين أول 2013)

كتبه
قيم الموضوع
(1 تصويت)
الندوة الإيمانية اللقاء الثاني عشر (17 تشرين أول 2013) المقدمة بُشرى ربّنا يسوع: الله يُحبنا، وهذه البُشرى تجاوزت الحدود اليهودية لتصل إلى الوثنيين الذي قبلوا البشارة وبيّنوا إيماناً أصيلاً.
الندوة الإيمانية اللقاء الثاني عشر (17 تشرين أول 2013) المقدمة بُشرى ربّنا يسوع: الله يُحبنا، وهذه البُشرى تجاوزت الحدود اليهودية لتصل إلى الوثنيين الذي قبلوا البشارة وبيّنوا إيماناً أصيلاً. فالإنجيل لا يعرِف الحدود، وإذا كانت الكراهية قد قسّمت الشعوبَ إلى طوائف، وإلى أناسٍ جياعٍ وعطاشٍ إلى البر، هوذا الله آتٍ ليجمعَ شعبهُ بيسوع المسيح ويُصالحهم إليه، ويُحررهم من الشريعة التي حرّمت تواصلهم معاً، بل يُشبعهم من البر. جاءت المرأة الوثنية لتشهدَ أن البشارة وصلت إلى قلبها، والله دخلَ بيتها وتقدمت نحو ربّنا يسوع لتعلِنَ إيمانها، فكان مجيئها إلى ربّنا يسوع تطواف إيمانٍ بإمتيازٍ فيه مجدّت رحمة الله، وعادت إلى بيتها الذي شُفيَّ من أزمةٍ صعبة. لربما نعتقد أن الشفاء كان صعباً، ولكن الإنجيلي مرقس بيّن أن اللقاء بيسوع بالنسبة للمرأة كان الأصعب. هي سمعت بمعجزاتهِ وتمنّت أن تصل إليه، ولكن كيف لها ذلك: هي وثنية وهو يهودي. هو يتجول في الجليل وهي تسكن نواحي صور وصيدا. هو معلمٌ بارزِ، وهي كنعانية تردد إلى الأماكن السيئة. هي إنسانة ضائعةٌ، ولكن الله هو الذي خرجَ للقائها وكشفَ عن إن إستجابة الإنسان لهذا اللقاء هو معجزة، فالله هو الذي بادرَ وانتظرَ تعاون َالإنسانِ معهُ فحصلت المعجزة، وقدّم ربّنا لتلاميذه (ولنا) درساً عن الإيمان: هو إستجابةٌ فاعلةٌ لمُبادرة الله في حياتنا، وتجاوزٌ لكل الأعراف والتقاليد من جل لقاء الله وإنتظارهِ، إنطلاقاً من ضعفنا: ها نحن يا ربَ. فصارَ الإيمان نفسه مُعجزة، إذ أنه إيمانٌ مُجرَب، إيمانٌ مُختَبَر. إيمانٌ أساسهُ حُبها لأبنتها والذي دفعها لتجاوز كل شيءٍ، وتتحمل الصعوبات والإهانات من أجل أن تنارلَ نعمة الشفاء. ولكن ربنا يسوع يُعلّمنا درساً آخر في تواضعهُ، فهو حاججَ المرأة بما هو حقيقةٌ حياتية: فنحن نُحب ونرعى الأقربونَ منّا، ولكن المرأة قدمت حُجةً أخرى: سيفضل لنا من الفتات، فكانت حُجتها أقوى وأعترفَ ربّنا يسوع لها بهذه الحجة، فعظّمَ إيمانها، في حين أننا مراراً كثيرة لا نتنازل عن رأينا حتّى لأو كان الحق مع الآخر، وهذا يقود إلى خلافات وصراعاتٍ. شفاء الأصم الأخرس (7: 31- 37) قصةٌ إنفردَ في ذكرها الإنجيلي مرقس، فهوذا ربّنا يمنح رحمتهُ لوثني آخر لم يكن قادرً على التعبير عن حاجتهِ الشخصية، بخلاف المرأة ذات اللسان الفصيح، فتقدمَ إليه عن طريق الأقرباء (أو الأصدقاء)، ويبدو أنه أصيب بمرضٍ حتّى صارً أصماً لا يسمع، ثم أثرَ ذلك على لسانهٍ (نُطقهِ). فجاؤوا به إلى يسوع وفيهم أمنيةٌ أن يُباركهُ: يضعَ يده عليه، ولكنَّ الربَّ أعطى أكثر مما كانوا يتمنونَ. إنفردَ ربنا يسوع بالأصم الأبكم ليُؤسس علاقة مُباشرة معه وهو أمرٌ هامٌ جداً، ثم عالجهُ من خلال لمسِ ما كان مريضا في جسدهِ، فوضعَ إصبعهُ في أذنيهِ وتفل في فمه في إشارةٍ إلى أن ربّنا يُريد شفاء ما هو مريضٌ فيه تماماً، ومنه ستأتي نعمة السمع والنُطقِ. فهو لا يضع يده مُباركاً إياه فحسب، بل يُباركهُ بالشفاء على نحو مُباشر. فعادَ يسمع ويتكلّم، لأن الربَّ الأله جاء ليمنح البصرَ للأعمى، والسمعَ للأصم، ليتحقق قول النبي إشعيا: ها هو إلهكم آتٍ لخلاصكم، يُكافئكم على أمانتكم، وينتقمُ لكم من أعدائكم". عيونُ العُمي تنفتحُ، وكذلِكَ آذانُ الصُمِ. ويقفزُ الأعرجُ كالغزال، ويترنمُ لسانُ الأبكم" (إش 35: 4- 5). وشددَ مرقس الإنجيلي على التغيير الحاصل في حياة هذا الأصم الأخرس: "فأنفتحَ مسمعاه وإنحلّت عُقدة لسانهِ، فتكلّمَ بلسانٍ طليقٍ"، وفي الوقت الذي فيه يطلبُ ربّنا أن لا يُخبروا أحداً، إنطلقَ الأصم والأبكم يُعرّف الناس أنه مُعافى، ومَن الذي شفاهُ. تأكيد ربّنا ليؤكد على ضررة الصمت من قبل مَن نالَ الشفاء أو مَن شهِدَ له جاء لكي لا يُثيرَ حماس الناس فيُعلَن "مَسيحاً"، فهذا الكشفُ يجب أن يكون من الله: "الله مَسحهُ مخلصاً" وهو الذي سيُعلنهُ في الوقت الذي يراه هو. لمَن هو قادرٌ على أن ينفتحَ لهذه البشارة بطواعيةٍ تامّة. فسوء الفهم الذي رافق بشارة ربّنا يسوع، حتّى من أقربِ الناس إليه، حالة واقعيةٌ نتيجة بلادة قلب الإنسان أو قساوته، والتي تجعلُ الإنسان ينغلقُ على أفكارهِ، في حينَ أن الله يُريد أن "ينفتِحَ" (إفتح) الإنسان ليستقبِل كلمة الله، فالله هو الذي يُعطي الكلام، ومن الضروري جداً أن يكون للإنسان الفرصة للشهادة: "فكانَ كلما أكثرَ من توصيتهم، أكثروا من إذاعةِ خبرهِ". هم يعيشون العصر المسيحياني المنتَظَر. تكثيرُ الأرغفةِ (8: 1- 9) ما زالَ ربنا يسوع يتواجد في أراضٍ وثنيةٍ، وأرادَ الربّ أن يُهيأ للوثنيين مائدةً عامرةً مثلما فعلَ مع اليهود (6: 30- 44)، لاسيما وأنهم تبعوه بحماسٍ مُصغينَ إلى كلامهِ، فنجد أن ربّنا يسوع تأثرَ من إلتزامهم، فأشفقَ عليه (أحبهم) ولم يرغب في أن يصرفهم جائعينَ، فهم معه لثلاثةِ أيامٍ، ومَن يبقى معه لهذه الفترة سينالُ نعمة القيامة. لقد صاموا ثلاثةَ أيامٍ، فقررَ الله أن يُنعمَ عليهم بالخبزِ وهم الذين اختاروا أن يُبارَكوَا بكلمةٍ منه. يُصغي ربنا يسوع إلى حاجاتِ الجموع، فهو الذي يجمعَ البعيدين، فيُعلّمهم ويُشبع جوعهم الروحي والجسدي، فالمُبادرة تأتي منه هون وهذه "الشفقة" ليست مشاعرَ يُعبّر عنها بكلماتٍ، بل تحركٌ فاعلٌ يشعر به القريبُ. ولكنها تصطدمُ بطريقة تفكير التلاميذ الذين لم يتذكروا ما حدثَ سابقاً مع جموع أكثرُ من هذه. إيمانهم بأفكارهم هو أكثر من إيمانهم بيسوع المسيح، فبادرَ ربّنا يسوع وسألهم: "كم رغيفاً لديكم؟"، أخذها وباركها وأعطاهم ليُقدموها للجموع، فأكلوا، بل شبعوا وفاضَ عنهم الطعام، سبعُ سلالٍ (4 إشارةٌ أقطار العالم الأربعة، و7 إشارة إلى حكماء العالم السبعة الذين يتولون حكم الأرض حسب عقلية اليونان). لقد وسعَ ربنا يسوع مائدة الخلاص لتشملَ الجميع من دونِ إستثناء، والإيمان هو الموقف الذي يطلبه ربّنا من تلاميذه ومن كل مَن يتعبُه: "فأمرَ الجمعَ بالقعود على الأرض" في الوقت الذي فكّر فيه التلاميذ بصرفِ الجموع، وأخذ الخبز والسمك وباركَ الله شاكراً هذه النعمةِ، فالربُّ هيأ لشعبهِ (شعوبُ الأرضِ كلها) مائدةٍ مثلما تنبأ في إشعيا: "وفي جبل صهيونَ يُهيءُ الربُّ القديرُ لكلالشعوبِ مائدةً عامرةً بلحومِ العُجولِ المُسمنةِ والمخاخِ والخمور الصرفِ. ويُزيل الربُّ في هذا الجبلِ غيومَ الحُزنِ التي تُخيمُ على جميع ِالشعوب، والشباكَ التي تُمسِكُ جميعَ الأمم. ويُبيدُ السيد الربُّ الموتَ إلى الأبدِ ويمسحُ الدموعَ من جميع الوجوهِ، وينزعُ عارَ شعبهِ عن كل الأرضِ. هو الربُّ تكلم". فيقال في ذلك اليوم: هوذا إلهنا الذي آنتظرناه وهو يخلصنا هوذا الرب الذي آنتظرناه فلنبتهج ونفرح بخلاصه". (إش 25: 6- 9). إيمانٌ من دون مُعجزة، إيمانٌ معجزة (8: 11- 13) مثلما طلبَ الشعبُ أيةً (معجزةً) من موسى في البرية (خر 16: 1- 36)، ها هم الفريسيون يُطالبونَ ربّنا يسوع بأيةٍ من السماء، ولكن ليست ليأمنوا، بل ليُحرجوهُ: "ما هو مصدر السلطة التي تعمل فيها ومن خلالها؟ هل أنت من الله (السماء)؟ أم أنك بسلطانٍ بشري تعمل هذا؟ مَن أعطاكَ هذا السلطان؟ أن ربّنا يسوع لم يجترِح المعجزات ليجعل الناس تؤمن، فهو ليس بساحرٍ يُبهرُ الناس، بل أن عجائبهُ علاماتٌ إلى حضور الله، فتقود الناس إلى الله، وهذه هي المعجزة: تغيير القلوبِ المكتبرَة التي طالما جرّبت الله، وعانى منهم: "أربعينَ سنةً أبغضتُ فيها ذلك الجيل وقُلتُ فيهم: "هُم شعبٌ قلوبهم في ضلالٍ، وهم لا يعرفونَ طُرقي" (مز 95: 10). فالإيمان أولاً ثم المعجزة، فتصبحَ المعجزة نبؤة تتطلّب التغيير. كبرياء الإنسان هو سببٌ رئيس في عماه الذي يمنعهُ من اختبار حضور الله، فصارَ حرصُ الفريسيين دافعاً ليؤسسوا تقاليد أضحت جدراناً تمنعهم من عيش نعمة الله المحررة. فإذا لم يعترف ويتعرّف الناس على حضور الله المُحرر بيسوع المسيح، لا يُمكنهم اختبار هذه النعمة. وإلهنا يحترِم حُرية الإنسان، فلا يُجبره على الإيمان من خلال المعجزات. فالإيمان إستجابةٌ محبة لمُبادرة الله. فرفضُ ربنا يسوع لإجتراح المعجزات كان ليقول لهم: أنا لن أكونَ وفقَ المعايير والمقاييس التي أنتم وضعتموها لاختبار مصداقية النبي؟ فهو يعمل بروح الله لا وفقَ تقاليد الفريسيين. ثم الربُ ينتظر جواباً مُحباً وحُراً مثلما هو محبة حُرة تجاه الإنسان. صارَ واضحاً الآن: أن الفريسين يعوزهم هبة تمييز حضور الله الناتجة عن قساوة القلب. هم مثلما يقول بولس الرسول: "عَرَفوا اللهَ ولَم يُمجِّدوه ولا شَكَروه كما يَنبَغي لِلّه، بل تاهوا في آرائِهِمِ الباطِلَة فأَظلَمَت قُلوبُهمُ الغَبِيِّة". أعتقدوا أنهم يعرفون كلِّ شيءٍ، فعبدوا أفكارهم وآرائهم، فصارت هي أصنامهم التي منعتهم من الإيمان. فالفريسيون يدعون أن الإيمان يرتكز على علاماتٍ واضحة للعيان، وكأنهم يقولون: لنا القُدرة على تمييز حضور الله، والذي يجب أن يعملَ وفق هذه الأحكام. هم يُحددون حُرية الله الذي لا يُمكن أن يستوعبهُ فكر إنسان. في حين أن الإيمان هو لقاء جديٌّ مع الله يتطلبُ تأملاً وصلاةً من قبل إنسان حُر يثقُ ويؤمنُ ويسير بتواضع أمام الله، فربّنا لا يجترحُ المعجزات لكسبِ تعاطفِ الناس، فهذا إيمانٌ رخيصٌ، وهذا ما لم يفهمهُ الفريسيونَ، ولا التلاميذ المقربونَ من ربّنا يسوع أيضاً. عدم فهم التلاميذ وشفاء أعمى بيت صيدا (8: 14- 26) بعد جدالات مطولّة مع الفريسيين ومَن عارضوا ربّنا يسوع، صارَ واضحاً أن هؤلاء يرفضون الاعتراف بحضور الله الفاعل فيه لقساوة قلوبهم، فحذرّ ربّنا من موقفهم. هو لم يقل: إحذروا الفريسيين، بل "خميرَ الفريسيين"، فربنا مثل الله لا يرفضُ الإنسان وكأنه كلّه شرٌ علينا التخلص منه، بل في الإنسان موقفٌ أو صفةٌ علينا الحذرُ منها. وهذه المواقف والأمراض قد تُصيبنا نحن أيضاً، ويبدو أن المقربونَ منه مُصابونَ بداءٍ آخر تعرفنا عليها سابقاً: "بلادة القلوب" أو "قساوتها"، وهذه تمنعهم هي الأخرى من تمييز علامات حضور الله في يسوع الناس والذي جمعَ المُشتتينَ واشبعهم، وفتح قلوبَ وآذان الوثنيين فسمعوا البشارة. لذا، يُشدد ربّنا على ضرورة طلب نعمةُ الإيمان من الله، من دون طلبِ المعجزة، مثلما يفعل الفريسيون، وهم بذلِك يُفسدون العلاقة ما بين الله والإنسان. ولكن التلاميذ لم يفهموا سرّه بعدُ، فما زالوا يُفكرونَ وفقَ مقاييس بشرية، وبالتالي لن يُدركوا مَن هو يسوع: هو المسيح المخلص. فيهم عمى يجب أن يُشفَى، ويُشفى في أكثر من مرّة في إشارة لحالة التلاميذ مع ربّنا يسوع، والذين هم بحاجة ليتقوّا إيمانهم أكثر بيسوع. حمل بعض الأصدقاء أعمى إلى يسوع ليضعَ يده عليه، ومثلما فعل مع الأصم الأبكم فوضعَ يدهُ عليه على نحو مُباشرٍ، ها هو يفعل ذات الشيء مع الأعمى، ولكن على مرحلتين ليُقدم َله الشفاء التام، فيرى بوضوحٍ. هو حالٌ تلاميذه معه الذين لم يروا حقيقةَ هويتهِ، فوبخهم: "ألكم عيونٌ ولا تبصرونَ"، وهو حالةُ الكنيسة التي تسير خلفَ المعلم ولكنها بحاجةٍ دوماً إلى لمسته ِالشافية إن كان لنا التواضع في أن نُقرَّ بحالتنا مثلما هي عليه لا مثلما نتمنّاها. تُبرِز قصة شفاء الأعمى ثلاث صفات من صفات الله التي يُظهرها الأبن وهي: 1. قويٌّ جبّار فيأخذ الأعمى بيده ويُخرجهُ خارج القرية. 2. مُحِبٌ إذ يلمسه ويُباركه ليشفيه، فيُعبّر بذلك عن قُربه من الإنسان. 3. وفيٌّ فيسير معه مسيرة الإيمان مثلما هو ليُعيده إلى البيت. لقد أظهرَ يسوع لطفاً رائعاً إذ رافقَ الأعمى في مسيرة الشفاء فاخذه من حيث ما هو وأعادهُ إلى البيت معافى. فمن جهة، ربنا يسوع لا يستعجل لأنه يحترم مسيرة النمو، النمو في الإيمان، النمو في الدعوة، ويقبل حالة العوز والتشويش والفوضى التي تُعاني منها الكنيسة، ونعاني منه على نحوٍ شخصي، فيأخذه من حيث هو ليُوصلهُ إلى نور الإيمان، ليُوصلهُ إلى الله. ومن جهة أُخرى يجعل ربنا مسيرة الشفاء على مرحلتين ليُعبّر عن ضرورة مواصلة الطلب والجهاد للحصول على نعمة الشفاء. أفعالُ ربّنا يسوع أقوالهِ في هذه القصة لها وقعٌ خاص فينا: "قاده خارج القرية ... أرسلهُ إلى البيت ... لا تدخل القرية"، فقد أسس علاقةً شخصيةً مع هذا الأعمى فأعطاه مكانةً وكرامةً بعد أن كان شخصاً منسياً. ولكنهُ أشارَ إليهِ أن لا يدخل القرية، لأنه ليس نفسه الشخص الذي خرج منها. فلقاءُ ربّنا يسوع غيّره تماماً، وهذا حصل لأنه سلّم يدهُ بيد يسوع، فلم يعترِض ولم يسأل، بل كان مُستعداً ليُجيبَ عن كل سؤال يأتيه من هذا الغريب الذي لم يعرفهُ من قبلُ. نورُ الإيمان في أول رسالةٍ عامةٍ له، أكد البابا فرنسيس على العطية التي صارت لنا بيسوع المسيح، ففيه نلنا "النور" لنرى، فربّنا قدّم نفسه قائلاً: "جئتُ أنا إلى العالم نوراً فكلُ مَن آمنَ بي لا يبقى في الظلام" ( يو 12: 46). النورُ كان أولُ فعلٍ لله الخالِق: "ليكن نورٌ، فكان نورٌ" (تك 1: 3). فالإيمان بيسوع المسيح يُعطينا البصيرة (القُدرة على الرؤية)، فنسير الحياة باحثينَ عن الحقيقة، ولكن علينا أن نثقَ باليد التي أمتدت وقبضت علينا لتُخرجنا من قريتنا التي تعدونا عليها، لتفتح لنا افقاً جديداً. هذا ممكن إن أمنّا أننا ابناء الله الذين أحبهم، وأحبهم إلى المنتهى بيسوع المسيح فأضحت محبة موثوقٌ بها. هذا الإيمان المُتجذر في ذاكرة الكنيسة (قانون الإيمان) يدفعنا لتلبية نداء الدعوة الذي يُنمينا ويثبّت خُطانا نحو المستقبل تحت أنظار الله. فالإيمان قوة دافعة ونجمٌ يهدينا لئلا نتيهُ في الحياة بين أنوار مزيفة. هذا الإيمان هو خلقٌ جديدٌ، ولادة ثانيةٌ يكون المسيح يسوع مركز الحياة الحياة الجديدة. نحن نؤمن أن دعوة الإيمان ليست دعوة جماعية تتجاوز الفردية، بل دعوة شخصية تنفتح على الجماعية، هكذا دعا الله أبونا إبراهيم، ونادهُ بإسمهِ ليخرجَ من أرضهِ وبيت أبيه إلى الأرض التي اختارها الله له، فلبى النداء من دون أن يسأل كيف؟ ومتى؟ الله يرى وهذا يكفيهِ، ففي الله أمنهُ فهو عونه وسندهُ، وعلى الإنسان أن يتعلّم خلال التاريخ: كيف يُسلّم لله حياتهُ في مسيرة ثقة بأنه حقق وعدهُ في حياة كل مَن آمنَ به، على الرغم من خيانات الإنسان، ولجؤه مراراً إلى التعبد لإصنامٍ هي من صنعُ يديهِ. فالإيمان خطوة مُتطلبة تحتاج إلى أن يترك الإنسان ضماناتهِ لينفتحَ لجديد الله، وهذا ما لا يرغب فيه الإنسان الذي يتمنّى دوماً أن يبقى حيثما هو. الإيمان هو أن نثق بمحبة الله الرحومة والوقوف أمامهُ مثلما نحن واثقين َأنه سيُعيدُ الشفاء لحياتنا فننعمَ بسلامٍ، وهو ما يصعبُ على الإنسان تقديمهُ، فكان لزماً عليه أن يقبلهُ من الله الذي تجسّد بيسوع المسيح ليُعلّمنا: كيفَ نؤمنُ؟ فحقق فعلَ الإيمان الذي كشفَ محبة لله لنا، محبةٌ أمينةٌ حتّى الموت.
قراءة 3601 مرات آخر تعديل على الإثنين, 30 تشرين2/نوفمبر 2015 03:26

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *