ندوة الكتاب المقدس
الأربعاء, 19 شباط/فبراير 2014 09:15

اللقاء الحادي عشر (10 تشرين أول 2013)

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
الندوة الإيمانية اللقاء الحادي عشر (10 تشرين أول 2013) المقدمة رافق الرُسل ربّنا يسوع المسيح ونالوا فرصة سماعه والتعرف عليه عن قُربٍ، إلا أن قساوة قلوبهم، أو بلادتها منعتهم من التعرّف عليهِ:
الندوة الإيمانية اللقاء الحادي عشر (10 تشرين أول 2013) المقدمة رافق الرُسل ربّنا يسوع المسيح ونالوا فرصة سماعه والتعرف عليه عن قُربٍ، إلا أن قساوة قلوبهم، أو بلادتها منعتهم من التعرّف عليهِ: "لأن معجزة الأرغفة فآتهم مغزاها، لبلادة قلوبهم" (6: 52). وإذا كانت المعجزة سبباً للإيمان فهم نالوا أكثر من غيرهم نعمةَ اختبار المعجزات، ولكنهم، مثلنا، مراراً ما نكشفُ عن ضعفِ إيماننا، وتأتي خبرات الحياة الصعبة لتكشِف أين هي أولوياتنا، وتفضح كسلنا في الإجتهاد في الإيمان، مؤمنينَ أن ربّنا يسوع لم ولن يترك الكنيسة، بل هو حاضرٌ فيها لتكون في شِركة مع الله، فرسالة الكنيسة هي أن تجمع لله شعباً، وهذا هو الدرس الأهم الذي نتعلّمه من معجزات ربنا يسوع. فهو لم يجترح المعجزات حتّى يُبهِر الناس، بل ليمنح الشِركة لمَن أبعدهم المرض أو الخطيئة عن الجماعة. الطاهر والنجس (7: 1- 23) عادَ الجدل حول الطاهر والنجس ما بين ربّنا يسوع المسيح والفريسيين إذ اعترضوا على سلوكيات تلاميذه والتي تناقض تقاليد الأباء. ولأن مستمعوا إنجيل مرقس (جماعة روما) لم يكونوا من اليهود إقتضى التنويه إلى بعض العادات والتقاليد اليهودية فيما يتعلّق بالطاهر والنجس. نحن نستشعر أن هذا الجدلَ كان موضوع َخلافٍ في الكنيسة الأولى: هل نقبل الوثنيين بيننا؟ هل نخالطهم؟ كيف نتعامل معهم؟ هل عليهم أن يلتزموا بتقاليد الآباء حول الطهارة؟ هل نقبل إجراءات التطهير التي كان اليهود يسعون للحفاظ عليها، أم نتجاوزها؟ وجاء الجواب لبطرس: "ما طهرهُ الله لا تعتبرهُ أت نجساً" (أع 10: 15) جاء جواب ربّنا يسوع على إعتراض ِالفريسيين وبعض معلمي الشريعة ليفضح ممارساتهم لاسيما حول تفسير كلمة الله لتأتي متوافقة ومصالحهم المادية، وكيف أنهم يُضحونَ بفضائل أساسية: المحبة والرحمة والمُصالحة والفرح والسلام والصبر واللطفَ والصلاح والأمانة والوداعة، من أجل تقاليد بشرية ترى العلاقة مع الله ومع القريب من منظور الخطيئة لا من منظور الله: المحبة. ربّنا لا يرفض الإلتزام بالشريعة ولا يستخف بها، ولكن يجب أن لا تكون على حساب كرامةِ الإنسان ولا على حساب البُشرى السارة: الله محبّة. ثم توجه بالتعليم إلى السامعين حول ما يُنجس الإنسان، فوضعَ يده على الجرح: "من قلوب الناس، تخرجُ الأفكارُ الشريرة"، أفكارٌ تقودنا إلى مواقف شريرة، ومواقف تجعلنا نعيش في دوامة الخطيئة. فالقلب هو الذي يحتاج إلى التطهير لا اليدين. القلب بحاجة إلى شفاءٍ وتطيبٍ وقلعٍ لكل ما يعترضُ كلمة الله، ليتمكّنَ القلب من حفظ كلمة الله، على مثال مريم أمنا. وحفظ كلمة الله يعني الإيمان بمحبة الله، وهذه هي الضمانة الوحيدة التي لنا، وهو ما رفضه الفريسيون والكتبة الذين أكدوا على أن في تطبيق الشريعة ضمانة للخلاص. ما يٌلاحظ في قائمة الخطايا التي يذكرها ربّنا يسوع هي أن كل ما ينجسُ الإنسان هو أفكارٌ شريرة موجهة ضد كرامةِ القريب. نحن نعلم أن يُميز موقف يسوع عن غيره، هو أنهم كانوا يتصورون العلاقة مع الله من منطلق المحرمات: أنت صالح إذا كنت تتجنّب الخطيئة: "لا تفعلوا للناس ما لا تريدون أن يفعلوه الناس بكم". أما ربنا يسوع فيفتح أبواب الإبداع في العلاقة: "إفعلوا للناس ما تريدون أن يفعلوه الناس لكم". الناس تنطلق نحو الله من منطلق الخطيئة، أم ربّنا يسوع فينطلق من منطلق الرحمة، ومن منطلق الله المُحِب. فعندما يضع الإنسان نفسه أولاً في العلاقة مع الله يصل إلى مرحلة إستخدام كلمة الله من أجل تبرير ذاتهِ، والذي يضع نفسه أولاً يعني أنه يؤمن بنفسه لا بالله. من هنا جاء إيمان الكنيسة: نؤمنُ بإلهٍ واحدٍ، ليُلغي كل إيمانٍ آخر. لا يوجد على الأرضِ مَن لا يؤمن، فالجميع مؤمنون: إما تؤمن بالله ولهذا الإيمان مسؤوليات تبعاً لمضمونِ هذا الإيمان، أو تؤمن بنفسِك وتتوهم أنك الأفضل والأحسن والأعظم وينتج عن ذلك مواقف تجاه الله وتجاه الآخرين نابعة من مقاصد سيئة ولها سلوكيات مُهينة مثلما يذكرها ربّنا يسوع لتلاميذه (لنا) اليوم. فالسؤال الذي يُوجهه لنا ربّنا يسوع اليوم: بمَن تؤمنونَ؟ بالله؟ أم بأنفسكم؟ وما هو مضمون هذا الإيمان؟ هل نؤمن بمجانية محبّة لنا، هي البُشرى السارة لربنا يسوع المسيح؟ أم علينا الاجتهاد لإجبار الله على منح هذه المحبّة؟ الدعوة إلى القداسة أعلنَ ربّنا يسوع المسيح البشارة: الله يُحبكم وهو ينتظركم. الله هو المُبادِر دوماً: "وقال الله: "لنصنعَ الإنسان على صورتنا كمثالنا" (تك 1: 26). وقال الله لأبرام: "إرحل من أرضك وعشريتك وبيتَ أبيكَ إلى الأرض التي أُريكَ، فأجعلُكَ أمةً عظيمةً وأبارِككَ وأُعظم آسمكَ وتكون بركةً" (تك 12: 1-2). "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عِندَ الله، وكان الكلمة الله ... والكلمةُ صارَ بشرأً وعاش َبيننا" (يو 1: 1- 14). هذا هو إيمان الكنيسة: الله هو الذي يُبادِر دوما للقائنا، فيجعل هدف الحياة: لقائه والإتحاد به، وأرسل إبنهُ رّبنا يسوع المسيح، ليُعلّمنا كيف لنا أن نسير الطريقَ إليه؟ كيف لنا أن نتحد به هو القدوس، فنكون قديسيين. ونحن نؤمن أن الطريق الذي عاشهُ ربنا يسوع المسيح هو الأمثل لنا: أنا هو الطريق والحق والحياة، وعلينا أن نقتدي به، فنلتزِم رؤيتهُ وموقفهُ ومشاعره وأحاسيسه لتكون هي رؤيتنا ومواقفنا فنشعرَ مشاعرهُ وننظر إلى العالم بعيونهِ هو، لأن الله هو الذي بدأ المسيرة نحونا، فجعل المسيرة إليه ممكنة فيجعلنا نعيش حياة أبناء الله، وهذا ممكن بالروح القُدس الذي أفاضهُ في حياتنا ليُغيّرها كليا، والبداية من القلب: "وأعطيكم قلباً جديداً، وأجعلُ في أحشائكم روحاً جديداً وأنزعُ من لحمكم قلب الحجر وأعطيكم قلباً من لحمٍ" (حز 36: 26). هذا القلب سيُفكر افكار الله وليس أفكار البشر، وهذا لن يتحقق ما لم يكن للإنسان علاقة شخصية بالله، والتي تتطلّب العودة إليه (التوبة): "تم الزمان وآقتربَ ملكوت الله، فتوبوا وآمنوا بالإنجيل" (مر 1: 15). فالبشرى السارة هي: أن ملكوت الله بدأ، ولله دستورهُ الذي يحكم هذا الملكوت ويُمكن تلخصيهُ بـ:" اسمع يا إسرائيل: إن الرب إلهنا هو الرب الأحد. فأحبب الرب إلهك بكل قلبك وكل نفسك وكل ذهنك وكل قوتك. ... "أحبب قريبك حبك لنفسك" (مر 12: 29). الله ينتظر إستجابتنا، وهذه الإستجابة تبدأ بصلاة الشُكر لمبادرة المحبة تجاهنا، وتُترجم من خلال مواقفنا وسلوكياتنا وأسلوبَ حياة متميّز، وتُكمّل بصلاة الشُكر لله الذي جعلنا أن نكون صالحينَ على مثالهِ. خلقنا صالحين ومكننا من أن نكون صالحين. هكذا تكون حياتنا فعل عبادة متواصل، يبدأ من الله ليحتضنَ القريبَ ليصل بنا إلى الله. فلا يُمكن أن تكون الحياة: أنا والله، بل أنا مع أخي سائرين نحو الله. هذه الجماعية تحافظ على تاريخ العلاقة مع الله التي بدأت قبل أن نكون، وتتواصل بعد رحلينا من هذا العالم. جماعية تصقل رؤيتنا وتطهرها من أنانيتها، لترى بعيون الله الذي أبدعَ العهد وأدامهُ خلال التاريخ، وتنجينا من خطورة السقوط في رؤية ذاتية للحياة. جماعية كشفت لنا أن بإمكان إنسان واحدٍ أن ينتظر الله ويستقبلهُ (مريم أمنا)، وبإمكان إنسان واحد أن يرفض الله ويقتلهن بل ويغسل يديهِ ليُبرأ نفسه من فعلتهِ هذه (بيلاطس البنطي) (متّى 27: 24). أن أعيش قديساً الإتحاد بالله يُشكل إذن هدف الحياة وغايتها، وهذا سيؤثر بالضرورة على مجمل تفاصيل حياتنا. فلكي تأتي حياتنا منسجمة ومتناغمةً يجب أن نسمح لقلب الله الذي زُرِعَ فينا لأن يُعطينا أسلوبَ حياةٍ متميّز. فليس الهدف من الحياة أن أعيش على نحو قانوني (شرائعي). دعوتي للحياة ليست لأتجنّب الخطيئة، بل لأعيش قديساً، ولأنني إستجبتُ لدعوة القداسة سأبتعد عن الخطيئة. تجينبُ الخطيئة لا يصنع مني قديس ولن يُقربني من الله، بل أن أعملَ أعمالَ الله، فهذه هي التي تجعلني قريباً من الناس وقريباً من الله: "فمن كان في رأيك، من هؤلاء الثلاثة، قريب الذي وقع بأيدي اللصوص؟ فقال: "الذي عامله بالرحمة". فقال له يسوع: "اذهب فاعمل أنت أيضا مثل ذلك. (لو 10: 36- 37). حاول الكتبة والفريسيون، وبنية صالحة، مساعدة الناس لعيش حياة تليق بدعوتهم، ولكنهم حولّوا العلاقة مع الله إلى جملة مُشترعاتٍ وقوانين، صاروا عبيداً لها. لقد صوّروا الحياة وكأنها: "محاولة تجنّب الخطيئة"، فصاروا أسرى خطيئة عبودية الشريعة التي لم يتمكنوا من التحرر منها مطلقا، في حين أن الحياة كانت دعوة إلى أن عيش صورة الله التي جعلها الله فيَّ، والتي عملِ ربّنا يسوع على إصلاحها فينا بعدما تشوهتّ بالخطيئة. صورة مشوهة وصلت إلى مرحلة تجاهل كلمة الله: أكرم أباك وأمك، من أجل الحفاظ على التقاليد. صورةٌ فيها يُهملُ الإنسان المجروح من أجل الذهاب طاهراً للصلاة. فأصبح الولاء للقانون أكثر أهمية من الولاء لله: "هذا الشعبُ يُكرمني بشفتيهِ،وأمّا قلبهُ فبعيدٌ عني. وهو باطلاً يعبدني بتعاليم البشر". مثل هذه العقلية تتناسى أنا مسؤولون عن الآخر وليس عن القانون: "أين هابيل أخوكَ؟ قال: "لا أعرف. أحارسُ أنا لأخي؟ (تك 4: 9). فالقداسة تبدأ بالنظر إلى القريب عارفاً مسؤوليتي: "أنا حارسٌ لأخي". مسؤولية تبدأ من القلب "من قلوب الناس"، فالقلب يشعر بقيمة ِالآخر فيحترمهُ، أو، بكل أسفٍ، يتجاهلهُ ويهينهُ أو يستغلهُ، لذا، كان من الضروري خلقُ قلبٍ جديد في الإنسان يشعرُ بالآخرين ويميلً إليهم منحنياً نحوهم بالرحمة ليسمعَ صُراخهُ الصامت، مثلما يفعل الله: "نظرتُ إلى معاناة شعبي الذين في مصرَ، وسمعتُ صراخهم من ظلمِ مُسخريهم وعَلمت بعذابهم"، فنزلتُ لأنقذهم من أيدي المصريين وأُخرجهم من تلك الأرضِ إلى أرضٍ رحبةٍ تدرُ لبنا وعسلاً" (خر 3: 7-8). لا يُمكن للمسيحي أن يختبر حضور الله من دون النظر بالرحمة إلى القريب، ولا يُمكن أن تكون العلاقة مع الله من خلال محبة القريب وحدهُ. فالقلبُ يشعرُ بمحبة القريب كمسؤولية تجاه الله. بهذا تكون حياتنا كلّها أفعالُ عبادة مُحبة، والقلبُ منبعٌ المحبة، والله يبحث دوما عن القلب لينعشهُ بمحبتهِ. فالبشُرى السارة: "الله محبة"، والتي هي جوهر إيماننا المسيحي تُعد أصعب فعل إيمانٍ يُمكن الإلتزام به، فهذه البُشرى ستغيّر حياتنا كلّها، لأننا سنعيش الحياة عارفين أن الله يُحبنا بمجانية، وسنعمل على إرضائه لأنه يُحبنا. محبة الله التي كُشفها لنا عبر التاريخ وأتمّها بيسوع المسيح، صارت دعوة لنا لنُحبهُ مثلما أحبهُ ربّنا يسوع المسيح. ومحبة الله تسبق كل فعل بشري، بل تحفزه وتنعشهُ: "أنت إبني الحبيب، بكَ إرتضيتُ" (مر 1: 11). بل أن محبة الله هي التي جعلتنا نُحب، مثلنا مثل الأطفال الذين يشترون هدية الميلاد لوالديهم بالمال الذي قدموه الوالدين لهم. الإيمان بهذه المحبة سيُميّز حياتنا بأسلوب يختلِف عن مَن لا يؤمن بهذه البشارة، فنحبهُ لأنه أحبنا، ونحبُ مَن يحبهُ الله فهذا يُرضيهِ، بل يصنع فرحاً سماوياً، ونهتمُ بكل ما يهمُ الله، ليكون قلبنا مشغولاً ومنشغلاً به: فأحبب الرب إلهك بكل قلبك وكل نفسك وكل ذهنك وكل قوتك. ... "أحبب قريبك حبك لنفسك" (مر 12: 29). أصل المحبة روحيٌ ومظهرها إلتزمٌ أخلاقي: "من ثمارهم تعرفونهم" (متّى 7: 20)، فعلى القلب أن يهتدي إلى الله، وأن يتعلّم الإصغاء لصوتِ الله، ثم تتربى مشاعرنا على محبة الله، فلا أفكارٌ سيئة وطمع أو كبرياء ولا خبثٌ ولا مكرٌ ولا شتيمةٌ .... نحن بحاجة إلى الإيمان بهذه المحبة، وإلى عيش تجسيد هذا الإيمان من خلال أسلوب حياتنا (إنضباط). قلبٌ حكيمٌ يُعد القلب مركز السيطرة على المشاعر والأفكار ومن ثمة الرؤية والتوجهات والمواقف الحياتية، ففيه كل ذكرياتنا، منه تنطلق الدوافع والنوايا والرغبات والمخاوف والآمال، لذا، لزِمَ أن يتربى ليتعلّم الطاعة لنداء الله الذي جعلهُ فينا: "ها إنها تأتي أيام، يقول الرب، أقطع فيها مع بيت إسرائيل (وبيت يهوذا) عهدا جديدا، لا كالعهد الذي قطعته مع آبائهم، يوم أخذت بأيديهم لأخرجهم من أرض مصر لأنهم نقضوا عهدي مع أني كنت سيدهم، يقول الرب. ولكن هذا العهد الذي أقطعه مع بيت إسرائيل بعد تلك الأيام، يقول الرب، هو أني أجعل شريعتي في بواطنهم وأكتبها على قلوبهم، وأكون لهم إلها وهم يكونون لي شعبا. ولا يعلم بعد كل واحد قرببه وكل واحد أخاه قائلا: "اعرف الرب"، لأن جميعهم سيعرفونني من صغيرهم إلى كبيرهم، يقول الرب، لأني سأغفر إثمهم ولن أذكر خطيئتهم من بعد. (أرميا 31: 31- 34)، فشريعة الله، إرادتهُ كتوبة فينا، ونحن بحاجةٍ إلى تعلّم الإصغاء إلى صوتهِ فينا. ولكي تأتي الثمارُ صالحةً، ويفيض اللسان بما هو خيرٌ: "لان من فيض القلب ينطق اللسان" (لوقا 6: 45)، علينا أن نتعلّم الإنضباط، تربية القلب من خلال الصلاة وقراءة الكتاب المقدس، فنجعل قلوبنا تبحث عن الله في الأمكنة التي يتواجد فيها. فعندما تصلحُ البداية سينتظم كل شيءٍ، والعكس صحيح، عندما يزيغُ القلبُ تفسد الأخلاق. من هنا جاء طلبُ سليمان الحكيم: "أنت صنعت إلى عبدك داود أبي رحمة عظيمة بحسب سلوكه أمامك بالحق والبر واستقامة القلب معك، وحفظت له تلك الرحمة العظيمة، واعطيته آبنا يجلس على عرشه كما هو اليوم. والآن أيها الرب إلهي، أنت ملكت عبدك مكان داود أبي، وأنا صبي صغير السن، لا أعرف ان أخرج وأدخل، وعبدك في وسط شعبك الذي أخترته، شعب عظيم لا يحصى ولا يعد لكثرته. فهب عبدك قلبا فهيما ليحكم شعبك ويميز بين الخير والشر، لانه من يقدر ان يحكم شعبك هذا الكثير؟". فحسن في عيني الرب ان يكون سليمان قد سأل هذا الأمر. (1 ملكوك 3: 6-10). وأعطاهُ الربٌّ القُدرةَ على تمييز ما هو حقٌ، بل المزيد. فإمتلاكٌ قلبٍ حكيمٍ يعني القُدرة على التعقلِ وتمييز الأهم والأصح. القلبُ الحكيم هو قلبٌ يُحركهُ حُبُ الله، فليس المهم أن نُكملَ تطبيق الوصايا والشرائع لأن الله أمرَ بها، بل لأننا نُحبُ الله، ونريد أن نعمل ما يُرضيهِ. أن نكمل تطبيق الوصايا لن يجعلنا صالحين، بل الإقتداء (تباعة ربّنا يسوع المسيح) هي التي تجعلنا صالحين: "فحدق إليه يسوع فأحبه فقال له: "واحدة تنقصك: اذهب فبع ما تملك وأعطه للفقراء، فيكون لك كنز في السماء، وتعال فاتبعني (مر 10: 21). وربّنا علّمنا أنه قبلَ الحُكمِ على الآخرين ودينونتهم، علينا ان نضعَ أنفسنا كانهم، ونحاول أن نشعرَ مشاعرهم، فنخرجَ عن ذواتنا لنكون في مكان الآخر، ثم نعود إلى ذواتنا ومعنا إحساسٌ مختلفٌ، وهذا كلّه من مسؤولية القلب الذي يهتمُ في الآخرين ويرغب خيرهم ونموهم الشخصي، تماماً مثل الله الذي يرى ويُصغي ثم ينزل ليُخلّص. إيمانُ المرأة الكنعانية (7: 24- 30) خرجَ ربّنا يسوع من الجليل نحو المناطق الوثنية نواحي صور وصيدا في شمال غربي بحيرة طبرية (لبنان اليوم)، ليفتح أبواب الملكوت أمام الوثنيين، فأزالَ كل الحواجز الإجتماعية والدينية التي كانت تمنعهم من لقائهِ. هو الذي ينطلق نحوهم حاملاً معه حضارة اليهودية التي حرمتهم لتُشفى هناك، من خلال هذا اللقاء الذي امتازَ بالجرأة: أمرأة ووثنية وفي بيتها شيطان، ووبيّنت إيماناً صلباً أمام الرفض الأول الذي واجهتهُ من قبل ربّنا يسوع المسيح، الذي بيّن لها كره اليهود لهم: أنتم صغارُ الكلاب. ولكن خروجَ ربّنا يسوع إليهم منح فرصةً ثمينة لهذه المرأة الوثنية، فالقداسة هي التي تتحرك نحو الناس لتلتقيهم، فاستغلت هذه المرأة الفرصة لتدخل الملكوت، وكشفت أن الوثنيين يعرفون كيف يلتقطونَ فتات النعمة، حتّى لو تم تجاهلهم أو رفضهم، فبيّنت إيمانها الحقيقي: "أنت خرجت من لدن الله وجئتَ إلينا، فلنا الحق في أن ننالَ فتات نعمة المجيئ هذا، فلا يهمَ منَ أكون (وثنية ولا أعرف الله)، المهم أن ألتقي مَن له من المحبة والحنان والرحمة ما يجعلني أغيّر حياتي كلّها. هي تخرج من نطاق حياتها ومحدوديتهِ لتلتقي الملكَ الآتي بالخلاص، وكلّها إيان: "جاءت وسجدت"، من أنه قادرٌ على منحها الكثير بالقليل الذي يُعطيهِ. فتحول اللقاء إلى احتفال: "عظيمٌ إيمانِكِ"، مقولةٌ لم ينلها حتّى أقربُ الرُسل إلى ربّنا يسوع. فأنتصرَ ربّنا يسوع بصلابة إيمانه، فعادت إلى بيتها مؤمنة أن إبنتها نالت الشفاء لأنها تقدمت من ربّنا يسوع مؤمنة ان إبنتها ستنال الرحمة وتُشفى. طالبَ الفريسيون والكتبة ربنا يسوع بان يدعو تلاميذه للحفاظ على التقاليد، وهذا يعني، مُطالبتهُ هو أيضاً بأن يلتزم بماأوصى به الآباء، وهذا ما لم يفعلهُ، فكسرَ هذه الحواجز مُقدما صورة الله الرحوم الذي يبحث عن الخراف الضالة من شعبه، والذي هو أوسع من أن نُحدده بأمةٍ واحدةٍ. وأمام هذه المُطالبات التي لا تؤمن بمجانية المحبة، تأتي المرأة الكنعانية لتحتفل بمجانية محبة الله فأبرزت إيمانها، وهي لم تطلب إلا أن يشفي ابنتها وبيتها بلمسة حنان وبوقفة رحومةٍ. انتبهَ الله لها، لأنه كان هو المُبادر إليها، فربنا هو الذي قرر الخروج إليها أولاً، بل أن خروجه إلى نواحي صور وصيدا مكّنها من التقرّب منه، حاملة مرضَ إبنتها وكأنها مرضها: إرحمني (أنا) يا ربُّ. لم يدخل ربّنا بيتها، ولكن إيمانها تمكنَّ من كسر كل الحواجز والسماح لكلمة الله أن تشفي البيت، فصار هذا البيت، البيت الوثني، شاهدًا لقوّة الله الشافية. إيمانها كُشفَ لنا بالصلاة والطلب المُلِح الذي لا يترتجع أمام التجاهل أو الرفضن بل يبقى حيثما هو حّتى ينال ما يُريد، ونالت ما أرادت لأنها ثبتت، بل صارت معلمة للصلاة، الصلاة التي لن تتوقف أمام صمت الله أو صعوبة التجارب.
قراءة 5807 مرات آخر تعديل على الإثنين, 30 تشرين2/نوفمبر 2015 03:26

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *