ندوة الكتاب المقدس
الأربعاء, 29 كانون2/يناير 2014 10:01

اللقاء العاشر (3 تشرين أول 2013)

كتبه
قيم الموضوع
(1 تصويت)
الندوة الإيمانية اللقاء العاشر (3 تشرين أول 2013) المقدمة قدّم الإنجيلي مرقس كتابه بأنهُ: إنجيلٌ: أخبارٌ سارة، وهذه الأخبار ليست مثلما ذكرنا سابقاً ذكرياتٍ عن أحداث جرت قبل ألفي سنة، بل هي
الندوة الإيمانية اللقاء العاشر (3 تشرين أول 2013) المقدمة قدّم الإنجيلي مرقس كتابه بأنهُ: "إنجيلٌ": أخبارٌ سارة، وهذه الأخبار ليست مثلما ذكرنا سابقاً ذكرياتٍ عن أحداث جرت قبل ألفي سنة، بل هي ربّنا يسوع المسيح نفسهُ، هي شخصهُ هو. فأن تكون مسيحي لا يعني أن تعرِف قصة ربّنا يسوع وما قاله وما علّمه وعملهُ، بل أن تعرفهُ هو شخصياً، فهو "الإنجيل" وهو "الخبرُ السار"، الذي كشفَ لنا عن وجه الله الحقيقي، فأظهرَ لنا أن الله هو أبٌ رحومٌ وصبورٌ لا يميل إلى الدينونةِ، بل إلى عودةِ الإنسان، فأعلنَ زمن غفران الله، وهذا الغفران نابعُ من رحمة الله ورحمتهُ إشارةٌ إلى محبتهِ. فالمحبة لها أن تغيّر وجهَ الأرض، وتُغيّر قساوة القلوب. المحبة لها أن تُغيّر عالمنا الأناني والعدواني لتجعلهُ عالماً يرى فيه الإنسان أخيه الإنسان بعين الرحمة والعدالة، وبالتالي يضحى عالما أقل عدوانية. ربّنا علّمنا أنه من دون الغفران لا يُمكن للحياة أن تتواصل، فجاء ليعلنَ غفران الله ويعيشهُ: "تم الزمان زآقتربَ ملكوتُ الله. فتوبوا وآمنوا بالإنجيل" (مر 1: 15). فالمحبة هي التي تدفعنا لغفران الإساءة فلا يُمكن البحث عن الثأر، وهكذا نوُقِف الشرَ بل يموت ويُهزَم. فجاء الله وتجسّد بيننا لا لينتقم لماضٍ تعبَ فيه مع الإنسان، بل ليغفر للإنسان ماضيه الذي أتعبَ الإنسان نفسه، فأعطاهُ بدءً جديداً، ويجب أن يكون بدءً مُحباً، فالله لا يُعطي إلا ذاتهِ، والله محبة. هذه المحبة هي محبة معتنية بالآخرين، فتهتم بهم وبحاجاتهم. الآخر ليس عدوا ًعليَّ أن أستغلهُ وأسحقهُ وأدمرهُ، بل هو الأخ الذي عليَّ واجب حمايتهِ ومحبتهِ، وتدبير حاجاتهِ الجسدية والروحية. ربّنا وعظَ وعلّم كيف يكون الطريقُ الحق للحياة، وهو نفسه سيسأل التلاميذ أن ينظروا إلى الناس بعيون الله فيروا حاجاتهم: "هم جياعٌ أو عطاشٌ أو مرضى أو مبعدونَ. جوعُ الناس لا يدفعني إلى التفكير في نفسي وكيف عليَّ أن أؤمنَ حادتي لك لا أجوع، بل أن أتقاسم مع الآخرين ما أملك فلا نجوعُ. عودة الرُسل من الإرسالية وتكثيرُ الأرغفة (6: 30- 44) أمام رفضِ الفريسيين ومعادة الكتبة ومُضايقة الأقرباء، قام ربّنا يسوع باختيار حلقةِ من الرسل وأرسلهم إلى كل المُدن والقرى والبلدان ليُبشروا بملكوت الله. ولكي يتمكنوا من التعليم كان عليهم أن يتعلّموا أولاً، وتعليمهُ جاء بشروط: أن يكونوا بقربهِ، ليتمكنوا من جذب ِالناس إليه، وهكذا يعيشوا حياةً تختلِف في أسلوبها ومضمونها عن حياة الآخرين، حياةٌ هي حياة المُعلِّم، وهذا ممكن إن تعلّموا كيف يكونوا تلاميذ له ليكشفوا في حياتهم صورة عن حياة معلّمهم. عادَ الرُسل من الإرساليات المتنوعة التي توجهوا إليها وكلّهم حماسٌ للنجاح الذي حققوهُ، فعَرِف ربّنا أن رُسلهُ ليسوا بالنُضجِ الروحي المطلوب حتّى يتعاملوا مع نجاحٍ مثلُ هذا، فالطريق أمامهم طويلٌ ويتطلّب الكثير من التضحيات، بل هناك تجربة أن هذه الإستجابة الشعبية لربما تكون فرصة يحيدُ فيها الرُسل عن الموضوع الأساسي والمهم في رسالة يسوع: ملكوتُ الله. ولكنهم يستحقونَ قسطاً من الراحة، فدعاهم إلى مكانٍ مقفرٍ ليستريحوا، ونحن نعلم أن الذهاب إلى القفرِ يعني لقاء الله : "وقامَ طلوعِ الفجرِ، فخرجَ وذهبَ إلى مكانٍ مقفرٍ، وأخذ يُصلي" (مر 1: 35)، فراحةُ الإنسان التي يتحدث عنها ربّنا يسوع هي مع الله. نحن نؤمن أن لنا مسؤولية في التبشير وإعلان كلمة الله من أجل تقدّم الكنيسة شرطَ ان يكون لنا تواصلٌ مع الله لنتمكّن من المواصلة، فهذا التواصل مع الله يعني أن التلميذ مُستعد للشهادة لما يُعلّمهُ. نحن لسنا جماعة تعليم بل جماعة تبشير، فلا يُمكن أن ننغلق على أنفسنا ونقول: يكفينا أننا عُمذنا مسيحيين. المهم هو مقدرتنا على الخروج إلى الآخرين ومواجهة الصعوبات والضيقات، حتّى لو أخطأنا أو لم نكن بالشكل المطلوب مثلما سيتبيّن بعد قليل. دعوة ربّنا يسوع لرسله للتوجه إلى البرية فيها إذن تعليمٌ للإيمان، ففي البرية بيّن الله محبتهُ لشعبه فكان مُخلصهم من عبودية مصرَ ومُريحهم من الذل والهوان الذي أصابهم من جراء العمل تحت وصاية فرعونَ، وكان مرافقهم ومُدبرهم الأمين، فهيأ لهم الخبز والماء والطعام، وتقدمهم ليُدلّهم على ارض الميعاد. البرية محل الراحة والخلاص، حيثَ أعدّ َالله راعياً لشعبهِ إستجابة لصلاة موسى التي طلبَ فيها أن يُقيمَ الربُّ الإله رجلاً يرعى شعبهُ ويخرج أمامهم" (عدد 27: 17) إرسالية التلاميذ جمعت حول ربّنا يسوع جموعٌ كثيرةٌ، وهذه الجموع بدأت تُلاحِقهم فأجتمعوا حولهُ، وهو بدوره رأهم بعيون الله: "أخذتهُ الشفقةُ عليهم"، فعلّمهم أشياء كثيرة. فالتعليم خدمةٌ نُقدمها لمَن نُحبهُم، فالمبحة لا تتجسّد في الأشياء المادية وخدمة حاجاتهِ الجسدية فحسب، بل في خدمة الإنسان كلّه. "أخذتهُ الشفقةُ"، يعني تحركت أحشاؤه من أجلهم، فعرِف حاجتهم وألمهم ومعاناتهم. فشفقةُ الله ليست نكرةً، بل هي مشاعر متضامنة مع الإنسان. فلا يستطيع أن يتركهم لأنه راعيهم الأمثل الذي انتظره الشعبُ طويلاً، فجمعَ الشعبَ حولهُ بالتعليم (خدمة الكلمة)، ثم غذاهم بالخُبز (خدمة المائدة): إفخارستيا. هو الراعي الصالح الذي انتظره الشعبُ طويلاً والذي يجمع الشعبَ وينظمهُ، فيعطيهم ما يحتاجونَ إليه، بل يُعطيهم بوفرة. شعرَ التلاميذ بمسؤوليتهم نحو الجموع فطلبوا من ربّنا أن يأمر الجموع بأن تتوجه إلى القرى القريبة وهو اقتراح غيرٌ عملي، ولكنه كل ما يملُك الرُسل، بالمُقابل واجههم ربّنا بطلب أن يُقدموا هم ما يُقيتُ الجمع، فتعجبوا من الطلب فلا يكفي أجرة عمل سنة كاملة لتغذية هذه الجموع، فعادَ ربّنا وسألهم: "ماذا لديكم؟" هوذا الراعي الذي يأخذ القطيع إلى المراعي الخُضر (23: 2- 3) حيثُ العُشبُ الأخضر، فأخذ القليل من الخبز والسمك وباركهُ وكسره وأعطاهُ للتلاميذ لكي يوزعوه للجموع، الذي شبعوا علامةٌ على الوفرةِ. فالله يُعطي بوفرة إن عَرِف الناس كيف يتقاسمونَ ما أعطاهم الله بمحبةٍ. لذا، نجد أن ربّنا يسوع لا يأخذ الخبز والسمك ويوزعهُ بنفسه، بل يدعو الرٌسلَ، يدعونا نحن كنيستهُ، لنُشاركهُ هذه المهمّةَ. هو قالَ لهم: "أعطوهم أنتم ما يأكلون"، لكنهم نظروا إلى ما يمتلكونَ فتعرّفوا على عوزهم: ليس لنا يا ربُّ ما نُعطيهم"، فعادَ ليُباركَ القليل الذي لهم فجعلهُ وفرةٌ. عادَ الرُسل من الإرساليات وكلهم حماسٌ لما اختبروا، وظنوّا أنهم قادرونَ على فعلِ كل شيءٍ، ولكنهم تراجعوا أمام أول مُشكلةٍ: "ماذا تفعلون يا رُسل أمام جوع ِالناس؟". فتبعوا منطق البشر: أرقامٌ وإحصائيات، ونسوا منطق الله: المحبة والخدمةِ. نسوا أن يُحاورا الله في هذه المُشكلةِ الحقيقية، والله سيوجهنا إلى الخطوة التاليةِ والتي لربما لن نفهمها: "ما معنى: "أمرهم أن يقعدوا الناس كُلهم فئةً فئةً على العُشب الأخصر". ربّنا لم يُوبخ تلاميذه على أنهم لم يأخذوا حذرهم في مثل هذه الرحلة، بل يُحاورهم بمحبةٍ. وهو لم يوبخهم لأنهم لم يثقوا به وبقدراته. هم قالوا له: "أن ما لدينا لربما لن يكفينا، إصرفِ الجموع لأنك قدمتَ لهم الكثير حتّى الآن". صبرهُ هو تعبيرٌ عن محبتهِ، فمَن يُحب يصبر رحوماً ومترجياً عودةَ مَن يُحبهُ إليه. صبر مع توما الذي لم يؤمن أنه قام، فأعطاه مدهلة أسبوعٍ وأنتظره ليعودَ إليهِ، فمَن يصبر مُحباً يسعى لتفهم موقف الآخر ويثق أنه عائدٌ بل يعمل على مد الجسور ليُسهٍل له طريق العودة. سألَ ربنا يسوع عن القليل الذي يملكونهُ، مؤمناً أن الله الآب سيوفّر منه المزيد. فالقليل الذي لنا سيتبارَك بالصلاة والمحبة. وهكذا تحول المكان المُقفَر، البرية، إلى مراعي خصبةٍ من خلال تدبير الله بيسوع المسيح، فأقام لهم راعياً بعدما كانوا: "مثلَ غنمٍ بلا راعٍ"، راعٍ يعرف كيف يقود الشعب إلى الله. فعندما أخذ الخُبز بارَك وشكرَ الله على هذه النعمة: "مُباركٌ أنت يا ربُّ إلهنا، ملكُ الأرضِ الذي أنعمتَ علينا بهذا الخبز من ثمرِ الأرض". فالمهم في الصلاة هو أن نحمد الله ونشكره على تدبيرهِ الذي وفّرَ المنَّ في البرية، ووفر الطعام لإيليا، والآن يُعطي الناس خبزهم اليومي، فيُشبعهم بل يفضل عنهم الطعام. فعادَ الرُسل الذين حملوا لربنا يسوع خمسةَ أرغفةٍ وسمكتين، عادو يحملون إثنا عشرَ قفةً مملؤةً من الخبزِ، كلٌ يحملُ سلّتهُ. لذا، شدد رّبنا على ضرورة أن يقوم الرُسل بتنظيم الجموع وبتقديم الخبز لهم وجمع ما يفضلُ عنهم، لا على معجزة التكثير. عمل الرُسل هو المُهم وليس المعجزة، وهكذا يُشركُهم في هذا التدبير الذي أعدّهُ للشعبِ. يسوع يمشي على الماء (6: 45- 52) أجبرَ ربّنا يسوع التلاميذ ليتقدموهُ إلى بيت صيدا، وهي منطقةٌ وثنيةٌ لم يتوقّع فيها التلاميذ ضيافةً أو ترحيباً، لذا، لم يرغبوا في الذهاب إليها، فأجبرهم ربّنا ليركبوا السفينةَ ويتقدموهُ. بالطبع لم يرغب الرُسل مُغادرة المكان الذي شهدَ نحاجاً باهراً، لاسيما وأن المنطقة القادمة هي مناطق وثنية، فنستشعر تردد الرسل والكنيسة الأولى للتوجه نحو الوثنيين، ولكن ربّنا هو الذي يُوجّه الكنيسة، وهو يأمرهم للإنطلاق نحو المناطق التي قد تكون منتأزمة. ركوب السفينة (الكنيسة) والإبحار (البحر رمزٌ للعالم ولمخاطرهِ) إشارةٌ إلى أن الكنيسة مشغولة بالرسالة، وهي مغامرة صعبة محفوفةٌ بالمخاطر. هكذا كان آباؤونا يصورون العالم، لاسيما هم متروكون وحدهم من دون حضور ربّنا يسوع، الذي إبتعد منهم ليقترب من الله: "لّما صرفهم ذهبَ إلى الجبل ليُصلي"، هذا التواصل مع الله يمنحهُ القُدرة على مواصلة الرسالة ومواجهة الصعوبات التي تعترض مسيرتهُ، هاي هم جماعة الرُسل، الكنيسة، تواجهُ مُضايقاتٍ وإضطهادات من الرومان: "رآهم يُجهدونَ في التجديف"، فهو المُبادِر نحوهم، من هنا يُمكنهم مواصلة التجديف، لأن الرب لن يتركهم مهما إشتدت الصعوبات. شُكل المُبادرة يدل على عظمة سُلطانهِ، فالمشي على البحر إشارةٌ إلى سُلطان إلهي الذي هو وحدهُ قادرٌ على ضبط قوى الشر والموت التي يُمثلها البحر. ومجيئهُ "عند آخر الليلِ" إشارةٌ واضحة إلى صباح القيامة: "وفي صباح الأحد، عند طلوعِ الشمسِ" (مر 16: 2). والتلاميذ من جهتهم لم يُصدقوا ما شاهدوا، بل خافوا جداً، فكان على ربّنا أن يُهدأ هذه المخاوف ويُسكِت هيجان البحرِ، وهذا يتطلب إيماناً: "ثقوا. أنا هو، لا تخافوا". "أنا هو"، بيانٌ أعلنهُ الله لموسى ليواجه به فرعون (خر 3: 14). ربنا يطلب من تلاميذه (من الكنيسة) الإيمان، وهذا الإيمان يتضمّن اختيارات صعبة: الإبحار إلى المناطق الغير مرغوب فيها، كوب البحر ليلاً ومواصلة المسيرة في وقتٍ يبدوُ فيها أن كل شيءٍ هو وهمٌ: "ظنّوهُ خيالاً فصرخوا". هذا كلّه لأننا نؤمن أن الله هو أبٌ وهو يُحبنا وهو لن يختار لنا إلا ما هو خيرٌ وصالحٌ. الإيمان يجعلنا أمام اختيارين لا ثالث لهما: إما الطاعة لأموامر المُعلّم، أو التنكر لها والعمل حسبما نحن نُريد. إما أن نعيش من أجل ألله ومن الآخرين فنُضحي بأنفسنا وما نُريد، أو أن نعيش من أجل ذواتنا فنضحي بالله وبالآخرين. فالإيمان ليس أن أحمل الصليب على رقبتي أو ألعقهُ على جدران البيت، هذا يأتي بعد أن أحملهُ في قلبي وأشهد له في حياتي. هذا الإيمان بحاجة إلى جُهدٍ: "ورآهم يجهدونَ في التجديف لأن الريح كانت مُخالفةً لهم"، فالإيمان يتطلّب أن أُجدفَ ضد توجهات عالمنا الذي يُغازل إندفاعاتنا نحو ما هو مؤقت فيُكبّر أنانيتنا ويجعلنا لا مبالين جداً تجاه الآخرين، حتّى شفقتنا نحو الناس هي مؤقتة. في حين أن ما يطلبهُ منّا ربّنا يسوع يتطلّب الجهد والمثابرة، وأن نتحلّى بالتواضع لنكشِفَ له عن ضعفنا وهشاشة حالتنا وفشلنا حتّى في التعرّف عليه، أي خطايانا. فالإيمان يتطلب الطاعة لما يُريده الله منّا، والشهادة لهذه الطاعة في نوعية الحياة التي نعيش وشكل القرارات التي نلتزِم بها، وهذا يعني اليوم: ضرورة التجديف عكس التيّار. ربنا يعرِف أننا قد ننجذب إليه طلباً للراحة، أو بحثا عن معجزة من أجل منفعةٍ شخصية، لذا، بدأ يوضّح لتلاميذه أن الأمر ليس مثلما هو يتوهمون، أن نكون تلاميذه يعني الطاعة لمشيئتهِ التي قد لا تكون مثلما نرغبُ نحن: "أجبرَ تلاميذهُ"، وسيوضح لهم أن هناك مضايقات بل صليبٌ عليه أن يحملهُ، وهم ليسوا بأفضل منه، فعليهم أن يختاروا إما ركوب السفينةِ ومُشاركتهِ هذه المسيرةَ، أو البقاء على اليابسة، مع أن ركوبَ السفينةِ لا يعني ان المدعو قادرٌ على أن يفهمِ هويةِ ربّنا يسوع: "فتحيروا كثيراً، لأن معجزة الأرغفةِ فاتهم مغزاها، لبلادةِ قلوبهم"، فإن لم ينفتح القلبُ كلياً لعمل الله، بقى قاسياً لا يفهم ما يُريده الله منه، غير مؤمنَ أن الله يعمل في تاريخ الإنسان، وها هو يعمل على نحو حاسم بيسوع المسيح. صعوبة التجديف التي عاشها الرُسل تأملٌ في حالة الكنيسة التي يغيبُ عنها ربّنا يسوع جسدياً، لكنه يدعمها بالصلاةِ: "فلّما صرفهم ذهبَ إلى الجبل ليُصلي" (المسيح قامُ، وهو عن يمين الله يشفعُ لنا (روم 8: 34)). ربّنا يرى كنيستهُ التي تواجهُ العالم وتبحِر فيه عكس التيار، ولكنهُ يرافقها ولن يتركها تتحطّم. يسوع يشفي أمراضاً كثيرةً (6: 53- 56) إنضم ربّنا يسوع إلى السفينةِ ليرافقَ تلاميذهُ، فقرّبَ نفسهُ من المبعدين، من المرضى، فالناس كان تعتقد أن المرض هو جزاءٌ لخطيئة الإنسان، فهكذا قرّبَ ربّنا يسوع نفسه منهم، لأنهم بقواهم بحالتهم ما كان لهم أن يقتربوا منه. هي محبة الله التي تجفعه ليكون قريباً من الإنسان: هذه هي البُشرى السارة: الله معنا، فالشفاءات ليست مهمة بقدر ما هي الرسالة التي تُشيرُ إليها: الله قريبٌ منّا، فارسلَ لنا راعياً يجمعُ شعبهُ ويُعلمهم (34)، ويُوجههم (39)، ويُغذيهم (41- 42). ما يستوقفنا هنا هو عبارة: "ويسألونهُ أن يدعهم يلمسون ولو هدبَ ردائهِ"، فالمرأة المُصابة بنزيف الدم نالت الشفاء بسبب لمسِ ثيابهِ (5: 25- 24)، ولربما كانت هي مَن نشرَ الخبرَ عن هذه الطريقة. فالثياب تدل على الشخص، ولمسُ رداءِ يسوع يعني الوصول إلى شخصهِ بالذات. فهل فكّرنا يوماً بما نرتديهِ؟ ما الرسالة التي نُريد أن نقولها لمَن هم من حولنا؟
قراءة 60839 مرات آخر تعديل على الإثنين, 30 تشرين2/نوفمبر 2015 03:25

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *