ندوة الكتاب المقدس
الأربعاء, 20 تشرين2/نوفمبر 2013 10:12

اللقاء الرابع (1 تشرين الثاني 2012)

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
اللقاء الرابع (1 تشرين الثاني 2012) هل بحاجة إلى الإيمان؟ كل الأخبار التي تصلنا عن عالمنا وعن ما يجري فيه تُؤكّد لنا أننا متجهون نحو الموت، فعالمنا بعيدٌ جداً عن بناء جماعة أخوة وأخوات، على ال
اللقاء الرابع (1 تشرين الثاني 2012) هل بحاجة إلى الإيمان؟ كل الأخبار التي تصلنا عن عالمنا وعن ما يجري فيه تُؤكّد لنا أننا متجهون نحو الموت، فعالمنا بعيدٌ جداً عن بناء جماعة أخوة وأخوات، على الرغم من تقدّم وسائل الاتصال والتي من جهة قصّرت المسافات، ولكنها عمّقت فينا هذا الشعور بالغُربة واحدنا عن الآخر. الأف الناس تموت من الجوع، وملايين غيرها مُهددة بنفس المصير. استغلال وعنفُ وانتهاكات واعتداءاتٌ ... وكلّها إشاراتٌ الى مدى استفحال الخطيئة. من جهة أخرى صارَ الناس ميّالون إلى تصديق ما تراهُ أعينهم وتلمسهُ يداهم فقط، في محاولة لرفضهم الله، ومن جهة أخرى تراهم يُؤمنون بالغيب وبالأبراج وبالشعوذة والتي انتشرت على نحو مُلفت للنظر لأن الإنسان الواثق من نفسه ومن قدراته خائفٌ من المصير ومن المُستقبل. ولكن في عمق هذه المأساة الإنسانية يعلو الصُراخ: نحن بحاجة إلى المحبّة! نحن بحاجةٍ الى جماعة إنسانية تُعطي لحياتنا معنى! نحن بحاجة إلى رفيق يسير معنى ظلمة اللا معنى التي تُقلِق مضاجعنا! نحن بحاجة إلى مَن يُحبنا من دون شروط؟ هنا يأتي الإيمان ليكون استسلامنا لرعاية الله وتدبيره لا من أجل أن يُعطينا أجوبة لمشاكلنا اليومية، بل ليقف أمامنا أباً مُحباً بمجّانية، وهذه المحبة المجانية التي لا يُمكن أن يُعطيها العالم. الله هو الذي خلقنا عن محبّة وهو الذي رافقنا بسبب محبتهِ، وهو الذي حضر إلينا بيسوع المسيح ليحملنا إليه، وصليبهُ علامة محبتهِ اللامتناهية. فالإيمان وعلى حدّ تعبير البابا بندكتُس السادس عشر: "هو أن نؤمن بمحبة الله التي لا تضعف أمام شر الإنسان، أمام الشر والموت. ... هو أن أسلم نفسي لله كطفل يعلم بأن كل مصاعبه، ومشاكله بأمان في الـ"أنت" أي شخص أمه. تُعطينا الكنيسة اليوم الفرصة لنتأمل مصداقية هذا الإيمان فتكون هذه السنة فرصة لتطهيره من كل المخاوف من أجل علاقة حميمة مع كلمة الله، مع ابنه يسوع المسيح. علاقةٌ ليست مبنيةً على مصالحَ شخصية، بل جوابٌ لمحبّة الله التي ظهرت لنا يسوع المسيح. الغفران المُعطى للكسيح (2: 1- 12) عاد ربّنا يسوع إلى كفر ناحوم ليُلقي عليهم كلامَ الله، ولكنه دخل هذه المرّة في سلسلة جدالات دينية مع الكتبة والفريسيين الذين بيّنوا معارضتهم له. علينا أن نٌصحح بعض الأفكار التي لنا عنهم. فمن جهة كانوا غيورين جداً على تطبيق الشريعة بحذافيرها، لأنهم عرفوا أن سبب الدمار والفوضى التي طالت الشعب كانت خطيئة الشعب وتوثنهم، أي ابتعادهم عن الله. ولكن، ومن جهة، صارت تقواهم صكاً لمحاججة الله، فميّزوا أنفسهم عن الناس، عوض أن يكونوا معه، فصنّفوا الناس مجاميع، وجعلوا حدوداً فاصلة ما بين الطهارة وبين النجاسة. فصدموا من موقف ربّنا يسوع الذي أعلن أن ملكوتَ الله ليس استثارا أو حصراً بجماعة، بل هو مفتوح للجميع. وهنا بدأت الأزمة مع ربّنا، ومع الكنيسة الأولى أيضاً التي واصلت رسالة المعلّم، ولكن كان فيها أصوات مؤيدة لمواقف الفريسيين في بعض الأحيان، فجاء الإنجيل ليضعً حدّاً لمثل هذه المناقشات. أرادت الناس لقاء ربّنا يسوع فعملت ما هو مُستحيل للوصول إليه، مؤمنينَ أنه قادرٌ على تغيير حياتهم. فالجماهير اكتظت حول المنزل، فصارَ ربّنا سجين الجماهير من حولهِ مما منعَ الناس المحتاجين من الوصلِ إليه. أرادَ الكسيح التقّربَ من يسوع ولكنه أُبعدَ مرتين: مرة من خلال مرضهِ، وأخرى في زحمةِ الجموعِ، ولكنه ثابرَ حتّى وصل، وكان لأصدقائه دورٌ رئيس في هذا الوصول. ففتحوا فتحةً في السقف والذي كان مُشيداً في العادة من أغصان الزيتون والطين، وقاموا بإنزالِ المريضِ ليضعوه أمام ربّنا يسوع. شهدَ ربّنا يسوع إيمانَه وإيمان الأصدقاء الذي يتجاوز الصعوبات. فالإيمان لا يتنكّر للصعوبات أو يتجاهلها، بل يُبرِز مُثابرة لتجاوز هذه الصعوبات للوصل الى الله الذي يتعجّب من هذه الاستجابة. فأستجابَ لهم قائلاً: يا بُني غُفرَت لك خطاياكَ"، هي استجابة الله الرحوم القادر على غفران الخطايا والتي هي سببُ فوضى العالم وأمراضهِ. ربّنا جابهَ الخطيئة التي انتشرت وكان المرض علامةً من علامات الخطيئة، لذا، توجه ربّنا بالكلام إلى الكسيح: يا بُني غُفرَت خطاياكَ، فالخطايا هي سبب المرض، فلا يهتم ربّنا بعلامات المرض، بل بمُسببات المرض، وهكذا عندما يغفر الخطايا ويشفي المرض، فإنه يُعيد الإنسان إلى الشِركة الكاملة مع الله، غافرُ الخطايا. "إنهُ يجدّف"!!! عَرِف ربّنا ثرثرة الكتبة وتذمرهم، والذين توهموا أنهم بمعرفتهم بالكُتب المُقدسة يستطيعون أن يعلّموا الله ما الذي عليه أن يعملهُ، متناسين أن الله هو أعظم من أفكارهم وتصوراتهم. هم كانوا يُعلمونَ أن غفران الخطايا حقٌ محفوظ لله، ولا يجوز الاعتداء على حقوق الله، ومَن تعدّى على حقوق الله وجبَ أن يُرجَم بالحجارة. هذه العبارة: "إنه يُجدّف" هي بداية الحكم الذي سيُطلقهُ رؤساء الكهنة في قصّة الآلام (14: 63- 64)، ليكون إنجيل مرقس: قصة الآلام طويلة. ربّنا يسوع يعرِف خفايا القلوب، فكشف لهم أن فيهم عدم الإيمان الذي فيهم والذي يسعى لتحجيم الله. فأمرَ بالشفاء الروحي والذي هو فعل صعبٌ للمُشاهدين أن يتحققوا منه، ولكن من السهل التلفّظ فيه. أما الشفاء الجسدي فهذا امرٌ صعبٌ التحقيق ما لم يتدّخل الله نفسه ليُزيل آثار الخطيئة، أي ليُزيل المرض. فصارَ الشفاء الجسدي برهاناً على إن لربنا القُدرة على غفران الخطايا، ليكون خلاصُ الإنسان، خلاصا كلياً بالنفس والجسد. قام المريضُ وحمل فراشهُ بنفسهِ، بعدما حملوه أصدقائهُ إلى يسوع ميّتاً، وصارَ هذا البيت، الكنيسة التي فيها ينعمُ الجالسونَ حول يسوع، والذي تصارعوا حتّى وصلوا إليه، المُنعَم عليهم بالقيامة. في المجادلة الأولى مع الكتبة بيّن ربّنا يسوع أن غفران الخطايا لا يكون بالذبائح، بل بمبادرة الله المُحبّة: أريد رحمة لا ذبيحةً. دعوة لاوي والطعام مع الخطأة (2: 13- 17) كانت سمعة العشارون سيئة بين الناس لأنهم كانوا يكسبونَ أموالهم على نحو غير شرعي من خلال فرض رسومٍ إضافية على الضرائب التي كانت تُسلم إلى المحتلين الرومان. نتذكّر قصّة زكّا العشّار وكيف نالَ الخلاصَ واستجاب له، فجاءت الاستجابة عملية وسخيّة. وجّه ربّنا يسوع دعوته إلى أحدهم ليتبعهُ وتمكّن من جذبهِ في الحال فترك مكان الجباية وراح يتبع يسوع. يُدهشنا ربّنا بقُدرته على جذب الناس وراءهُ وأختار هذه المرة رجلاً مرفوضاً من قبل الناس، ليكون حاملَ البشارة. قام هذا اللاوي، ومن شدّة فرحهِ، بإعداد وليمةٍ لربنا يسوع فقبلَ ربّنا الدعوة وجلس مع الخطأة وتناول الطعام فيدعوهم إلى الشِركة التامّة. كان الاختلاط مع العشارين والخطأة ممنوعاً، وهنا تجاوزَ ربّنا هذه الحدود ليأكل معهم، فبدأ جدالٌ آخر مع الكتبة والفريسيين حول أصالة رسالة يسوع، الذي أكدّ أن دعوته موجهةٌ إلى الخاطئين من دون أن يستثني الصديقين. فالخاطئون ليسوا أناساً نُبعدهم عنّا، بل أناساً ندعوهم للتوبة وإلى المُصالحةِ، فملكوت الله يستوعب الجميع، ولا مجال لعزل الناس ضمنَ مجموعاتٍ. كان للفريسين في أيامِ ربّنا يسوع تأثيرٌ روحي كبيرٌ على الشعب. كانوا اُناساً ورعينَ ينتظرون مجيئ المسيح، وعلّموا وعملوا على تطهير الشعب من كل خطيئة في محاولة لتحضيرهم لاستقبال الماشيحا. دافعوا عن شريعة موسى وعن التقاليد الدينية بكل غيرة، ولكنهم وصلوا إلى مرحلة صاروا فيها يقفونَ امام الله لا للقائه، بل لمواجهتهِ. فأضحى مسعاهم الغيور ليكونوا أبراراً، قراراً إبعادهم عن الله لأنهم شرعوا يخاصمون الله ويحجمون ألوهيتهِ وكأن الشريعة هي أعظم من مُشرّعها. أقتربَ ملكوت الله، معناه بدء زمن الغفران، والوليمة علامةُ الشركة والمصالحة التامة. حانَ الزمان الذي صارَ فيها لزماً تحطيم كل الصور الخاطئة عن الله والتي كانت بسبب قساوة قلب الإنسان. علّم ربنا يسوع الكتبة والفريسيين أنه مهمتهُ ستكون موجهةٌ إلى مجموعة الخطأة، الذين يقبلون بكل تواضعٍ دعوة الله إلى التوبة، لأنهم اعترفوا أنهم بحاجة إلى أن يُخلقوا من جديد، في حين أن الكتبة والفريسين بيّنوا أنهم ليسوا بحاجة: هم أصحاء. والحا أن ربّنا، كونه الماشيحا، أعلن وليمة ملكوت الله والتي يجد فيها الخطأة مكاناً، لأن خطاياهم غُفرِتَ لهم. الصوم وحادثة السنابل (2: 18- 28) بدأ جدال ثالث حول الصوم والذي أعتقدَ البعض أن إحدى الوسائل التي فيها يُمكن التأثير على الله، فصحح ربّنا يسوع أفكارهم من أن الصوم والصلاة وأعمال الرحمة ليس وسائل للتأثير على الله، بل علامات فيها نشكر الله على حضورهِ. إعتاد الفريسيون على الصيام طواعية يومي الأثنين والخميس من كل أسبوع، علامة على الرغبة في تطهير الذات والتقوى، فأعلنت الكنيسة الأولى أنها ستصوم يومي الأربعاء والجمعة ليتميزوا عن الفريسيين واليهود. الصوم والصلاة عملان يُظهران استعداد الإنسان المُنتظر لاستضافة الله، فلا مجال للأكل، ما دُمنا ننتظر مجيئ الله العريس الذي قرر أن يأتي ليأخذ عروسها على الرغم من خياناتها مثلما أعلنَ هوشع النبي: "وفي ذلك اليوم، يقول الربُّ، تدعينني زوجي، ولا تدعينني بعد ذلك بعلي. فإني أُزيلُ أسماء البعليم من فمها فلا تذكرُ من بعدُ اسمائها. وأقطعُ لهم عهداً في ذلك اليومِ مع وحوش البرية وطيور السماء والحيوانات التي تدبُ على الأرضِ، وأكسرُ القوسَ والسيفَ والحربَ من الأرض، وأُريحهم في أمان. وأخطبُك لي إلى الأبد. أخطبُك بالبرِ والحق والرأفةِ والمراحمِ وأخطبُك لي بالأمانةِ فعرفين الربَّ". (هو 2: 18- 22). أعلنَ ربّنا يسوع أن زمن الانتظار، الذي كان الصوم احدى علاماتهِ، قد انتهى ليحل بدلاً عنه الزمن الذي فيه قرر الله أن يُعيد العروس إلى بيتها على الرغم من خياناتها. زمن الفرح والاحتفال الذي كان ربّنا يسوع سببهُ وهو مركزه أيضاً، وجعل الناس من حولهِ شهوداً على هذا العُرس الذي دشنَّ عُرس الله مع البشر؛ أي أنه أفتتح زمن الخلاص والذي على الجميع أن يستقبله بفرحٍ. أعقبهُ جدلٌ رابع حول سُلطان ربّنا يسوع على يوم السبت، يوم السبت الذي فيه يُحتفل بيوم راحةِ الله، لذا، فهو يومٌ مُكرسٌ لله كلّياً. أخذ يوم السبت بُعداً آخر من أيام المنفى البابلي إذ صارَ أحد علامات الأمانة لله، مع الختان، لأنهم فقدا في بابل الهيكل والملوكية. لذا، سهرَ الفريسيون على المحافظة على قُدسية يوم السبت فنظموا قائمة بالأشغال المُحرمة في يومِ السبت، ومنها أعمال الحصاد وجمعُ الحبوب وراء الحصادين؟ جرت العادة على أنه يُسمحَ بقطف السنابل يوم السبت لسد جوع الإنسان حسبما ورد في سفر تثنية الاشتراع: "إذا دخلتَ كرمَ قريبك، فكُل من العنبِ على قدر شهوتِكَ حتّى تشبع، ولا تجعل منه شيئاً في سلّتِكَ. وإذا دخلت السُنبُلَ القائم الذي لقريبكَ، فآقطُف بيدكَ فَريكاً، ولا تلقِ منجلاً على سنُبِل قريبك" (23: 25- 26). ولكن المشنا حددت 39 عمل محّرمَ يوما السبت، وكان الحصاد واحدا من هذه الأعمال. ولأنَّ المعلم هو المسؤول عن سلوكيات تلاميذه، جاء الشكوى إليه عن قيام عدد من التلاميذ بفرك السنابل يوم السبت، فبيّن ربّنا قُدرته على تفسير الكتب التي يعرفها على نحو دقيق، ثم سُلطانهُ في إلغاء كل الشرائع السبتية التي لا تخدم الإنسان. استحضر شخصية داود، وهو يعرِف أن الجموع تنتظر الخلاص الذي سيُحضرهُ إبنُ داود. ربّنا لم يُلغِ شريعة السبت، بل يُبين أن مشيئة الله هي خلاصُ الإنسان، وهذا موجود أيضا في وصية السبت. فربّنا جاء لا ليحفظ الشريعة فحسب، بل ليُقيمَ عهداً جديداً مع الإنسان، وفيه ينتهي عمل الشريعة التي هي تعبيرٌ عن زمنٍ الانتظار. لقدد حرر ربّنا يسوع الإنسان ليكون في خدمة الله، وخدمة الله تكون من خلال خدمة مشروعهِ الخلاصي. صاحبُ اليد اليابسة (3: 1- 6) وصلنا إلى المُجادلة الخامسة والأخيرة، وبالتأكيد ستكون الأكثر خطورة من بقية المُجادلات ما بين يسوع وبين الكتبة والفريسيين، الذين تابعوا نشاطَ ربنا يسوع للبحث عن هفواتٍ لإحراجهِ وإهلاكهِ في إشارة إلى اصطدام تاريخي حصل ما بين يسوع وما بينهم، فالأمرُ ليس من صنعُ مخيلة الكنيسة الأولى التي عانت هي الأخرى من الفريسيين وخبثهم فهم اتهموا الكنيسة لدى السُلطات الرومانية بأن مثيرو الفتن، فأبعدوهم عن الهكيل، وهذا يعود إلى العداوة التي أظهروها تجاه مُعلمهم: "ليس التلميذ أفضل من معلمهِ". بينما كان يسوع في المجمع، المكان الذي فيه تُعلنُ الشريعة وتُفسَر للجموع التي تأتي في راحة يوم السبت لسماع كلمة الله. هذا السبت الذي أضحى رُعباً على الناس من خلال التقاليد التي سعت للحفاظ عليهِ، فمنعت كل أنواع الأشغال. لاحظَ ربّنا أن أحدهم يدهُ شلاءٌ، فاستدعاه ليقفَ في الوسط، وسأل الجميع حول مدى العناية التي يُمكن أن نُقدمها لمَن هم بحاجة إلينا في يوم السبت: عمل الخير: شفاء المريض، أم عمل الشر: إهلاكُ الإنسان؟ سؤالٌ لا يتحمّل الصمت، فإن كُنا نؤمنُ أننا أبناء الله، وهو الخيرُ والصلاح الكُلي، فبالطبع سنختار أعمال الخير لأن في ذلك إعلانٌ لإيماننا: "من ثمارهم تعرفونهم". ولكن صمتَ الحاضرين أشارَ إلى قساوة قلوبهم، فغضِبَ ربّنا أمام هذا القساوةِ وحَزنَ لهذا العناد. فأختارَ ربّنا عمل الخير طاعة لمشيئة الله التي تُريد خلاص الإنسان، فيما اختار الفريسيون عمل الشر: مؤامرة لقتل يسوع بسبب صلابة قلوبهم. فالمريض إنسانٌ حي لا يجوز قتلهُ أو التنكر له أو التحفظ إزاء مُساعدتهِ، فيجب في كل الأحوال تقديم العون الواجب له، حتّى لو كان هذا يومَ السبت، لأن يوم السبت هو يومُ راحة الله، وراحة الله هي سعادة الإنسان، وتحرير الإنسان هو مبعثُ فرحٍ لله، ولأن الإنسان أضحى محبوساً، جاء الماشيحا ليُحرره. فالسبت عيد الله، عيد التحرير. انضم الهيرودسيين، وهم جماعة هيرودس أنطليباس والذي كان حاكماً للجليل في سنة 30 ميلادية إلى خصوم يسوع، وبختام هذه الجدالات الخمسة صارَ واضحاً أن خصوم ربّنا يسوع أضحوا أكثر عنفاً في تفكيرهم. يسوع الذي كشف لهم أن له سُلطانٌ لغفران الخطايا (الجدال الأول)، وهو الطبيبُ الشافي لأمراض الناس (الجدال الثالث)، وهو العريس الذي دشنَ أفراحَ الله (الجدال الثالث)، وهو سيّد السبتِ (الجدال الرابع والخامس). الله محبّة؛ الله رحمة سألَ ربّنا يسوع الحضور: أعملُ الخير يحلُّ في السبتِ أم عمل الشّر؟ خُلقنا على صورة الله، ومعنى ذلك أن الله جعلَ فينا توجهاً نحوهُ، وهو كليُّ القداسة، هو المحبة. أي أن للإنسان القُدرة والإمكانية أن يُحبَ بحبِ الله. والقداسة هي أولاً: تحقيق هذه المقدرة وجعلها واقعاً بأقصى درجاتها، أي أن يُحب بأقصى درجات الحب، على مثال حبِّ الله. القداسة ليست في صنعِ المعُجزات، بل أن في أن نكون شبيهين بالله، نُحب مثلما يُحب. من هنا جاء سؤال ربّنا يسوع للحاضرين: إذا كُنتم تحتفلون بيوم السبت، يوم الله، أولاَ يعين ذلك أن نعملَ أعمالَ الله! من هنا نفهم، قول القديس أوغسطينوس: أحبب وأفعل ما تشاءَ! أي إملاء حياتَك في كل لحظة بالحب. فكل فعل أو كلمة كلمة نتفوّه فيها، تكون خالية من الحب، خالية من روح الله، لن تكون كلمة أو فعلِ إنساني. حتّى صلاتنا، إن لم تكن مجبولة بالحب، فلا يُمكن أن تكون حديثاً أو لقاءً مع الله. هي ببساطة حديث الإنسان مع نفسهِ فحسب. إلهنا لا ينظر إلى واقعنا ليكون رحوماً، فرحمتهُ لا ترتبط بخطايانا، فخطايانا ليست هي التي تجبر الله على أن يرحم ويحب، بل أنه من طبعهِ رحومٌ ومُحبٌّ، ولأنه رحوم انطلق يبحث عنّا في طُرقٍ تُهنا فيها عنهُ. يسوع والجموع (3: 7- 12) بعد مواجهات منهكة مع الكتبة والفريسيين قرر ربّنا يسوع أن يأخذ قسطاً من الراحة، ولكنَّ الجموع تزدحم حوله من الشمال والجنوب نظراً لنجاحه كشافٍ؛ كطبيب. إنه صانعُ المعُجزات، فصار ضحية نشاطه الطبي، لهذا قرر الانسحاب عن الجموع، كي لا تكون المعجزات فرصة للشياطين لاستملاك الجماهير عبر السيطرة عليهم من خلال آمال كاذبة عن هوية يسوع: يسوع هو الكارز بملكوت الله ومُثبتهُ وليس الطبيب الشافي.
قراءة 12554 مرات آخر تعديل على الإثنين, 30 تشرين2/نوفمبر 2015 03:23

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *