ندوة الكتاب المقدس
الإثنين, 04 تشرين2/نوفمبر 2013 10:48

الندوة الإيمانية اللقاء الثاني (18 تشرين أول 2012)

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
الندوة الإيمانية اللقاء الثاني (18 تشرين أول 2012) ما معنى أن أؤمنَ؟ تعني عبارة: أؤمنُ أنني مُستعدٌ لأن أضعَ حياتي كلّها تحت تصرفِ مَن أُعلنُ إيماني به. سأصغي وأطيعُ وأخضعُ له. سأسلم قلبي وعقلي
الندوة الإيمانية اللقاء الثاني (18 تشرين أول 2012) ما معنى أن أؤمنَ؟ تعني عبارة: أؤمنُ أنني مُستعدٌ لأن أضعَ حياتي كلّها تحت تصرفِ مَن أُعلنُ إيماني به. سأصغي وأطيعُ وأخضعُ له. سأسلم قلبي وعقلي ونفسي وجسدي بين يديه من دونِ ضماناتٍ، على الرغم من الصعوبات التي أراها أمامي، فاقداً كل شيءٍ لأني أعرف أنني معه سأحصل على كلِّ شيءٍ. وعندما نُعلنُ إننا: نؤمنُ بالله، فهذا يعني أن حياتنا كلّها صارتَ بين يديهِ، عارفين أننا محبوبونَ من قبلهِ بلا حدود، ومعهُ سنختبرُ فرحاً لا يُوصَف بل يُعاش: أنت ابني الحبيب الذي عنه رضيتُ. هذه كانت أولى كلمات الله لربّنا يسوع لحظةَ عماده، والتي قبلها شاكراً، بل فهمها دعوة: أنا ابنُ الله المحبوب، وسأعيش لأعرّف الناس معنى محبة الله. هذا الإيمان ليس مسيرة فريدة، بل مسيرة جماعية نحو الله، دعوةٌ وجهها ربّنا للجميع، وكلّف الكنيسة بأن تحملها للجميع: "فآذهبوا وتلمذوا جميع َالأمم، وعمذوهم باسم الآب والأبن والروح القُدس، وعلّموهم أن يحفظوا كل ما أوضيتُكم به"، وها أنا معكم طوال الأيامِ إلى نهاية العالم" (متّى 28: 19). ولذلك، لا نُعلنُ: أنا أؤمنُ، بل: نؤمنُ. من هنا جاء مُبادرة الكنيسة في ان نبدأ مسيرة حج إيماني جماعي: سنةُ الإيمان. فالإيمان ليس مجموعة أفكارٍ أو عقائد نُعلنها، بل هو في أساسهِ علاقةٌ شخصيةٌ مع الله، عارفين أنه غيّر حياتنا، وهو ليس ماضياً هو دائماً معنا: عمانوئيل. الله الذي ترَكَ سمائهُ ليكونَ معنا، ويسير على طُرقاتنا، وأختبرَ آلامنا، وشعر بهمومنا، ليُعلّمنا كيف نحيا الحياة، وكيف لنا أن نصلَ إليهِ. لذلك، تُعلم الكنيسة أن قانون الإيمان الذي نُعلنهُ هو حياة الله في حياة الإنسان. إعلانٌ لأعمال الله في حياة الإنسان، وهي ليست أفكار بل شهادة: الذي سمعناهُ، الذي رأيناه بعيوننا، الذي تأملّناهُ، الذي لمستهُ أيدينا من جهة كلمة الحياة ... لأن الحياة ظهرتَ ورأيناها، ونحنُ نُبشركُم بالحياة، يقول يوحنّا في رسالتهِ الأولى (1 يو 1: 1-2). عماد يسوع (1: 9- 11) تعرّفنا الآن، وعلى مُباشر، مَن هو الربُّ المُخلّص: هو يسوع من ناصرةِ الجليل. هو شخص تاريخي، فالمسيحية ليست بدعة أو أسطورة، أو قصة من مُخيلة الرُسل، بل هي مؤسسة كُلياً على حقيقة تاريخية، على شخص له تاريخ وعائلة. سلّم ربّنا يسوع نفسهُ طوعاً لمعموذية ِالتوبةِ التي أعلنها يوحنا، وبالتالي اعترف بحكمِ الله وتدخلهِ الحاسمِ في التاريخ. قدومُ ربّنا يسوع إلى يوحنا إنمّا هو تثبيتٌ لرسالةِ يوحنا، لأن يسوع من ناصرة الجليل، هو يسوع المسيح إبنُ الله، فليسَ عماده ثبّتَّ بنوّتهُ، بل أن بنوّتهُ ثبتت إرساليةَ يوحنا. كثيرون هم الذين جاؤوا إلى يوحنّا يطلبون العماد، ولكنَّ يسوع وحده قَبِلَ انفتاح السموات، نظراً لطاعتهِ التامّة لله. فالله، الذي وعدَ بالخلاص، وطلبَ من شعبه أن يستعدَ للقائه: وقال الربُّ لموسى: "اذهب إلى الشعب وقدّسهُ اليومَ وغداً، وليغسلوا ثيابهم" (خر 19: 10)، هذا الوعد، حفّز في الإنسان التوبةَ، وهو الذي جعلَّ ربّنا يسوع يتقدم نحو معمودية التوبة التي أعلنها يوحنا طاعةً لله، ومُكرساً نفسهُ لله بالإيمان. فجاء جوابُ الله: أنت آبني الحبيب، عَنكَ رضيتُ"، ليُثبّتَ البنوة الكاملة من خلال الإنسان الحقّ الذي تابَ على نحوٍ تام. التوبة التي تعني العيش تحت حُكمِ الله. نزلَ الروح عليه كأنهُ حمامةٌ ليُعلنَ لنا أن ربّنا يسوع هو الخليقة الجديدة التي خلقها الروح، ذاك الروح الذي كان يُرفرفُ على وجه المياه في بدءِ الخليقة (تك 1: 2). الحمامةُ التي جاءت بسلام المُصالحة ما بين الله والإنسان (تك 8: 22)، تأتي اليوم لتُعلِن المُصالحة من جديد. هو الأبن الذي تربطهُ بالآب علاقةٌ أبدية، فلم يُصبح ربنا يسوع ابنا لله في العماد أو في التجلي، بل هو ابن الله الوحيد الذي أفاضَ عليه الروح القُدس. انشقاق السموات، ونزول الروح وسماع صوتُ رضى الله لا يعني تغييراً في حالة ربّنا يسوع من إنسان إلى إلهِ، بل هي تعبيرٌ عن رضى الله وفرحهِ بطاعة (إيمان) ربّنا يسوع وقبوله ِدعوته بأن يكون الخادم لمشروع الله. الله الذي ربطَ مصيرهُ مع الفقراء والمظلومين: "فقال الربُّ إني قد رأيتُ مذلةَ شعبي الذي بمصرَ، وسمعتُ صُراخهُ بسبب مُسخريهِ، وعلمتُ بالآمهِ، فنزلتُ لأنقذهُ من أيدي المِصريين وأُصعدهُ من هذه الأرضِ إلى أرضٍ طيبةٍ واسعةٍ، إلى أرضٍ تدرُ لَبناً وعسلاً،". (خر 3: 7- 8) هو ابن الله، وحاملُ محبّةِ الله، وستتبعُ الكنيسة خُطاهُ. هنا نُبشّر بشيءٍ من سرّ الله الثالوثي: الآب الأبن والروح القُدس. الله المحبة التي تعني أن فيه مَن يُعطي الحُب، ومَن يقبلهُ، بل هو الحُب نفسه. "أنت آبني الحبيب، عَنكَ رضيتُ"، فالله هو الآب، والأبن يقبل رضى الله، والرضى هو الروح القُدس الذي ينطلق من الآب ويقبلهُ الأبن. نحن أمام سرّ الله، وليس لنا إلا تعابيرنا الإنسانية الفقيرة لكي نتلّمس هذا السّر العظيم، والذي دعانا اليه الله نفسه. قَبلَ ربّنا يسوع رضى الله الآب، وأرادَ أن ينشرهُ بيننا. صارَ رضى الله جسداً بيسوع المسيح ليقولَ لنا أن الله يفرح بوجودِ الإنسانِ معهُ. خرجَ ربّنا يسوع إلى البريةِ كعضوٍ من الشعبِ الذي ينتظرُ منه الربُّ الإلهُ توبةً كاملةً. هو ابنُ الله وعليه ِأن يخرجَ إلى البرية ليُعاد تثبيتُ البنوةُ التي الإنسان بابتعاده عن الله. عليه أن يخرج إلى البرية ليُجدد صورة الإنسان التي تشوهّت إذ قرر الإنسان أن يعيشَ بعيداً عن الله. في البرية قررَ الله خلقَ شعبٍ جديدٍ، فخرجَ ربّنا يسوع مع هذا الشعبِ المُحتاج إلى التوبةِ من دونِ أن يعزِل نفسهُ عنهم وعن خطاياهم. فكان ربّنا يسوع الجليلي الوحيد الذي سَمِعَ دعوة يوحنا للخروجِ إلى البريةِ، من بين كثيرين من اليهودية وأورشليمَ الذين بخروجهم برهنوا انهم عصوا وصيةّ الله وعادوهُ. أما ربّنا يسوع فبيّن أمانتهُ وأنه ابن الله الوحيد، والذي لم يفصلُ نفسهُ عن الشعب المُتمرِد المُحتاج إلى الفداءِ. فكانَ باراً، أي مُحباً لمَن هو بحاجةٍ إلى العونَ فوقفَ إلى جانبهِ، فتواضعِ ورافقَ الخطأة نحو البريةِ مثل موسى، ليُجددَ بنوّة الشعب لله. انتصاره الأول في البرية (1: 12- 13) بعدما كَشفَ الله هويّة ربّنا يسوع في العماد، إنهُ الأبنُ الحبيبُ، الأبنُ الوحيد، آدمُ الجديد ابن الله الوحيد الذي خُلِقَ على صورةِ الله. وانطلقَ نحو البرية مُجهزاً بالروح. قادهُ الروح الذي حلَّ عليهِ في عماده إلى البرية. هناك علاقةٌ وثيقةٌ ما بين العماد والتجاربِ في البرية عبّر عنها مرقس الإنجيلي بعبارة: "وفي الحال"، وكأن التجارب في البرية هي نتيجة لعماده. فطاعتهُ لله قادتهُ إلى البرية للعماد من جديد، وهي نفس الطاعة التي ستجعلهُ يبقَ في البرية حتّى يأذنَ له الروح. بقيَّ في البرية أربعين يوما قبل بدءِ إرساليّتهِ ليُذكرنا مرقس بموسى وإيليا رجالُ البريةِ، ويثبُت وينجح حيث فَشِلَ آدم الأول، وينتصر حيثُ انهزَمَ الشعبُ، فأعادَ الحالة الفردوسية حيث يعيشُ الجميعُ بأمانٍ فلا تُهاجمُ الوحوشَ الإنسانَ، وتكون الملائكةُ في خدمةِ الإنسانِ. وهكذا، فتحَ ربّنا يسوع أبوابَ الجنّة من جديد، وزولَ حُكمُ الشيطانِ، لقد بدأ الزمنُ الآواخري مع يسوع. هذا الزمنُ الذي فيه سيُواجهُ الشيطان ومحاولاتهِ إبعادَ الإنسانِ عن الله، لذا، جعلَ مرقس حياة يسوع مواجهةً مُتواصلة مع الشيطانِ الذي لم يكف عن تجربتهِ، ولم تتوقّف الملائكةُ عن خدمةِ يسوع مثلما رافقت إيليا في رحلتهِ إلى البرية. بيّن الله، بيسوع المسيح، أنه قادرٌ على الظفر والانتصار على الشر الذي يُعادي إقامةَ ملكوتهِ، وأن معه الحياة، فلا مجال لليأس (تلميذي عمّاوس). وبما أنه فعلها بيسوع لمسيح، فهو مُستعدٌ أن يُجددها يومياً مع كل إنسان يُؤمنُ أنه محبوبُ الله. ولكن علينا أن ننتبهَ أن مرقس لا يقول لنا أن تجاربَ الشيطان انتهت، ولم يُخبرنا عن مضمونها (مثلما فعلَ متّى ولوقا)، بل يقول: "يُجربهُ الشيطان"، فالتجارب لن تنتهي بل ستتواصل، وهي تتطلّب الطاعة التامة لله للتغلّب عليها. تبشير يسوع بملكوت الله (مر 1: 14- 15) كان اعتقال يوحنّا إيذاناً ببدءِ نشاطِ ربّنا يسوع المسيح في الجليلِ، والذي لا يدخل مسرحَ الأحداث من تلقاءِ نفسهِ، بل ينتظرُ إشارةً من الله، وتسليمُ يوحنا للموت كان نهايةً لمعموديةِ التوبة، وعلامةً من الله له ليبدأَ الكرازة ببشارة الله؛ بإنجيلهِ. هذا الإنجيل لن يحملهُ شعبٌ يُؤمن بأنه "شعبُ الله المُختار:، فيفتخِر ويتعالى، بل شعبٌ سيسير خلف مُعلمه المصلوب والمُهانَ. علينا أن نعرِف أن إنجيل مرقس كُتبَ إلى جماعة روما التي اضطربت جداً باستشهاد بطرس وبولس سنة 63-67، فتراجع بعضُ المسيحيين وتخلّوا عن إيمانهم، وكأن كل شيءٍ إنهارَ على نحوٍ مُفاجئ. حدثت أزمة كبيرة داخل الكنيسة الأولى، وهي ذات الأزمة التي واجهها ربّنا يسوع في ساعة الآلام: خيانة يهوذا، نُكران بُطرس، هروب التلاميذ ... ليكون تسليم يوحنا لا نهاية قصّة الله، بل بدايتها. انطلقَ ربّنا يسوع ليُعلِنَ انجيل الله؛ بشارتهُ في جملتانِ قصيرتانِ: انتهى زمنِ الانتظار وبدءِ زمنُ الخلاص الآتي: "اقترب ملكوتُ الله". ثم أعلنَ ما المطلوب من الإنسان: التجاوب مع هذا الاعلان: "التوبة والإيمانِ". فإلهنا قررَ أخيراً التدخل الحاسم في تاريخنا، فأرسلَ ابنهُ في لحظةٍ تاريخيةٍ من الزمن، ليُواصل فعلهُ الأول: اختيارُ إسرائيل وخلاصهم فيُتمَّ وعدهُ الخلاصي. فالماشيحا، الممسوح هو بينَ جماعة ِالعهدِ الآن، ومن خلالهِ بدءَ فعلُ الله الخلاصي. فرّبنا يسوع يتحدّانا كونهُ كلمة الله الأخيرة وفعلهُ الحاسم. خلاصُ الله هو باعثُ لتوبةِ الإنسان، لأن فعلَ الله يسبقُ فعل الإنسان، بل يُحفزهُ. إلهنا يُبارِك تاريخ الإنسان ليضمنَ خلاصَ الإنسان الذي تغرّبَ عنهُ بتمردهِ وخطاياهُ. وخلاصُ الله صارَ بظهور ربّنا يسوع المسيح، والذي فيه يُؤكد الله حضورَ ملكوتهِ، ولا يُمكن للإنسان أن يبقى حيادياً أمام جودةِ الله ورحمتهِ. فمثلما حسمَ الله أمره، هكذا على الإنسان أن يحسمَ أمره هو الآخر: أن يتوبَ ويُؤمن، وهو الفعل الذي يُؤهلُ الإنسان ليشتركَ في فرحِ هذه الملكوتِ، وهذا سيكون من خلال تباعةُ يسوع. هذه هي البشارةُ: "إلهُنا آتٍ" فيملُكَ على حياتنا: "ملكوتُ الله". وملكوت الله هو الحياة الأبدية التي تبتدئ في تباعة يسوع في الكنيسة. تاريخ يسوع هو تاريخ قدومِ الملكوت، وتاريخ الكنيسة هو تاريخ نمّو الملكوت والذي سيتكملُ عن مجيءِ يسوع الثاني. ملكوت الله لم يُبشّر ربّنا يسوع بنفسهِ، بل بشّرنا بالله؛ الله الذي ارتبطَ مع الإنسان بعلاقةٍ، وطلب مّنا أن نضع كل حياتنا تحت أنظاره؛ ملكوتهِ. بالطبع، لا يقصد ربّنا يسوع بـ "ملكوت الله" منطقة أو مكاناً محدداً، خارج أو فوق هذا العالم، بل يعني فيها المجال الذي يتسلط فيه الله، فلا مجال للكذب والأنانية أو التسلّط أو العنف والكبرياء والجشع، وهي علاماتُ عالم الخطيئة، بل علينا أن نختارَ أن نكون في عالمٌ تسوده المحبة حيثُ الألفة والطيبة والسلام والمُصالحة والتسامح والغفران واللطفُ. ربّنا يسوع إذن يهتم بهذه الدنيا وهو يُبشّر بملكوت الله الذي يجب أن يسودَ عالمنا. وهو لم يُلغِ المستقبل الأواخري كإتمام ملكوت الله على الأرض. على العكس من ذلك، يُثبته في أسس إنسانية. ولكن علينا أن نفهم أن لا معنى لملكوت الله في الآخرة إلا انطلاقا أولاً من ملكوت الله في هذه الدنيا. فقد أعلنَ ربّنا يسوع أن ملكوت الله يعني فرحاً وخيراً للناس، وهذا الخير وهذا الفرح حقيقةٌ ملموسةٌ. فالإله الذي يُصوره يسوع في أمثاله هو إلهٌ يهتم بالناس، ويعتني بالإنسان. الله النعمة (المحبّة)، وهكذا يقلب المفاهيم على نحوٍ جذري، فالناس تعتقد أن ملكوت الله يعني بالضرورة السيادة والتسلّط، في حين أن ربّنا يقول أن ملكوت الله يعني محبّة خدومة واعتناءٌ بالناس. فتتجلى سيادة الله في دخوله في تاريخ التألم البشري وتضامنه المتواضع بمصير الإنسان المُتألم. ملكوت الله هو نشاط الله الخلاصي داخل تاريخنا البشري. فكان الفقراء والمتألمون والجائعون والعطشى والغرباء والمرضى هم المُبَشرونَ والمُبشرين الأوائل في كرازة يسوع بالملكوت. هم ليسوا موضوع أعمال الرحمة والإحسان، بل علينا أن نفهم أنهم في عيون الله، هم يحملون وعد الله الخلاصي في التاريخ. و"الفقراء" ليست لفظة نظرية مجردة، بل هم ناس واقعيين في التاريخ، يعيشون في بيئة أنهكتهم، وسلبتَ منهم كرامتهم الإنسانية. دعوة التلاميذ الأوائل (1: 16- 20) واصلَ ربّنا يسوع رسالتهُ وقدّم لمُستمعيهِ معنى أن يتوبَ الإنسان؟ وهو أن يتركَ كلَّ شيءٍ التزمَ فيه في اللحظة الحاضرة، ليتوجّه نحو الجديد، والتباعة تعبيرٌ أصيلٌ لمعنى التوبة، فتكون التوبة والتباعة وجهانِ لعُملةٍ واحدةٍ. فالدعوة والتباعة والإرسال مفاتيح أساسية لفهم بشارة مرقس، والتي تتطلّب جواباً شخصياً من الإنسان. الداعي هو ربّنا يسوع، وهو ليس كمثلِ الأنبياء يختار تلاميذه بناءً على أمرٍ إلهي. ربّنا يختارُ هو بنفسهِ ليُعبّر فيه عن سُلطانهُ الذي هو سلطان الله نفسهُ. فصيادة الناس هي مهمّةُ الله، وهوذا المُعلمُ يكملُ عمل الله، بل يدعوهم ليُكونوا شهوداً على إعلانِ يسوع عن القُربِ الوشيكِ لملكوتِ الله، وعن ضرورة عودة الإنسان إلى الله من خلال فعلِ اهتداء جذري، وهكذا تتحقق مواجهةُ التائب مع الله من خلالِ إيمانهِ والذي سيقودهُ إلى الخلاص، ويواجه غير المؤمنِ الدينونةَ، وتمتد رسالتهم لتتجاوز موقف الشهادة، ليكونوا رُسلاً فيذهبوا إلى حيثُ لم يذهب ربّنا يسوع. ولكنّ عليهم أولاً تباعتهُ فهو الذي يسبقهُم دوماً، وهي نفس الدعوة التي ستوجّه إلى بطرس والتلاميذ بعد القيامة: هو يسبقكم في الجليل وهناك ترونهُ كما قالَ لكم. ومضمون هذه التباعة هو الشهادة لمعنى دعوة يسوع الأولى: "أُكمل الوقت واقترب ملكوت الله: توبوا وآمنوا بالبشارة"، ومضمون البشارة يتضّح من خلال الخدمة: "الذي لم يأت ليُخدَم بل ليخدُم ويفدي بحياته جماعة كثيرة" (10: 45). تعليمٌ جديد: إنه يُعلمُ بسُلطان (مر 1: 21- 28) إخراجُ الروح النجس هي أولى نشاطات ربّنا يسوع حسب إنجيل مرقس علامةً على أهميّتها، لأن مرقس يجعل منها فرصة للتعليم. "قدوس الله" جاء ليهلِكَ الشيطان وقوّاتهِ الطاغية، كونهُ مجهزٌ بالروحِ القُدس، روح الله، وهو يعلمُ مشيئةَ الله ويُعلّمها، لا مثل الكتبة الذين يُعلمون وصايا الناس ويُهملون وصيّة الله (7: 7- 8). ربّنا يسوع يعمل ويُعلّم، ويُعطي للعمل كلامٌ وتعابير. وتعليمهُ ليس بدء نقاش أو تأملاّتٍ، بل كلامٌ آمرٌ يُثيرُ إعجابَ الناس واندهاشهم. أمام يسوع لا يُمكن للإنسان إلاّ أن يضطرّب ويتساءل حالهُ حالةُ السمكة في شبكة الصيّاد إذ تتخبّط تحاول الإفلات من واقعها، وهنا يرى التلاميذ الأوائل معنى: هلّما ورائي! فأصنعكما صيادي بشر". سيطر الروح النجس على هذا الإنسان إلى درجةٍ أنه دمّر حياتهُ، فطغى عليه ِكُلياً، إلا أنه شعرَ بالتهديد المُباشر في حضور ربّنا، فأعترَف الروح النجس على حضور "قدوس الله"، فجرّبَ بعضاً من حيلهِ في محاولةٍ لصدّه، فلفُظ اسم ربّنا يسوع في ليسيطر عليه: "أنا أعرفُ مَن أنت"، فيأتيه الجوابُ حاسماً من دون مُقدمات أو تعوايذ أو حركاتٍ سحرية، بل كلامٌ آمرٌ لا يقبلُ المناقشة: ""اخرس!" و"أخرج منه!" أسكتَ ربّنا يسوع الشيطان: أخرس، لأنه لم يرغب أن تُكشَف هويتهُ من خلال العجائب، بل من خلال السير بأمانةِ في طريق الألم والموت والقيامة. وهكذا يُسلّم المرض روحهُ النجس ليستلِم روح يسوع؛ "الروحَ القُدس". فيُثيرُ هذا تعجّبَ الناس واندهاشهم، وخوفهم في ذات الوقت تعبيراً عن حضورٍ إلهي، وهكذا ينشأ السؤال عن هوية يسوع، وبالتالي توبةٌ واهتداء إلى الله. حتّى مرضُ الإنسان صارَ فرصةً للاهتداء. شفاء من عِلل كثيرة (1: 29- 34) ينقل إلينا مرقس الإنجيلي أولى ذكريات بطرس (سمعان) مع ربّنا يسوع المسيح، إذ يُخبرنا ومن خلال قصّة مُختصرة جداً كيف أنَّهم أخبروه عن حماته وعن مرضها الذي جعلها طريحة الفراش، فدنا منها ربنا يسوع وشفاها فقامت في الحال لتخدمهم. نحن نعرِف أن الخدمة تتطلّب الوقوف لتلبية احتياجات الضيوف، فبيّن لنا مرقس الإنجيلي إتمام َالشفاءِ وفوريّته، ويُخبِرنا في ذات الوقت عن أن التي بُورِكت بنعمةِ الشفاء، استجابت للنعمة من خلال خدمتها. في إشارة إلى ما ينتظره الله من الكنيسة جمعاء التي نالت الخلاص نعمة. هي كنيسةٌ مُخلَصةٌ، فهي إذن كنيسةٌ خادمة. أطاعَ سمعان بطرس ربّنا يسوع المسيح فتبِعهُ ليكون صيّاد الناس، وها هو يحصد أولى ثمارَ طاعتهِ، إذ نالَ بيتهُ الخلاص في استجابة للطاعة الكاملة التي أظهرها بطرس في تباعتهِ لربنا يسوع المسيح. كما وجذبَ هذا النشاط العديد من الناس نحو ربّنا يسوع طالبين الدنو منها ليشفو من عللهم وأمراضهم بعد أن قيّدّ الشياطين وحجّم نشاطهم. لم يتعرّف الناس على مغزى رسالة ربّنا يسوع: الدعوة إلى التوبة وقٌرب ملكوت الله، لأنهم أرادهُ شافيا للأمراض ليس إلا وفعلَ ذلك مُحباً ومُنعِماً، ولكنَّ الشياطين عرفتهُ إلا أنه رفض أن يكون الخلاص من عبوديتهم من خلال اجتراح ٍالمعجزات، لذلك أسكتهم فلا تُكشَف هويته من خلال المعجزات، بل من خلال السير نحو أورشليم، وحمل صليب الألم والموت.
قراءة 4608 مرات آخر تعديل على الإثنين, 30 تشرين2/نوفمبر 2015 03:23

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *