ندوة الكتاب المقدس
الأحد, 01 نيسان/أبريل 2012 10:12

الندوة الكتابية اللقاء الثالث والأربعون

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
الندوة الكتابية اللقاء الثالث والأربعون المُقدمة المؤمنون إذن أُناسٌ فيهم مهابةُ الله وتقديرٌ عالٍ للإنسان القريب، فلا يتعدون على حياتهِ، بل يسعون نحو الحفاظ عليها من دونِ أن تتعرّض إلى انت
الندوة الكتابية اللقاء الثالث والأربعون المُقدمة المؤمنون إذن أُناسٌ فيهم مهابةُ الله وتقديرٌ عالٍ للإنسان القريب، فلا يتعدون على حياتهِ، بل يسعون نحو الحفاظ عليها من دونِ أن تتعرّض إلى انتهاكِ. المؤمنون شعبٌ لا يرتكب جريمة القتل، وكلُ قتيلٍ يضحى وصمةَ عارٍ على الأرض، لأنه تعدٍ على الإنسانِ، وانتهاكٌ لصورة الله المخفيةِ فيه، وتكبرٌ على الله الخالق، فدمُ القتيل يصرخُ إلى السماء: "وصرخَ يسوع صرخةً قويةً: "يا أبي، في يديكَ أستوعُ روحي"، قال هذا وأسلمَ الروحَ. (لو 23: 46). إلا أنَّ الله يُؤكّد أن قتلَ القاتل لا يُعيد للصورةِ بهائها، فكان لابدّ من وقف سلسلة العنف هذا، فحصرَ الله حقَّ الانتقامِ لنفسهِ: "لي الانتقام يقول الربُّ" (تث35:32). وهكذا يُمكن للإنسان أن يعيشَ بسلامٍ مع القريب. ولكنَّ رفاهية الإنسان لا تعتمدُ على الحفاظ على حياتهِ الجسدية فحسب، بل على مجملِ حقوقهِ الإنسانية والتي تجعل الحياة ممكنة على الأرض، لذا، وجَبَ الحفاظ عليها. وكلُّ تعدٍ على هذه الحقوق، سيكون تعدٍ على حياةِ الإنسان، بل قتلٌ أيضاً، وانتهاكٌ لحقوق الله، وعودةٌ إلى عبوديةَ مصرَ، حتّى وإن كانوا خارجها، لأن عبودية مصرَ ليست حدثاً بل ظاهرةً يحملها الإنسان في حياتهِ: "وكلّمَ الربُّ موسى قائلاً: "خاطِب بَني إسرائيلَ وقُل لهم: "أنا الربُّ إلهكم. كصَنيعِ أرضِ مصرَ التي أَقمتم فيها لا تصنعوا، وكصنيعِ أرضِ كنعانَ التي انا مُدخلُكم إليها لا تصنعوا، وعلى فرائضهم لا تسيروا. اعملوا بأحكامي واحفظوا فرائضي وسيروا عليها. أنا الربُّ إلهُكم، فأحفظوا فرائضي وأحكامي. فمَن حفظها يحيا بها: أنا الربُّ". (لاويين 18: 1- 5) الكلمة السابعة: لا تزنِ (خر 20: 14) ينظرُ الله إلى الإنسان نظرةً شاملةً تتضمنُ علاقاتهِ كلّها: علاقتهُ بهِ وعلاقتهُ بالقريب، وتأخذ هاتان العلاقتان أهميةً مُطلقةً إذ لا مجالَ لعلاقةٍ ثالثةٍ: علاقةٌ مع نفسي. إلهنا أعطى حياتهُ كلّها للإنسان، وينتظر من الإنسان أن يبذلَ حياتهُ هو الآخر من أجل الله ومن أجل القريب. فلا يقلقَ الإنسان مُهتمّاً بنفسهِ، فالله هو الخالقُ وهو المُدبّر (متّى 6: 25- 34). ويعرِف الله الخالِق أن الإنسان سيختار شريكَ الحياة؛ عونهُ، وحتّى لحظة اختيار شريك الحياة كان له أن يعيش ليتذوّق معنى الحياةِ، ولكنّه ومنذ لحظةِ اختياره شريكَ الحياةَ صارتَ حياتهُ وحياة شريكهِ واحدة: "ولِذلكَ يتركُ الرجل أباهُ وأمّه ويلزم امرأتهِ فيصيران جسداً واحداً" (تك 2: 24). هذه الوحدة لن تنفصلِ، وعلى الإنسان الحفاظ عليها. من هنا، جاءت هذه الكلمة: "لا تزنِ" لتقول: اسعَ يا إنسان على الحفاظ على حياةِ القريب، واحترمهُ في كلِّ علاقاتهِ فلا تطلب منه أن يعبُدَك، ولا تتعدّى على جسدهِ ولا تتعدّى على شريكَ حياتهِ. كُن نقياً في أفكارِكَ تجاهه فهو ليس سلعةً بين يديكَ. الزنى علاقةٌ جنسيةٌ مع شخص ثالث ارتبطَ هو الآخر بزواجٍ، فليس الزنى علاقة جنسية بين اثنين غير متزوجين (هذه تُسمّى دعارة وفسق)، الزنى يفترِض أن أحد طرفي العلاقة مرتبط بزواج، بعهد مع آخر، وعلى الإنسان أن لا يتدخل بين الانسان الآخر وشريك حياته، فإن حصلَ وتدخّل الإنسان فيكون ارتكبَ جريمةَ القتل بحقِ إنسان بريء، فلما الحياة من دونِ الشريك الذي أختاره الإنسان ليُواصل الحياةَ معهُ؟ الإنسان الذي يقع ضحيةَ فعل الزنى سيشعر حتماً أن لا أمانةَ في الحياةِ، ولا يوجد مَن يفي بوعدهِ، بل إنَّ الله غُيّبَ تماماً فصارت شهواتُ الإنسان هي التي تحكمُ الحياة، ويكون القريب لا فرصةَ علاقةٍ مسؤولةٍ، بل فرصةً لتحقيقِ شهوةٍ ليسَ إلا، وهكذا يُجرّدُ الإنسان من إنسانيتهِ؛ يُقتَل. الإنسان الزاني إنسانٌ لا يُؤمنُ بالعهود ولا بالأمانةِ لها، فلا يحترمها وهكذا يرفضُ كلَّ عهدٍ ما بين إنسانٍ وإنسان مع أنهُ يعرِف أنه هذه العهود أُسست على عهدِ الله مع الإنسان. لذا، فهو في زناهُ يرفضُ عهدَ الله. هذا الرفض سيحوّل المجتمع إلى حالةٍ من الفوضى للتفسّخ والفساد الذي يعيشهُ بسبب انعدامِ الحُب والأمانةَ لهذا الحُب، فلا تقديرَ واحترامَ للقريب، ولن تظهر مشاعر الحنان والحبُ صريحاً، بل تضحى تعاملاتِ الناس مجرّدة من الوفاءِ ومحكومةً بالأنانية المتطرّفة والخيانة المتواصلةِ. لا تزن، كلمةُ يُريد الله بها أن يُعلّم الإنسان كيف له يتقوّى ويقومَ إنساناً ناضجاً حُراً حتت من شهواتهِ، فلن يكون عبداً لها، بل يُسيرّها وفقَ إرادةِ الخالِق. لا تزنِ: دعوةٌ للأمانةِ، دعوةُ للغفران الوفاء هو الدم الذي يُحي علاقاتِ الإنسان كلّها: علاقتهُ مع الله فيُشرِك في عبادتهِ إلهٌ أو شخصٌ آخر، ووفاءٌ في علاقتهِ مع الإنسان القريب فلا ينتهِك هذه العلاقات ولا يتجاوز على حُرمتها. وللحفاظ على الحياة ومن أجل ضمانِ تواصلها، يجب حمايةُ الأسرة من أي شرٍ يضرُ بها، فمن دونِ أُسرةٍ مترابطةٍ لا مجالَ للمجتمعِ بأن يتواصل. فالأسرة الأمينة تعبيرٌ أصيلٌ عن معنى وقوّة الوفاءِ كونها تتطلّب عطيّة الذات والحنان والرعاية والمُساندةِ المُتبادّلة والاحترام والمبنية على الثقة المُطلقة بالآخر؛ شريكَ الحياة، فيعيش الإنسان حرّيتهُ وشهواتهِ بحسِ المسؤولية الرفيع. إلهنا اعطانا الحياة؛ خلقنا، وجعلَ فينا سُبلَ إنمائها فخلقَ فينا انفعالاتٍ عاطفية وانجذابٍ لنعقدِ علاقاتٍ مع الآخرين، وهكذا، في ارتباطِ الرجل والمرأة يعيش كلاهما معنى التكامُلِ، فكلاهما صورةٌ لقُدرة الله وحنانهِ، وبكرامةٍ مُتساويةٍ، ومن اتحادهما تتواصل الحياة. هذه هي الصورة الأولى التي أبدعها الله وشوهها الإنسان إذ تنكّر لها بقساوةٍ قلبهِ وتعبدّه لشهواتهِ. لذا، أرادَ ربّنا يسوع أن يُعيد للصورةِ الأولى بهائها فما جمعهُ الله لا يُفرّقهُ إنسان (متى 19: 6). أمانةُ الزوجين مؤسسةٌ على أمانةِ الله؛ إلهنُا أمينٌ. فالإنسان الذي يتدّخل بعنفٍ في حياة القريب ويُدمّر شِركة حياة تعهدَ فيها مع شخصٍ آخر، فهو يرتكبُ فعلَ قتلٍ مُتعمّد لهذا القريب فيتنكّر حقّه في اختيار شريكِ الحياة، ثم يتنكر لإنسانيّته الحُرة. هنا، لا يتنكّر الله للصعوبات التي تواجهُ مثلُ هذه العلاقة، ولا يتجاهل الغرائز الإنسانية التي تدفعُ الإنسان لأنَّ ينظرَ إلى القريب بنظرةٍ استهلاكية: الآخر هو لحاجتي، بل يُقرُّ بها ولكنّه يُذكِر الإنسان بانهُ مدعوٌ لعيشَ الصورة والمثالَ الذي جعلهُ الله فيه منذ البدء، فلا ينحرِف ولا يُحرّف هذه الصورة أو يُشوهها. الحُب الإنساني بناءٌ يومي يتثبّت بالجُهدِ والتعب والاحترام الصادق والحنان والرعاية والتسامح والبركة المُتبادلة والتي تهدف نحو خير القريب، وليس لراحتهِ فقط (ونستهِ). الحب لا يعني أن أبحث عن راحةَ الآخر بل عن خيرهِ، وهذا يتطلب كمّا كبيراً من الأمانةِ المُتبادّلة، وكثيرٌ من الغفران للخيانات الجسيمة التي نشوّه بها علاقاتنا؛ وفي مواجهةِ كلِّ خيانةٍ يصرخُ ربّنا يسوع قائلاً: "يا أبتاه أغفر لهم لأنهم لا يريدون ما يفعلون". لا تزنِ: دعوةٌ للطهارةِ يُخطأ البعض عندما يتصوّر إن الانجذاب الجنسي أمرٌ مُخطئٌ في الإنسان، متناسين أن الله خلقَ فينا كلَّ شيءٍ حسن، بل حسنٌ جداً (تك 1: 31). فالجنس ليس شراً بل فرصةٌ للارتباطِ والتكاملُ مع المُختلِف جنسياً من أجل الحفاظ على الحياة البشرية وديمومتها. وهو ليس احتكاراً للآخر من أجل مُتعةٍ يشعر بها الإنسان ويُريدها، بل يتضمن عطاء َالذات الذي يحملُ معهُ تضحياتٍ جسيمةٍ يقبلها الإنسان بالتزامٍ مسؤول وسخاءٍ مُحب. لا تزنِ دعوةٌ ليتعلّم الإنسان كيفُ يُسيطر على هذه الشهوة فيسيرَ بها نحو الهدف الذي خُلِقتَ من أجلهِ: خيرُ الإنسان وديمومةُ الحياة. الجنس موجهٌ في الإنسان نحو الحُب الزوجي بين الرجل والمرأة، ولا يُمكن فصلُ خيرهما الإنساني والمسؤولية التي وهبها الله لهما في نقل الحياة عن بعضهما. فالغرائز ليس مُهينةً أو معيبةً، وليست فرصةً للخطيئة والانفصال عن الله، بل هي جزءٌ من إنسانيّتنا التي فيها ملكةُ العقل والإرادة. فالإنسان هو هذه كلّها معاً، وعليه أن يستخدِمَ هذه ليُنظّم حياتهُ بالعفة والطهارةِ التي ترى الإنسان شريكَ الحياة لا فرصةً للاستمتاعِ الأناني فحسب، بل طريقاً للتكاملِ الإنساني. وأمّا أنا فأقولُ لكم ... (متى 5: 27- 32). جاءَ ربّنا يسوع ليُعرّفنا كيف كانت الصورةُ الأولى للإنسان وكيف أن الإنسان شوّه هذه الصورة، ليس فحسب، بل كيف له أن يُعيد لهذه الصورةِ بهائها الأول. فهو لم يأتِ ليُعلنَ لنا قائمة من قوانين ومُشترعاتٍ أخلاقية، بل جاء ليضعنا على الطريق الذي يُوصلنا إلى الله. عندما سألهُ عن الزواج، ذكّرهم ببهائهِ الأول، بقصد الله وكيفَ أن الله هو الذي جمعَ الرجل والمرأة وصيّرهما جسداً واحداً، وعلى الرجل والمرأة المحافظة على هذا الزواج في السرّاء والضرّاء، وهكذا تجاوزَ شرائع موسى، لأنه هو مانحُ الشريعة. فحلّ المشاكل الزوجية لا يكون باقتراح علاجاتٍ آنية لها، بل بالعودة إلى نظامَ الخلقَ الأساسي الذي وضعهُ الله كما اُعلِنَ في سفرِ التكوين، على الرغم من صلابةِ القلوب البشرية وقسوتها، القلوب المُغلقة على نفسها فتبحث عن راحتها (ونستها) دون اكتراثٍ بالقريب. فربطُ الزوجين معاً في مسيرة أمينة طوال الحياة هي قصدُ الله، وأمّا الانفصال فهي حالةُ خطيئة، تصلّبُ القلبِ، وستبقى هذه دوماً حالةُ خطيئة. لأن الله عارفٌ بأنَّ الإنسان بحاجةٍ إلى رفيق؛ عونٌ يسندهُ: "وقالَ الربُّ الإله: "لا يحسنُ أن يكونَ الإنسان وَحدهَ، فلأصنعنَّ له عوناً يُناسبهُ" (تك 2: 18)، فاندهشَ آدم عندما رأى المرأة: "هذه المرّة هي عظمٌ من عظامي ولحمٌ من لحمي هذه تُسمّى امرأة لأنها من أمرئ أُخذت" (تك 2: 23). فالرجل والمرأة مدعوان لأن يسيرا معاً الحياة في استجابةِ لدعوةِ الله لهما إلى الوحدة والإنجاب، إلى حُبٍ سخي في العطاء، وهذا يفترِض بالضرورة وجود الاحترامِ المُتبادَل، لأن ما يجرح العلاقة الزوجية ليس الخيانة فقط، بل الاستهانةِ بالشريك. فكم من أزواجٍ يعتبرون الزوج رخصة قانونية لممارسة الجنس ليس إلا من دونٍ أي وعي أو التزامٍ كافٍ بما تطلبُه هذه العلاقة؟ كم من أزواجٍ يُجبرونَ زوجاتهنَّ على ممارسة العلاقة الزوجية جبراً؟ لذا، تُوصي الكنيسة بالعفة لا للمكرسين فحسب، بل للزوجين. فكلَّ اتحادٍ زوجي مفعم بالحب هو طريقٌ للقداسةِ، وكل اتحادٍ زوجي خالٍ من الحب موقفٌ أنانيٌّ وخطيئةٌ عظيمةٌ. من هنا جاء قول ربّنا: "سمعتُم أنه قيل للأولين "لا تزنِ". أمّا أنا فأقولُ لكم: "مَن نظرَ إلى امرأةٍ بشهوةٍ زنى بها في قلبهِ. فالزنى يبدأ بالرؤية: "كيف أرى هذا الإنسان"؟ وهذه رؤية القلب، ومن فضلات القلب تتكلّم الشفتان، ثم يأتي الموقف. فربّنا يسوع يعرِف أن القلب قد يستقبلُ التجربةَ وتعششُ فيه، وستقوده إلى إهلاكِ نفسهِ بل إهلاك حياة القريب. ولدينا قصة داود وزناه مع امرأة أوريا الحثي، وكيف قادتهُ الشهوةُ، وهي ليست انجذاباً، بل رغبةً في الفعل الجنسي إلى تنكر إنسانيّته وإنسانية الآخر، بل حتّى قتل الآخر (2 صموئيل 11). الزنى ... خطيئة القلب (2 صموئيل 11) ترك الملك داود العنان لنفسه ولرغباته دون أن يقهرها أو يُسيطر عليها. هفوات وتقصيرات صغيرة قادتهُ إلى أخطاء كبيرة. إهماله لمواقف صغيرة، وقد تبدو غير مُلفتة للنظر، أو لا تستدعي الاهتمام هي التي جرّتهُ لمآسي يرفضها هو شخصياً. ما يُؤلم في خطيئة بتشابع ليس الزنى فحسب، بل أن داود لم يعش هويتهُ، هو إنسانٌ مُرتبطٌ بعهدٍ مع الله، فتغّرب عمّا يؤمن به هو من وعود وعهود. فالمعروف عن داود أنه كان مُحارباً يحترم قواعد الحرب، ولم يحاول أبداً استغلال قوته لثأر غبي من عدوّه. لقد استلم من يوناثان (الابن الأكبر للمك العدو: شاول) كل الإعجاب والاحترام: رداءً وسيفاً وقوساً. هدايا نَصَبَ فيها يوناثان (وهو ولي العهد) داود ملكاً، وقطع معه عهداً. فيما واجه حسداً مميتاً من شاول الخائف على هيبته وسلطته، وفلتَ من الموت مراتٍ كثيرة. في حين أن شاول وقع في قبضة داود وأمسك داود نفسه وتصرف بحكمة أمام "ممسوح الله" (1 صم 24: 5). ويبكي بمرارة رحيل صديقه يوناثان. لكنه، أي داود، ما أن حكمَ وتسلطَ وقادَ حروباً وحقق انتصاراتٍ باهرة، فاجئ الجميعَ بسلوك لا يليق بإنسان العهد، بل لا يليق بأي إنسان يحملُ قيماً إنسانية. فلقد ارتضى بأن يُرسل جنوده للحرب، فيما جلسَ هو يستمتع بأخبار انتصارات جيشه. كسلهُ سيقودهُ إلى مواقف خاطئة، بل إلى خطايا مُميتةٍ لولا شفاءُ الله له. وهنا تكمن غرابة القصة: نظرة إلى بتشابع الجميلة ... استفسارٌ عنها ... استدعاؤها... مضاجعتها... حبلت منه. ليس هناك تفاصيل أخرى. قد نقول انه تصرف عادي بالنسبة لملوك الشرق القديم، رغبات الملك أوامر كما يقول المُتمَلّقون حول موائد الملوك والمتسلطين. لكن الرب لا يرضى بمثل هذه البلاهة والطياشة والتي تقود الملكَ، وهو حامي الفقراء والضعفاء، إلى تهور مأسوي. حاول داود المُهتَم بنفسه جداً حتى الهوس، أن يُصلح الوضع بنفسه: فأرسلَ إلى أوريا (الجندي المُخلص، وهو لم يكن من بني الشعب ولكنه قَبِلَ بأن يلتزِم مؤمناً معهم): "تعال واسترح في بيتك يا أوريا ... وخرجَ الأخير من عند الملك وتبعته هدية إحتارَ من أمرها أوريا: هل هناك من مكيدة مُدبرة لي؟ إذن التصرف الحكيم يستوجِب مني البقاء عند باب القصر. وهكذا فشلت خطة داود، فاستدعاهُ داود الملكُ في اليوم التالي: "جئتَ مُتعباً من السفر فلماذا لم تنزل إلى بيتك؟ ويأتيه الجواب صاعقاً: تابوت العهد ورجال إسرائيل ويهوذا في الخيام، ويوآب وقادة سيدي في البرية، فكيف أدخل بيتي وآكل وأشرب وأنام مع زوجتي؟ لا وحياتك، لا أفعل هذا (2 صم 11:11). جواب قاسٍ يا داود: أليس كذلك؟ وفاء مُطلق للرب وللملك، والملك غير قادرٍ على الحفاظ على حقوق وممتلكات شعبه، لا بل يستهتر بها. ولاء وتضامن مع قضية الشعب الأولى، والملك يعبث ويستغل سلطته وهذا سببٌ إرباك قاتل للملك. أراد داود أن يخدع أوريا بالمودة والضيافة ويعميه من رؤية الواقع بهدية (رشوة)، بينما قلبَ أوريا الحدث كله مُستنداً على الأمانة، واحترام لله. فجّربَ داود حظه ثانية مع أورياً فدعاه للأكل والشرب حتى السكر. السكر الذي نفهمه هنا مُحاولة للهروب من المواجهة الحقيقية، فرصة داود كي لا يلتقي ذاته والآخرين بشكل حقيقي. مُخدّر مؤقت لن يجعله يُفلت من اللقاء المحتوم. ولكننا نريد أن نسأل أيضاً: كيف قضى داود ليلته هذه؟ فعل الشرب مفعولهُ وأسكره؟ أدراك داود خطورة الحالة: هو إنسان محبوس في ذاته الآن. فمنذ اللحظة الأولى للقصة تبين أنه مُستسلمٌ كلياً لرغباته وطيشه وعجرفته ونزواتهِ. ولا نراه يلتفت إلى الله ليسأله مخرجاً من الفوضى التي جعلها حول نفسه، يُريد أن يُعدل "الخربطة" بنفسه. لقد سقط في فخ عويص ويرغب في أن يُنقذ قيماً قد تكون: هيبة الملك واحترامه أمام شعبه، أم حياةُ الأم والطفل: فلا بد أن يعيشا بأي ثمن، أو صداقته لأوريا واحترام أوريا له؟ على داود أن يختار الآن!!! يُفكر في كل واحدة من هذه القيم ويختبر الفوضى التي حوله. وهذه هي الخطيئة بالذات. إهمال وتقصير قاده إلى مأزق ومسلسل شر عليه أن يواجه شخصياً. والمأساة هي أنه سيُضحي بالصديق، فكتبَ حكم الإعدام وأرسله بيد أوريا. الشر يسخر منه ومنّا إذ يجعل أوريا يحمل حكم الإعدام مكافأة لولائه وإخلاصه المُطلق والأمين للملك. الأحداث لم تنته بعدُ، فالمحارب يسخر من أبسط قواعد الحرب ويُنهي القضية كلها بتشجيع قائد جيشه: السيف لا يرحم أحداً (2 صم 11:25). بعد أن يذرف دموعاً كاذبة على وفاة صديقه، صورة مُخجلة لمًن اختاره الرب ليُعلي حقه، فكلنا يسأل داود الآن: هل تبكي حقاً على صديقك الذي قتلته أنت؟ أم إنها دموع الراحة من همَ أقلقَ منامك؟ هل تعي يا داود ما وصلت إليه؟ للطياشة وعدم الاهتمام بالهفوات الصغيرة وصورة كاذبة عن الذات تبعيات لا يُحمَد عُقباها. فكلنا لديه مثل هذه الهفوات: لا مُبالاة قاتلة، وعدم المُبالاة شرخٌ يُصيب العلاقة ليتطوّر إلى جُرحٍ يصعبُ شفاؤهُ. تجربة تركيز الأنظار والاهتمامات على غير الله، ومن ثمة محاولة تغطية الأخطاء السابقة بأخطاء أخرى. ربنا يسوع يُوجهنا في بشارة مرقس أن لا نتوهم بأن الملوك وحدهم قادرون على اقتراف الفظائع: من القلب تنبعث الأفكار الشريرة: المقاصد السيّئة والفحشُ والسرقةُ والقتلُ والزنى والطمعُ والخُبثُ والمَكرُ والفجورُ والحَسدُ والستمُ والكبرياءُ والغباوة" (مر 7: 20- 23): فلننتبه إذن !!! التوجه إلى الله دائماً، وأن نُبّكر إليه كل صباح هو ما يحفظ تركيزنا عليه. يروي لنا الروحانيون عن قصة امتحان الملك رئيس الشياطين للمُتدربين على يده قبل أن يُرسلهم إلى الأرض ليُجربوا الناس. اتفق أن ثلاثة شياطين أنهوا الإعداد التحضيري لتجربة الناس، ومثلوا أمام رئيسهم لتقديم الامتحان النهائي. دخل الشيطان الأول غرفة الامتحان، فسأله رئيسه: "قل لي كيف ستُجرّب البشر؟" فأجاب: "سأقول لهم ان الله غير موجود وأنه اختراع رجال الدين، وسأستعمل مختلف الوسائل لأقنعهم بذلك". فقال له رئيسه: "أنت راسب في الامتحان، عُد إلى الدراسة مجدداً". ثم دخل الشيطان الثاني، فسأله رئيس الشياطين نفس السؤال، فأجاب: "سأقول للناس ان الله موجود، لكن الوصايا ليست من الله، بل هي اختراع البشر، لذا عيشوا كما تريدون واسرقوا وازنوا واقتلوا". فقال له رئيس: "أنت راسب في الامتحان، عُد إلى الدراسة مُجدداً". ثم دخل الشيطان الثالث وكان أخبثهم، فطرح عليه رئيس الشياطين نفس السؤال، فأجاب الشيطان: "سأقول للناس ان الله موجود وأن الوصايا منه ويجب المحافظة عليها، لكن لا بد من فترات راحة للإنسان يضع الوصايا على الرف مؤقتاً ويُفكر في نفسه، "يوم لك ويوم لربك". فقال له رئيس الشياطين: "أحسنت، اذهب وجّرب بني البشر، أتمنى لك عملاً موفقاً". هذه هي أولى بذور الخطيئة التي زرعها داود: لا مُبالاة، طياشة وتهور ثم كسلٌ واعتدادٌ بالنفس (تكبرٌ). المُحارب الأقوى والأدهى في التاريخ خسر المعركة واستهان بقواعد الحرب كل ذلك من أجل الحفاظ على حياته متناسياً أن الوقار والإكرام ينتظر المُحارب الذين يسقط شهيداُ في ساحة الرسالة. كيف نسي داود يهوه وتنكر لعهده وتوراته؟ أهو إغراء النجاحات والانتصارات التي توالت عليه؟ داود الذي وَثَقَ بأن انتصاراته ونحاجه فرصة ليشكر يهوه عليها. نسي داود أن يُصلي في ساعة المحنة هذه. نسي أن يلتفت إلى ملجئه وصخرة حياته ... توهَم أنها مشكلته هو فقط وهو الوحيد القادر على أن يجد حلاً لها. تصوّر أن الله ابتعد عنه وتركه. لقد ابتعد داود عن نفسه، روحيته، روحية الإيمان بالله، التواضع. قادته الخطيئة إلى الاضطراب، إلى الجفاف إلى الحزن. زرع فوضى صغيرة حملته إلى اقتراف خطأ بعد آخر. هنا يتدخل الله ليأخذ زمام الأمور من الملك الذي بالتأكيد سيُقدم على حماقات أفظع. يُرسل الله نبيه ناثان وبقصة بسيطة يُحدث الله داود بأفضل ما لديه (الإله المُربي):الوفاء، الحاجة للدفاع عن العدالة، أن يكون عادلاً. وهذا ممكن من خلال نبي جريء وشجاع لا يخاف قول الحقيقية. إنسان يرى العالم وتصرفات الناس بعيون الله. إنسان له بصيرة حادة ويعرف استخدام الألفاظ المناسبة في الكلام المناسب. إنسان قادرٌ على أن يجعل الآخر أن يُبصر ويفتح عينيه ببراعة من أن يُحدث فوضى. ويُنقذ الله داود من اهتمامه بنفسه، ومن خوفه على هيبته واحترامه فيجعله يُبصر القيم الأسمى في الحياة. عندها فقط يعود إلينا داود من جديد ويقبل ذاته الخاطئة فيعترف بذنبه: خطئت إلى الرب (2 صم 12: 13). تخلص داود من الكابوس المُرعب، ووجد أن الطريق أبسط من أن يُعقده بالحلول الشائكة التي بدأ يضعها في حياته. فعندما تريد يا داود أن تُدافع عن احترام الملك ومهابته لا تستغرب من أنك ستقترف أكاذيب جدية وتُجرم بحق الأمانة المُسلمَة إليك؟ موت الطفل هنا إشارة لعدم إمكانية استمرار الشر إذ لا مستقبل له.
قراءة 4395 مرات آخر تعديل على الإثنين, 30 تشرين2/نوفمبر 2015 03:14

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *