ندوة الكتاب المقدس
الجمعة, 23 آذار/مارس 2012 11:58

الندوة الكتابية اللقاء الثاني والأربعون

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
الندوة الكتابية اللقاء الثاني والأربعون المُقدمة بيّن الله في كلماتهِ أن هناك إيقاعاً يحفظ الخليقة من العودة إلى حالة الفوضى الأولى، وعلى الإنسان المحافظة على هذا الإيقاع. ولأنَّ الخطيئة
الندوة الكتابية اللقاء الثاني والأربعون المُقدمة بيّن الله في كلماتهِ أن هناك إيقاعاً يحفظ الخليقة من العودة إلى حالة الفوضى الأولى، وعلى الإنسان المحافظة على هذا الإيقاع. ولأنَّ الخطيئة تجذبُ الإنسان وتُغريهِ فيغدو ذئباً يبحث عن راحتهِ فيتنكّر حياة القريب ويسعى لمحوه من طريقهِ، ولأنَّ الله أكّدَّ منذ البدء أن الإنسان هو صورتهُ على الأرض، وأن حياتهُ مُكرمَة، ولأنَّ الإنسان تفنن في أساليب القتل جاءت كلمة اللوح الثاني لتُعِلن أن شعبَّ العهد مع الله شعبٌ يحترِمُ حياة الإنسان، ولا يدعي مُلكيتها، فهو شعبٌ لا يقتل. وبذلك، يُعلِن إيمانهُ بأن الربَّ الإله هو مالكُ الحياة. الوصية السادسة: لا تقتل يُعلن التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية أن "حياة الإنسان مُقدسةٌ، لأنها منذ أصلها اقتضت عمل الله في الخَلق، وهي تبقى أبداً على علاقةٍ خاصةٍ بالخالِق، غايتها الوحيدة. الله وحده سيّد الحياة منذ بدايتها إلى نهايتها: وليس لأحدٍ في أيّ ظرفٍ من الظروف أن يدّعي لنفسهِ الحقّ في أن يُدّمر مباشرةً كائناً بشرياً بريئاً" (2258). تُعد الحياة أساس كل الخيور التي يختبرها الإنسان، وهي شرطٌ ومصدرُ كلِّ أنشتطهِ، لذا، وَجَبَ المحافظةُ عليها وصيانتها، لتزدهِرَ حياتهُ مؤمناً أنه مُساوٍ للآخرين ولا يُمكن أن يعزو لنفسه ِحقَّ الحياة والموت على الآخرين، فهو إنسانٌ وليس إلهاً. إنسانٌ يُقدّر حياة القريب ويُثمنها ويسعى للحفاظ عليها لأنها سرٌّ مُقدس، بل أنه صورةُ الله لذا، عليه أن يُكرِّم هذه الأيقونة، فالاعتداء على الإنسان، هو اعتداءٌ على الله نفسهِ: "الحقَّ أقولُ لكم: كلّما صَنعتُم شيئاً من ذلِك لواحدٍ من إخوتي هؤلاء الصغار، فلي قد صنعتموهُ" (متّى 25: 39). فقتُل الإنسان البريء تعدٍ على الله. من هنا، ترفض هذه الكلمة: "لا تقتل" كل عنفٍ تعسفي يُمارسهُ فرد أو الجماعة، فمثلُ هذا العنفِ مرفوضٌ سواء أكان على صعيدٍ شخصي أم في العائلة أو في المجتمع. بالطبع، لا تقصد هذه الكلمة أعمال الدفاع على النفس، بل تسعى للحفاظ على حياة الإنسان وصيانتها، لذا، لا يُمكن قتلُ البريء على نحو مُتعمّد. هذا الحظر يسعى إلى الحفاظ على شريعةٍ تتحّكم برغبات الإنسان وغرائزه فلا يندفِع للقتل وحتّى للثأرِ، بل ينضبط ضمنَ نظامٍ اجتماعي يقضي على سرطان العُنف الذي ضربَ الخليقة منذ البدءِ (تك 4: 8- 15). هناك شكلان من القتل المحظور في هذه الكلمة: الأول نعني به إنهاء حياةُ إنسانٍ بريءٍ، وهذا فعلُ محظورٌ لأن الحياة مُلكٌ لله، فلا يستطيع الإنسان أن يُقرر إنهاء حياة القريب، ولا يُمكنه أيضاً أن يُقرر إنهاء حياتهِ؛ الانتحار. وإن حصلَ وأن اقترفَ الإنسان مثل هذا الفعل، فهو إنّما يدعي لنفسه حقُّ ليست من صلاحياتهِ، بل هي من صلاحيات الله، وبالتالي يُنكِر لله حقّاً مُطلقاً. الثاني، ظُلمُ القريب لاسيما الضعيف بداعي الانتفاع الشخصي أو تحقيق مكاسب شخصية أو جماعية، وهذا يصل إلى حدِّ إنكار حقوقهُ الإنسانية الأساسية. بمعنى آخر: أن أتصوّر لنفسي مكانةً أعلى من الآخر فأتنكّر عليهِ حقوقهُ. أو أتجاهلُ الظلمَ الذي يلحق به مُتعذراً: أنني لستُ سبب الظلم الذي يختبره، أو لن أتدخّل في شأنٍ لا يعنيني. (مثل السامري الرحيم). ونتيجة الشكلين: موتُ القريب ونهاية حياتهِ بسبب تدخّل الإنسان المُباشر. فالحياة صارت لنا بسبب حُبِ الله المجاني لخليقتهِ، وهذا الحُب مُتجسّد في حياة كلِّ إنسان على الأرض. فعندما يقتل الإنسان أخيهِ الإنسان، فهو يقتل جزءً من حُبِ الله للإنسان. نحن شعبٌ لا يقتل في مواجهة للأساطير البابلية التي كانت تقول أن الإنسان خُلِق من دمِ إلهٍ بعد حربٍ بين الآلهة أدّت إلى مجزرةٍ تقرر بعدها خلقُ الإنسان من دمِ إلهِ مهزومٍ ليخدّمَ الآلهةَ، أعلن المؤمن أن الإنسان خُلِقَ على صورةِ الله وصنعهُ من التُراب الأحمر (آدم)، ونفخ َالله فيه نفساً حيةً ودخلاَ في علاقةِ خاصةٍ؛ الخالِق والخليقة. ولكنَّ طمعَ الإنسان وجشعهُ وغضبهُ دفعه لإهانةِ الإنسان القريب وقتلهِ (تك 4: 9- 12)، فجُرِحَت صورةُ الله على الأرض كما يقول المدراش اليهودي، فكلُّ اعتداءٍ على الإنسان إنّما هو اعتداء على الله، فالحياة الإنسانية مُكرمةٌ في عيون الله، وهي تحت حماية الله نفسه. وشعبُ الله هو شعبُ العهد، وهذا الشعب يدعمُ الحياة التي خلقها الله ويُنعشُها، لذا، فهو شعبٌ لا يقتُل إنساناً بريئاً بل يحترِم حياتهُ. "لا تقتُل"، كلمةٌ يُعلِن فيها مانحُ الحياة أن شعبهُ، والذي دخلَ معهُ في عهدِ شراكةٍ، شعبٌ لا يقتل ولا يسفك دماً على الأرض، حتّى لو كانَ هذا بدافعِ الانتقام لسفكِ دمٍ بريءٍ. فأساسُ هذه الكلمة هو: "إن الحياة كلها تعود الى الله" (تك 9: 6، لاويين 17: 11)، وأرادَ الله من خليقته ِأن لا تهدرُ حياةَ إنسان، فالحياة ليست مُلكَ الإنسان حتّى يفعل بها ما يشاء، ويعود الامر إلى الله ليقرر ما يفعل بالحياة. فكلمة: "لا تقتل" تجعلنا نُفكّر ملياً بالقصد الإلهي الأول، لذا، وجَبَ المحافظة على النظام الأول الذي وضعهُ الله في الخليقة، ليبقَ العالم تحت سيطرة الله، الذي حرّمَ القتل ووضع َسدٍّ أمام عطش الانتقام الذي يجتاحُ الإنسان، فحظرَ قتل قايين، لأن قتلَ القاتل لا يُعيد صورة الله بل يُواصل دوامةَ العُنفِ. لذا، أُسست مدينةُ للقتلةِ تكون ملجأً لهم (عدد: 35: 33)، والتي كان لها قوانينها الخاصّة في قبولِ الهاربين إذ وجَبَ على شيوخ القوم أن يُقرروا الجزاء الذي يتوافق وفعلةَ القاتلِ، فيُنصفونَ الضحيّة وأهلها. وتثبّتَ الحظرُ أكثر بالتشديد على جسامةِ فعل القتل: العينُ بالعين والسن بالسن، وتثبيتاً للعدالةِ التي تُعد واحدة من أُسس بناء مُجتمع إنساني ينعم بالعدالة والسلام. عينٌ بعينٍ وسنٌّ بسن نقرأ في سفر الأحبار: "من قتل إنساناً يُقتل قتلاً. ومن قتل بهيمة فليعوض مثلها:" نفساً بدل النفس. وأي رجل احدث عيباً في قريبه، فليُصنع به كما صنع: الكسر بالكسر والعين بالعين والسن بالسن، كالعيب الذي يُحدِثه في الإنسان يُحدث فيه. من قتل بهيمة يعوّضها، ومن قتل إنساناً يُقتل. حكمُ واحد يكون لكم للنزيل ولابن البلد: أني أنا يهوه إلهكم". (أح 17:24-22). وتم تفسير هذا النص على أنه تشجيعٌ على الثأر والانتقام الشخصي، متناسين أن الله أمرَ أيضاً، وفي نفس السفر: "لا تنتقم ولا تحقد على أبناء شعبك، وأحبب قريبك حبك لنفسك" (أح18:19). فالربُّ منع الانتقام: "لي الانتقام يقول الربُّ" (تث35:32). فما معنى هذه الكلمات؟ يُؤكد الله أن حياة الإنسان ظاهرةٌ عظيمةٌ وتستحقُ الإكرامَ، فكن مَهيباً في تعامُلك مع الآخرين ولا تستخف بحياتهم، فحياتُك على المحك. هذه الكلمات إكرامٌ وتقديرٌ عالٍ لحياة الآخرين ومُمتلكاتهم، فالقضيةُ جديةٌ: "بالكيل الذي تكيلونً يُكالُ لكم، ويُزاد" (متى 7: 2). فحياة الإنسان هي أعلى قيمة ولا يُوجد ما يُعوّض عنها. تُحسب حياة الإنسان قيمة غير مشترطة، اكثر القيم أساسيةً. لا يوجد تعويض عن عيش إنساني. هذا من جهة. من جهةٍ أخرى، وجَبَ أن يكون في المجتمع نظامٌ قضائيٌ عادلٌ ويسعى الجميع للمحافظةِ عليهِ لتثبيت العدالة وإلا صارَ انتهاكٌ للسلام الاجتماعي واستمرت دوامةٌ العنفِ والظلم والقتل في المجتمع. ، فعلى المجتمع خلق عدالة للجميع وحماية الضعفاء والأبرياء والضحايا، دون أن ينسى الجرائم المرتكبة لئلا يقع بظلم اكبر. ولكنّ المجتمع مسؤول عن تأنيس العنف فلا يتولّد عنفاً آخر، لذا، لم يُطبق هذا القانون دوماً، بل سعوا إلى جزاءٍ مادي كعقوبة بعد مُحاكمةٍ أمام القضاء، مع الإبقاءِ على القانون مثلما هو كي لا يعبث الأغنياء بحياة الناس. الدفاع عن النفس يتعرّض الإنسان (أو الجماعة) أحياناً إلى تهديدات واعتداءات تُهدد حياتهُ، ولأنَّ الحياة قيمةُ عليا وجَبَ الدفاع عنها، لذا، تُعلّم الكنيسة أن على الإنسان الدفاع عن نفسه بكافة الوسائل السلمية التي من شأنها إيقافُ العدوان وليس إنهاءُ حياة المُعتدي، فلا يُمكن مُمارسةُ عنفٍ يزيدُ عن الضروري. من هنا، شرّعَ الإنسان جملة َقوانين ومُشترعاتٍ تحمي حياتهُ والخير العام للناس من شرِّ مَن يستهينُ بالحقوق الإنسانية الأساسية، وحدد جُملةَ عقوباتٍ تتناسب وجسامةَ الجُرمِ من أجل المحافظة على النظامِ العام. فهدفُ العقوبات علاجي ووقائي ولا يبغي إهانةُ الإنسان بل الحدُّ من أطماعهِ وتحجيم الضرر الناتج عن أسلوب حياتهِ. ولأنّ أحد أهم الوجبات التي على الدولة الالتزام بها هو السهر على الخير العام والدفاع عنه، لذا، تُعلّم الكنيسة أن على مؤمنيها الدفاع عن الوطن في حالة تعرضهِ لاعتداء خارجي سواء أكانَ عسكريا ًام ثقافياً أم اقتصادياً. على الرغم من أنّ الكنيسة تُطالب كلّ مواطن، وكلّ حاكم، بأن يسعى لتجنّب الحروب، ولكنها لا تنكر حق الشعوب في الدفاع عن الوطن وأمنه وحريّة أبنائه، بعد استنفاد جميع إمكانات الحلول السلمية. هنا تكون الخدمة العسكرية خدمة يُؤديها المواطن تجاه وطنه، وليست مهمّة قتالية من أجل قتل الأعداء وإحداث الدمار، بل واجبٌ إزاء الشعب والوطن للدفاع عنه وعن منجزاته ومصالحه. والجندي المسيحي أن يُميّزَ ما بين العسكريين والمدنيين في الحرب التي يشترك فيها مُرغماً متأسفاً، وسيُحافظ على ممتلكات العامّة من مدارس ومُستشفيات ومصانع وحقول وبيوت آمنة، وسيُحسن معاملة الأسرى والجرحى. فالجندي إنسانٌ عاقلٌ ولن يفقد عقله وتمييزه إذا حملَ السلاح، ولن يدع لغريزة القوّة وروح التسلّط أن تتحكما فيه لتحمله على ارتكابِ المآسي. وإذا رفض بعضهم أداء هذه الخدمة، فالدولة مسؤولةٌ عن إيجاد خدمات مدنية بديلة لمثل هؤلاء المواطنين الذين يرفضون حمل السلاح، عليه يُطلب منهم الالتزام بخدمات اجتماعية أخرى. الإجهاض، القتل الرحيم والانتحار "قبل ان اُصوركَ في البطنِ عرفتُكَ وقبلَ أن تخرجَ من الرحمِ قدّستُكَ" (إر 1: 5). نحن نؤمن بأن الحياة البشرية تبدأ منذ أول لحظة الحمل بالإنسان، أي منذ لحظةِ الإخصاب، وتحتفظ بالكرامةِ والحقوق وعلى الجميع واجبَ الدفاع عنها، لاسيما في أوقاتٍ ليس بمقدورهُ الدفاعَ عن نفسهِ. من هنا، حرّمت الكنيسة الإجهاض الإرادي والذي يهدفُ إلى إنهاء حياة الجنين، واعتبرتهُ جريمةً يُعاقبَ عليها القانون بالحرم. هذا التحريم ليس لأنَّ الكنيسة تُدافعِ عن منظومةً أخلاقية خاصةّ بها، بل لأنه فعلٌ ينتهكُ كرامةَ الإنسان، فهو ليس محظوراً لأن الكنيسة تراهُ انتهاكاً، بل لأنه انتهاكٌ صارخٌ على كرامةِ الإنسان، لذا تحظروه الكنيسة. يرى البعض أن هناك اختلافاً في زمن بدءِ الحياة الإنسانية، ومتى يُمكن تسميةُ الجنين كائناً بشرياً، ويرى غيرهم أن علينا أن نُميّز ما بين نفعية هذا الجنين أو الكُلف الباهظة آلت علينا أن ندفعها بسبب حياتهِ. في حين أن الكنيسة تُعلّم أنه ومنذ لحظة الإخصابِ تبدأ هناك حياةٌ أخرى في بطن الأم، ولهذا الحياة خصوصيّتها وفرادتها ولها ميزاتها الإنسانية المُتباينة عن جسد الأم، مع أنها تعتمُد عليهِا، ويبدأ القلبُ بالخفقان، هناكَ ويدان ورجلان ورأسٌ وأعضاءٌ ودماغٌ وينمو حتّى يستقلَّ عنَّ جسدِ الأم في الولادة، عندها نراهُ ونستقبلهُ. ويُمكن للأم أن تتحسس وجودَ هذا الكائن الذي بدءَ ينمو في داخلها، ولهذا الكائن مشاعرٌ وأحاسيس مرتبطةٌ بمشاعرِ الأم وأحاسيسها. الإجهاض يعني رفضَ استقبالِ الإنسان الذي وُهِبَ لنا: هذا إنسانٌ مرفوضٌ وغيرُ مَرغوب فيه لأنه ضعيفٌ أو لأنه مُصابٌ بعاهةٍ أو لأنه سيُقلِقُ راحتنا، أو إنه عبءٌ اقتصادي على العائلة، وهذا قتلٌ مُتعمّدٌ لكائنِ بشري ضعيفٍ لا يقوى على الدفاع عن نفسه. وهناك كائناتٌ بشرية ضعيفةٌ هي الأخرى بسبب حالتها الصحية ووهنِ جسدها، هم المرضى أو المُعاقون والذين يطلبونَ رعايتنا الخاصّة لهم ومُساندتهم في حالتهم هذه. وقد حاولَ البعض، وباسم، التخفيف عن ألمِ المريض ومُعاناتهِ، وبداعي الشفقةِ، القضاء عليه وإنهاء َحياتهُ ووضعٍ حدٍّ لها، أو إهمالهم بداعي القضاء عليهم، متناسين أن الحياة مُلكٌ لله ولا يحقُ لنا مُطلقا ًأن نُقرر بدؤها أو إنهاءها. لذا، فكل تعاملٌ مُسيءٍ مع المريض، يُعد قتلاً يتعارضُ بوجهٍ خطيرٍ مع كرامةِ الشخص البشري، واحترام الله الحي، خالقهِ. والإيمان بسيادة الله على حياة الإنسان لا تتحدد باحترامِ حياةِ القريب والحفاظ عليها، بل العناية بأجسادنا والمحافظة القُصوى على حياتنا، والتي نقبلها شاكرين ونصونها مُمتنينَ. لذا، تُحرّمُ الكنيسة الانتحارَ لأنه تعدٍ على الذات وعلى الله، وإنكارٌ لله الخالِق والمُخلِص. لذا، وجَبَ العناية الصحية بأجسادنا وتوفير ما يلزمُ من طعامٍ وسكنٍ ومأكل وملبس وتعليم لينمو الإنسان صحيحاً وصحيّاً، وتجنّب كل أنواع الإفراط في المأكل أو المشرب أو العمل المُضني. وأنا أقولُ لكم (متّى 5: 21- 24) بذات السُلطان الإلهي الذي حظرَ على الإنسان القتل، دعانا ربّنا يسوع المسيح إلى التحرّكِ الفاعل من أجل استئصال العنف من جذورهِ؛ من الحقد المُختَمَر في القلب. فالعنف الجسدي يبدأ من حالة ِالغضب والذي يقود إلى العنف الكلامي والعبارات البذيئة ويتطوّر إلى اشتباكٍ يؤدي إلى قتلِ الآخر. هذا الغضب وهذا الحقد والكراهية تعني: أنا لا أُريد الآخر، وهي عمليةُ إلغاء القريب، محوهُ من الوجود، لذا، لَزِمَ أولاً التخلّص من قتل القريب الذي يبدأ في فكرِ الإنسان ويُترجَم عملياً في قتلهِ جسدياً، فلا تغضب يا إنسان على قريبِك ولا تقل عنه غبي أو جاهل، ولا تٌفكر بالسوء أو الخبثِ عنه فهذه بدايةُ العنف الذي قد يُسيطِر عليك ولن تتمكّن من التغلّب عليه. وهكذا ينتعِش القلب بمواقف رحومة تجاه القريب وبرؤية نقيّة فيرى صورة الله في القريب: "طوبى لأطهارِ القلوب فإنهم يُشاهدون الله" (متّى 5: 8). فكن رحوماً لا غضوباً يا إنسان، لأنّك تعتقد متوهماً أن الغضب موقفُ قوّة، ولطالما خدعَك المجتمع وظننتَ أنك إن غضبَ وتعصبّت وأرتفعَ صوتُكَ، فإنك ستكون في موقف القوّة، أنت المُسيطر على الأحداث، والحال أن الغضب والعصبية علامة ضعفٍ لأنّك لا تستطيع مُواجهة الأحداث بما أنعم الله عليك من عقلِ وحكمة، بل استسلمتَ كُلياً لعواطفِك التي سيطرت على مشاعرك، وبالتالي كل القرارات التي تُتخذ في حالة العصبية ليست صحيحة، بل نابعة من مواقف ضعيفة، وربّنا لا يُريدنا ضعفاء. ثم إن الغضبَ هو فتح بابٍ رحبٍ أمام الخطيئة: "لمَ غَضِبتَ ولمَ أطرقتَ رأسكَ؟ فإنّك إن أحسنتَ أفلا ترفع الرأس؟ وإن لمَ تُحسِن أفلا تكون الخطيئةُ رابضةً عند الباب؟ إليكَ تنقادُ أشواقها، فعليكَ أن تسودها" (تك 4: 6). فالغضوب إنسان غيرُ مُحبٍ وغير مُسيطر على مُجريات الأحداث وفاقدٌ لحُريتهِ، وغير المحب وفاقد الحرية يفقد إنسانيّتهُ. فأنتبه لنفسِك يقول ربّنا كي لا يسكن الغضبُ والكُره والحقد قلبَك ويُعشش فيه، لأنَّ الله يُريدكَ حارساً أمينا على حياة القريب. قال أحدُ المعلمين يوماً: "إذا كُنتَ سبب اصفرارِ أو احمرارِ وجه ِالقريب، فإنك سفكتَ دمهُ"، وقالَ غيره: "مَن يكره قريبهُ يكونُ كمنَ سفكَ دمهُ، ومَن أهانَ قريبهُ علناً سفكَ دمهُ أيضاً". لذا، فإن قدّمتَ قُربانك على المذبح، وتذكَرت أنك لأخيكَ عليكَ شيءٌ فأتركَ قُربانَك، أُترك الله وأذهب وصالِح أخاكَ. "أخالك أهمُّ مني يقول الله، بل أن القُربان الصحيح والمقبول بالنسبة لي هو مُصالحةُ أخوك: "أُريد رحمةً لا ذبيحةً"، وعندما تتصالح مع أخيكَ ستجدني هنا. وأي تُعبدٍ خالٍ من السلام مع الأخوة إنمّا هو تعبدٌ لإلهِ صنعناهُ لأنفسنا، لأن إلهنا هو إلهُ السلام والمُصالحةِ، وكلُّ مضرّة تلحقُ بالقريب، إنمّا هي جُرحٌ يُصيبُ الله. لذا، على الإنسان الذي عَزِمَ على بدء ِالمسيرة نحو الهيكل لتقديم القربان، وهناك تذكّر أن علاقتهُ بالقريب ليست على ما يُرام، فعليه أن يترك قُربانهُ على المذبح، ويذهب في مسيرةِ أيامٍ ليُصالحِ القريب، ثم يعود ليُكمل نذورهُ. هُنا يُؤكد ربّنا على أن بناء علاقاتٍ صحيحة يتطلّب مواقف حاسمةً ومُكلفةٍ. فلا تغضب يا إنسان، وإن حصلَ وأن غضبتَ تغربُ الشمسُ على غضبِكَ (أفسس 4: 26). فلا تترك العلاقات مع الآخرين في حالةٍ سيئةٍ بل أسعَ إلى إصلاحها. وإذا ناديت َبحقِّ الحياة لكَ ورغبتُك في العيش بكرامةٍ، فليكن هذا المطلبُ التزاماً مسؤولاً من قبلكم تجاه حياة الآخرين أيضاً، فأحبب عدّوك. يُحكى عن ملكٍ أعلنَ أنه سيقضي على أعدائهِ كلّهم، وأنتظر الناس كيف سيكون هذا القضاء وما هي التكاليف لتحقيق ذلك. حتّى جاء اليوم الذي فيها نادى الملك بوليمةٍ لكبار مُستشاريهِ ووزرائه، والذين انبهروا كلّهم لمنظر أعداء الملك ومُعارضيه حيث جلسوا معهم يتناولون الطعام. فقال له أحدهم: "لقد قُلت لنا أنّك ستقضي على أعداءك، وها هم كلّهم أمامكَ الآن!. فأجابهُ الملك: "نعم لقد قضيتُ عليهم كلّهم، عندما جعلتُهم أصدقائي".
قراءة 13253 مرات آخر تعديل على الإثنين, 30 تشرين2/نوفمبر 2015 03:14

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *