ندوة الكتاب المقدس
الخميس, 15 آذار/مارس 2012 13:59

الندوة الكتابية اللقاء الحادي والأربعون

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
المُقدمة لنا إذن عشرُ كلمات؛ على عدد أصابع اليد، وتحمّل كل كلمة بُشرى للإنسان الذي ارتبطَ بعهدٍ مع الله. فالأرض التي نمت فيها هذه الكلمات هي أرض الحُرية، التحرر من عبودية مصر التي تُلاحقنا كتحد
المُقدمة لنا إذن عشرُ كلمات؛ على عدد أصابع اليد، وتحمّل كل كلمة بُشرى للإنسان الذي ارتبطَ بعهدٍ مع الله. فالأرض التي نمت فيها هذه الكلمات هي "أرض الحُرية"، التحرر من عبودية مصر التي تُلاحقنا كتحدٍ يُباغتنا يومياً بأشكالٍ عديدة. والزمن هو "زمنُ العهدِ" الذي بادرَ به الله معنا. " لا يكن لكَ إلهٌ أمامي". التوجّه نحو آلهةٍ أخرى غير الله كان ويبقىَ دوماً تحدياً كبيراً للإنسان. حتى في وقت الاستعداد لقبول الكلمات، حادَ الشعب ليعبدَ العجل الذهبي. لذا، تأتي كلمة الله لنا: أنا هو إلهكَ المُحرر لا يكن لكَ إلهٌةٌ أمامي. ولكي تبقىَ حُراً يلزمُكَ أن تتعلّم السير أمامي متواضعاً، فلا تحاول الإمساكَ بي وكأني تحت تصرّفكَ. لذا، لن أسمحَ لك بأن تُكوّن شكلاً عني وترسم صورة لي لتكون تحت قبضتِكَ، أنا، إلهُكَ الذي حرركَ من مصرَ العبودية، أنا حُرٌ من منحوتاتكَ، ومن تماثيلكَ ومن صوركَ، وأريد أن اُحرركَ منها كي لا تحيد عني وتتشبّث بها وتنساني. لي صورة ومثال واحد هو: أنت يا إنسان. وأُريدُ منك أيضاً يا إنسان، شريكي، أن تحترم إسمي، فلا تستخدمه في غير محلهِ، ولا تفترض أني سأقوم بعملٍ تُريد أنت أن تعمله. تحرر من نفسكَ ومن شهواتك ورغباتِك، لتقِفَ أمامي حُراً. كما وأحُبُ يا إنسان أن تكون أمامي حُراً ولو ليوم واحدٍ في الأسبوع. يومٌ واحدٌ يتساوى فيه الجميع أمامي. الكل يتوقّف عن العمل، ليتأمل شاكراً ما اُعطيَ له. فلقد أعطى الله الإنسان كل شيء، وأول عطيةً كانت الحياة؛ الحياة الجسدية وهذا صار بفضلِ الأب والأم، صورة الله الخالق. وهنا نأتي إلى الكلمة الخامسة. أكرم أباكَ وأُمّكَ "أكرم أباك وأمك، لكي تطول أيامك في الأرض التي يعطيك الرب إلهك إياها". الكلمة الخامسة أكرم أباك وأمك، لكي تطول أيامك في الأرض التي يعطيك الرب إلهك إياها" خر 20: 12 باركَ الله أبوينا أدم وحواء بأنه جعلهما على صورته كمثاله قائلاً: أنموا وأكثروا واملأوا الأرض (تك 1: 28)، فحينَ يتزوجّ الإنسان فإنهُ يؤسس بيتاً، لذا، قيل: "بيت الرجل زوجتهُ". وكانوا يُوصونَ الرجل بأن يبني بيتاً أولاً ثم يغرسُ كرماً ثم يتزوّج، وهكذا يقلُ حُب الله، فينال بركاتهِ. هذه البركة أعطت للوالدين مهمّة "إعطاء الحياة" فيُكملوا قصدَ الله في الخلقةِ، فلولا والدينا لكُنّا في عداد العدم الأبدي. والدينا جسرُ الحب الذي أبدعنا، حُبٌ منبعه الله. حُبٌ مقبولٌ من نعمة الله المُحبةِ إلى الحياة، فصرنا بشراً. الأب والأم هما استمرارية حُب الله للخليقة، لذا، وَجَبَ أن يُكرّما دوماً كونهما شُركاء في عمل الخلقة وديمومتها. من هنا جاءت كلمة الله: أكرم أباكَ وأمّكَ، فمن دونهما لا حياة لنا، هما يشتركان مع الله في الحياة بقدرتهما على إعطاء الحياة والحب، ليكونا "علّة وجودنا"، نحن موجودون بسبب قرارهما، وإذا كان لنا من أهميةٍ تُذكَر، فهذا، لأن أبوينا قررا أن نكون، فقبلوا دعوة الله لهما وأعطوا لنا الحياة هبة من دون أن نستحقّها. فصارت لنا الحياة، وصارَ ممكنا لنا أن نختبِرَ حُبَّ الله وخلاصهُ أيضاً. فيجدرُ بنا أن نُعطيهما كل الأهمية اللازمة، وكلَّ الإكرامَ (الوزن، الثقل، المكانة)، وأن يجدا معنا وفينا الاحترام اللائق. لأنهما أول "قريبٍ" نتعلّق معه، فنُحسنُ إليه، وهكذا ننتقل إلى اللوح الثاني؛ العلاقة مع القريب. والدينا إذن، يُمثلان صورة الله ثلاث مرّات: 1. كونهما بشر خُلقا على صورة الله. 2. ارتبطا بالزواج فأصبحا ثالوثا كلّما أعطيا الحياة لطفلٍ. 3. يُشاركان الخالق في قدرة إعطاء الحياة. أن مهمّة الأب والأم هي في غاية الشرف ويحملان مسؤولية كبيرة: إيلاد وتنشئة، إيلاد كائن حي وتربية إنسان؛ إيلاد بشرٍ وخلقُ رجال ونساء أحرار ومحبين على مثالِهم، وأكثر من ذلك، قادرين على اختيار طريقَ حياة صالح يُؤهلهم ليكونوا هم بدورهم: أب وأم على مثال صورة الله. وهذه بحاجة إلى حُبٍ كبير وصبر طويل وثباتٍ راسخ وحرصٍ مسؤول وتشجيع متواصل، ورعاية أمينة وثقة لا رجعةَ فيها وكمٌ هائل من الاندهاش والإعجاب بالولد (البنت) الذي يكبر أمامهم وينضج ليختار لحياته ما هو صالح بحبٍ وحرية مسؤولة. وهذا لن يكون إلا بمقدار ما يتشبّث الأب والأم بالله الذي أوكَلَ إليهم هذه المسؤولية الكبيرة، وأنعَمَ عليهم "بـالأبوّة" و"الأمومة". الأبوة والأمومة هي محبّة مجاّنية لا تعتمدُ على إنجازٍ أو مكانةٍ، ولن تتوقف عند إهانةٍ أو إنكارٍ للجميل. فالله هو الخالق: "تُرسل روحَك فتخلقَ وتجدد الأرض" (مز 104: 30)، ويشتِرك الوالدين معهُ فينجبونَ الطفلَ ويُرافقانهِ ليتحرر من ضعفِ الطفولةِ والمراهقةِ ليقفَ إنساناً ناضجاً حُراً أمام وجهِ الله من خلال توفير الحماية والسكن والطعامَ والتربية والتعليم. لربما يتركوهُ أصدقائهُ، ولربما تتخلّى عنهُ زوجتهُ (زوجها)، ولكن لا يُمكن للأب أو الأم أن يتركا ابنهما (بنتهما)، فمحبتهما أبدية مثلُ محبّة الله. الله هو الذي يزرعُ في الوالدين محبتهُ، فيحبونَ أولادهم بمجّانية وعطاءٍ سخي، وبقدر ما يطيعُ الأب والأم لله، بقدرِ ذلك تكبرُ محبتهما لأولادهما، فينضجونَ أُناساً أصحاء جسداً ونفسا ًوروحاً. كيف يكون هذا الإكرام؟ كانت المؤمنُ الكتابي يعيشُ في بيت يضمُ عائلة من ثلاثة إلى أربعة أجيالٍ: جدٌ وأبنائهُ وأحفادهُ ولربمّا أبناءُ أحفادهِ. ومن الطبيعي أن البيت هو بيت الأب الكبير، والذي كان يرأسُ احتفالات الفصح في البيت وكان مسؤولاً عن تعليم التوراة. وكانت الزوجة تدعوه: "يا مُعلّم" أو "يا سيّد"، والتي كان لها إكرامٌ خاصٌ جداً في عيونِ زوجها لاسيما وهي مسؤولة عن إعطاء الحنان والحب والعطف اللازم للنمو. وهكذا، صاراَ، الأب والأم، شهادةً حيّة لحضور الله، هم مَن عرّفَ الله للأبناء وهم مَن علّموا أبنائهم لأنهم تعلّموا أولاً. هم أطاعوا الله وها هم يطلبون الطاعة من أبنائهم. وهكذا، يعملُ الله على تثبيت أُسس ديمومةِ هذا الشعب: "فتطول ايامك على الأرضِ التي الربُّ الهك معطيك"، ويستمر كشعبٍ في أرضهِ، لأنه شعبٌ تعلّم من حكمة الآباءِ والشيوخ. شاخَ الأب والأم وكبُرا وعجزا عن القيامِ بأمور كثيرة، ولربّما صارا سببَ مشاكلَ وأزماتٍ عائلية، فلا يحسن بالأبناء نبذهم أو طردهم من الدار، ولا يُمكن الاستخفاف بهم أو الحطَّ من كرامتهم في شيخوختهم. "اكرامهم واجبٌ في هذه الظروف الصعبة، وحتّى لو حصلَ الأبن على مكانةٍ اجتماعية مرموقةٍ، أو تعرّض أحد الوالدين إلى مرضٍ أو أصابهُ خللٌ عقلي. إكرامهما واجبٌ لأن الله منحهما من سُلطتهِ، هذه السلطة التي كانت كفيلةً بمساعدتنا جسدياً ونفسياً ودينياً وثقافياً واجتماعياً عندما كنّا أطفالاً وبدأنا نتلمسُ خطواتنا في الحياة. هم عرّفونا معنى أن السلطة هي حبٌ وخدمة، ولأنهم خدمونا نُحبهم ونَطِيعَهم، ويوم تتوقّف هذه الطاعة، أي يومَ نكبُرُ وندخل الحياة مسؤولين، نبقى نُحبهم ونرافقهم في شيخوختهم. لأننا لا نفعلّ للآخرين ما لا نُريد الآخرون أن يفعلوه لنا، بل أن نُعاملهم مثلما نتمنّى أن يُعاملوننا. فعلى الأبناء الذين قدّروا محبة الله المحررة فعبدوا الله الواحد، وأكرموا أسمهُ وقدّموا له يوم الراحة تعبيراً عن إيمانهم، إكرامَ والديهم وتقديرهم عظيماً، وذكرِ أسمهم بالحُسنة، وتقديم الراحة لهم في شيخوختهم. يذكر لنا مدراشٌ يهودي أن أحدهم كانَ يُحاضرُ في الأكاديميةِ فدخل والدهُ القاعةَ، فأنتصبَ واقفاً احتراماً لوالده، ولم يجلس طوال المحاضرة. وعندما ترجاه الطلاب الجلوس قال: "لا استطيعُ طالما والدي موجودٌ". وهذا يُذكرنا بسُليمان الذي قامَ عن عرشهِ وانحنى أمام والدتهِ بتشابع التي دخلت عليه لتُكلّمهُ في أمر أدونيا (1 ملوك 2" 19). كلمة مُحررة تُقدم الكلمة الخامسة بُشرى تحرر عظيم. فأن تأتي هذه الكلمة من الله فهذا يعني أنها أولاً كلمة مُحررة للأب والأم كي لا يتوهمان أنهما مُسيطران على أبنائهم على نحوٍ يُعيق نمّوهم الجسدي والنفسي، فهذه عودةٌ لعبودية مصرَ. الأبوة والأمومة تعظم كلّما أُعطيت بمحبةٍ في حيّز كافٍ من الحرية يسمح للأبناء بتعلّم: الاختيار الصحيح، وقد لا ينجحان ويرتكبان حماقات يُمكن للأب والأم مُسامحتهما وإعطاءُ فرصةٍ جديدة لهما على مثال الله الخالق. لننظر إلى الأب في قصة "الأبن الضال"، حزنَ لسلوكِ أبنه، إلا أنه لم يفقد الأمل ولم ييأس أبداً، بل بقيَّ أميناً لمحبتهِ منتظراً عودة أبنهِ إليه. الكلمةُ الخامسة كلمة مُحررة للأبناء، لأن إكرام الأب والأم يُوعينا على أن العالم بدأ قبل أن نكون، فلسنا نحن "بدءُ" العالم، ولن نكون خاتمتهُ. نحن، ويا لها من بُشرى، بشرٌ حُملنا على أكتاف الأخرين قبل أن تطأ أرجلنا الأرض، فكيف لنا أن نتكابر على الله أو على الآخرين، نحن لسنا أسياد حياتنا، الحياة أُعطيت لنا، لقد قبلناها نعمة وليس استحقاقاً. عالمنا اليوم فقدَ حسَّ التواصل، لأنه عالمٌ ينشدُ الاستقلالية، وفي سعيه هذا تبعثّرت أجزائهُ، وتعرف حضارتنا بأنها "حضارة مُتشظية"، وهي بحاجة لأن تُجمَع ويُعاد تركيبُها ثانية، بحاجة إلى أن تُحرر من سطوتها ونشدناها الاستقلالية في غير محلّها. "أكرم أباكَ وأمّك"، كلمة تجمع هذا التشظي، وتُعيد بناء مُجتمعنا من جديد، عبر إعادة ربط الأجيال ببعضها البعض، وتُذكّرنا بالحُكماء الذين سبقونا في الحياة، وتسألنا أن نكون حُكماء للذين يأتون بعدنا. من هنا جاء القول: "عندما يموت الحكيم، فالعالم كلّه يندب ويلبس ثوبَ الحزنِ". لأننا نسير الحياة بفضلِ أولئكَ الذين سبقونا وعلّمونا كيف تُعاش الحياة وكيف نتخطّى تحدّياتها، وهذه نعمة كبيرة يجب أن تُوقّر ويُعطى لها الإكرام الواجب، لاسيما وقت الشيخوخة والضعف، هم بحاجة إلى سندٍ ورعاية، رعاية تتجذر في الاحترام والمهابة، لا في الخوف والخنوع. الكلمة الخامسة كلمة تُحرر الماضي من أن يموت، وكلمة تُحرر الحاضر ليبقىَ حيّا للمستقبل لأنها كلمة تجعلنا نُفكّر بمسؤوليتنا عنه منذ الآن. فكما أن قرارات مَن سبقونا ومواقفهم أثّرت علينا، كذلك ستُؤثّر قراراتنا ومواقفنا على الأجيال القادمة. لذا، فهي كلمة تربط الأجيالَ معاً في موقفٍ إكرامٍ مُتبادَل، فلا يُمكن لأي جيل أن يقول أن الأمرَ الأهم بدأ معي الآن. كلمة للبالغين يعتقد البعض متوهمين أن هذه الكلمة هي: أمرٌ موجّهٌ للأطفال أو القاصرين. أو أن غيرهم يُفسّرها من خلال كلمة: أطعِ، أو أحبب، فيُحمّلها مشاعر وعواطف لا تليقُ بها. لذا، صار لزماً أن نُعيد هذه الكلمة إلى سياقها الصحيح، فهذه الكلمة موجّهةٌ إلى أُناسٍ بالغين؛ إلى رجال ونساء اختاروا حياتهم، وهم يقفون الآن أمام جيلٍ سبقهم، أمام حكمة مَن تقدموهم على الطريق. لا تقول لنا الكلمة عن واجبات الوالدين وما عليهم أن يُقدموه، كما لا تُخبرنا عن كيفية ممارسة سلطتهم عيلنا، هي تُشير إلينا إلى واجبِ الإكرام اللائق لهم. الكلمة: "أكرم أباكَ وأمّكَ" تسألنا أن نُقدم الرعاية الواجبة للذين، وبسبب محبّتهم لنا، وبناءً على اختياراتهم صرنا ما نحنُ عليه الآن. لقد وقفنا على أرجلنا، واخترنا لحياتنا توجهاتٍ خاصّة بنا لأنهم رفضوا أن يتملكوننا لأنفسهم، وسمحوا لنا بمجال كافٍ لننمو ونكبر، وأعطوا لنا حُرية ومحبة وحرصاً مسؤولاً، واحبوننا على الرغم من أخطائنا، فصرنا أحراراً بالغين. وهذه هي نعمّة الأبوة والأمومة، ومنبعها: الله الخالق. فنحن لا نُكرمهم لأنهم كانوا "أباً وأمّاً" كاملين في كل شيءٍ، بل لأنهم عملوا ما بوسعهِم لنكون ما نحن عليه اليوم. لأنهم استطاعوا أن يجعلوننا مُستقلين لا مُتّكلين. لذلك يستحقون منّا عبارات الشكر التي تتجلى في مواقف الاحترام اللائق لهم. إكرام الأب والأم تحدٍ كبير لا سيما عندما يكبران ويشيخان. من هنا نفهم أن هذه الكلمة: "أكرم أباكَ وأمّكَ" كلمة موجهةٌ إلى البالغين وتُريد أن تحمي الآباء والأمهات في شيخوختهم فلا يُهملون أو يُنبذون. لذا، قيلَ: أكرم، وليس أطع. فالموقف المطلوب من الإنسان البالغ، الناضج، والذي عَرِفَ كيف يختار حياته، هو موقف المهابة والاحترام المُعبّر عنه بالوقار الذي يُقدمه الإنسان لأبويه فلا يستحقرهما أو ينبذهما، ولا يُهين كرامتهما أو يلعنهما. الأب والأم هما حضور الله بيننا. هما الرابط الذي يشّدونا بالماضي، بأسس حياتنا. منهما أخذنا الحياة، واستلمنا الإيمان، وفرحنا بنعمِ الرب لنا. كان على الأب أيضاً مسؤولية أن يحتفل بالعشاء الفصحي فيترأس الاحتفال كلّه. كما كان هو المسؤول عن تعليم أبنائه قصة الله مع شعبه وماذا فعلَ لهم ليكونوا حراراً من مصر وعبوديتها، وكيف حملهم على أجنحة النسور. وبخلاف المُجتمعات الشرقية آنذاك والتي كانت تُعطي للرجل كل الحقوق ليكون المُسيطر على البيت، تأخذ الأم هنا أيضاً مكانة مُساوية لمكانة الأب فتقول الكلمة: أكرم أباكَ وأمّك. فعلى الوالدين تقع مسؤولية إيلاد الحياة وتربيتها، وتعليم الإيمان والعقيدة ومعنى الأعياد والتقاليد والأعراف، وقراءة الكتاب المُقدسة أمام أبنائهم، والأهم أن يتعلّم الأبناء معنى وخبرة: أبوّة الله وأمومته (محبته ورعايته). للأبِ والأم خبرة حياة، وتجاربَ كثيرة. تعلّموا فيها ومنها كيف يكون التقرّب لله. لذلك اختارَ إلهنا أن يتقرّب إلينا من خلالهم، فعلى الإنسان أن يُحسِنَ إكرامهم، أن يُحسِن الإصغاء والسماع لهم، وإلى ما يُريده الله من خلالهم، لأنهم هم كانوا، ويبقون، أولَ مَن سمعَ الله، وواصلَ الإصغاء له، فعرفوا كيف يخدموننا، فصاروا حُكماء كلمة ووعدٌ تأخذ الوصية كل حيويتها من تميّزها عن باقي الكلمات كونها تحمّل وعداً: تطول أيامُك على الأرض التي يُعطيها لك الله. وهذا الوعد ليس للأفراد، بل للشعب مجموعاً، لكي يدوم كشعبٍ اُختيرَ لكي يحمل رسالة للعالم، ولكي يكون نُوراً للأمم. شعبٌ يُقدّر ويُكرم الشيوخ، حُكمائه. شعبٌ يحترم الإيمان الذي قبله من أبيه وأمه، شعبٌ يُكرم التقليد المُتجسّد في الوالدين. شعبٌ يُعجبُ بالجذور التي زرعها الله بيده، ورعاها على أرض طيّبة لتدوم وتُثمِر بعبارات الشكر التي يُعلّمها الآباء للأبناء. فكيفَ يُمكن للأجيال أن تحتفل بما صنعهُ الله لهم إن لم يكن هناك تواصلُ مُكرّمٌ بينهم؟ فمثلما حافظ الآباء إبراهيم وإسحق ويعقوب على نقل البركة والوعد إلى أبنائهم، هكذا على أبنائهم إكرامَ الآباء لتبقّى قصة تحرير الله لهم حدثاً حياً. نحن بحاجة إلى أجدادنا لنعرف قيمة ومكانة الجديد في حياتنا فإن رغبنا في أن تكبرَ الشجرة وتُزهِرَ ثمراً يدوم، فعلينا المحافظة على الجذور، وإلا فقدنا التعامل مع جذورنا "فتجف" ولا تحمل الغذاء اللازم لاستمرارية الحياة. هذا الاحترام يجب أن يتواصل حتّى بعد موتهم ورحيلهم عن الحياة، فإن ماتَ الأب أو الأم على الأبن أن يُحسِنَ اختيار الكلمات في الحديث عنه، عليه أن يقول: "هكذا يتكلّم والدي مُعلمي، وبعد سنة من وفاتهِ يُمكنهُ أن يقول: "ليكن ذكراهُ مؤبداً".
قراءة 20070 مرات آخر تعديل على الإثنين, 30 تشرين2/نوفمبر 2015 03:13

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *