ندوة الكتاب المقدس
الجمعة, 02 آذار/مارس 2012 13:50

الندوة الكتابية اللقاء التاسع والثلاثون

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
الندوة الكتابية اللقاء التاسع والثلاثون المُقدمة أراد َالله الاقتراب من الإنسان على نحوٍ لا يُؤذي الإنسان ولا يُضيّق مجال حُريتّه، فدعاه ليتقَربَ من جبلهِ ليبقَ الله إلهاً والإنسان إنساناً وهكذا
الندوة الكتابية اللقاء التاسع والثلاثون المُقدمة أراد َالله الاقتراب من الإنسان على نحوٍ لا يُؤذي الإنسان ولا يُضيّق مجال حُريتّه، فدعاه ليتقَربَ من جبلهِ ليبقَ الله إلهاً والإنسان إنساناً وهكذا يحفظُ الله للإنسان كرامتهُ وحريته فلا يُلغي حضور الله الإنسان، بل يُثبّت حياتهُ وكرامتهِ مُطالباً إياه بالطاعة، وطلبُ الطاعة من شخصٍ إنمّا يعني الاعتراف بحريّته كونهُ إنسانٌ قادرٌ على أن يقول نعم أو لا! والمُطالَبة بالطاعة تعني حتماً إحقاق العدالةِ للعلاقة التي تربط الشريكين. اعترافُ الله بعلاقتهِ مع الإنسان؛ الشعب والكنيسة يعني إقرارهُ الحُر من أنه لا يرغب أن يكون هو وحدهُ كلَّ شيءٍ في العالمِ، هناك مجالٌ للإنسان ولمُبادراتهِ إن تحملَّ مسؤولياتهِ فواصلَ عمل الله الخلاّق على الأرض فلا يسمح للفوضى أن تعمَّ الأرض، بل يبني على الأسس التي ثبّتها الله في عملِ الخلقةِ. لذا، تأتي الشريعة؛ الكلماتُ العشر، لتُعبّر عن مشيئة الله الخالِق على الأرض كما هي في السماء. وإذا أشركَ الله شعبهُ في تحقيقِ مشيئتهِ هذه على الأرض، فهذا يعني أن على شعبهِ؛ كنيستهِ، إشراَك الآخرين أيضاً في تحقيق هذه المشيئة. على شعبهِ أن يتّعظِ من مأساة العبودية في مصرَ فلا يسمَح بأن تُختَبَر هذه العبودية على الأرض مُجدداً، فتكون الطاعة لكلمة الله فرصةً لحياة إنسانية مُشرفة، لأن كلمة الله ليست بمعزلٍ عن واقع الحياة اليومية، فعلى شعبِ الله أن يحفظَ هذه الكلمات (الشرائع)، ويكون حفظها شهادة حيّة للشعوب الآخرى التي ستعترِف بالحكمةِ التي فيها: "فأحفظوها وأعملوا بها، فإنها حِكمتُكم وفَهمُكم أمام عيون الشعوبِ التي، إذا سمِعَت بهذه الفرائضُ، تقول: لا شكَّ أَن هذه الأمةَ العظيمةَ هي شعبٌ حكيمٌ فَهيمٌ". (تث 4: 6) فالطاعة لكلمةِ الله شهادةٌ لله بين شعوبِ الأرضِ على نشاطهِ الخلاّق، لا على قوّته الطاغية مثلما يعتقد بقية الشعوب عن آلهتمِ. فأول ما يطلبهُ الله إذن، هو الإيمان به إلهاً أوحد الذي كشف َعن ذاتهِ من خلال قصة التحرر من مصر العبودية. قصةٌ عبّر فيها الله عن أمانتهِ لوعدهِ، فجعل من الممكن أن يطلبَ من شعبهِ الالتزام بالشرائع التي يراها أساسية في الحفاظ على ديمومةِ هذه القصّة. هذا الالتزام هو جزءٌ من المسؤولية التي أرادَ الله أن يُشرِكَ فيها الإنسان في عمل الخلقة، حيث أبدعَ الحياة والنظام من الفوضى (تك 1- 2). في قصّة الله هناك مجالٌ ليتحرّك الإنسان، وليُبادرِ في هذه العلاقة فلا يبقى نكرةً. من هنا جاءت صور النسر لتُبيّن لنا العناية الفائقة التي أولها الله لشعبهِ لمّا كانوا صغاراً وضعفاء لم يجدوا الأمنَ الذي يحميهم من تهديدات الحياة ومخاطرها، ووفّرَ لهم الأمن والطعام، ولكنّه بدأ يُعلمهم الطيران حيث يدفع بهم إلى خارج العُش ليُجرّبوا أجنحتهم ، وإذا ما سقطوا تنحني وتحملهم وتدفعهم من جديد بفضلِ قوّة جناحيه (تث 32: 10- 12). إلهنا، إلهٌ واحدٌ وهو حاضرٌ دوماً ومُنتبهٌ لحياتنا، وقد اختبرنا نِعمهُ، وبسبب هذه الخبرة صارَ ممكناً له أن يطلُبَ الطاعة من شعبه (منّا)، فيكونوا خاصّة الله (مُلكاً له)، ومملكة خُداّم (كهنة)، فليسوا مملكةً حاكمةِ بل مملكة خادِمة، وشعبٌ يُعرّف العالم مَن هو الله وما صنعهُ لهم من خلال تحقيق مشيئة الله في العالم. فإلهنا يطلب ولاء شعبهِ المُطلَق، بعد أن كشفَ زيفَ الآلهة التي كان الإنسان يصنعها بيده من خلال الضربات العشر، وما زالَ يكشفُ لنا يومياً زيفَ آلهتنا اليوم، مؤكداً دوماً أنه مع الإنسان يُرافقهُ في حلّه وترحالهِ. لذا، لن يقبل الله بوجودِ أشياء أو ظواهر أو كائناتٍ تسرقُ انتباه الإنسان عنه؛ هو إلهٌ غيورٌ. الكلمة الثانية "لا تصنع لكَ منحوتاً ولا صورةَ شيءٍ مِمَّا في السماء من فوقُ، ولا ممَّا في الأرضِ مِن مَن أسفلُ، ولا مِمَّا في المياه من تحتِ الأرض. لا تسجد لها ولا تعبدها، لأنَّ أنا الربُّ إلهَكَ إلهٌ غيورٌ، أُعاقبُ إثمَ الآباء في البنين، إلى الجيل الثالث والرابع، من مُبغيضَّ، وأصنعُ رحمةً إلى الوفٍ من مُحبيَّ وحافظي وصاياي". (خر 5: 4) إلهنا إلهٌ واحدٌ، وهو ليس نتاجُ أفكارِ الإنسان، فليس فكرة أو فلسفة، هو المُختلفُ دوماً عن أفكارِ الإنسان. فلا يُمكن أن تصغيرُ الله ليكون متوافقاً مع كلماتنا الإنسانية البسيطة، ولا يُمكن أن يُحدد بتعريفٍ أو بصورة. الله يُريد أن يُحتَرم في حجمهُ من خلال الدعوة لأن يكون حُراً تجاه موضع تعاريفنا الإيمانية. فمهما حاول الإنسان أن يُحيط الله بكلماته، فهو سيبقى مُختلفاً عن هذه التعابير. الله هو الواحد الأوحد الذي لا يُحيطه ولا يتضمنه مفهومٌ أو تعريفٌ أو فلسفة أو لاهوت. كل هذه مُحاولات علينا أن نُقدّمها بمهابةٍ لئلا تحبس الله في فكرٍ إنساني محدود، ومن ثمة يذهب ضحيّتها أُناسٌ أبرياء لأنهم لا يؤمنون بمثلِ ما نؤمن لذا سيقول الله لاحقاً: لا تقتُل. للكلمة الثانية علاقةٌ وثيقة بالكلمة الأولى لأنها تؤكّد على وحدانيةِ الله وتفرّده، إلهنا من خلال الالتزام بثلاثِ محظوراتٍ: "لا تصنع ... لا تسجد ... لا تخدمُ ... والسبب هو واضح: "أنتم يا شعبَ الله في علاقةٍ مع الربِّ الإلهُ الأوحد، بل الإلهُ الغيور الذي لا يقبل أن يُشاركهُ في العبادةِ إلهٌ آخر، وغيرتهُ تظهرُ في أمانتهِ لشعبهِ؛ شريكهِ في العهدِ. فالصنم والمنحوت سيكونانِ أعداءَ الله، هُم البُدلاء الذين يسرقونَ حُبَ الشريك، فيلهو بعيداً عن حبيبهِ. إلهنا لقاء شخصي، لأنه يُحب ان يدخل حياتنا من أبوابها الخاصّة؛ لذا، فهو لقاءُ القلب لا العقل. هو المُختلف عنّا وعن أفكارنا وتصوراتنا. هو الذي يُطالبنا بمواصلة المسيرة من دون أن حبُسه في صور وتعاريف مهما كانت رائعة، إلهنا كبر من مفاهيمنا، فعلينا أن نكون مستعدين لنقبله مُختلفاً عن أفكارنا وتصوراتنا لذلك قال: لا صورة ولا تمثال ولا منحوت ولا شيءَ مما في الأرض أو في السماء أو تحت الماء يُمكن له أن يُقرّبنا إلى صورةِ الله. لذا، نرفضُ كمسيحيين عبادةَ الصورِ والمنحوتاتِ، لكننا نُقدمُ الإكرامَ والإجلالَ لها، لأنَّ العبادةَ هي لله وحده. فالإكرامَ ليس للصورةِ في ذاتها بل إلى ما تقودنا إليهِ، إلى الله المُتجسّد. ولكن الله يعرف أن الإنسان بحاجة إلى صورة، إلى تقّرب، لذا، أعلن عن صورته وصادق عليها مُباركاً. وقال الله: لنصنع الإنسان على صورتنا كمثالنا ... فخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه ذكراً وأنثى خلقهم,. وباركهم الله ... (تك 1: 26- 28). فالإنسان الحي هو صورة الله. الإنسان الذي يُحاول تأنيس العالم، واحترام الوجود كلّه، ونفح الحياة فيه. الإنسان صاحب الكلمة المنورة، صاحب التسبيح والتهليل والشكر والحمد. رفضٌ لعبادة الأصنام في الوقت الذي كانت فيه شعوبُ الأرض كلّها تسجدُ للأصنام التي صنعوها، جاءت كلمة الله لتُحرر الشعب منها، وترفعُ عيونهم نحوه إلهاً أوحد أسمى من أن تصوّرهُ يدُ إنسان. فالشعوب التي كانت تجاور شعبَ إسرائيل كانوا تصنع صوراً ومنحوتاتٍ لآلهتها، وأرادوا في هذه الطريقة أن يجعلوا هذه الآلهة قريبةً منهم، بل ملموسةً فتكون العبادة سهلةَ المنالِ: في متناولِ اليد. أرادوا أن تقودهم هذه المنحوتاتِ إلى القوى العُظمى، لأن بعض منهم، وخاصةً المصريين، كانوا يعتقدونَ أن الآلهة دسّت بعضاً من الوهيّتها في العالم: الحجارة والخشب ...، فصنعوها وعبدوها في محاولة للوصل إليها والسيطرة عليها، ولكنهم توقفوا عندها فتحولّت من منحوتاتٍ إلى معبوداتٍ. كانت هذه الشعوب تعرِف أنها غير قادرة على الاتصال بالألوهةِ، فهي أكبر من إمكاناتِ البشر، لذا، أرادو من خلال الأصنام الدخول إلى عالمِ الألوهةِ، ويفتحونَ المجالَ لهذه القوى الخارقة أن تنفذَ إلى عالمهم، في محاولة إلى ترويض هذه الإلهةِ وتفادي غضبها، ولكنّهم جمّدوا الألوهةَ فيما صنعتهُ يداهم وحاولوا إرضائها بطقوس وذبائح حسب متطلّباتِ الحياة وحاجتها. لذا، جاءت هذه الكلمة لتُحرر الإنسان من هذه الأوهام، وتعتقهُ حُراً من هذه الأصنام، حررهُ من الشس والقمر والكواكب، ومن خرافاتِ سطوتها. فالله هو الله والإنسان هو الإنسان، والخليقة على الرغم من إنها من صنعِ يد الله، إلا انها ليست مُقدسةً. فإلهنا لا يُمكن أن يُجمّد في صنمٍ أو تمثالٍ أو تعريفٍ أو شرحٍ أو تفسير. إلهنا هو حُرٌ من كل هذه، ولن يكونَ بمقدورِ الإنسان أن يصنعَ صورةً لله، الله هو الذي يصنع صورتهُ في الإنسان، وهو نفسهُ الذي قرر أن يكون إلى جانبِ الإنسان: "ولكلمة صارَ جسداً وحلَّ بيننا" (يو 1: 14). فإلهنا بيّن أنه حاضرٌ بيننا، ولا يُمكن حسبهُ: "فقال لها يسوع: "لا تُمسِكيني" (يو 20: 17). إلهنا لا يُمتَلَك، بل يملُك، وهو حاضرٌ أن يُعطي ذاتهُ لنا كما يطيبُ له، وحيثما يطيبُ له، ولكلَّ مَن يرغبُ لقاءه، لأنه محبّة. أصنامنا اليوم؟ لقد مرّت الكنيسة بفتراتٍ صعبةٍ وبانقساماتٍ مؤلمةٍ بسبب تمسّكها ببعض التعابير اللاهوتية، فراح الناس يُهاجم بعضهم بعضاً، بل يدعو إلى إفناء المُختلِف عنهم في الفكر. وظنَّ المُتمسكونَ بالتعابير بأنهم قادرونَ على اختبار حضور الله من خلال حفظ هذه التعابير، متناسين أن حضور الله يُعاش من خلال قصة محبتهِ التي نقبلها نعمةً ونُقدمها شُكراً. فالتعابير اللاهوتية صارت صنماً يُعبَد عوض أن تكون فسحةً للتأمل الشاكر لنعَمِ الله في حياتنا. كلّ علاقة بحاجةٍ إلى وقتٍ نقضيهِ لأجلها وذلك من خلال جملةِ أنشطة اجتماعية لكي يدومَ الاتصال والتواصل فيها. اليوم، ومن خلال نظرة سريعة لحياتنا اليومية وبرامجها، وعبر حسابات رياضية بسيطة يُمكننا أن نُحدد قائمة بالقضايا التي تشغل أوقات النهار، لنجد أن التلفاز قد احتلَّ المرتبة الأولى يليهِ الهاتف النقّال فالتسوّق ثم شؤون الأولاد، وأخيراً: الله! أفلا يوجد أصنامٌ في حياتنا إذن! اليوم، ترانا نُعلّم أولادنا مخافة الله ونحن بعيدونَ عنها. اليوم نُطالب أولادنا بأن يكونوا مسؤولون عن حياتهم وهم يرون فينا تخبطاً وفوضويةً. "ذوقوا وأنظروا ما أطيبَ الربَّ"، هذه كانت بشارة المُزمّور، والتي ما زالت تدعونا اليوم لأن نجعل تذوّق الربِّ ممكناً. فما الذي قدّمناه لأولادنا ليختبروا أبوّة الله وحنّوه؟ ما الذي أعطيناه لهم ليتعرّفوا على صورة الله الحقيقة؟ فإذا كان الله، إلهنا وخالقنا، يُطالبنا بعدم صنعِ صورةٌ له، فهذا يعني أن ليس بإمكاننا أن نرسُخَ صورةٌ عن الإنسان القريب أيضاً، لذا، سنستقبلهُ إنساناً جديداً يومياً. فلا يُمكن تعظيمٌ القريب ليحلَّ محلَّ الله، ولا الحطَ من كرامتهِ. لذا، تدعونا الكلمة الثانية لنتحرر من عبودية تصنيفِ الناس وفقَ طوائفهم ولونهم وجنسهم وعرقهم وثقافتهم وميولهم، فكل أشكالُ التصنيف تقود الإنسان إلى فايروس العنصرية، وبالتالي تبدأ عملياتُ القتل المروعةّ. فلا صورةٌ لله ولا صورة عن الإنسان القريب، وبالتالي لا يحق للإنسان ان يصنعَ صورةً عن نفسهِ، فلا يُعظِّم ذاتهُ، ولا ييأسَ في صورةٍ سلبيةٍ عن نفسهِ، فكلا الأمرِ سيءٌ ومُسيءٌ لإيماننا بالله خالقنا. الإنسان مخلوقٌ على صورةِ الله ومثالهِ، وهو سرٌّ يسألنا أن نسير معهُ وإلى جانبهِ لنعرفهُ، لا لندينهُ. الإنسان نداءٌ من الله وعليهِ الانتباه له والإصغاءَ إليه والالتزامَ بما يتطلّبهُ هذا النداء من المسؤوليات، فلا يُمكن أن يرسُم الإنسانُ صورةً عن نفسهِ، ويحبُس حياتهُ في هذه الصورةِ المُحدِدَة. عليه أن يستجيب لجديد الحياة، وهذا الجديد يمرُّ من أمامنا، ويسألنا: ماذا تُريد؟ ولكن علينا أن نجتهِدَ لنتعرّف عليه مثلما هو لا مثلما ننتظره نحن (قصة أعمى أريحا: برطيماوس). الكلمة الثالثة "لا تنطق بأسم يهوه إلهكَ باطلاً، لأن يهوه لا يُبرئُ مَنَ نطقَ بأسمه باطلاً" تأتي الكلمة الثالثة: "لا تنطق بأسم يهوه إلهكَ باطلاً، لأن يهوه لا يُبرئُ مَنَ نطقَ بأسمه باطلاً"، لتُحذرَ الإنسانَ الاستعمال الكاذب والمُسيءَ لأسم الله. ومن أجل أن نعي أهمية هذه الكلمة علينا أن نتذكّر أن الأقدمون كانوا يرون أن هناك علاقة جوهرية ما بين الأسم وحامله، فالأسم يُعبّر عن دعوة الإنسان وتوجهاتهِ الحياتية. الأسم هو الشخص بذاته فاعلاً، لذا يكون معرفة الأسم بدءُ اللقاء والحوار المُتبادَل؛ أن ألفظَ أسم فلان يعني إنني أمُسهُ بقوّة فاعلة، وكُلّنا ينزعج من عدم تذكّر فلان لأسمنا بعد أن عرّفناهُ له سابقاً. كما وجرت العادة أن يُعطي صاحب السلطة أسم عبده أو مَن سيعمل تحت سلطانه: لا يكن أسمك أبرام بل إبراهيم ... من الآن تُدعى كيفا .... من هنا نفهم رفضَ الله التعريف بأسمه للذين يسألونه (قصة حلم يعقوب: عرّفني أسمكَ. فقال: لما سؤالك عن أسمي؟ (تك 32: 30). وتكرر المَشهد مع موسى يتكرر السؤال: ما أسمكَ؟ فيُجيب الله: أهيه أشر أهيه (خر 3: 14)، إله آبائكم، إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب أرسلني إليكم ... . وهكذا يُعطي الله وبحرّية تامّة أسمه، وليس صورته؛ وأسمه يقول أنه الحاضر دوماً، ليس قصةً جامدة من الماضي العتيق، بل هو حاضرٌ أبداً وسيكون موجوداً دوماً إلى جانب ِالإنسان لأنّه يُحب الإنسان، لذا يُعرفّه بأسمه، يمدُ له جسور العلاقة، فيبدأ اللقاء وتبدأ الصلاة، ويتواصل الحوار. وهكذا لا يُشُبه الله آلهة البشر المُزيفة التي تأخذ أسمها من الإنسان الذي صنعها. إلهنا قريبٌ منّا بحيث نستطيع أن ندعوه: "يهوه": "سأكونَ حيثما أكون ومتما أكون"، واحتراماً لهذا الأسم المَهيب، قرر شعبُ الله أن لا يلفُظَ أسم الله الذي كشفهُ لهم، فدعوه بـ "أدوناي" والتي تُترجَم عادة بـالربُّ"، وهذا الحضر كان ساري المفعول حتّى أيام ربّنا يسوع فنجد أن متّى الإنجيلي، ولكونه يكتُب إنجيليهُ إلى جماعة يهودية يُفضل كتابة صيغة "ملكوت السموات" عوض "ملكوت الله" مثلما يذكرها مرقس ولوقا. فالإيمان بالله إلهاً قديراً يعني أيضاً عدم السماح للإنسان ليصنعَ منحوتاً لله ليستخدمها مثلما يشاء، وعدم السماح له أيضاً بأن يستخدم أسم الله ويستولي عليهِ ليصنعَ ما يحلو له. الإيمان بالله إلهاً قديراً يعني مهابةَ أسمهِ أيضاً، والعمل على تقديس أسمهِ، وتقديسُ أسمهِ دعوةٌ للعمل وفقَ مشيئتهِ فيتمجّد أسما الله على كلِّ لسان: "فيروا أعمالكم الصالحةِ فيُمجدوا اباكم الذي في السموات". علينا أن نعمل على تأسيس علاقات ثقة، وهذه الثقةُ ممكنة إن كان هناك انسجامٌ ما بينَ الأسم والهوية التي نحملها، وطبيعة الحياة التي نعيشُها. "أنت تؤمن بالله إلهاً وخالقاً أوحد، اشهد أمام لهذا الإيمان": "من ثمارهم تعرفونهم" (متّى 7: 16). فهذه الكلمة ليست ليُحافظَ الله على أسمهِ فحسب، بل من أجلنا، من أجل الإنسان لكي يعمل على تأسيس علاقاتٍ أصيلةٍ مع أخيه الإنسان، مع عالمهِ كلّه. نحن نحملُ أسم الله. وهذه العلاقات تنمو وتزدهر عندما تكون في خدمة حياة الإنسان ورفاهيّتهِ، فعلى الإنسان احترامُ أسم الله في صدقِ كلامهِ، وعدم استخدام هذا الأسم لإهانةِ القريب أو الاستخفاف به أو لربما الانتقامَ منه. من هنا جاءت الكلمة لتقول لنا: لا تلفظ أسم الله باطلاً"، أي "لا تستخدم أسم الله ولا تلفظهُ عبثاً وكأنّك تملءُ جُملَكَ بكلماتٍ لا تعنيها. ولا يُلفظ أسم الله زوراً أو لتكذيبٍ ماكِر أو للهوٍ أو تجديفٍ. ولا يحقُ لنا أن نلفظ أسم الله لنلعنَ به إنساناً يُخالفنا في الرأي أو المُعتقد أو سلوك الحياة، لأن الله ليس حجراً نرجُم به هذا وذاك من الناس، ويأتي بعدها عمليات سلبٍ ونهبٍ واستعبادٍ وتعذيب وحرقٍ وإفناء للآخر المُختلف عنّا. ولننتبه دوماً على أن لا نُرغِم الله على فعلِ ما لا يُريد أن يفعله أبداً. ولا يحق لنا أن نجعل أسم في خدمة نظرياتنا وتوجهاتنا الإيمانية، وهي تجربة قديمة بقدِم الإنسان، حذّرَ منها حزقيال النبي من خلال توجيه كلام قاسٍ للأنبياء الكذابين الذين يدعون برؤى باطلة (حز 13: 3- 12)، فيجعلون الله يقول ويفعل ما يريدون هم أن يفعلوه وهذه تقود إلى خصوماتٍ وحروبٍ وثوراتٍ بأسم الله. يُصرُ البعض على أنه يعرف ما يدور في فكر الله، ويحكمون على العالم من حولهم انطلاقاً من هذه النظرة. ولا يحق لفظُ أسم الله في السحر أو الشعوذة، لأن الله وَعدَ شعبه بأن يكون معهم دوماً فلا مجال للتأثير عليه أو سحبه ليكون فِقَ ما نتمنّاه، مثلما لا يحق لنا لفظ أسم اله عبثاً، بل نُصلّيه باحترامٍ ومهابة: ليتقدس أسمكَ (متى 6: 9)، بمعنى أن ندع الله ليكون الله، من خلال الصلاة إليه بعبارة الشُكرِ والامتنان، وليُكرَز بأسمكَ باحترام وتمجيد في العالم كلّه. ولا يحقُ لنا أن نُكثِرَ من لفظ أسم الله من دون سبب، لنا أن نلفظه في كل سُلوكٍ يُشرفُ أسمه وهي مواقف تؤولُ لخلاص القريب. بعضنا لا يستطيع قول جملتين إلا وفيها أسم الله، وفينا مَن يُحاول التهرّب من المسؤولية من خلال عباراتٍ مثل: الله كريم ... إنشاء الله ... يُحكى عن أحد المعلمين المتصوفة أنه أرسلَ تلميذه إلى الخيّاط يسأله: متى ينتهي من خياطة القميص؟ فأجاب الخياط: إنه موسم الأعياد كما تعلم، وأنا مرتبط بمواعيد كثيرة، ولكن إذا أراد الله فسينتهي الأسبوع القادم. عاد بعد اسبوع أرسل تلميذه ثانية يسأله عن القميص، فأجاب الخياط: إذا منحنا الله لنا عمراً وصحة فسينتهي الأسبوع القادم. ثم عاد وأرسله بعد أسبوع يسأله نفس السؤال، فردَّ الخياط: إذا باركنا الله فقميص معلمك الجديد سيكون جاهزاً بعد اسبوع. أخيراً أوصى المعلم تلميذه أن يقول للخياط: متى سينتهي القميص إذا تركَ الله الموضوع كلياً؟ نتعلّم أن لا نُسرِعَ في تلفظ أسم الله، ونسأل الله أن يُرسل ملاكه ويضع جمرة نار تمُسُ شفاهنا التي تعوّدت على بعبثية واستخفاف (إش 6: 5- 7). نتعلّم اليوم ضرورة أن لا نُقحِم أسم المسيح والله في أحاديثنا فهذا يفتح الباب للمسبّات والتجديف على أسمه القدوس. القّسم يعني القسم استعداد الشخص لأن يقول الحقيقة التي هو ملمٌ بها في واقعهِ هو، وإزالة كلَّ شكٍّ (قسمُ الإثبات) ويطلُب فيها الإنسان حضور َالله ليُصادَق على كلامهِ، أو أنهُ عازمٌ على الالتزام بمهّمةٍ أو مسؤوليةً وهو يعنيها حقاً (قسمُ الوعدِ) فيطلُب فيها حضور الله ليُعينهُ على إتمامِ هذا الوعد بأمانةٍ. ويمتاز هذا القسم بالجرأة والأمانة والالتزام التام بصدِق ما سيُقوله الشخص، أو ما سيعدُ به من التزام مسؤول، من أجل بلوغ الحقيقة والاستقامة والعدالة. وهنا، يدعو الإنسان الله، بكل جلالته ليكون شاهداً سيّداً على فمه وحياته. "فقالَ له عَظيمُ الكهنة: "أستحلفُكَ بالله الحي لتقولّن لَنا هل أنتَ المسيحُ آبنُ الله" فقال له يسوع: "هو ما تقول، وأنا أقولُ لكم: سترونَ بعدَ اليوم آبنَ الإنسان جالِساً عن يمينِ القدير، وآتياً على غمامِ السماءِ". (متّى 26: 63- 64). يُقسِمُ الإنسان إذن بمَن هو أكبرُ منه ليثِقَ الآخرون بكلامهِ ويُصدّقونهُ في حالاتٍ متميّزة في حياتهِ، لذا، لا يُمكن أن يلفظ الإنسانُ أسم الله في قسمٍ من أجل أمرٍ تافهٍ وكأن الله شرطيٌ يُرافقه حيثما ذهبَ، أو يتعمّد الشخص في ذكرِ أسم الله ليُغطي كذبةً أو يُؤكد أمراً مشبوهاً: طلا تُعوّد فَمَكَ الحَلف ولا تألفِ التلفظَ باسم القُدوس فإنه كما أنَّ العَبدَ الذي لا يزالُ مُراقَباً لا يخلو من آثارِ الضَربِ كذلِكَ مَن يحلِفُ ويتلفظُ بالاسم في كلِّ حينٍ لا يُزكى. الرجلُ الحَلافُ يمتلئُ إثماً ولا يَبرحُ السوط بيتهُ، وهو إن لم يفِ فعليهِ خطيئةٌ وإن أستخفَّ بالأمرِ فخطيئتهُ مُضاعفةٌ. وإن حَلَفَ بالزورِ لا يُبررُ ويمتلئُ بالبلايا. (سيراخ 23: 9- 11). ففي القسمِ ابتغاءٌ صادقٌ لتثبيت الحقيقة من خلال الاستشهادِ بإلهِ الحق، وفي الحنثُ بالقسم استخدامٌ باطلٌ لأسم الله لتغطيةِ أكذوبةٍ وبالتالي محو الحقيقةِ وتدميرٌ للثقةِ، فلا استقامةٌ ولا عدالةٌ، وهنا، يعود الإنسان الكذوب بالعلم ِإلى الفوضى الأولى: "توهو ووهو"، ونرجع إلى عبودية مصرَ لأن الإنسان جنّدَ الله في خدمة الشرِّ والخطيئةِ. والأفضل أن لا تحلف البتّة علّمنا ربّنا يسوع المسيح أن نثقَ بالإنسان وبكلامه من دون الحاجة إلى القسم أو الحلفان، فنثقَ بالآخر ونُعطيه ثقتنا تعبيراً عن إيماننا بموثوقية القريب: "فليكن كلامكم: نعم نعم، ولا لا. فما زادَ عن ذلك كان من الشرير" (متى 5: 37). يطلب ربنا منّا التوقف عند الـ "نعم" أو الـ "لا" ببساطتها، ونتعلّم أن يكون كلامنا واضحاً وقوياً مؤهلاً لأن يُوثَقَ به في كل الحالات، من دون التماس ضمانات خارجية. نتعلّم إذن، أن كل شيءٍ يجب أن يتوجّه نحو إرادة الله: ليتقّدس أسمك، وتقديس أسمه يكون في تقديس الإنسان: صورته ومثاله، وأسم الله يتقدّس عندما يُظهِرُ الإنسان مصداقيةً في حياتهِ. وربنا يسوع يُعلمنا أن تقديس أسم الله وتمجيده يكون إذا ما عُشنا وفقَ دعوتنا: أنتم نور العالم ... فليضيء نوركم قدام الناس ليروا أعمالكم الصالحة ويُمجدوا أباكم الذي في السماوات (متى 5: 14 – 16). ما يُمجد أسم الله هو شعبٌ مسيحيٌ أمينٌ وسخي في محبته على مثال وصورة خالقه. شعبٌ صادق يُصلي لله شكراً، ويبتهل إليه ممتنناً، مؤمناً أنه سيّد الحياة الأوحد. ربّنا يسعى نحو تأسيس علاقاتِ ثقةٍ مع الآخرين، مع الله، وهذه الثقة مبنيةٌ على الإيمان بالله، وبما كلِّ ما أعطاهُ لنا في حياتنا، حتّى لو كانوا أعدائنا. نحن بحاجةٍ اليوم إلى أن نسمعَ بشارةَ ربّنا هذه من جديد، فعصرنا مُصابٌ بعلاقات الضماناتِ المُسبَقةَ والتي فيها تشوّهت صورةُ الله، وأساءَ الإنسان فيها استخدام أسم الله. عصرنا بحاجةٍ إلى علاقاتِ ثقة، وهذا الثقة تُعبر عن نفسها بالكلام الصادق، فمن فضلات القلب تتكلّم الشفاه.
قراءة 6159 مرات آخر تعديل على الإثنين, 30 تشرين2/نوفمبر 2015 03:13

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *