ندوة الكتاب المقدس
%PM, %21 %461 %2011 %13:%تموز

الندوة الكتابية اللقاء الرابع والعشرون

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
الندوة الكتابية اللقاء الرابع والعشرون المُقدمة سنبدأ رحلتنا لا مع أفرادٍ مثلما كانت في سفر البدايات، سفرُ التكوين: إبراهيم وإسحق ويعقوب ويوسف، بل مع شعبٍ نمى وكثرُ، وتحقق فيه وعدُ الله: بنسلٍ كثير
الندوة الكتابية اللقاء الرابع والعشرون المُقدمة سنبدأ رحلتنا لا مع أفرادٍ مثلما كانت في سفر البدايات، سفرُ التكوين: إبراهيم وإسحق ويعقوب ويوسف، بل مع شعبٍ نمى وكثرُ، وتحقق فيه وعدُ الله: بنسلٍ كثير. وعدُ نعمةٍ ليقولَ لنا أن العهد مع الله ليس عهدَ مُشترعاتٍ وقوانين وأحكامٍ، بل عهدُ نعمةٍ ومرافقةٍ من الله الآب. ولكّن هذا الوعدَ واجهَ تحدياتٍ من قوى فوضويةً تسعى لقمعهِ وإهلاكهِ، بخلافِ ما يُريده الله. بدأ سفرُ التكوين بحالةٍ من الفوضى جعلتَ الله يتدّخل ليُبدع َالحياة منها، فيما بدأ سفر الخروج، بحياةٍ آمنةٍ لشعبٍ يسعى الإنسان لتدميرها وإعادتها إلى الفوضى الأولى. لكنَّ الله لم يتركَ صنيعَ يديهِ، فعملَ من وراء الكواليس، وأستخدم فوضوية الإنسانِ ليخلقَ فرصَ الحياة، وهذه المرّة لعبيدٍ مُضطهدونَ لا أسمَ لهم، حلّت عليهم لعنةُ سلطاتٍ بشرية، فأضحوا جماعة ضعيفة ًوهشةً أيضاً. لذا، كان من الطبيعي جداً أن تبدأ قصة سفر الخروج بتذكّر الآب العظيم: يعقوب الذي قَدِمَ إلى مصرَ مُكرّماً مُعززاً مُباركاً من قِبلِ الله وحاملاً، من خلال أبنائهِ، وعدَ الله أيضاً، تحت حمايةِ يوسف فجعل من مصرَ الأمان المثالي للعائلة، ولكنها تحوّلت لتحمل أخطرَ تهديدٍ للعائلة فيما بعد، لأن يوسف لم يعش للأبد، فمات مثلما يموتُ كل العظماء، وهكذا فقدَ الشعبُ الحمايةَ اللازمة فأحاطت به الأخطارُ، لأن الخوف حلَّ محلَّ الثقة التي كانت تُميّز علاقة بيت يوسف وفرعون مصر والمصريين، فصاروا متباعدين بعدما كانون متضامنينَ. الموضوع الأساس في تأملنا في سفر الخروج هو كيف أن الله مكّنََ جماعة صغيرة مُضطهدة من التحرر من عبودية وبطشِ حاكمٍ طاغٍ، وذلك لأنَّ الله قرّبَّ نفسه بهم، ورعاهم وكشفَ لهم أنه إلهُ الحياة، وهو الإلهُ الحق، وكشفَ لنا هويتنا الإنسانية، فأرسلنا لنبدأ حياةً جديدة. وعملَ ذلك كلّه وسط عنادِ الإنسان، فيما تعاونَ معهُ آخرون. وهذا هو المجال الذي يُظهِر الله فيه قوّته، لأن الله، لم ولن ينسى المُضطهدينَ، ألتفتَ إلى معاناتهم، وسمِعَ صُراخهم، فكان لهم مُعيناً ومُعلّماً ومُحرراً، لذا، لا يُمكن نيسان حدث الخروجِ مُطلقاً. ولا يُمكن أن ننسى أن الخروج الذي يُريده ربّنا يسوع المسيح مّنا لا يختلف عن حدث الخروج الذي عاشهُ الشعب بقيادة موسى، فكلاهما يقودانِ إلى الله بعد تحرر من قيود العبودية، عبودية الخطيئةِ والاتكال على الله مؤمنينَ أنه صخرتنا. قصة ظلم ... قصة رجاء تبدأ قصة سفر الخروج إذا بقصة استغلال وظلم وحشي وتتواصل من خلال ثنايا السفر أيضاً. علينا أن لا نُفكّر بمصرَ كموقعٍ جغرافي فحسب، بل إشارة إلى عقلية مازالت موجودة حتّى الآن، فتكونَ مصرَ رمزاً إلى مجتمع يعتمد على السلطة وعلى حق الأقوى، على تنافس مميت بلا رحمة. يظن إنسان واحد (أو جماعة واحدة) أنه لا يمكنه الوجود والسعادة إلا على حساب الآخر، فيظلم ويلاشي ذلك الإنسان الآخر (أو الجماعة الأخرى)، وهذه هي قصّة الإنسانية منذ قايين وهابيل (تك4). لذا، صارت قصّة الخروج قصّة كل الناس، لأن سعادة الإنسان الحقيقية لا تكون في البقاء في مصر، مجتمع السادة والعبيد، بل أن الناس مدعوون إلى مجتمع مختلف، مجتمع تضامن وتماسك. فيه لا يسري حقُ الأقوى، لكن حق الكل- إذن حق الأعوز أولاً. فيه يعيش الإنسان ليس على حساب غيره، بل بفضل غيره. لا يوجد فيه سادة ولا عبيد، لكن أخوة وأخوات. بلغة الكتاب المقدس يسمى ذلك المجتمع: "أرض الميعاد". امتلأت الأرضُ منهم (خر 1: 1- 7) بدأ الراوي بتثبيت أسماء أبناء إسرائيل الاثني عشر أولاً (1- 3) وانتقل إلى السبعينَ نفساً ليربطُ قصة سفر الخروج بقصّة سفر التكوين (46: 8- 28)، بل إلى شعبٍ كثير العدد: "نموا وتوالدوا وكثروا وعَظموا حتى امتلأت أرضُ مصرَ منهم" (7). وهذا يُعطينا صورة عن كيفَ أنَّ الله حققَ وعدهُ لشعبهِ لعائلة متنقلةٍ من أرضِ أورَ الكلدانيين إلى شعبٍ كبير: شعبُ الله. علينا أن نتذكر أنَّ الآيةَ السابعة: "نموا وتوالدوا وكثروا وعَظموا حتى امتلأت أرضُ مصرَ منهم" تُعيدنا إلى وصيةِ الله لأبوينا الأولين في سفر ِالتكوين: "أُنموا وأكثروا وأملأوا الأرضَ" (تك 1: 28)، ليؤكّدَ لنا الراوي أن الله أعادَ خلقَ شعبهِ من جديد، وجعلهُ خصباً، فما أراده الله في الخلقِ حققهُ في هذه العائلةِ، وجعلَ من هذه العائلة علامة (إشارة) لتدبيره للكونِ كلّهِ أيضاً، ليكونَ شعبهِ نقطةَ انطلاقٍ له نحو البشريةَ كلّها. لذا، جاءت الآيات من 1- 7 لتحملَ لتُشيرَ إلى الوعد والبركة والنسلِ العظيمِ، فبفضلِ وعدِ الله وولاء يعقوب وإيمانهِ وذكاء يوسف، صارَ شعبُ الله عظيماً، بل كثرُ جداً. ونموّه يعني الحاجةَ إلى أرضٍ تستوعبهُ ليعيشَ بسلامٍ وأمانٍ، وهكذا صارَ نمّوه وكثرتهُ بدايةً لتحقيق بقية الوعودِ: الأرضَ. ملك جديد؛ ملكٌ طاغية (خروج 1: 8- 14) ولكنّ، لا يقبلُ العالم دوماً هذه البركةَ وهذه الخصوبةِ، إذ ظهرَ ملكٌ بذاكرة قصيرة، ملكٌ لم يعرف يوسف وما الذي قدمهُ لمصرَ ولشعبها، بل لكلِّ الأرضِ، وهكذا حُرِمَ بنو يعقوبَ من الامتيازات التي حصلوا عليها. عالمنا يُعارِض بركةَ الله، ويرفض الأخوة الشاملةَ، لذا، رفضَ ملكُ مصرَ الجديد حقيقة هذه البركة، فخافَ منهم. هناك قوّةُ تعملُ دوماً من أجلِ تدميرِ قوّة الله الخلاّقة، وما كانَ للإنسان بركةٌ صارَ في عيون غيره كارثةٌ. مواهبُ إنسان كارثةٌ لإنسانِ آخر: الحسد. كان ملكُ مصرَ الجديد أول المُتكلّمينَ في سفر الخروجِ مؤكداً على كثرة أبناء إسرائيل وقوّتهم، والأخطار المُحتَمَلة، فما كان علامة البركةِ أضحى الآن إشارةً إلى تهديدٍ مُحتَمل، والتهديد هو هربهم نحو جهةٍ بعيدة عن مصرَ، وبذلك يُعطينا صورة مُسبقة لما سيحدث لاحقاً في السفرِ. هربُ بني إسرائيل هو الخطرُ الأكبر الذي يُواجه مصرَ، لأن مصرَ ستفقدُ العمالةَ الرخيصة، بل تفقدُ الحليفَ الذي تحتاجُ إليه وقتَ الأزمات العسكرية والاقتصادية التي قد تواجهُ البلادَ. خافَ هذا الملكُ من ان يكون حضور العبرانيين حضوراً مُخرباً، وبالتالي ضرراً كبيرا على الأمنِ القومي لمصرَ كلّها، لذا، أمر فرعون بتشديد ظروف العمل لتكون أكثرَ قساوةً فأرهقَّ العبرانيين بالأشغالِ، والإنسانية بَيّنت أن العظماء بَنوا لأنفسهم مباني عظيمة تُخلّدهم ودفعَ الفقراء والضعفاء ثمنَ هذه العظمةِ. مُدنُ خزنِ الطعام، مدنُ الحياة، صارتَ مُدن العمل الشاق، مدنُ الموت. نحن نعرِف أن مصرَّ كان لديها الحنطة وبوفرةٍ فيما عانت بقية الأراضي من الجفاف، فإبراهيم نزلَ إلى مصر عندما أشتدّت المجاعة (تك 12: 10)، وهكذا فعلَ يعقوب، فاحتكرت مصرَ الطعام في المنطقةِ كلّها، وها أن الملكَ الجديد يأمرُ ببناءِ مخازنَ للطعام فتعظُمََ قوّة مصر الاقتصادية أكثر. ولكّن هذه السياسية القمعية لن تنفعَ الملكَ الجديد: "ولكنهم كانوا كلّما أرهقوهم يتكاثرونَ وينتشرونَ حتى تخوّفَ المصريونَ منهم" (1: 12)، فقوّة البركة فاعلةٌ في هذه الجماعة، ولم تستطع قوّة مصرَ إيقافها أو الحدَّ منها. قرر هذا الملك الذي لم نعرِف أسمه حتّى الآن، وبذلكَ جعلهُ الراوي رمزاً عالمياً لقوى الموت المُدمرة، ظَنَّ أنه داهيةٌ وحكيمُ، وسيتخلّص من العبرانيين بخُططهِ، ولم يعرف أنه دهائهُ سينقلبُ عليه نقمةً فيكون حماقة ليس إلا، وكلَّ ما كان ينوي أن يكون ضّد هذا الشعبَ، سينتهي لصالحِه في نهاية الأمرِ على عكس ما أرادَه هو. لذا، كان من الضروري أن تروى هذه القصّة لا من أجل اكتسابِ علامات ِالشفقةِ، بل من أجل خلقِ تضامنٍ مع المُضطَهدَ والمظلومَ، فنسعى جميعاً كي لا تتكرر مثل هذه المظالِمِ أبداً. فإلهنا إلهٌ ينتبهِ وسيتدخّل لحسمِ الأمورِ، ومثلما تدخّلَ لصالحنا، فعلينا أن نلتزِمَ المُضطهدينَ والمظلومينَ ونقفَ معهم. أمرَ الملكُ معاونيهِ بإذلاِلِ العبرانيين بالأشغال فصارت خدمتهم للمك عبوديةً قاسيةً ومُذلةً فقدَ فيها الشعبُ حريّتهُ، وهذا لم يكن غرض الله أبداً، وهو يرى هذه العبوديةَ فتدخلَّ ليُخرِجَ الشعبَ ليخدمهُ هو، فلا يُمكن أن تكون هناك خدمةٌ كريمةٌ إلا خدمةُ الله، أما باقي الخدم فهي خدمة وبعبودية. فيكون الخروجُ لا طلبَ الاستقلالِ الأرضي، بل إعلانَ الشعب أنه من الآن فصادعاً متكلٌ على الله: "وأخذ (موسى) كتابَ العهدِ وتلاهُ على مسامعِ الشعبِ، فقالوا: "كلُّ ما تكلّمَ الربُ به نعملهُ ونأتمرُ بهِ" (خر 24: 7). مذبحة تلو الأخرى (خر 1: 15- 22) قررَ الملكُ بعدها اقتراف مذبحة بين هؤلاء العبيد، وهي علامةُ هزيمةٍ، فكانت المذبحة بدايةً لسلسلةِ مروراً بمذبحة قتل أطفالِ بيت لحمَ، حتى مذابح اليوم هزّت الإنسانية كلّه ولم نتعلم حتّى يومنا هذا مدى بشاعتها، والجروح المُرعبةَ التي تتركها في إنسانيّتنا. ليست الأفعى هي المُحرِك لهذه الجريمة، ولم يكن قايين فاعلها، ولم يتفقَّ الأخوةُ ضّد أخيهم، بل ملكٌ لا يعرفُ يوسف، يوسف الذي حَفِظَ الله من خلالهِ شعوبَ الأرضِ: "الشرَّ الذي أردتموه لي أرادهُ الله خيراً كما ترونَ، ليُنقِذَ حياةَ كثيرٍ من الناسِ" (تك 50: 20). والمعرفة هنا ليس معلوماتٍ، بل علاقةٌ صادقةٌ فيها اهتمامٌ مُشتركَ بخيرِ الطرفينِ. وسنرى أن المعرفةَ تقود إلى الحياة والجهلَ يقودُ إلى الموت. قادتَ المعرفة ملكَ مصرَ إلى الاعترافَ بحكمة يوسف فكان الخلاصُ للجميع، فيما سيقود الجهل هذا الملكُ الجديد ويأخذه بعيداً حتى يقمعَ الآخرين، فيكون َسببَ هلاكَ شعبه ايضاً. مَن يعرف يوسف، وإلهَ يوسف سيكون ذاك الذي يُجري الحق والعَدلَ ويقضي للبائس والمسكين، فيكون له خيرٌ (إرميا 22: 16). تحدّث الملكُ إلى قابلتينِ بشأن قتلِ الذكور، وأرادَ بذلك إثارة مشاعر الكراهية بين أبناء الشعبِ الواحد من جهة، والتخلّص من الذكور فيكون الموت موجهاً لسياسة الملك، فعوضَ أن ينتظرَ أن يكبروا حتّى يضطهدهم، هوذا يأمرَ بقتلهم منذ مولدهم فيختصر الوقت والجهود. غير عارفٍ أن هذه السياسية المبنية على الخوف سيؤولُ وبالاً عليه وعلى البلاد وعلى أهلها. وهو إجراء خائب ومُغزي كونه يُشيرُ إلى تخبطٍ في السياساتِ؛ فالمملكةُ بحاجةٍ إلى عمالٍ ذكور لإقامةِ مشاريعها، وها هو يأمرِ بقتلهم، فيُسهِم في سياسته هذه في دمار المملكة بنفسهِ، على عكس الملك السابق الذي وَثقَ بيوسف الغريب فأسهم في خلاص المملكة ورفاهيّتها: "هل نجدُ مثلَ هذا رجلاً فيه روحِ الله؟ ... بَعدما أعطاكَ الله كل هذه المعرفةَ، فلا فهيمٌ ولا حكيمٌ مثلكَ" (تك 41: 38- 39). رغب الملكُ الجديد في إيقاف النسل، ففكّرَ بقتلِ الذكور ويُبقي على الإناث: تخبطٌ في السياسةِ ليس إلا، والسبب هو الخوفُ الذي لازمهُ من الغرباء: "كانَ لا يعرِف يوسف"، فلم يعرف ما الذي صنعهُ إلهُ يوسفَ لشعبهِ. وهو لا يعلم أن هناكَ مَن يخافُ الله (17) أكثر من خوفهم من الملك الطاغيةِ، فعصوا أوامرَ الملك، بل استهزأوا به، وعزونََ ذلك لقوة الحياة الموجودة في نساءِ العبرانيين: "فعلنا هذا لأن نساءَ العبرانيين غيرُ نساءِ المصريين، فهنَّ قوياتٍ يلدنَ قبلَ أن تدخلَ عليهنَّ القابلةُ" (19). فصارت القابلتان ملائكة الرحمة وحارستانِ لحياة الأطفالِ عوضَ أن يكنَّ ملائكة الموت حسبما أرادهنَّ الملكُ الطاغيةُ، وهذه كانت بدايةِ رحلةِ التحرر من العبودية. جعل ملك مصرَ الجديد مصيرَ البلاد بيد القابلتين شِفرةَ (جفنُ العينِ) وفُوعةُ (الرائحةُ الطيبةُ) اللتان يذكر الراوي أسمائهما، من دون أن يحفظ لنا اسمَ الملك مُطلقاً. قادهُ خوفهُ إلى التحدّث للقابلتين وانتظرت المملكةُ كلّها ما الذي سيحدُث، خوفُ المصريين من العبرانيين سيؤدي إلى فشلهِم، وخوف القابلتين من الله سيقودهم إلى نجاحهم. فيضحى الملكُ وبيده أسلحةُ الطُغيانِ المُرعبةُ علامة الموت الذي يُريد إنهاء الحياة منذ بدئها. الخوف والحسد سلاحان فتّاكان بيد الإنسان الذي لا يعرفُ الله، يخاف مجموعةً من الناس ويحسدهم، فيتصوّر أن وجودهم تهديد شخصيٌ له ولمكانته، فيسعى إلى حشدِّ الطاقاتِ لاضطهادهم وإزاحتهم، ومن ثمة إبادتهم. يظنّ هذا الملك الجديد أن بإمكانهِ إيقافَ بركةَ الله للبشرية منذ نشأتها: "أُنموا وأكثروا وأملأوا الأرضَ" (تك 1: 28). فيما يقفُ في مواجهتهِ الله ومعه قابلتانِ فقيرانِ لا حولَ لهما ولا قوّةَ إلا خوفهما من الله وثقتهما به، هو إلهُ الحياة والبركة، وينتصرُ الله دوماً فيُديمُ الحياةَ، ويكون عملُ النسوةِ الحكيمُ والشُجاع في خدمةِ عمل الله الخلاصي فيما بعد، والذي يتدخل دوماً لخلقِ إمكانياتٍ جديدة. فيجعلانَ ملك مصرَ ومُستشاريهِ أضحوكةً بجوابهنَّ: "نساءُ العبرانيين غيرُ نساءُ المِصريين، فهنَّ قويات يلدنَ قبلَ أن ندخلَ عليهنَّ القابلةُ" (1: 19). لجأ الملكُ الجديد إلى الخطوة الثالثة في مُسلسل العنف فيضحى أكثر وحشية وعنفاً فأعلنَّ مذبحة جماعية بقتلِ الذكور، والقضاء على العبرانيين عوضَ السيطرة على تعدادهم: "أطرحوا في النهرِ كلُّ ذَكرٍ يُولد لبني إسرائيل وأبقوا على كُلِّ أُنثى"، فيكونُ كلُّ وليدٍ محكوماً عليه بالموت، لا لجرمٍ أقترفهُ، بل لأن الملك يخافُ منه. فخسرَ بذلَكَ شعباً أرادهُ ان يكونَ حليفاً له عسرياً واقتصادياً. أمرَ بإغراقِ الذكور، وكأنهُ يستبقُ الأحداث في غرقِ جيشهِ لاحقاً (خر 14: 26 – 28)، فوقّعَ بنفسهِ قرارَ إعدامِ شعبهِ، والنهر الذي جُعِلََ أن يكونَ مقصلةَ الإعدام، سيضحى الخدرَ الذي سيحتضن مَن سيقودُ الشعب نحو الخلاص، وبأوامرِ الملك الطاغية نفسهِ، فصارَ الملك أداةٍ بيد الله من دون أن يدري، وإلهنا قديرٌ حتى أن يعملُ عجائبهُ من خلال الذين لا يعرفونهُ أيضاً. مخافة الله تعني مخافةُ الله الثقة بالله لا لأنه إلهٌ يُريدُ إرهابنا وتخويفنا لئّلا نُسيطر على عالمهِ، على العكس هو يدعونا لنُشاركهُ في إبداعِ الحياة الوافرة للجميع. "لكن القابلتين خافتا الله ولم تصنعا كما قال لهما ملك مصر" (17:1). "مخافة الله" لا تعني "الارتجاف" أمام الله. إنها تعني: تهيب الله وحده، وعدم انحناء لأية سلطة أخرى إذن، لكن القيام في سبيل القريب المظلوم، أن تكون إلى جانب الضعيف. مخافة الله تعني إيماننا أن الحياةَ مُقدسةُ ويجب احترامها منذ اللحظةِ الأولى، وهكذا صارَ الحفاظُ على حياةِ الأطفالَ مسؤوليةً كُبرى، وتعبيراً أساسياً لمعنى: مخافة الله. عصيّت القابلتان أوامرَ فرعونَ مصرَ على أساس إيمانهما بعمل الله الخلاّق، ولهذا اختارتا طُرقاً تؤولُ إلى الحياة لا إلى الموت، وفي تعاونهما مع الله وجدتا خيراً: "فأمرنا الربُّ بأن نعملَ بجميعِ هذه السُّنن ونخافهُ وهو إلهنا، لتلقَى خيراً كلَّ الأيامِ ونحيا كما في يومنا هذا" (تث 6: 24). فالذي الذي يخافُ الله هو الإنسان الذي لا يبخل بشيءٍ عن الله، فهو كلّه لله: "وقال": لا تمدَّ يدَكَ إلى الصبي، ولا تفعل بهِ شيئاً، الآن عرفتُ أنّك تخافُ الله، فما بخلتَّ علىَّ بأبنِكَ وحيدكَ" (تك 22: 12)، هو الإنسان الذي يُبادرَ بإمكانيات جديدة من أجل حياةِ الآخرين: "وفي اليوم الثالثِ قالَ لهُم يوسف: "أنا رجلٌ أخافُ الله. أفعلوا ما أقولُ لكُم فتحيوا" (تك 42: 18). فالحفاظ على حياة ِالقريب تعبيرٌ أصيلٌ عن مخافةِ الله.
قراءة 22945 مرات آخر تعديل على %AM, %30 %050 %2015 %03:%تشرين2

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *