ندوة الكتاب المقدس
%AM, %08 %414 %2011 %11:%تموز

الندوة الكتابية الثانية والعشرون

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
الندوة الكتابية اللقاء الثاني والعشرون نهاية البداية بعدما باركَ يعقوبَ فرعونَ (47: 7، 10)، ويوسفَ (48: 15)، وأبناء يوسف: أفرايم ومنسّى (48: 20)، وصلنا إلى نهاية سفرِ البدايات، سفر التكوين، ولم
الندوة الكتابية اللقاء الثاني والعشرون نهاية البداية بعدما باركَ يعقوبَ فرعونَ (47: 7، 10)، ويوسفَ (48: 15)، وأبناء يوسف: أفرايم ومنسّى (48: 20)، وصلنا إلى نهاية سفرِ البدايات، سفر التكوين، ولم يبقَ ليعقوبَ سوى أن يوّدع الحياة، بخطابٍ إلى أبنائه الاثني عشر، والذي يقول عنه الراوي أنه خطاب الوداع والبركة (49: 28)، على الرغمِ من أن سياق الحديث لا يُبيّن ذلك، بل كلُّ ما نستطيع قولهُ أنه توقّعُ مُستقبلهِم كعشائرَ وأسباطٍ عظيمةٍ، مُتضمناً معرفتهِ بهم وبتاريخهم الشخصي، غير متناسين أن ناقل الخبرِ قد أضافَ إليه تفصيلاتٍ من تاريخ الأسباط اللاحق، فجاء الخطابُ شكلاً من دعاية سياسية لهم ولمكانتهم لاسيما مكانة سبط يوسف ويهوذا، لاسيما وأن الخطاب يفتقرُ إلى حوارٍ ما بين يعقوب والمعنيين بالبركة، بل أن المعنيين بالبركة مدعوون للإصغاء فحسب، على مثال خطابُ موسى الوداعي (تث 32 1). بدأت حياة يعقوب بنبوءةٍ: "فقال لها الربُّ: "في بطنكِ أُمتانِ، ومن أحشائكِ يتفرّع شعبان: شعبٌ يسودُ شعباً، وكبيرٌ يستعبده صغير" (تك 25: 23)، وعليه ستنتهي حياتهُ بنبوءةٍ ايضاً، على الرغم من أن الخطابَ يعوزه عبارة مثلُ: "وكانت كلمة الله ليعقوب: "قُلّ لأبنائك ..."، بل نجد أن يعقوبَ يأخذ المُبادرة مثلما فعلَ مع أفرايم ومنسّى، فباركَهم بموهبةٍ خاصّة أُعطيت له، مثلما أُعطى ليوسف ابنهِ موهبة تفسير الأحلام. لذا، حريٌ بالأبناء أن يسمعوا أبيهم الحكيم: "إسمع يا بُني مشورة أبيكَ، ولا تُهمل نصيحة أُمّكَ (أم 1: 8) "إسمعوا أيها البنونُ مَشورَة الأبِ، وأصغوا لتكتسبوا الفطنةَ" (أم 4: 1). لذا، سألَ يعقوبَ أبنائه ليجتمعوا حولهُ، فيُخبرهم عن مُستقبلهم، أو على الأقل عن واقعِ حياتهم وحياة أبنائهم من بعدُ، فلنسمعَ أقواَل يعقوب وهو على فراش الموت، وسنسمع لاحقاً من موسى قبلَ موتهِ أيضاً (تث 33)، ومن ايشوع بن نون (ايشوع 24)، ومن صموئيل (1 صم 12). أصغوا إليَّ بدأ يعقوب أقوالهِ مع أبناء ليّئة ليختمُها بأبناء راحيل المحبوبة. جاءت هذه الأقوال شعرية في الأسلوب وتضمّنت توبيخاتٍ وبركاتٍ، مؤكدةً على أن الله هو سيّد التاريخ البشري. فيُدهشنا يعقوب كيف أنه قادرٌ على قراءة التاريخ وحتّى توبيخ أبنائهِ وهو على فراش ِالموتِ، ليُبيّن أنه سيّدها دوماً. رأوبين البكر، أعترفَ يعقوبَ بمكانتهِ الأبن البكرُ والذي كان له أن يملُك الكثير، وأشارَ في ذاتِ الوقتِ إلى الجرمِ الذي أقترفهُ كونه ضاجع بلهةَ، محظيةَ أبيهِ (35: 22)، وهكذا فقدَ امتيازات البكورية، بسبب شهوانيته. يبدو واضحاً أن الأجيال اللاحقة تدفعُ ثمنَ أخطاء آبائهم، مثلما أن إنجازاتِ الآباء تُظللُ الأبناء ببركاتها:" ويتباركُ في نسلِكَ جميعُ أُمم الأرضِ لأنّكَ سَمِعتَ لي" (تك 22: 18) "وأكثرُ نسلكَ كنجومِ السماء وأُعطيهم جميعَ هذه البلاد، ويتباركُ فيهم جميعُ أُممِ الأرض، لأن إبراهيمَ سمِعَ كلامي، وحفِظَ أوامري ووصاياي وفرائضي وشرائعي" (26: 4-5). تاريخ هذا السبط بيّن أنهم بقوا على هامش حياة الأمةِ، بعيدينَ عن قضايا شعبِ إسرائيل، فسكنوا شرقيَّ الأردن، بل كان شككوا في حقِّ موسى في الحكمِ على الشعب، فحلّت بهم كارثةٌ مرّوعة (عدد 16). ومثلما أشارَ يعقوبَ إلى فعلةِ رأوبين القبيحة، هكذا أشارَ أيضاً إلى عنفِ شمعونَ ولاوي وهمجيّتهم، فقد اقترفا معاً مذبحةً مروّعة في شكيمَ انتقاماً لأختهما دينةَ (تك 34)، لذا، فلم يعدهما ببركةٍ، بل لن يستطيبَ مجلسهما، لأنه مجلسُ عنفٍ، ومثارُ أزماتٍ كبير، فلابّد من أن يُزال، فلعنهم. وهكذا أندمجَ سبطُ شمعون مع سبطِ يهوذا لاحقاً، ولم يحظى سبطُ لاوي بأي أرضٍ بل تشتتوا في بقية الأسباط. ثمَّ كلّمَ يعقوب إبنه يهوذا (أحمدُ يهوه) على نحوٍ مُباشر من دون أن يُشيرَ إلى ماضيهِ، والذي نعرف منه على الأقل قصته مع ما حصل ليوسف إبنه (37: 26- 28، 31- 32)، ومع كنّتهِ تامار (تك 38)، بخلافِ ما حصلََ مع أبنائهِ الثلاثة: رأوبين وشمعون ولاوي. فأعطى يعقوب مكانة مشرّفة ليهوذا، بل أنه منه سيُولد شُعاعُ أملٍ للعائلة الكبيرة فيما بعدُ. شبهه بشبلِ الأسدِ كونهُ سبطٌ بدأَ يكبرُ وينمو، وبالأسد واللبوة لأنه قويٌّ وسينال ما يرغب فيه، ولا يُمكن لعدوٍ أن ينتهِكَ أراضيهِ، وله مُستقبلٌ زاهرٌ بين الأسباط، بل أن الجميع يخشاهُ، وأنهُ سيتمتّع، والشعب أيضاً، بإزدهارٍ وافرٍ؛ غزارةٌ في المحاصيلِ، وتوقفٌ في الحروبِ (يربط بالكرمةِ جحشهُ). ثم أنتقلَ بالكلامِ إلى زبولون متجاوزاً دان كونه الأبن التالي، أو يساكر كون الأبنُ الخامس حسب ترتيب الفصول 29- 30. زبولون هو الأبنُ العاشرُ في الترتيب، فنفهم من ذلك أن تك 49 رَغِبَ في مباركة كل أبناء ليئةَ أولاً، مع أنه قدّمَ زبولون على يساكر مثلما فعلَ موسى (تث 33: 18)، فباركهُ بأن أراضيه ستتوسّع لتضمَّ إليها السواحل والمرافئ. هنا يجدر الإشارة إلى أن ربّنا يسوع كان من سبطِ يهوذا، إلا أنه سكنَّ أراضي سبطَ زبولون وكان يُحب مهنتهم: الصيد والسفنَ. رأى يساكر أن التمتّع بخيراتِ الأرضِ أفضلُ من أي شيءٍ آخر، لذا، فراح هو أبنائه، وعلى مثال آدام وحواء: "ورأت المرأة أن الشجرّة طيّبةٌ للمأكلِ وشهيةٌ للعينِ" (تك 3: 6) وراء شهوةِ العينِ، ففضّل التنعّمَ بهذه الخيرات حتى لو أضطرَّ لأن يكون عبداً عند الآخرين، وهذا الذي سيحصل لسبطه إذ أنهم سيشتغلون عند الكنعانيين. جشعهمُ مرضٌ سيدفع السبط كلّهُ الثمنَ، فكانوا مثلَ عيسو الذي فضّل حاجةَ بطنه على بركة البكورية، وقبلهُ لوطَ الذي هجرَ عمّه إبراهيمَ وأنفصلَ عنه ليسكنَ وادي الأردن الذي رآه "كجنّةِ الربِّ" (تك 13: 10). دان (القاضي أو الحاكم) هو الأبن الخامس ليعقوبَ والأبن الأول لبلهةَ ويُوحي أسمهُ بأن يكون إلى جانب ِالحقِّ، وها هو ينال المكانة السابعة في ترتيب الأقوالِ، وهذا يعني إعلاء مكانة هذا السبط الذي كان له لاحقاً صولاتٍ وجولات حربية مكّنتهم من توسيع الأراضي المُخصصة (ايشوع 18: 47- 48). فمع َانه سبطٌ صغير في حجمه ِإلا أن ضرباتهِ موجعةٌ بل قادرة على إيقافِ شعوبٍ أكبرَ حجماً (مقارنة حجمُ الحيّةِ بحجم ِالفرسِ). أما جاد وعشيرته فكان عليها التعاملَ مع الغزواتِ المُتكررة من قبل العمونيين من الشرق والمؤابيين من الجنوب، وحصلَ أن أراضيهم سقطت بيد الغُزاة وكان عليهم واجبُ إعادتها. انتقدتهم دبّورة في نشيدها لأنهم بقوا بعيدين عن مساعدة الأخوة (قض 5: 17) ولانشغالهم في حلِّ مشاكلهم، ناهيكَ أنّ سبطَ جادَ لم يكن كبيراً لدرجة مقاومة هؤلاء الغُزاة، لذا، جاءت كلمات يعقوب نبوية تجاه إبنهِ جاد، وعليهِ الاستعداد للأيام السيّئةِ. أشير: السعيد أو المُبارَك، سكنَ سبطُ اشيرَ في سواحل الجليل وشمالي جبل الكرمل والتي عُرفت بأراضيها الخصبة وبغزارة محصولها مما أثارَ شهيّة الملوك من حولهم، فكان عليهم لاحقاً تأمين الطعام لقصرِ الملك سليمان، ولقصور ملوك الكنعانيين والفينيقيين. أما نفتالي فلا يُعرَف عنه وعن سبطهِ الكثير، ويبدو أنه وسبطهُ عاشوا بدوٌ رحاّلةٌ، مُسالمينَ في أسلوبِ حياتهم، حتّى نموا وتكاثروا لاحقاً وامتلكوا جنوبَ بُحيرةِ الجليل (تث 33: 23)، وقدّموا عوناً كبيراً لسبط ِدبورة في معاركهم ضد الكنعانيين (قض 4: 6، 10/ 5: 18)، بل كانوا مُستعدين للتضحية بأمنهم من أجل سلامة حياة الآخرين، فجاءت كلماتُ يعقوب لتمدّح قُدرة نفتالي وسبطه على تقديم رجالٍ محاربينَ. سبقَّ وأن باركَ يعقوب إبنهُ يوسف من خلالِ مُباركتهِ لأبنائه ِأفرايم ومنسى، وها هو الآن يُؤكّد البركةَ ويزيدُ عليها ليكونَ يوسفَ الأميرَ بين إخوتهِ، الذي حلمَ بأن يكون المُميّز، وحَفِظَ الأب أحلامَ الفتى في قلبهِ (تك 37: 11)، وكانَ شاهداً على العداوة التي اختبرها إبنهُ من قِبل إخوته الذين فصلوه عنهم حسداً، وهوذا ينفصلُ عنهم بسبب بركة الأب له. الأب الذي أختبرَ الازدهارَ الذي صارَ على يديهِ، وهذا كلّهُ لأن الله، الإلهَ الجبّارَ، راعي آبائهِ كان الرفيقَ الأمين: الحامي والمعين. الله هو الذي أعطى ليوسفَ الصبرَ والقوّة للمواصلة، وهو الذي باركَ السماء من علو، والأرضَ من تحت. لذا، فمن الضروري أن نتذكّر أن البركة التي صارت ليوسف كانت بسبب وعدِ الله، وليس على قوّة الإنسان أو ضعفهِ. فالبركة التي مُنِحَت ليوسف جاءت نشيد تمجيدٍ لله الأمين. أما بنيامينَ، الأبنُ الأخير ليعقوبَ، والذي سعى لأن يحميهِ من مخاطرِ النزولِ إلى مصرَ، ليبقَ آمناً في مسكنِه، سيدخل نسلهُ في حروبٍ كثيرة مع جيرانهِ، بل يقود بقيّة الأسباط وراء دبّورة وباراق ( قض 5: 14)، وحتّى أنه تصارعَ في حروبٍ داخليةٍ مع بقيّة الأسباط ، نالَ من أبيهِ البركة التي ميّزتهُ مُحارباً قوياً فكان أولُ ملكِ على إسرائيل من سبطِ بنيامينَ (1 صمو 9: 1). ولكنَّ قوّتهُ ليستُ في قدراتهِ العسكرية، بل، وعلى حّد تعبير سفر تثنية الأشتراع: "لأنهم يسكنون بين جوانحِ الربَّ آمنينَ" (تث 33: 12). لم يمت يعقوب مصرياً (49: 28- 50: 3) بيّن يعقوب أنه عارفٌ بمُستقبلِ العائلة مثلما هو يتذكّر جيّداً ماضي العائلة، ليقولَ: أنه سيّد العائلةِ بماضيها وحاضرها ومُستقبلها، والأهم من ذلك كلّه هو أن يعقوب لم يمت مصرياً، ولم يكن هناك مُجاملةُ لمصرَ على الرغم من الضيافة المُغرية التي قُدمت لهم. لقدّ أرادَ أن يُدفنَ في المغارة لينضمَّ إلى آبائه، وليؤكّد حقَّه هو ونسلهُ في امتلاكِ الأرضِ، فالتأكيد صارَ على فعلِ "انضمَّ" إلى آبائهِ، وليس على فعلِ "ماتَ". تكفّلََ إبنه يوسف بتنفيذ وصيّة الأب، كونهُ قادراً على الإيفاء بهذا الوعدِ، فنقلَ جُثمانَ أبيهِ إلى حبرونَ، حاملاً الوعد الإلهي معهُ من دونِ أن يشكٍّ من أن الله أنعمَ عليهِ بما لم يكن يستحقهُ، ونقلَ هذا الوعد لأبنائهِ مؤمناً أنه سيتحقق، بل عاشَ حياتهُ كلّها على هذه الإيمانِ من أن الله عازمٌ على أن يُحققَ لشعبهِ الرفاهية ويُؤمّنَ لهم الحياة: بالإيمانِ قَدّمَ إبراهيمُ آبنهُ الوحيدَ إسحق ذبيحةً عندما أمتحنهُ اللهُ، قدّمه وهو الذي أعطاه الله الوعدَ وقالله: "بإسحق يكونُ لكَ نسلٌ". وأعتقدَ إبراهيمُ أنَّ الله قادرٌ أنَّ يُقيمُ الأمواتَ. لذلك عادَ غليهِ آبنهِ إسحق وفي هذا رَمزُ. بالإيمان باركَ إسحق يعقوب وعيسو لخيراتِ المُستقبلِ. وبالإيمان باركَ يعقوبَ لمّا حضره الموتُ، كُلاًّ من أبني يوسف وسجدَ لله وهو مُستندٌ إلى طرفِ عَصاهُ. وبالإيمانِ ذكرَ يوسف عند موتهِ خُرجَ بني إسرائيلَ من مصرَ وأوصى أينَ يَدفنون عِظامهُ. (عبر 11: 17- 22) وفاء الله وأمانته هو الذي حفِظَ للعائلة الحياة والرفاهيةَ، وهو الذي أعطى ليعقوبَ موتاً آمناً، فلم يكن أتكالهُ على قُدراته وذكائه، بل على إيمانهِ بإلهِ أبائه. إيمانهُ كان إيماناً قلقاً وقد عبّرَ عنه من خلالِ صراعاتٍ كثيرة، ولكنّه إيمانٌ قوي، وعلى الجماعة (نحن أيضاً) أن نتعلّم منه. إيمانٌ لا يُشجعُ على التراخي والاتكال الكسولِ على وعدِ الله، بل يتطلّب تحرّكاً دؤوباً في مسيرة واثقة من حضور الله، وتمييز َإرادتهِ في حياتنا، وطلبَ مشيئتهِ دوماً. وقد علّمنا ربّنا يسوع أن نُصلي: "ليأتِ ملكوتُكَ، لتكن مشيئتُكَ" (متى 6: 10). ولكن: كيف لنا أن نُميّز إرادة الله ومشيئتهُ في حياتنا؟ وما معنى: أؤمنُ؟ أؤمنُ يعتقد الناس خطأً أن الإيمانَ ممكن عندما نرى فحسب على حدِّ تعبير توما الرسول: "لا اُصدّق إلاَّ إذا رأيتُ أثرَ المَسامير في يديهِ، ووضعتُ إصبعي في مكان ِالمساميرِ ويديَّ في جنّبهِ" (يو 20: 25). ولكنَّ هناكَ الكثير من الخبرات الإنسانية المُعاشة والتي لا تعتمد على الرؤية: الحب والكراهية والمودّة والصداقة والعداوة، لا نراها، بل نتحسس أثرها من خلال المشاعر المنقولةِ إلينا، فهي علاماتٍ لا تحتاجِ إلى براهين، لأننا نختبرها شخصياً، أو من خلال الذين اختبروها، وهم أُناس محلُّ ثقتنا ويستحقون تصديقنا، وهكذا يُولد تاريخٌ إنساني خاص من خلال الثقة المُتبادّلة ما بين طرفي العلاقة. علاقة لا يُمكن أن تُبرهَن علمياً، أو تُحلَل مُختبرياً، بل تبقى على نطاق شخصي جداً، نطاقُ العواطفِ والمشاعرِ والرغبات، نابعةٌ من شوقٍ داخلي يبحث جائعاً يُريد الإمتلاء، ويعرف أن لا شيءَ أرضيٌ يُمكن أن يُشبع جوعهُ، إلا الله الذي يسكن أعماقهُ. وهكذا كتبَ الله والإنسان معاً تاريخ الحياة الإنسانية برمُتها، وما الكتاب المُقدس إلا كتابُ قصّة لقاء الله والإنسان معاً والذي سيتواصل في حياة قديسيهِ، وكلُّ شاهدٍ لهذه العلاقةِ. من هنا نقول، أننا لا نبحث عن تاريخ أو معلومات علّمية عندما نقرأ الكتاب المُقدس، بل نبحث عن الذي خرجَ أولاً للقاءنا، وأسمعَ صوته ونادى: إبراهيم ... إسحق ... يعقوب ...، فكان َاللقاء، وكلُّ لقاء هو سرٌّ لأن الإنسانَ فريدٌ بأفكارهِ وتطلّعاتهِ ورغباتهِ وتاريخهِ وحبّهِ وكرههِ، والله سرُّ يُنادينا، ولا يُمكن معرفته ِعن بُعدٍ، إلا بعد الغوص ِفيه، والسماح له بأن يكشفَ لنا ذاتهِ على النحوِ الذي يرغبهُ هو. والكتاب المُقدس يقول لنا: إنَّ الله محبّة ( 1 يو 4: 8)، والمحبّة عطاءٌ، إفراغُ من الذات ليمتلئَ المحبوبُ، ويكون المحبوبُ هو الكلُّ. فنحنُ لا نؤمنَ بفكرة الإلهِ، بل بإلهٍ مُحبٍ، إلهٍ يتكلّم، إلهٌٌ يعملُ ما يقول، بل، يعمل ويشرح ما يعملهُ لأنه الله العلاقةٍ: الله يسوع المسيح: "الذي كانَ من البدءِ، الذي سمعناهُ ورأيناهُ بعيوننا، الذي تأملّناه ولمستهُ أيدينا من كلمةِ الحياة، والحياة تجلّت فرأيناها والآن نشهدُ لها ونُبشركم بالحياة الأبدية التي كانّت عِند الآب وتجلّت لنا، الذي رأيناه وسمعناه نُبشِركم به لتكونوا أنتم أيضاً شُركاءُ الآب وإبنهِ يسوع المسيح. نكتُبُ إليكم بهذا ليكونَ فرحنا كامِلاً". ( 1 يو 1- 4). الكتاب المُقدس لا يتحدّث عن براهين وجود الله، بل عن الطُرق التي تؤدّي إليه، وهذه الطُرق أوجدها الله نفسه ليصلَ إليه الإنسان، وعلى الإنسان أن يُميّزَ طُرقَ الله، لأن الله يحترِم حُريّة الإنسان ِواستقلاليتهِ، فلا يهجمُ عليهِ، بل يبقَ واقفاً على الباب يقرِع، إن سمحَ له الإنسان بالدخولِ فسيدخل ويتعشّى معه (رؤ 3: 20)، وإلا بقيَّ في الخارج ينتظرُ استجابةِ الإنسان، لأنه محبّة والمحبة لا يُمكن لها أن تكون مُستبدة أو محطمةٌ لكرامة الآخر. ونحنُ نؤمن أنّ الطريق الحق الذي يُوصلنا إلى الله هو ربّنا يسوع المسيح. الله والإنسان فالله هو الذي أرادَ أن يكون مثلما هو، وعلينا أن نحترمهُ بمهابةٍ لما هو عليه، فهو ليسَ قضيّةً عقلانية، لأنه أكبر من تعابيرنا وتصوّراتنا وتشابيهنا، فنحن خُلقنا على صورتهِ، وليس العكسُ. وهو ليس شيئاً نكتشفهُ، بل شخصاً يدعونا إلى الاتحادِ به، هو سرٌ نغوصُ فيه، لذا لا يُمكن أن يكون نظرية أو فكرة لتُفهَم، بل حياة تُعاش، وهو حاضرٌ دوماً، لأنه هو الذي أرادَ منذ البدءِ أن يكونَ قٌربَ الإنسان، فكلّمهُ، وتجسّد ليكون بقُربِ، وهذه كانت مشيئةُ الله منذ البدءِ، حتى إننا لا يُمكن أن نصفَ حياة هؤلاء الناس من دونِ الله، لأن الله خلقهم وأحياهم وأقامهمُ. فمنهم مَن شعرِ بضعفه ِوعجزه ومحدوديّته وتاقَّ نحو التحرر من هذا العجزِ والخروج من حبسِ ضيقهِ فنشدَّ الخلاصَ. ومنهم مَن أختبرَ الحياة بملئها وغناها وعظمتها وشعرَ بأنهُ مدينٌ لشخصِ جعلهُ حيّاً فصلّى وعاشَّ ممتنناً. ومنهم مَن أختبرَ الوحدة الموحشةَ وسمِعَ نداءً ليخرج من ضوضاء الحياة ويُفتّش عن هذا العظيمِ. وهكذا صارَ لنا أشخاص لا يُمكن ان تُفهَم حياتهم من دون الله، بل أن حياتهم علّمتنا إن إلهنا سرٌّ لا يُمكن للإنسان ان يستوعبهُ: "عندي كلامٌ كثيرٌ أقولهُ لكم بّعدُ، ولكنكم لا تقدرون الآن أن تحتملوهُ" (يو 16: 12). فهل نُريد أن نعرّف الله؟ لندعهُ يتحدّث عن نفسهِ! فلنقرأ الكتاب المُقدس، وحياة الجماعة التي التقتهُ في طريقِ حياتها: القديسين. لأن الإنسان، كلُّ إنسان، يعرِف نفسه وضعفهُ ومحدوديّتهُ وفقره، ويعرِف انه أناني ويُحبُّ نفسه، لذا، يُريدُ الخروجَ من هذا الحُزنَ ويسمو نحو الله في استجابةٍ لدعوته، فيُصلي، ونُصلي: لتكن مشيئتُكَ. لا كفعلٍ انقيادٍ وخنوعٍ، بل لأننا نُحبهُ، ونعرف أنه يُحبنا ويُريد لنا الأفضلَ، فُنريدُ ما يُريده هو. ولكن كيف لنا أن نُميّز إرادتهُ؟ تمييز مشيئة الله في حياتي تمييز إرادة الله ومشيئتهُ ِيعني أولاً السماحُ لله بأن يعمل فيَّ ومن خلالي وعلى نحوٍ فاعلٍ من خلال توجيه مُجمل الأنشطة الحياة نحو الله. وهو يتطلّب عملياً أن أختارَ اختيارات الله، الذي هو "محبّة" (1 يو 4: 8)، وهذا يسير على مُجمل حياتي واختياراتي بكلِّ تفصيلاتها، لأن الله مصدر الوحدة والانسجام التام، فلا يُمكن أن أختارَ الله غايةً لحياتي، وأسمح بأن يكون فيها ما يتعارض ومحبّة الله، التناغُم مطلبٌ أساس للوصول إلى حالةِ التوحّدِ مع الله. لذا، فمَن يسعى لأن يُميّز إرادة الله في حياته سيسعى لا من أجل أن يُمسِكَ بالآخر: الأشياء، الظروف، الناس، الله، "لا تُمسكيني" (يو 20: 17) وكأنها ممتلكات له أن يلهو بها أو يستغلّها حتى لغاياتٍ شريفةٍ، فمثل هذا الإنسان لن يتوانى يوماً في استخدامِ الله نفسه ليُحققَ غاياتهِ، ويعوّضَ عن خساراتٍ دفينة تلبسُ أقنعة التديّن الزائف: "إياكم والأنبياءَ الكذابينَ، يجيئونكم بثيابِ الحُملانِ وهُم في باطنهم ذِئابٌ خاطفةٌ" (متى 7: 15). مَن يُريد أن يُميّز إرادة الله في حياتهِ يسعى لأن يجعل نفسهُ ممسوكاً من قبل الله، فينشغِلَ بشؤونِ الله وأشغالهِ، ويسعى لا من أجل أن يُعطي أكثر، بل أن يُقدّم الأفضل، لأن المطلّب الأهم هو العطاء لا الإنجاز. مَن يُحب ان يُميّز إرادة الله في حياتهِ عليهِ أن يكون دوماً تحت إرشاد روح الله، روح الحكمة والفهمِ والمَشورة، روحُ القوّة والمعرفةِ والتقوى، فيبتهجُ بمخافةِ الله (إش 11: 2- 3)، وسيتعرّف عليهِ الجميع من ثمارهِ (متى 7: 15)، وثمارُ مَن هو تحت إرشادِ الروح هي: المحبةُ والفرحُ والسلامُ والصبرُ واللطفُ والصلاحُ والأمانةُ والوَداعةُ والعفافُ" (غلا 5: 22)، وتشهدُ له أعمالهُ لأنه "لا يقضي بحسبِ ما ترى عيناهُ ولا يحكم بحسبِ سَماعِ أُذنيهِ، بل يقضي للفقراء بالعدلِ ويُنصِفَ الظالمينَ بكلامٍ كالعَصا ويُميتُ الأشرار بنفحةٍ من شفتيهِ. ويكون العدلُ حِزاماً لوَسطهِ والحقُ مئزراً حولَ خصرهِ" (إش 11: 4- 5). فإذا لم نجد هذه فيه، فيجدر به مُراجعة حساباتهِ فلا يخرجُ إلى معركة سيخسرها حتماً (لو 14: 25- 33). أن تكون تلميذ ليسوع يعني أن تتخلى عن كلِّ شيءٍ وتُحبهُ مجاناً، والمطلوب منّا كمسيحيين أن نشهدَ لحضورِ الروح القُدس في حياتنا، فهذا سيقود العالم إلى معرفة الله ومحبّتهِ: "فليُضيء نُوركم هكذا قُدّام الناسِ ليُشاهدوا أعمالكمُ الصالحةَ ويُمجدوا أباكم الذي في السماواتِ" (متى 5: 16).
قراءة 11080 مرات آخر تعديل على %AM, %30 %050 %2015 %03:%تشرين2

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *