ندوة الكتاب المقدس
%AM, %13 %308 %2011 %09:%حزيران

اللقاء الثامن عشر

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
اللقاء الثامن عشر قدّم يوسف إشاراتٍ واضحة للأخوة حول محبّته المُفضِلةِ لبنيامين، محبّةٌ بدأت بمُباركته؛ أمام أنظارِ إخوته: يتحننُ الله عليكَ يا أبني (42: 29)، ثم في إرسالهِ حصّة كبيرة من الطعام (
اللقاء الثامن عشر قدّم يوسف إشاراتٍ واضحة للأخوة حول محبّته المُفضِلةِ لبنيامين، محبّةٌ بدأت بمُباركته؛ أمام أنظارِ إخوته: "يتحننُ الله عليكَ يا أبني" (42: 29)، ثم في إرسالهِ حصّة كبيرة من الطعام (42: 34)، ولكننا الجديد الذي نلاحظه هو بوادرَ مشاعر طيّبة عند الأخوة تجاه هذه المواقف، فلم تُثيرَ عندهم مشاعرَ الحسد، ولم يفقدوا سلامة العلاقة مع بنيامين مثلما فعلوا مع يوسف قبل عشرينَ سنة عندما كانوا في بيتِ أبيهم (37: 3- 11). هذا مُؤشرٌ إيجابي على تغيير واضح في نفسية هؤلاء الرجالَ الذين لم يتخلّصوا بعدُ من جُرمِ الماضي: الإساءة إلى يوسف الأخ (علاقة الأخوة)، والإساءة إلى يعقوب الأب (علاقة البنوّة)، لذلك كانوا بأمسِ الحاجة إلى اختبارٍ جديد، مع أنهم بيّنوا هذه المرّة نضوجاً ملحوظاً في علاقتهم، وتضامناً إستثنائياً فيما بينهم. مُغادرة أرض كنعان بعد أن انتهى حفلُ الاستقبال، أمرَ يوسف وكيله بأن يملئ أكياسَ الرجال من القمحِ ويُعيد الفضّة ثانية إليهم، في إشارةٍ واضحة على أن يوسف لن يقبلَ أي فضّة لقاء حياة عائلته. ولكن الأمر الأهم هو: وضعُ كأسِ يوسف الفضيّة في كيسِ بنيامينَ. فهل أرادَ يوسف أن يُواصلَ إظهارَ محبّته المُفضلةَ لبنيامينَ في عيون وكيلهِ؟ أم أنه عازمٌ على أمرٍ خطير؟ وسيكون بنيامين هو المُذنب هذه المرّة والتهمةُ هي خطيرةٌ هذه المرّة: سرقة كأس الفضة التي يشرب بها يوسف ويرى أحوالَ الغيبِ". كأسٌ خاصّة جداً لأنها ليست كباقي الكؤوس، وتُشير بوضوحٍ إلى خيانة للثقة التي أعطاها يوسف للرجال، إذ لا يُمكن أن تُكافأ إنساناً أدخلَكَ بيته وأجلسَكَ على مائدته بأن تسرِقَ من بيته. غادرَ الرجالُ مصرَ في الصباح الباكر مُحملينَ بالكثير من القمحِ هذه المرّة ومعهم شمعون وبنيامين من دون أن يُصيبهم أيُّ أذى، وهذا مبعثُ فرحٍ غامر، ولكن سُرعانَ ما أمرَ يوسف وكيلهُ بأن يلحقَ بهم ويُعاتبهم على سوء مُعاملتهم، فلم يُبادلوا المعروفَ بالمعروفِ، مثلما طلبَ أبيمالك من جدّهم إبراهيمَ (تك 21: 23)، بل أضحوا سُرّاقاً وأعداء بعدما أن قبلِهم يوسف أصدقاءً، وهكذا ثبُتت تهمة التجسس التي أتهمهم بها يوسف في أول لقاءٍ له معهم (42: 9، 14)، لقد عرفوا كيفَ أن مصرَ نجت لأن لها مَن يعرف أن يقرأ الغيبَ، وبما أنهم غيرُ قادرونَ على خطفهِ، يُمكن لهم تعطيلَ قُدراته: فسرقوا الكأس. أدركَ الوكيلُ أن سيّده مُقبلٌ على خطوة حاسمة هذه المرّة، لأن وضعَ الفضّة في أكياسهم في المرة الأولى حُسِبَ له موقف شهامةٍ ونُبلٍ سخي (تك 43: 23)، أما وضعُ الكأسِ الفضيّة في الكيس كان من بابِ التفضيلِ الذي شعرَ به الجميع لاسيما من حصةِ بنيامينَ الكبيرة من الطعام (تك 43: 34)، أما أن يُتهمونَ بالسرقةِ فهذا أمرٌ خطير، وفي قلبِ يوسفَ مقاصدَ وغايات لم يكشفها لوكيله، وعلى الوكيلِ أن يُنفّذَ ما اُمِرَ به. كانت ممارسة الغيبِ ممارسةً معروفةً آنذاك وأشتهرَ الأكديون في ذلك، وتضمنّت صبَ الزيت في الماء، أو صبَّ الماء في الزيت ومحاولة قراءة حركته: فألٌ حَسَن أو شرٌ مُخيف، مُستقبلٌ زاهر أم أزماتٌ حالكة، غنى أم فقر، حربٌ أم سلامٌ، صحةٌ أم مرضٌ ... وكانت هذه الممارسات ممنوعةً على شعبِ إسرائيل: "لا يكن فيما بينكم مَن يُحرق أبنه أو أبنته ذبيحةً في النارِ، ولا مَن يتعاطى العَرافةَ، ولا الشذوذَ، ولا الفألَ ولا السحرَ، ولا مَن يُرقي رِقيةَ، ولا مَن يسأل جاناً أو تابعةً، ولا مَن يستشيرُ أرواحَ الموتى. هذه كُلّها رجسٌ عند الربِّ إلهكم وبسببها سيطردُ أولئك الأممَ من أمامكم" (تث 18: 10- 13). بالتأكيد لم يُمارس يوسف قراءة الغيبِ، ومواقفهُ الماضية هي التي تُبرره في ذلك، فقدَ أوضحَ لسجيني فرعون أن الله هو مَن يكشفَ له مغزى الأحلام: "أما للهِ كُلُّ تفسيرٍ؟ قُصّا الحُلمَ عليَّ" (40: 8)، وعادَ وأكّد في حضرة فرعون أن الله هو صاحبُ التفسير: "لا أنا، بل اللهُ هو الذي يُجيبُ فِرعونَ بما فيه سلامتهُ" (41: 16). لقد أرادَ أن يُوهِمَ إخوته أنه يُمارس هذه الشعوذة، ليعرفوا أنهم تحت رحمتهِ دوماً، وأنه قادرٌ على السيطرة عليهم أينما كانوا. أدلةُ الجريمة لحِقَ الوكيلُ إذن بالقافلة وأوقفهم مُعاتباً سوءَ سلوكِهم ومُتهماً إياهم بالخيانةِ والسرقة، تهمةٌ أنكرها الرجالُ جُملةً وتفصيلاً، لأنهم قومٌ شُرفاء، بل أقسموا بمعاقبة أنفسهم بالعبودية، وبعقوبة الإعدام على السارق. لم يتركوا لله إقرار العقوبة، بل أتخّذوا القرار من تلقاء أنفسهم، ووجدوا أن اكتشاف الكأس عند شخصٍ من أفراد القافلةِ لهو دليلٌ كافٍ على جُرِمِ السرقة، لذا نجد أن الأخوة يدعمونَ أقوالهم بأقسى أشكال العقاب، مؤكدينَ في ذات الوقت براءتهم. ذات العقوبة أقترحها أبيهم يعقوب عندما أتهمه خاله لابان بسرقة أصنامه (31: 32)، وكلاهما؛ الأصنام والكأس، كانَ لها حُرمةٌ مُقدسة عند مالكيها، لذا تطلّب الأمر تفتيشاً دقيقاً. بالمُقابل، أكّدَ الوكيل على ما حصل، بل ثبّتَ الأمر وكأنه أمرٌ حاصلٌ، ولكّنه اقتراح تعديل قرار العقوبة الذي قدّمه الأخوة: استعبادَ مَن سرق الكأس، وإطلاق بقية أفراد القافلةِ أحرار، وكأنه واثقٌ من كلامه حتى قبلَ أن يُفتّشَ القافلةَ. أنزلَ الرجال أكياسهم وفتحوها للتفتيش طواعيةً من دونِ أن يُطلّب منهم هذا لأنهم يؤمنونَ ببراءتهم ولا حاجة لأن يُخفوا شيئاً، وبدأ التفتيش من الكبيرِ وصولاً إلى الصغير مثلما فعلَ لابان عندما فتّشَ خيام يعقوب أولاً ثم ليئة وأخيراً راحيل (31: 33)، وبالطبع ليس المهم البحثُ عن المالَ، بل عن الكأس والتي وجدت عند بنيامين، والذي لم يكن عارفاً بها مُطلقاً، بخلاف أمّه راحيل التي أخفتها عن أبيها. اكتشافٌ الكأس عند جعلَ الأخوة في منظرٍ لا يُحسدونَ عليه: "مزّقوا ثيابهم"، ولكنهم لم يُوبخوا بنيامينَ أو يلومهُ، ولم يتركوه بين يدي الوكيل مثلما كان الاتفاق معه، ولم يُرسلوا ثيابهُ أو حاجيّاته إلى أبيهم يعقوب ليتعرّف عليه مثلما فعلوا مع يوسف (37: 32)، ولم يعودوا بالقمحِ الكثير إلى أرض كنعان تاركين أخاً آخر مُستعبداً في مصرَ، بل أظهروا تضامناً مع أخيهم "السارق"، ومزقوا ثيابهم مثلما مزّقَ يعقوب ثيابه حُزناً على يوسف (37: 34) وقرروا العودة إلى مصر. عودة وتضامنٌ تشهد لأخوّة سيُقدّرها يوسف كثيراً. حضور أمام يوسف للمرّة الثالثة حضرَ الأخوة لمواجهة أخيهم يوسف للمرّة الثالثة والذي تسألَ عن غاية فعلتِهِم هذه والتي لم تكن لتفوته لأن "يرى الغيبَ"، وهي قضيّةٌ حيّرت الأخوة عندما سألهم يعقوب: "لماذا أسأتهُم إليَّ وأخبرتُم الرجل أن لكم أخاً آخر" ... "فكيفَ كُنّا نعرِف أنه سيقول: أحضروا أخاكم؟" (43: 6- 7). فهل هذا يُعقلَ؟ هل يُمكن أن نُصدّق إداء يوسف بأنه يقرأ الغيبَ؟ وفي حضرة مَن يقول هذا؟ آتاه الجواب من يهوذا مؤكداً أن الأمرَ مُتعلقٌ بالله هو كاشفُ الجرمِ والذنبِ، وليست قراءة الغيب يا يوسف: "فقالَ يهوذا: "بماذا نُجيبُكَ يا سيّدي، وماذا نقول لكَ، وكيف نتبرأ بعد أن كشفَ الله جُرمنا؟ (16). لقد يهوذا أدلى باعترافٍ جماعي، مع أنه لم يُؤكد تهمة سرقة الكأس على نفسه أو على إخوته، بل وجدَ نفسه مُتضامناً معهم ومع بنيامين، وهو في انتظار رحمة يوسف. وبما أنه، أي يهوذا، كان الضمانة لسلامة بنيامينَ أمام ابيه (43: 8-10)، أقترحَ عودة الجميع، بضمنهم بنيامينُ المذنب، ويبقىَ هو عبداً عند يوسف، عقوبةٌ أخفُ من تلك التي قدّموها أمام وكيلِ يوسف (44: 9). "كشفَ الله جُرمنا" (44: 16) هذا كان التصريح الأكثرُ جُرأة من فمِ يهوذا، فلم يتم التركيز على الكأس المسروقة، ولا على السارق، بل على "أن الله كشفَ جُرمَ الأخوةٍ"، وليس هذا بمعنى أن يهوذا يُقرُ بذنبٍ لم يرتكبه، على العكس، فيهوذا لم يتطرّق البتّة إلى قضيّة الكأسِ، بل أن هذا جزأهم، فلم رحمة الله التي تضرّعَ من أجلها يعقوب أبيهم قبلَ أن يبدأوا الرحلة (43: 14) لأنهم لم يرحموا يوسف، وهذه هي عدالة الله، وهكذا جعلَ يهوذا كلَّ حياتهم في يديّ يوسف. يوسف الذي لم يقبل بعرضِ يهوذا فلا يجوز تجريم البريء مع المُذنِب، ولا تعميمُ الجريمة، بل يتم حجزُ المُذنب، وإطلاق سراح الآخرينَ بسلامٍ. وهنا يختبِر يوسف أخوته مرّة أخرى: فهل هم مُستعدون للعودة إلى بيت أبيهم من دون بنيامين، مثلما فعلوها سابقاً معه ومع شمعونَ؟ وهذه المرّة هي الأقسى إذ لا عدولَ عنها بخلاف ما كان مع شمعون الذي كان سراحه مشروطاً بإحضارِ بنيامينَ. خطابُ يهوذا تقدم يهوذا ليُسجّل أطولَ خطاب عرفه سفر التكوين ليُذكّر يوسف والقارئ بما حصلَ، ويُوجّه الأنظارَ إلى الحاضر أيضاً والتأكيد على كلمة: عبيدك وعبيدُكَ التي وردت عشر مرّاتٍ من خلال تقديم يهوذا نفسه: عبدكَ، ثم إخوته عبيدك، ثم أبيه: عبدُكَ، ليُحافِظَ بذلك على البروتوكول المعمول به في مخاطبة حاكمٍ عالي المرتبةِ، ولكنَّ الأهم هو التركيز على حاجة أبيه يعقوب مُظهِراً اهتماماً عالياً بأن لا يجعلهُ يموت مُتحسراً في شيبتهِ، لأن حياته مُتعلّقةٌ بحياته. بالطبع لم يقدر يهوذا أن يقول كل الحقيقة لأنه لم يذكر سبب اختفاء الأخ وفقدانه، ولم يذكر جُرمهم تجاه يوسف أخيهم الذي قالَ عنه أنه مات (20)، مع أنهم قالوا له في لقاءهم الأول أنه مفقود (42: 13، 32)، وغيرَ عارفٍ بأنه يكذب في حضرة مَن يعرفُ الحقيقةَ. على أيةِ حالٍ قدّمَ يهوذا نفسه عبداً أبدياً عوضَ بنيامين وهو ما أقسمَ به لأبيه لمّا كانوا بعد في أرضِ كنعان (43: 9)، فلا يقبلَ أن يعيشَ تحت طائلةِ ذنبٍ آخر في حياته، يكفيه أنه اشترَكَ مع إخوته في جُريمةِ ضد إنسان بريء. لقد اختارَ أن يُخاطرَ بحياته من أجل سلامةِ الآخر بنيامين، ويتحمّل ذنبَ بنيامين وكأنه ذنبهُ، ويقبل العقوبة مع أنه بريءٌ، مثلما فعلت كنّته تامار التي خاطرت بشرفها ومكانتها من أجل الحفاظ على أسم العائلة (تك 38). اعترافُ يهوذا، وعطاء الذات والتضحية بها مهدَّ الطريق لمُصالحة حقيقية بين الأخوة، وهيأ الطريق أيضاً لرؤية يوسف اللاهوتية للأحداث. هناكَ تغييرٌ أصيلٌ في روحِ يهوذا ومواقفهِ، هو الذي، وبدافعٍ من الحسدِ والغضبِ اقترحَ بيعَ يوسف عبداً، وها هو الآن يُقدّم نفسه عبداً ليوسف ليتمتّع جميعُ إخوته بحرية العودة إلى بيتِ أبيهم في أرضِ كنعانَ. لقد رمى الكرة في ملعبِ يوسف، وعلى يوسف أن يردَّ الآن. لقد لعبَ الحسد لعبته في علاقة الأخوة مع يوسف، وما زالَ ينشرَ خُبثهٌ بيننا، وحريٌ بنا أن نتوقف عند هذه المُجرّب الخبيث فنفضحهُ في حياتنا، ونسألَ رحمة الله لتُضمّنا بسلامٍ وتجعلنا ودودينَ بعضنا إلى بعضٍ. الحسد "ولمّا رجعَ شاؤل الملك وجنوده من الحرب، ومعهم داود الذي أنتصرَ على الفيلسطي، خرجت النساء من جميعِ مُدنِ إسرائيل للقائهم وهُنَّ يُغنينَ فرحاتٍ، ويرقصنََ بدفوفٍ وآلات طربٍ، ويُرددن هازجاتٍ: "قتلَ شاؤلُ الألوف، وداود عشراتِ الألوف"، فغضِبَ شاؤل جداً وساءهُ ذلك الكلام"، وقال: "جعلنََ لداودَ عشراتِ الألوف، وأمّا لي فجعلنَّ ألوفاً. وبعدُ، فما بقيَ له إلا أن يأخذ المملكةَ. وأخذ شاؤلُ يضمرُ الشرَّ لداود مُنذُ ذلك اليوم. وكان في الغد أن استولى على شاؤلَ روحُ شريرٌ من عند الله، فأخذ يَهذي داخلَ بيتهِ وداود يضربُ بالعود، كعادته كلَّ يومٍ، وكان في يد شاولَ رُمحٌ، فرماه مرتين قائلاً في نفسه: "سأُسمرُ داودَ على الحائط! فتنحَّى عنهُ داوُد في المرتين" (1 صم 18: 6- 11) أمام مديح الناس لهذا أو ذلك، يعلو صوتٌ فينا يقول: وأنا ... وأنا ... هذا الصوت وهذه المُقارنة هي التعبير الأول والصريح إلى مشاعرِ الحسد. الحسد شيطانٌ صغيرٌ يربُتُ على أكتافنا ويهمس في آذاننا بكلماتٍ وتعابير تجعلُ الحياة تعيسة وذات رؤيةٍ سلبيّة. هو شعورٌ بالحُزنِ والغضب ينتابُنا كثيراً لاسيما أمام نجاح الآخر وفرحهِ، فنتمنّى الحصولَ على ما حصلَ عليه الآخر، وفي نفس الوقت حرامه الآخر مما حصلَ عليه، وهو بذلك من أسوءِ المشاعر وأكثرها خُبثاً لأننا فيها نتمنّى "ألمَ الآخر وأذيّتهُ". الحسد شعورٌ ينشأ من إحساس برفعتنا ودونية الآخرين، وهو موقفٌ نرجسي مَرضي، يتركنا حزانى مُحبطينَ على هذا النصيب المُقرِف في الحياة، أو لا أُباليين مُستخفينَ ومُستهزئينَ دوماً بما حققه هذا أو ذاك، فنميلُ إلى التقليل من شأنه، وعدم الحديث إليه أو إلى الناس بمودّةٍ، فلا سلامَ معهم. ومع الحسد تنمحي عبارات الشُكرِ والمديح، ولا يوجد اي إمكانية لسماعِ مديحِ فلان عن نجاحات الآخرين، على العكس، ترانا في انتقادٍ على الممدوح والمادحِ معاً مخلوط بكميّة لا بأسَ بها من غضبٍ حقود. فرحُ الحسود يكمن في فشل الآخرين وحزنهم، وراحته تكمنُ في تعاسةِ الناس من حولهِ، ولربّما يكون هناك شكلٌ من أشكالِ الشفقةِ أحياناً على مصائب الناس، ولكن هذه حالة طارئة ونادرة، لأن قساوة القلب والعناد هي التي تُسيّر حياة الحسود، لذا، لا تحاولَ أبداً أن تُتعِب نفسَكَ في إقناعه في شيء، لأنه صعبُ الإقناعِ، فما يُفكّر به هو الأصح، مع أنه يشعرُ دوماً بأن هناك شكلاً من المرارة في داخله تستنزِف طاقاتهِ ومشاعره، وتُسمم أجواء علاقاته كُلّها، ويشعر بالنقص أمام الآخرين فيعوّض ذلك الشعور بشعور الحسدِ المُحزِن، فيغار مما ينقصه هو ويملكهُ الآخر: مكانة أو مهنةٌ معيّنة، صفة أو موهبة، صديق ... وهذا آتٍ من تكبّر لا داعٍ له، واعتقاد من أنه هو الأولىَ بما حصلَ عليه الآخر، لأنه هو الأفضل رافضاً بذلك نعمة المُساواة التي باركَنا بها إلهنا. عرفت الإنسانية حالات الحسد منذ نشأتها، فقايين موجودٌ في داخلنا ويُسمِعَ صوته بقوّة غاضِباً، ويُشعرنا بوجوده المُنتهِك لكرامتنا وكرامة الآخرين، مُتناسياً أن الخير الذي فينا هو أكبرُ بكثير من النقص الذي نشعرُ به. وهنا نقول أن الحسد خطيئة، لأنه لا يُقدّر الخير الذي جعلهُ الله فينا، فتنقص محبّتنا لأنفسنا وتقديرنا لها، ونعيش خبرة نُكران الجميل تجاه الله والناس، ولا نُقيّم النور الذي فينا والذي يُمكن أن يُضيءَ لكّل مَن هم من حولنا. هكذا تنعدم محبّتنا للقريب، ونتوجّه باللوم على الله الذي يقف مُتعجباً من مواقفنا هذه، ويتغلغل فينا شعور بأننا ضحيّة كل شيء: ضحية الأهل، وضحية الناس من حولنا وضحية الله الذي خلقَ الحياة كلّها، وهو المسؤول عن كل ما يحصل لنا. الحسد والغيرة "وُلدِ طفلٌ ثالث في بيت جارنا، ومازلنا ننتظر نحن الطفلَ الأول، وأشعر بالغيرة والغضَب من هذه الحالة يا أبتي". هذا هو اعتراف امرأة حزينةٌ على حالتها وتشعر أنها مظلومة، ومُذنبة بخطيئة الحسد وشهوة مُقتنيات القريب. بالطبع هناك حالات كثيرة في حياتنا تُثير فينا أحاسيس الغيرة والحسد، وهذا أمرٌ طبيعي وشعور إنساني تتفاعل فيها حقائق كثيرة، ولكنَّ المُشكلة ليست في هذه المشاعر، وليست في أنني اُريد أن أحصلَ ما على حصلت عليه جارتي: هذا طموحٌ مشروع، خطيئة الحسد تبدأ في: أنني اُريدُ أن أحصلَ على ما حصلت عليه جارتي، ولا أُريد جارتي أن تحصل على ما تحصل عليه أبداً. أُريد أن أخذه منها وأن أحرمها منه إلى الأبد لتبقى حزينةً وتعيسة، وإن حصلت عليه سأُدمّرها، فالموضوع ليس موضوعَ غيرةٍ مُشرّفة، بل حسدٌ قاتل. وهذا ما حصلَ مع أخوة يوسف: ""تعالوا نقتلهُ ونطرحهُ في بئرٍ ونقول: "وَحشٌ شرسٌ أكلهُ، ونرى ماذا تنفع أحلامهُ" (تك 37: 20). فمراراً ما يخلط الناس بين الغيرة وبين الحسد وهما شعوران مُختلفانِ تماماً، مع أنهما مُتعلّقان بالفرحِ الذي ينتابُنا لخسارة الآخرين وحُزنهم. فالغيرة شعورٌ ينشأ من إحساس فقداني لشيء أو شخص أعتزُ به لصالحِ شخصٍ آخر، أما الحسد فهو ألمٌ وحزنٌ ناتجٌ عن أن شخصاً ما يمتلكُ ما لا أمتلكهُ. الشفاء من خطيئة الحسد المُشكلة تعظم في قبولِ هذه المشاعر وتثبيتها كمنهجِ حياة فننغلق على ذواتنا، ونتصوّر أن الآخرين هم أعداء لنا، فلا مجال للثقةِ بهم ولا بصداقتهم، فنُصاب بداء اللامبالاة والإحباط والحرج والانفعال، وبمرض النميمةِ والافتراء فنكيلَ لفلان أو فلانة بالتُهمِ الباطلة، ونُجمّلها بالشتائم المُزركشة بخبثِ الاحتيال والنصب، وتُفسَد حياتنا جرثومةِ الفرح لحزنِ الآخرين والتشمّتِ بسقوطهم، ونسمح لسرطان الغضب بأن يُعشش فينا، وهكذا نبدأ بنشرِ بذار التفرقة والخصومات بين الأصدقاء والجماعة ... وهذه مشاعر مُميتة وقاتلة لفرص الحياة، إن لم تصل إلى الانتحار، ولنا امثلةٌ كثيرة في الكتاب المُقدس: قايين وأخوة يوسف، وشاؤل وهيرودس ...، وفي حياتنا اليومية أمثلةٌ أكثر. كلّنا يُصاب بهذا الداءِ أو بأحدِ أعراضه، ولكن يُمكن لنا، وبناءً على إيماننا بمحبّة الله لنا وثقته بنا أن نُحاربَ هذا الداء، فنعترِف بوجودهِ المُحزِن في حياتنا لاسيما وأن أعراضهُ واضحةٌ وضوحَ الشمس في خبراتٍ عديدة. وللشفاء من هذا المرض القاتل، والخطيئة المُهلِكة، علينا بالآتي من الخطوات: 1. أن نفرَح بما نحن عليه ونقبل أنفسنا وحتى نقائصنا. أن نشعر بالامتنان لما نحنُ عليه، ولنا أن نضعَ قائمة بمواهبنا التي لا يمتلكها الآخرون على سبيل المثال. 2. أن نتوقّف عن التعامل باستراتيجية الاتهام والنقد والابتعاد عن الناس والتهرّب منهم، لندخلَ الحياة من أوسعِ أبوابها لنكتشِف أنه بإمكاننا أن نصنعَ ما لا يستطيعَ الآخر أن يفعلهُ. 3. أن نُوقِفَ إرهابَ المُقارنة القاتلة التي هي أساس الحسد، لأننا مهما فعلنا فلن نستطيع أن نربح الحرب هنا، فمع شعورنا بالرضى لأننا حصلنا على أفضل سيارة مثلا مُقارنة بما يمتلكه فلان، يبقى أن هذا الشعور أن هذا الشعور شعورٌ مؤقّت سُرعان ما ينتهي مع اكتشافنا أن غيره يمتلك سيارة أفضل من تلك التي حصلنا عليها. أفضل مُقارنة هي ان تُقارن نفسكَ بنفسِكَ وكيف حققتَ إنجازاتٍ عبر مراحل حياتِك، وقدّر عالياً هذه الإنجازات. 4. لنتذكّر أن الحسد ينمو فينا من جراء تفكيرنا بالقليل الموجود إزاء الكثير من الطلبات، لذا، فعلينا أن نحصل نحن وحدنا فقط قبلَ أن يحصل عليه غيرنا. من هنا نقول أن في الحسد موقف بخيلٌ يرفض السخاء، وهي عدوى تنتقل بسهولة لاسيما في حضارتنا اليوم. علينا أن ننتبه لبُخلنا من خلال الانفتاح إلى جديد الفرص الكثيرة التي يُقدّمها الله لنا يومياً. 5. وأهم وأفضل علاج هو: تعلم مُباركة الآخرين وتهنئتهم على نجاحهم، وإسكات صوتِ المُجرّب بقوّة الخير التي في داخلنا. يُؤمِن بنا ربّنا فيُبشرنا قائلاً: "أنتم نور العالم" (متى 5: 14)، في الحسد نتعمّد إطفاء هذا النور فنعيش في الظلمة، ونجعلَ العالم من حولنا الظلم، فلنخرج أذاً للنور، متوقفين عن تحليل الحياة من أجل أن نعيش الحياة.
قراءة 4824 مرات آخر تعديل على %AM, %30 %050 %2015 %03:%تشرين2

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *