ندوة الكتاب المقدس
%AM, %09 %378 %2011 %11:%أيار

اللقاء الرابع عشر

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
يوسف مُفسّرُ الأحلام (40- 41) واجه يوسف أولى التجارب الصعبة في مصر بشجاعة عالية وذلك في مُقاومتة إغراء زوجة فوطيفار، إخلاصاً لسيّده ومخافة من الله لأنه أرادَ عيَش الأمانة مثلما ينتظرها الله، ومثلما
يوسف مُفسّرُ الأحلام (40- 41) واجه يوسف أولى التجارب الصعبة في مصر بشجاعة عالية وذلك في مُقاومتة إغراء زوجة فوطيفار، إخلاصاً لسيّده ومخافة من الله لأنه أرادَ عيَش الأمانة مثلما ينتظرها الله، ومثلما هو صالحٌ لحياة إنسانية مُشرّفِة، فلا يُسيءُ إلى علاقات أسسها الله وثبّتها في عهدٍ لا ينفصِم. ولكن يبقَ السؤال؟ ما هو مصيرُ أحلامهِ الأولى؟ وهل إنتهى كُلُّ شيء؟ نترك بيتَ فوطيفار من دون أن نعلم مصير زوجته الكاذبة، ونبقى في سجنِ يوسف والذي تفترِض القصة أنه سجنٌ في مكانٍ مُجاورٍ لبيت فوطيفارَ رئيس الطُهاة، والذي طلبَ من يوسف الإهتمام بموظفين يعملان في قصر فرعون، حُبسا لذنبٍ مجهول، فقدّمَ لنا الراوي يوسف رجلاً مسؤولاً وأهلاً للثقة، ولكنّه يبقَ في أجواء السجن مهما كان مُكرّماً، فالسجنُ سجنٌ هو حتى وإن توفّرت فيه كل وسائل الراحة والمتعة، وأضحى يوسف منسياً ولا ذكرَ على أرضِ مصرَ، فطلبَ أن لا يُنسى (40: 14- 15)، بل أن يُذكَر، وفي الذكرى الحياة. تمتّعَ يوسف بموهبة تمييز رسالة الله في الأحلام، فقدّم نفسه مُفسراً لأحلام هذين السجينين الجديدين، غيرَ متناسينَ حقيقة أن الأحلام كانت لها مكانة مُتميّزة في عالمِ مصرَ القديمَ، فتأتي هذه الفصول ملّونة بصبغة مصرية، مع أن الراوي لا يُريدنا أن نُركّز على الأحلام، بل إلى تدبيرَ الله الذي يستخدم الحلم وسيلة ليُعلِنَ إرادته، فالحلمُ هبةٌ من الله وتفسيره موهبةٌ منه أيضاً، وعندما نقول موهبة، فهذا يعني أننا أمام هبة مجّانية وليس أمام إنجازٍ بشري. قضّية الفصلين 40- 41 هي مصيرُ يوسف وشهادته يوسف وإعترافه بالله أمام الوثنيين، فالله هو مُعطي الأحلاه ومُفسّرُها، والأهم من ذلك أن يوسف يرى أن حياته كُلها تحت تدبير الله وعنايته. فالله حاضرٌ في كل تفاصيلِ حياته، وهو، أي الله، سيقود التاريخ لخير شعبه وبرارة مُختاره. تأتي هذه القصة إذن لتُمهّدَ الطريقَ لنا حول موضوع حصول يوسف ثانية على مكانة مُتميّزة في مصر العُظمى كما سنلحظ في قصّة الفصل التالي. لذا يُعد الفصل 39- 40 فصلان تمهيديان للفصل 41 الذي يُبيّن لنا: كيف وصلَ يوسف إلى ما وصلَ إليه في مصر من مكانة عالية. حُلمان في الفصل 40 وحلمان في الفصل 41، وفي كلاهما أظهر يوسف براعة في تفسيرهما، غيرَ متناسين أن الحلم الأهم هو ذاك الذي قيلَ في بيت أبيه يعقوب (37: 5- 11) والذي حفظوه أبوه. الأحلام التي كانت سبب أسرِ يوسف وإستعباده، ستكون سبب تحرره من عبوديته لابل ترفّعه ووصلوهِ إلى قصرِ فرعونَ. يوسف: إصغاءٌ كُليٌ لكلمة الله (تك 40) طُلبَ من يوسف أن يكون خادماً لموظفين كبيرين يعملانِ في مطبخ البلاط الفرعوني: رئيس السقاة ورئيس الخبّازين. وظائفَ كان لها أهميّتها في مصرَ، ويبدو انهما إقترفا جُرماً أو كانا مبعثَ شكوك فأقتضى حبسهما على ذمّة التحقيق، فيُطلَب من يوسف الإعتناء بهما لحين أن يُقرَرَ مصيرهما، فيخدمها كما كان يخدم فوطيفار. عَرِفَ يوسف بمكانتهما وبوظيفتهما، وهذا ما أثّرَ أيضاً في تفسيره لحلمِ كلِّ منهم لاحقاً. قبلَ ثلاثةِ أيامٍ من عيد ميلاد فرعون حلم رئيس السُقاة ورئيس الخبّازين ذاتَ ليلةٍ حلماً غامضاً فإضطربا جدّا لأنهما ربطا الحلم بمصيرهم، كونهما يعرفان ماذا تعني هذه المناسبة لشخصٍ مثل فرعون، والذي كان هو وأهل مصر يؤمنون بأنه إبن الآلهة. ويعرف كلٌّ من رئيس السُقاة ورئيس الخبازين بروتوكل هذه المناسبات، فهي فرصة لإطلاق سراح السجناء أو إعدامهم، فإنزعجا جداً وهو ما بدا على وجههما. سألهما يوسفَ عن ما يُزعجهم، لأن خدمتهم تعني بالنسبة ليوسف أكثر من توفير الطعام والشراب، إنها خدمة شاملة. أخبره رئيس السُقاة بحلمهِم الغريب ومن إنزعاجهم من جرّاء عدم وجود مُفسّر الأحلام الذي يُعطي التفسيرَ المناسب؛ فوجودهم في السجن يمنعهم من لقاء سحرة مصر ومنجميها وعرّافيها، وبالتالي يبقونَ أسرى المجهول، وهو ما يُخيفُ الإنسان عادة. فحلمٌ من دون تفسير، هو رسالة لم تُقرأ، وهو أشبه ما يكون بمرضٍ من دون علاج، وهذا يُثير إنزعاجاً وقلقاً كبيراً لدى الحالم، لأن الحلم يبقى مفتحاً لكلِّ الإحتمالات. فلو كان هناك حديثٌ في الحلم فهذا يعني أن تفسير الحلم موجود في الحديث، أما الحلم الخالي من الكلام فهو حلم مزعجٌ ويُخيفُ الإنسان ويُزعجهُ. هنا لا يتردد يوسف من إعلان إيمانه وهو: أن تفسير الحلم هو من الله، فالله هو الذي يُعطي موهبةَ تفسيرَ الأحلام، فلا حاجة لوجودِ خبيرٍ في تفسيرِ الأحلام، الله هو المُعطي وهو المُفسِر، وهذا يعني أن الله هو الأهم وليس الحلم. هذه هي شهادة يوسف الإيمانية؛ المُعطي أهم من العطيّة. لذا شجعهما ليُخبراه بمضمونِ الحلمِ لأنه يمتلك موهبةَ "تفسير الأحلام"، فيُعرّف يوسف بإلهِ آبائه من خلال حالةَ الآخر المُضطَرِب، فالله قادرٌ على العمل حتى من خلال أحلام مَن لا ينتمونَ صريحاً إلى شعبهِ المُختار، ليُنمّي مُستقبلَ شعبهِ المُختار. هناك مَن يُركّز على الأحلام وكأنها موضوع القصّة متناسياً أن الأحلام هي وسيلة لتفسير ما سيحصل لاحقاً: علو مكانة يوسف وتدبير الله للأرضِ من خلاله. هناكَ حلمان إذن كما كان في الفصل 37، حلمان مُرتبطانِ بوظيفة كل من السجينين وفيها العدد 3 مع سلّة من الفواكه والشراب والطعام مع إختلافٍ واحد وهو أن الساقي هو الفاعلُ الرئيس في الحلم، فيخدُم فرعون، بخلافِ رئيس الخبّازين الذي يُترَك مصيره للطيور فلا يقدر أن يطردها مثلما فعلَ إبراهيم (15: 11) وهكذا يترَك فرعون من دون خدمةٍ؛ ويجد يوسف انها فرصة مؤاتية فطَلَبَ من رئيسِ السُقاة أن يكونَ باراً معه فيذكره أمام فرعون لأنه مظلومٌ قي أسره وفي حبسه، وهذا هو الجزء الأهم في القصّة. لأول مرّة نسمعُ صوتَ يوسف وهو يتحدّث يوسف عن نفسه وعن حياته، وعن واقعه الذي لا يتوافَق مع براءته؟ براءة أصيلة لا تُريد الإنتقامُ أو الثأر، فلا يذكر مَن كان وراء ضيقهِ أو حبسه. أكّدَ يوسف أن تفسير الأحلام ليس إنجازاً بشرياً إنّما يتطلبُ الأمر إصغاءً لله الذي يستخدم موهبة الإنسان ومهاراته ليكشِفَ تدبيره. لنلحظ تواضع يوسف الذي يستقبل الإلهام الإلهي وموهبة التمييز ليُفسّر الأحلام فيستغل هذه المناسبة ليُخبِرَ عن الله من دون أن يتفاخر بمثلِ هذه الموهبة، بل يضعَ نفسه كلّها تحت تصرّف الله، ليتوارى هو عن الأنظار أمام مجدِ الله. الله الذي حافظَ على حياة يوسف، لأنه ظُلِمَ كثيراً، ومع كلِّ ما اختبره من ظلمٍ إلا أنه لم يتهّم ظالميهِ ولم يذكر لهم فعلتهم، فلم يتهِّم إخوته بالسوء مع كلِّ ما لقيهُ منهم، فلم يقل باعني إخوتي أو حبسني إخوتي في بئرٍ، بل قال: خُطفتُ (40: 15)، ولم يتهم فوطيفار وزوجته بشيءٍ، بل طَلبَ أن يُذكر. الله الأحلام "أما للهِ كلُّ تَفسيرٍ" (8) هذا ما صرّحَ به يوسف أمام رئيسِ السُّقاة ورئيسِ الخبّازينَ، فتفسير الأحلام ليسَ إنجازاً بشرياً، ولا يُمكن لأحدٍ أن يدّعي أن بإمكانهِ تفسيرَه، لأن الله يستخدمها للحديث عن مفهوم جديد للمُستقبل. تعوّدنا في الحديث عن المُستقبَل إنطلاقاً من ماضينا وحاضرنا في عملية تحليل للمُعطيات والبيانات التي بينَ أيدينا، ثم نُعطي حُكمنا عن المُستقبَل. أما الله فيقول طُرقي ليست كطُرقكم، وأفكاري ليست كأفكاركم، لذا، فهو يتحدّث عن المُستقبَل على نحوٍ جديد غير مألوف بالنسبةِ لنا، وهذا ما تُريد القصّة أن تقوله لنا: المُسقبل هو بيد الله وعلى الإنسان أن يتعلّم الإصغاء وإستقبالَ فعلِ الله، وهذا الأمرُ يطلّب إستعداداً لقبولِ فعل الله، "فـفي قلبِ الإنسان مَقاصدَ كثيرةٌ، ونصيحةُ الربِّ هي التي تثبُت" (أمثال 19: 11). الأحلام إذن هي تحت سيطرة الله، لأن المُستقبل هو تحت سيطرة الله، وهي تتحدث عن أن الله عازمٌ على أن يفعل ما عجيبٌ ومُدهِش، ولا يعرف أحدٌ كيف سيكون فعلهُ: "لا رئيس السقاة ولا رئيس الخبازين عرفا كيف سيرفع فرعون رأسهما"، فهذا يحتاج إلى "رجلُ الله": يوسف؛ يوسفَ الذي قالَ عنه الراوي: إن الربَّ كان معه (39: 2) وبسبب حضور الربِّ هذا تمكّنَ من الإصغاء لما يُريد الله أن يقوله في الحلم. يُوسف الذي يبدا ضعيفاً في القصّة وعاجزاً عن فعلِ شيءٍ؛ عبدٌ مسجونٌ لا حقوقَ له، بل عبدٌ مذنِب إلى سيّده، يُقدّم نفسه إنساناً مُصغياً لله وصاحبَ بشارة، ولكنه إنسانٌ بحاجة إلى الشقفة والعطفِ. هذا الذي وُلِدَ ليحلمَ ويحكم (37: 5- 11)، هوذا يطلبُ الرأفةَ من الإنسان: "ولكن متى حسُنت حالُكَ ترأف بي ولا تنسني، بل إذكرني لفرعونَ فيُخرجني من هذا السجنِ، لأني خُطفتُ (سرقوني) من أرضِ العبرانيين وطُرحتُ هنا في هذا السجنِ من غير أن أفعلَ شيئاً" (040: 14) وفي ذلك كلُّ الغرابة: مُحرر رئيس السُقاة يطب من رئيس السُقاة التحرير. طَلَبَ يوسف شكلاً من التضامن الأخوي ما بين البشر والذي يُمكِّن الإنسان والإنسانية من الإستمرار والتواصل مُستفيدين من إمكانيات بعضهما البعض، فمثلما لم يكن بإمكان رئيس السُقاة تفسيرَ حلمه إلا بمُساعدة يوسف، هكذا ليسَ بإمكان يوسف أن يُفسِّرَ قضيّته أمام فرعونَ إلا بمُساعدة رئيس السُقاة. أن تذكر الآخر يعني أن تمنحهُ فرصة الحياة، هذا ما فعلهُ الله مع إبراهيم فتذكّره وأخرجَ لُوطاً من وسطِ الدمار (تك 19: 29)، وذكرَ راحيل فكانَ له ولدٌ (30: 22). ينتظر يوسف إذن الخروج وعليه أن يتكّلِ على الله ويصبر وينتظر لأن الذي وعده أمينٌ هو ليُحقق وعده، على الرغم من محاولات الإنسان في تأخير تحقيق هذا الوعد عبرَ كمِّ الخطايا: الخطف (السرقة)، أو من خلال تناسي الإنسان لأخيهِ الإنسان: "ونسيَّ رئيسُ السُقاةِ يُوسفَ ولم يذكره لفرعونَ" (40: 23). وهكذا إختبرَ يوسف إهانات ثلاث: خُطِفَ (سُرقَ)، أُتهِمَ باطلاً من قبل زوجة فوطيفارَ (لا تشهد بالزور) ونُسيَّ وكأنه غير موجود (لا تقتل)، وهذه كلّها مخالفةٌ لما يُريده الربُّ من الإنسان. ولكن الله لم ولن ينسى بارّه، فيبقى يوسف حياً وللقصةِ تتمةٌ لأن الله إستلمّ منذ البدء زمامَ الأمور. وماذا عن أحلامنا؟ السؤال هو وماذا عن أحلامنا؟ مراراً ما نرى الكثير من الصور والحوادث المُبهمةَ؟ أحياناً نرى يسوع والعذراء والقديسيين في أحلامنا، فهل لهذه الأحلام رسالة من الله لنا؟ وكيف لنا أن نُمييز هذه الرسالة؟ أكدّت لنا قصة يوسف حتى الآن أن الله هو الذي يُبادر في الأحلام: "فقال لهما: "إسمعا كلامي: لو كانَ فيكم نَبيٌّ لي أنا الربُّ، لظَهرتُ لَه بالرؤيا وخاطبتُه في حُلمٍ" (عدد 12: 6)، "الله يتكلّم مرّة ومرتين، ولكنّ أين مَن يُلاحِظ كلامه؟ وفي الحلم يتكلّم ورؤيا الليل، والناسُ على مضاجعهم نائمونَ. فيفتَح آذان بني البشر وبمشاهد مُرعبة يُخيفهم ليصرِفَ الإنسان عن شروره ويضعَ حدّاً لكبريائه" (أيو 33: 14- 17)، ولكنّه يعود ليقولَ في إرميا: "لا تطمئنوا لأحلامكم التي تحلمون" (إرميا 29: 4)، لأن الله حُرٌ في أختيار لمَن وكيف يكون الكشف، وليس لنا سُلطةٌ على الله لنُجبره على أن يسيرَ معنا مثلما نُريد أو نرغب أو يحلو لنا، من هنا كان القديسيون دوماً حذرينَ من الأحلام، وأدركوا أنها بحاجةٍ إلى موهبةِ تمييز، فكبرياء الإنسان يعمل على نحوٍ لا نتوقّعه، غير متناسينَ أن فينا الكثير من الرغبات والميولَ والمخاوف التي تُعبّر عن نفسها في الأحلامَ؛ إذ يُحكى قالَ الملك شابور لأحد الحكماء: "تعتبرون أنفسكم حكماء، قٌل لي ماذا سأرى في الحلم اليوم؟ أجابهُ الحكيم: سيُهاجمك الرومان، ويأسر من جيشكَ وشعبكَ الكثير الكثير، ويُجبركم على طحن نوى التمر في طاحونة ذهبية (لتأكلوه). فكّر الملك شابوَ بذلك طوال النهار، وحلِمَ به ليلاً. فعلينا الحذر من طريقة التعامل مع أحلامنا سواء مع أنفسنا فلا نقلق أو نضطرب لها، أو حتى في الكشفِ عنها، حتى وإن تضمنّت صورة ليسوع أو العذراء أو القديسيين، فهي أحلامٌ بحاجة إلى تمييز، ورسالة بحاجةِ إلى قراءة، وما كلُّ شخصٍ يُجيد القراءة. وحتى وإن بقيَّ من دون تفسير فلا يهمّ لأنه لو كان من الله، فالله سيُدبّر أمره في الوقت الذي يراه مناسباً، مع التأكيد على حقيقة أن الله لا يُريد أن يُعرّفنا بالمُستقبل، بل بإرادته هنا والآن. وهبنا الله العقلَ والقُدرة على التحليل وفِهمَ مساراتِ الخبرات وتعقيداتها، ووجهنا لنستشيرَ ونسمع ونتعّظ من خبرات الآخرين قبلَ الحكم والقرار، عارفينَ أن لأهوائنا ورغباتنا وميولنا وأطماعنا تأثيرٌ علينا بشكل أو بآخر، فلا داعي لتعطيلِ العقل وسماع العرافينَ، ولا داعي لتعطيلَ الإرادة والإنسحاب من مسؤولياتنا والإتكال مُتكاسلينَ على توجيهات ونصائح المنُجمينَ. التنجيمَ والعرافة لا يُمكن أن ننكر أن فينا جميعاً خوفٌ وقلقٌ من المُستقبَل المجهول، فهذا مرضُ الإنسانية منذ القديم، لاسيما مع وعينا بصُغرنا وعجزنا وضعفنا في مواجهة تحديات الحياة وصعوباتها وتقلّبات ظروفها، وتعقّد أمراضها. وفي وسط هذه المخاوف والتحديات يعلو صوت الله ليُطمئننا مُبشراً: لا تخافوا، ويذكرها لـ 365 مرّة في الكتاب المقدس على عدد أيام السنة. ويبقى الإنسان خائفاً فيلجأ إلى وسائلَ أخرى، باتت اليوم أشغالاً تدرُ على اصحابها أموالاً كثيرة: كشف الطالع وفتّاح الفايل وقراءة الأبراج ومتابعة النجوم وقراءة الفنجان والورق والكفِّ واللجوء إلى العرافينَ والسحرة وغيرها من تعاويذَ تأسره وتُصعفهُ وتحولّه إلى مهوسٍ مريض تُبعده عن الله الذي أرادهُ على صورته ومثالهِ مُتسلّطاً على سمكِ البحر وطيرَ السماء والبهائم وجيمعَ وحوشِ الأرض وكلَّ ما يدبُّ على الأرض (تك 1: 26). الله الذي أوكلََ الحياة وقُدسيّتها إلى الإنسان، هوذا الإنسان يتناول عن هذه المسؤولية، فيُتابع حركة الكواكب والنجوم مُعتقداً أن لها تاثيرٌ حاضرٌ ومُستقبلي على حياته، فيستسلِم لها متنازلاً عن مسؤوليّته. أولُ ما نقوله هنا عن التنجيم والعرافة هو أنها محاولة يائسة من الإنسان ليُؤلهَ نفسه مُتكبراً على الله خالقهِ، ليجدَ نفسهَ أسيرَ الخوف الذي يتحدّاه. متى ما نسيَ الإنسان أنه مخلوقٌ وحيٌّ بنعمة الله، ومتى ما نسيَ أن السلام والراحة يأتيان نعمة من الله الخالق الذي ينتظر من الإنسان مواقفَ مسؤولة عن حياته، عندها سنكون أمام إنسان مُتكبّرٍ وضعَ نفسه في المركز وراحَ يخطأ بحقِّ الكثيرين لأنه يُلغيهم أمام جبروت الأنا الواهم، بل إنسانٌ مريض تبعيٌ فَقَدَ حرية القرار مُتخبطاً في القلق والإضطراب النفسي. وأسوأ ما يُمكن القول هنا هو نسيانُ الإنسان لمسؤوليته على اللحظة الحاضرة والتركيز على المُستقبل على حساب الحاضر. فيهيمُ الإنسان في المُستقبلَ عوضَ أن يوسّخ ايده بفوضوية الحاضر وعبثيّته، رافضاً قبولَ الواقع ومسؤوليته عنه، ومعبراً في ذاتِ الوقت عن إيمانٍ ضعيف، هذا إن وُجِدَ بالله الذي يدعوه دوماً: "أينَ أنت" (تك 3: 9). اللجوء إلى التنجيم أو العرافة إنمّا هو توثنُنٌ يعترفُ بأن للكواكب والنجوم سلطة على حياة الإنسان، فعليه تجنّبها أو إستعطافها، ونكرانٌ لحضور الله في حياة الإنسان. الله الذي حرر الإنسان من الكواكب والنجوم فجعلها نيّراتٍ تخدم الإنسان فتحدد الأزمنة والأوقات، وجعلهُ وكيلاً على الخليقة ليُخضعها ويُقدّم من خلالها التسبيح اللائقَ له، ويُميّز مشيئتهُ ويعمل بها لحياة وافرة.
قراءة 42939 مرات آخر تعديل على %AM, %30 %050 %2015 %03:%تشرين2

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *