ندوة الكتاب المقدس
%AM, %08 %356 %2011 %10:%شباط

ندوة الكتاب المقدس اللقاء التاسع

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
الندوة الكتابية اللقاء التاسع حُلم يعقوب: أنا معكَ لا تخف (تك 28: 10- 22) التقليد اليهوهي 28: 10- 22، التقليد الايلوهي 28: 10- 22) تركَ يعقوبَ بيتَ أبيه إسحق في فوضى عارمة، وأربَكَ علاقات الأسرة
الندوة الكتابية اللقاء التاسع حُلم يعقوب: أنا معكَ لا تخف (تك 28: 10- 22) التقليد اليهوهي 28: 10- 22، التقليد الايلوهي 28: 10- 22) تركَ يعقوبَ بيتَ أبيه إسحق في فوضى عارمة، وأربَكَ علاقات الأسرة بسبب انانيّته وجشعهِ؛ أرادَ عيسو قتل يعقوبَ لأنه غدرَ به مرتين، باعهُ طبيخٌ رخيص، وسرق البركة بالحيلة، ولكنّه أجلَّ الإنتقام لوقتٍ آخر. طلبَ منه إسحق أن لا يأخذ إمرأة من بناتِ كنعان، بل من سهل آرام، من بيت أمهّ، فأرسلهُ إلى هناك، وهي فرصة ليبتعدَ عن الأجواء ريثما يهدأ غضبُ أخيه عيسو عليه ( 27: 41- 45). فغادرَ الديار من دون أن يقول كلمةَ الوداع، لقدَ فصلَ نفسهَ عن الجميع، في رحلة البحث عن زوجةٍ، لكنَّ الله وجده قبلَ أن يجده هو. إنطلق يعقوب في رحلة إلى حاران (أكثر من 1000كم من بئر سبع). هدف الرحلة :" الإبتعاد عن الأجواء العدائية، وإيجاد زوجة يرضى عنه والديه، فليس للرحلة أي برنامج ديني": رحلةٌ طويلة عليه أن يسيرها على الأقدام، ويمرَّ بين قبائلَ كثيرة في فلسطين وسوريا وصولاً إلى بلاد ما بين النهرين من دونِ حماية العائلة والتي كانت عنصراً إجتماعياً هاماً. وهناك يقول الراوي تغيبُ الشمس (11)، وهي علامة ليستَ حسنة فعلينا أن نتوقّع المزيد من الأزمات في رحلة "غابت الشمس عنها"، وعلى يعقوب أن يتهيأ لرحلة مُحاطة بالأخطار، مَن سببُ هذا كلّه؟ بالتأكيد يتحمّل يعقوب جزءً كبيراً من المسؤولية، فأنانيّته أوصلتهُ إلى أن يسير الحياة وحيداً مُتشرّداً لا عزاء له، عارفاً أن خطيئته لا توفّر له حماية الله. فلا الله ولا أسرة ولا أصدقاء هم معه، وليس له أرضٌ لا عمل. ماضية متأزمٌ ومُستقبله مجهول. في أحد الليالي نالَ يعقوبَ رؤية في مكانٍ لا يتوقّع فيه خبرة دينية، فلا إسمَ له حتى هذا اللقاء. زمنُ الرؤية هو الليل حيث يفقدُ الإنسان السيطرة على مُجريات الآحداث. ليلٌ يختلفُ عن نهارِ يعقوب الذي ملأه بأزماتٍ وتوحشٍ مُخيف وشعور بالذنب مؤجلٌ لزمنٍ لاحقٍ. ففي إحدى الليالي وضع يعقوب رأسه على حجارةٍ لينام فرأى حُلماً يظهر فيه "زقّورةٌ" ترتفعُ جداً تربط السماء والأرضَ، وهناك حركةٌ مزدحمةٌ من ملائكة الله، خُدّام الله، صاعدون ونازلونَ. أختار لنا الرواي يومان من رحلة دامت أسابيع، ليلة نام فيها يعقوب، ولكنه لم تكن ليلة عادية، ولم يكن حلماً عابراً بل حلما إستثنائياً. لم يكن هذا الحلم من مخيلةِ يعقوب، فماضيه الفوضوي لا يُريحهُ، وهو بعيدٌ عن العائلة مسيرة ثلاثةِ أيام، يعني تركَ ماضيه خلفهُ، مؤجلاً حلَّ الأزمات لوقتٍ آخر. لذا يُبادِر إليه الله ويختاره أباً لينضمَّ إلى سلسلة الآباء: إبراهيم وإسحق ...، ويُؤكّد له أن البركة التي نالها سيعيشها عبر نسلٍ عظيمٍ (المُستقبل)، وعليه أن لا يخاف من الوحدة والتوحش الذي يختبره في حاضره الحاضر: "ها أنا معكَ، أحفظُكَ حيثما أتجهتَ، وسأرُدُّك إلى هذه الأرض، فإني لا أتركَ حتى أعمل بما كلّمتكَ به". (15) فحاضره مُؤمنٌ ومُستقبله مضمون كونه تحت رعاية الله، فحمايةُ الله تُؤمِّن له البركة الإبراهيمية. لقاءٌ لم يتقّ‘ه يعقوب، مثلما لم يتوقّع شاؤول (بولس) لقاء المسيح على الطريق ما بين أورشليم ودمشق. على يعقوب، الذي سبب تحركه الأفقي إنشقاقاً بين أعضاء الأسرة الواحدة، أن يتعلّم أن الحل آتٍ من تحرّكٍ عمودي تجاهه، من الله الذي يبقى أكبر من خطاياه، وهو يختلف عن الإنسان في طُرقِ تعامله مع الإنسان، ولن يتركَ الله الكلمة الأخيرة للإنشقاق والإنفصال والإفتراقِ بين الأخوةِ، بل سيعملُ على توجيه العلاقات والأحداث لصالح خير الأخوة، غير متجاهلين إستجابة الأطراف لمثلِ هذه المُبارات. فالحُلمُ يحملُ بُشرى ليعقوب ولنا أيضاً: الله مُهمٌ بنا ولن يتركنا، بل يقبّل نمّونا ويتفهم تخبُطنا أيضاً، فلا يحكم علينا ولا يحبسنا في موقفٍ واحدٍ، لأنه يعرف أنَ الإنسانَ في نموٍّ دائمٍ. على يعقوبَ أن يعرفَ أن أختياره ليسَ محطِ إفتخار أو أمتيازاً، بل مسؤولية وإلتزامٌ: عليه أن يكون بركةً لعشائرِ ألأرضِ، وهذه البركة هي للجميع ولن يُمسِكَ بها مُلكاً شخصياً. يتدخلَ الله في حياة يعقوب عبر هذه الرؤية ليُقدّمَ له إمكانيات بديلة عن تلك التي يُفكّر فيها يعقوب، لأنها إمكانيات مع الله، في وقتٍ (الليل) يعيش فيه يعقوب من دون حماية. وتُبشرنا الرؤية أن السماء لن تتركَ الإنسان والأرضَ في عبثيّتها، بل أن الله معنا، هو مُهتمٌ بنا ولكن مثلما يراه هو، فهو يُراقِب تحرّكاتنا، لأننا هدفُ وغاية عناية الله. من دون هذا الإحساس، ومن دون هذا اليقين تُصبحَ الحياة قدراً أعمى، وسيعمل كل إنسان ليستغّل الفرص من أجل تثبيت نفسه حتى ولو على حسابِ الآخرين، فتبدأ الفوضى وإنحطاطُ القيم، لتُخيّمَ مشاعر المرارة والشؤومِ على الجميع. عناية الله تتحدى الإنسان لتقول له: أنا موجود، وأنا الذي أُثبّتُكَ، ولكن عليك أن تسير أمامي، تحت أنظاري. بكّرَ يعقوب (فعل طاعة) وفَهِمَ أن للمكان خصوصية: "ما هذا إلا بيتُ الله! هذا بابُ السماء (17)، فأخذَ حجراً ونصبه مُحتفلاً بأمانةِ الله معه، وبوعدهِ، مُعبّراً عن إلتزامٍ شخصي، وإحساسٍ بالمسؤولية. ويُقدّم نذراً مُعبّراً في عن إستجابته الشاكرة لهذا التدخّل الإلهي الذي جاء في وقته: "رزقني خبزاً آكلهُ وثوباً ألبسهُ". لا يُريد يعقوب أن ينسى أحداثَ الحياة مثلما كانت يفعل في بيتِ أبيه، فيُخلّدها كشهادةٍ على العلاقة التي تربطهُ بالله. هو لا يعرف الكتابة، ويجد نفسه محروماً من كل شيءٍ، لذا يلجأ إلى هذا الفعل الرمزي ليُصبحَ النُصبُ سجلاً مدوناً لحدُّثٍ سيُغيّر حياتهُ كلّياً. حدثٌ مسهّ في صميم حياته، فصبَ على الحجر زيتاً، ليخترقَ الزيت مسامات الحجر، مثلما يخترق روح الله إنسانيّتنا. سعى يعقوب الذي لينالَ كل شيء وفقاً لطريقتهِ الخاصّة، فعبثَ في علاقات الأسرة، وفككها، ينحني بمهابةٍ أمام الله الذي سيُقدّم له أكثر مما هو يتصوّره. لقد أضحى يعقوب مركزَ تفكير الله، وعليه، يعقوب، أن يُعيدَ تفسير حياته وفقَ هذا الأفقِ الجديد غيرَ متناسياً جروح الماضي التي عليه أن يُواجهها. لم يُصبح يعقوب غنياً بعد هذا الحلم، ولم ينل قوّة عسكرية ترافقه في المسيرة، ولم يحصل على سلّة طعام وماء، ولم يقصر الطريق. فطريقه طويل، ومصاعبه غير معروفة، وهو يتوقّع لصوصاً وقُطّاع طُرقٍ، ولا يعرف إن كان سيجد خالهُ لابان، أو أنه سيستقبلهُ. مُستقبله غير معروفٍ كما كان بالأمس، ولكنه يشعر أن شيئاً داخلياً بدء يُغيّره، فجعلهُ أكثرَ أملاً وتفاؤلاً وحماساً وفرحاً، لم يعد يشعر بالخوف والمرارة والإحباط، لأنه مؤمنٌ بأن الله معه ولن يخذلهُ حتى في ساعاتِ ضعفهِ. الله أمينٌ معه وهذا يكفيهُ: "لو سرتُ في وادي ضلال الموت، لا أخافُ شرّاً لأنك معي". يعقوب في حاران (تك 29) التقليد اليهوهي 29: 1- 30، التقليد الايلوهي 29: 1- 30 واصلَ يعقوبَ الرحلةَ إلى حاران وأختصر الراوي المسافات الطويلة بعباراتٍ حيويّة: بئرٌ ماء ورُعاة ثلاثة كسالى مع قطعانهم تنتظر عند البئر لأن يُواجهونَ مُشكلة: حجرٌ ضخمٌ على فوهةِ البئر، وعلى الرعاة التجمّع معاً لرفعِ الحجرِ الضخم. نحن نعلم أن الماء ضروريٌ، ولم تكن الآبار كثيرة، فلزِمَ الحفاظٌُ عليها من العبثِ، لذا كانوا يضعون الحجارة على فوهة البئر لئلا تُدمّر. سأل يعقوب عن هويّة الرُعاة الثلاثة، وفرحَ لأنهم من حارنَ، وعرفوا لابان وأشاروا إليه عن طريق إبنته راحيل الراعية، وهي مهنةُ يُتقنها يعقوب جيّداً. تقدَم يعقوبَ نحو البئر ودحرجَ الحجرَ الضخمَ، وسقى غنمَ لابانَ خالهِ، وروى قصّتهُ باكياً. حجرُ وضعه تحت رأسه فإلتقى الله، وحجر رفعه عن البئر فإلتقى براحيل. لم يَقل لنا الراوي لماذا إختارَ ثلاثة رُعاة حول يعقوب وراحيل؟ ولماذا لم يسقِ بقية القطعان؟ لماذا تركهم من دونِ رعاية؟ عادت راحيلَ إلى بيت أبيها مُسرعةً، لتُخبرهم عن يعقوب، وبالطبع عن قوّته ومهارته، فأسرعَ خالهُ بدوره للقاء إبنَ أخيه مُستقبلاً إياه بفرحٍ. لابان لن يفوّت فرصة الإستفادة من هذا الراعي الذي يعمل مُقابل عشرة رُعاة. راعٍ عَرِفَ كيف يتصرّف هذه المرّة ويضع كل إمكاناتهِ في خدمة الآخرين: دحرجة الحجر، ويمنح فرصة الحياة (الماء) من دون أن يستغلّها لمصالحهِ. بداية طيّبة لعلاقاتٍ نتمنّى أن تبقىَ سليمة. مضى شهرٌ على إقامةِ يعقوبَ، وفاتحَ لابان يعقوبَ: إذا كُنتَ أخي، أفتخدمني مجّاناً؟ أخبرني ما أُجرتُكَ؟ (15). مُقترحُ ينمُ عن إحساسٍ عادلٍ بالآخر الغريب الذي إذا إشتغلَ فيجب أن ينالَ أُجرتهُ، فكم بالأحرى أنت يا يعقوب؟ إقتراحٌ جذّاب مع أنه مقترحٌ سائبُ النهاية ومنفتحٌ لإحتمالاتٍ عديدة. بالطبع، يُريد لابان إستغلال مهارة يعقوب وقوّته لصالحهِ، ويعقوب بدوره فكّر مسبقاً بموضوع الزواج من راحيل الجميلة، ولكنة لم يكن يملك ما يدفعَ مهرها، فإقترحَ هو الآخر مهراً غالياً عبر تقديم خدماته لسبعِ سنوات قادمة: "أخدمُكَ سبعَ سنواتٍ براحيلَ آبنتُكَ الصًغرى"، ويأتيه جوابٌ سائبُ النهاية أيضاً: "تأخذها أنت خيرٌ من أن أُعطيها لرجلٍ آخر، فأقم عندي" (19). لم يُؤكّد لابان ليعقوبَ أنه وافقَ على إعطاء راحيل، ولم يتعهّد له بأن شغلَ السبع سنوات هو بمثابة المهر للزواج من راحيل. لابان مفاوضٌ بارع، ويعرف كيف يستغّلَ الآخر لصالحهِ، وهنا تدخل العلاقات مرحلة حرجة إذ نجد لابان يتصرّف بأنانية غيرَ مُبالٍ بكرامة الآخر، حتى بناته. كان عليه أن يقول: سأسأل راحيل أولاً! أو عليكَ يا يعقوب أن تعرف أننا لا نزوّجُ الصغرى قبل الكُبرى! صراحةٌ مثل هذه تحترمُ الآخر وتفتح المجال لتواصلٍ صحيح ما بين الناس. تمرُ السنوات السبع كأيامٍ قليلةٍ في عينه من أجل محبّته لراحيل، ويأتي اليومُ الذي على لابان أن يُكمّل بنود الإتفاق، فيدعو لحفلٍ عظيم جمعَ فيه كل أهل حاران، وعند الغروب أخذَ ليئة وجاء بها إلى يعقوب من دون معرفته لأن لابان خبأها خلفَ البُرقعِ. كان اليوم الأول من العُرسِ يومَ الجماعة وليس يومَ العروسين، في اليوم الثاني يكتشف يعقوب مرارة: أنه مخدوع! فيسأل بغضبٍ وغيظٍ: لماذا خدعتني؟ فيأتيه الجواب: "في بلادنا لا تتزوجّ الصُغرى قبل الكُبرى" (26). فما فعلتهُ في بلادكَ يا يعقوب لا يُمكن أن تفعلهُ هنا. نحنُ لا نُفضلُ الصغير على الكبير. كان إسحق أبوه أعمى فلم يرى الخدعة، وعميت عيون يعقوب بالبُرقعِ ولم يرى حقيقة المرأة التي اُعطيت له. فهل عرفتَ يا يعقوب مرارة أن تشعر انّك مخدوع ولا ترى الحقيقة؟ تعلّم الدرس، لأن تجنّب التعلّم سيكون أكثرَ مرارةٍ. ولكن هناك إقتراحٌ آخر: سأعطيكَ راحيل بعد أسبوع، ولكن مُقابل سبع سنوات عمل إضافية، ولا يملك يعقوب قراراً إلا أن يقولَ: موافق. ويستلم يعقوب راحيل بعد أسبوع، وتدخل العائلة كلّها في علاقاتٍ غير سليمة، ويُضربُ الإنسجام العائلي بسبب البحث عن مصالحَ شخصية. يبيع لابان بناته في عملية مقايضة مُستغلاً يعقوب إبن أختهِ، ويرى يعقوب في ليئة مرارة الخداع، فيكرهها، ولكنَّ الربَ يسندها فيجعلها ولوداً، أما راحيل المحبوبة فهي عاقر. لا نتعجّب من طبيعة هذه العلاقات، لأن الولادة هنا ليست شأناً بيولوجياً فحسب، بل تعبير عن شخوص القصّة ومواقفهم الداخلية إزاء بعضهم البعض: حبٌ وغيرة ويأسٌ وقنوط وغبطة ضيقٌ ومرارةٌ وإفتخارٌ وغضبٌ وسخطٌ وخجلٌ وحقدٌ وتلاعبٌ ظالِم ما بين أفرادِ الأسرة الواحدة. من الموت إلى الحياة (تك 30) التقليد اليهوهي 29: 31- 30: 24، التقليد الايلوهي29: 31- 30: 24 ثلاثُ نساء حول يعقوب وراحيل، كالرعُاة الثلاثة الذي إلتقاهم عند البئرِ (29: 2- 9). ويبدو أن يعقوب تعلّم الصبرَ والإنتظارَ فلا يستعجل الأمور مثلما كان يعمل في بيت أبيه إسحق، فغابَ عن مسرحَ الأحداث ليتركَ المجال للنساء بالتحرّك. ولكن لنا "يعقوبةَ" أخرى: راحيل التي تظهر غاضبةً لأنها لم تلد ليعقوبَ ولداً: "ولمّا رأت راحيل أنها لم تَلِد ليعقوبَ غارت من أُختها وقالت ليعقوبَ: "أعطيني أولاداً، وإلا أموتُ! فإحتدَّ يعقوبَ على راحيل وقالَ: "هل أنا مكانُ الله؟ هو الذي حرمكِ ثمرة البطنِ" (30: 1-2). لقد ربطَ الرواي قصّة راحيل بالقصة الرئيسة عندما يجعلها عاقر مثل الأمهات الكبار: سارة ورفقة، ورغبتها في الأولاد تجعل يعقوب أمام حقيقة أساسية: هو ليس إلهاً؟ يعقوبَ الذي حاولَ جاهداَ أن يُرتّبَّ كل شيءٍ لصالحهِ، ويُخرّب النُظم الإجتماعية والعائلية ليكون هو الأول، نراه اليوم يعترف بحقيقة أساسية: أنا الذي أزحتُ أخي الكبير عن البركة، وأزحتُ الحجر الكبير عن فوهة البئر، لست قادراً على كل شيءٍ؛ أنا لستُ الله، أنا عاجزٌ تماماً عن فعلِ شيء، الله وحده هو مانحُ الحياة، ومع عجِزَ يعقوب عن إعطائه، سيهبهُ الله نعمةً للعائلة. علاقة راحيل بأختها علاقة عقيمةٌ، وهي ترفض الحديثَ إلى أختها الكُبرى، وتتعامل معها كمُنافسة لا كأختٍ: "خِداعاً عظيماً خدعتُ أختي وغلبتُ" (8). لقد تصارعَ الأخوان في البطن (تك 25: 22)، وتتصارع الأختان من أجل البطن. وتتواصل المنافسة في غيابٍ واضحٍ ليعقوب رجلُ العائلة، والذي يرى تصارعَ المرأتين من دون أن يفعلَ شيء لتخفيف حدة الوضعِ، حتى أن الأم تتولى تسميةِ الأبناء من دون إستشارة الأب بناءً على حالته الشخصية، وصارت كل ولادة ورقةً رابحةً في لعبة المرأتين للحطِّ من كرامةِ الأخرى في عيني الزوج. منافسة الأمهات، إشارة لمنافسة الأبناء لاحقاً، لأن هذه القبائل ستتنافس فيما بينها لاسيما بعد موتِ سليمان الملك، وتأتي فرصة الحوار: هناك لفاحٌ نسبَّ إليه الأقدمون دواءً شافياً للعقمِ صارَ بيد رأوبين إبنُ ليئة، فتقدّمت راحيل لتتحدّث لأولَ مرّة مع أختها تطلبُ منها اللفاح. وتُجيبها ليئة غاضبة: أما كفاكِ أن أخذتِ زوجي حتى تأخذي لُفاحَ إبني أيضاً" (15). يبدو أن راحيل منعت يعقوب من المبيتِ عند ليئة، فهي التي صارت تتحّكم بشؤون الأسرة الخاصّة مُتجاهلةً سلطة يعقوب. فتقدّمت راحيل بإقتراحٍ: "لينامَ يعقوبَ عندكِ الليلة بدلَ لُفاحَ إبنكِ". لنتخيّل أين وصلت الأمور بيعقوب الذي حاولَ إلى الآن أن يُبيّن أنه هو المُسيطر على مُجريات الحياة، لقد صارَ سلعة يُشترى ويُباع، حتى في خصوصياّته: إنه مُستأجرٌ من خالهِ ومن بناتِ خالهِ: (يساكر: رجلُ أُجرةٍ). حوارٌ الأختين يفتحٌ أُفقاً جديداً في العلاقات كلتهاهما ولودٌ الآن. لقد تخلّت راحيل عن ما كانت تتصورّه إمتيازاً خاصاً بها: هذا لي ولا يحقكم مسّه. لقد إنتصرت على نفسها، وتحررت من حبها للأنا المُتملِّك، ودخلت في حوارٍ مُثمرٍ مع أختها لتُوقِفَ مشاعر الغيرة والحسد والإذلال، وتتصالح وتتصافح مع أختها ويبدأ الإنسجام العائلي يزهو أكثر فأكثر. غنى يعقوبَ ومُضايقة بيت لابان له (تك 30: 25- 43) التقليد اليهوهي 30: 25 – 43، التقليد الايلوهي30: 25 - 43 بقاء يعقوبَ عند خاله لابان وغناه لم يجعله ينسى بيتَ أبيه الذي لطالما أرادَ العودة مع عائلته الكبيرة، فكانَ مولود يوسف فُرصة لإعلان هذا القصد لخالهِ لابان: "دعنى أذهبُ إلى أرضي" (25). طلبت أمه الإبتعاد عن الأجواء حتى يهدأ غضبُ أخيه عيسو، ووُهِبَ رؤية خاصة في بيت إيل من أن الله سيكون معه وسيُعيده إلى بيت أبيه سالماً، فرأى في ولادة يوسف علامة رضى الربِّ عليه فقرر العودة، عارفاً أن هذا يعني إنفصالاً عن العشيرة، فطلبَ الرخصة موضّحاً لخاله أنه إغتنى على حسابه. يعرف يعقوب أنه أمام مفاوض بارع، وداهية في الإحتيال، لذا يختار يعقوب الكلمات والتعابير بوضوحٍ. لا يُريد لابان أن يخسرَ يعقوب، فهو راعٍ ممتاز والجميع يعترف بقُدراته لاسيما وأن مواشي لابان كثرت وأعتنى جداً، لذا يقول ليعقوب: ماذا عليَّ أن أُعطيكَ. كلام جميل، لكن يعقوب يعرف معناه المُلتبس والذي كلّفه الكثير، لذا، يرد قائلاً: لا تُعطيني شيئاً. ويقترح هو إقتراحاً غير نافعٍ البتة، يصعب علينا اليوم أن نستوعبَ تفاصيله. ولكن بختصار: يختار يعقوب أجرة صعبة، فهو يختار الأبلق والأرقط من الغنم والماعز، ويترك الصنف الإعتيادي وهو الغالب عادة لخاله لابان. بدأ يعقوب من الصفر، ولكنه يعرف بعض الإستراتيجيّات في عملية الإستيلاد والتي تجعله غنياً جداً: بدأ يعقوب يشعر بمفاعيل البركة الإبراهيمية: نسلٌ وغنى مادي ملموس، ولكن هذا سيُثيرُ مشاعر الحسد والحقد لدى الآخرين، فكيفَ سيتصرّف إزائها؟  
قراءة 11490 مرات آخر تعديل على %AM, %30 %048 %2015 %03:%تشرين2

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *