ندوة الكتاب المقدس
%AM, %08 %349 %2011 %10:%شباط

ندوة الكتاب المقدس اللقاء الخامس

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
الندوة الكتابية اللقاء الخامس قصّة أبيملك (20: 1- 18 / 21: 22- 34) التقليد الايلوهي 20: 1ب- 18 التقليد اليهوهي 20: 1أ تُعد هذه القصّة قراءة إيلوهية لقصةٍ سبقَ وأن تعرّفنا عليها في الفصل الثاني ع
الندوة الكتابية اللقاء الخامس قصّة أبيملك (20: 1- 18 / 21: 22- 34) التقليد الايلوهي 20: 1ب- 18 التقليد اليهوهي 20: 1أ تُعد هذه القصّة قراءة إيلوهية لقصةٍ سبقَ وأن تعرّفنا عليها في الفصل الثاني عشر من سفر التكوين (12: 10- 20): إبراهيم يستخدم سارة من أجل ضمان سلامته الشخصيّة عبر كذبة غير مُبررة مُطلقاً، ولكن حاول الراوي أن يُخفف من حدّتها حرصاً منه على سمعةِ إبراهيم ومكانته. تفتح القصة الباب أمام تساؤلات عديدة منها: ما علاّقة إبراهيم المُباركَ بالأمم الوثنية؟ هل هناك مَن يخاف الله خارج نسلِ إبراهيم؟ كيف يُعامل الله الأمميين الذين يتّصفون "بسلامة القلب ونقاوة اليدين" ومخافة الله؟ نعم، هناك مَن يخاف الله، مع أنه ليس من نسلِ إبراهيم، ويسلك وفقَ ما يطلّبه الله من الإنسان: سلامة القلب ونقاوة اليدين ويُريد العدل والإنصاف، وسيمنعهم الله من الخطأ ويُباركهم بعنايته، ولكن من خلال إبراهيم الإنسان مع ما يحمله من عوزٍ في الإيمان. بدأ إبراهيم يتجوّل في الأرض ووصلَ إلى مدينة جرار غربي حبرون وبئر سبع. ولمدينة جرار ملكٌ قويٌ، وللملك آنذاك سلوكيات ومواقف، يعتقد أنها "حقوق" يختصرها صموئيل النبي أمام شعبه الذي طالبهُ بتنصيبِ ملك عليهم كالآتي: اسمعوا، هذا ما يقضي به الملك الذي سيحكم عليكم: يجند أبناءكم ويجعلهم فرساناً وخداماً وجنوداً يركضون أمام مركباته. ويعين بعضهم قادة ألوف وقادة خماسين، يحرثون حقوله ويحصدون غلاته، ويصنعون أسلحته ومركباته الحربية. ويأخذ من بناتكم ليجعل منهن طباخات وخبازات وصانعات عطور، ويستولي على أجود حقولكم وكرومكم وزيتونكم ويهبها لعبيده. ويجني عشر محاصيلكم ليوزعها على أصدقائه وحاشيته، ويسخر عبيدكم وجواريكم وخيرة شبانكم وحميركم في أعماله. ويستولي على عشر غنمكم ويستعبدكم. (1 صمو 8: 11- 17) فأمام هذه الحقوق والسلوكيات وقف إبراهيم متسائلاً: ما العمل الآن؟ المدينة آمنة، ولكن مَن الذي يضمن لي أن الملك لن يأخذ سارة إلى بيته؟ هل سيُنقذ الله سارة من رغباتٍ ملكِ مُستبد؟ وإن قُلتُ هي زوجتي، أفلا أُقتَل بسبب سارة؟ تساؤلات إنسانية من حاملِ البركة، الذي يعي دوره في حياة الآخرين، مع ما يحمله من همومٍ وقلقٍ ومخاوفَ. أعلن إبراهيم بالتعاون مع سارة زوجته أنها أخته، فأخذها أبيملك، ملك جرارَ، وسلَِمَ إبراهيم. خوف إبراهيم من الآخر دفعه إلى سلوكيات ومواقف مُخطِرة، وتُتنهَك العلاقات عادة في مثل هذه الأجواء، فيصل الإنسان مرّة أخرى بالعلاقات إلى نهاياتٍ مُغلقة: لا سارة بعد اليوم، فلا نسلٌ لإبراهيم، ولا نسلٌ لإبيملك أيضاً. تدخلَّ الله على نحو مُباشر وأنقِذَ الأحداث من الفوضى التي وصلت إليها، والتي صارت بسبب موقف إبراهيم. فخاطب أبيملك على نحوٍ مُباشر: "ستموت بسبب هذه المرأة التي أخذتها" (3)، وحُكمُ الموت سيكون بمنع الولادات في بيته أيضاً فلا مُستقبلَ له (17-18). في القصّة حواراتٌ ثلاثة: حوار أول بين الله وأبيمالك (3- 8)، وحوار ثاني ما بين أبيمالك وإبراهيم (9- 13)، يعقبه شرحٌ من أبيملك لرجاله حول ما جرى، ثم حوار ثالث مع إبراهيم أيضاً (14- 18). ويظهر من هذه الحوارات أن الله لا يحتاج إلى وسطاء ليُخاطبِ الإنسان، فالأرض كلّها لله، ويبرز فيها أيضاً أبيمالك باراً، سليمَ القلبِ نقيَّ اليدين، تصرّفَ على نحو سليمٍ إذ لم يكن عارفاً بحالة سارة الزوجية. وهو يُظهِر أيضاً أن هناك علاقة وثيقة ما بين سلامة القلب ونقاوة اليدين. لذا يتدخّل الله ليُؤكد برارته ويحميه من الخطأ: "منعتُكَ مِن أن تمُسّها فتُخطأ إليَّ" (6). من هنا نجد أن أبيمالك، وبخلاف فرعون (12: 18- 20)، يستجيبُ لتدخّل الله ويُعلن طاعتهُ "وبكّرَّ" من دون أن ينتظر أو يتأخّر، وأعلنَ توبته مُظهِراً إستعداداً تامّاً للتجاوبِ مع نداء الله له. "إنه إنسانٌ يخافُ الله"، مع أنه لا ينتمي إلى شعبِ إسرائيل. في قلبه السليم مخافةُ الله بخلاف ما تصوّر إبراهيم: "ظننتُ أن لا وجودَ لخوفِ الله في هذا المكان" (11)، وهو إعتقادٌ يكشف أيضاً أن في قلب إبراهيم مخاوفَ كثيرة أكثر من مخافةُ الله. لذا يقف أبيمالك أمام إبراهيم إنموذجاً للإيمان، ويتجاوز الله مرّة أخرى "خديعة" إبراهيم وعوز إيمانه، لا لأنه كذبَ وأحتال، بل لأن الله بقيَّ أميناً لوعده لإبراهيم. بيّن الله لأبيمالك أنه كان راعياً له كيلا لا يُخطأ، وسأل أبيمالك إبراهيم عن "حالة الخطيئة" التي شاهدها في بيته حتى يُقدِمَ إبراهيمَ على هذه الموقف: "ماذا فعلتَ بنا؟ وبماذا أذنبتُ إليكَ حتى جلبتَ عليَّ وعلى مملكتي خطيئة عظيمةً؟ ما فعلتَ بي لا يفعلهُ أحدٌ؟ (9). هنا نلاحظ كيف أن "قولبةِ" الآخر، بأفكار وصور مُسبقة تمنع من خلقِ تواصلٍ حقيقي بين الأشخاص، فتأتي العلاقات مريضة يعوزها الثقة والآمان. التعسُف هو سمة الملوك ولكن هذا لا يعني تعميماً مُطلقاً على الجميع، فأبيمالك يُظهر مُختلفاً، وكان الأجدر بإبراهيم أن يثقَ بالله ويتأنّى في أحكامه وقراراته، ويحكم وفقاً لما يختبِر لا وفق ما يعتقد فحسب. الخوف من الآخر لا يمنع الخطيئة، لأنه هو الخطيئة ذاتها. وعدُ الله إذن هو الذي كان وراء حماية إبراهيم وتعزيز مكانته بين الشعوب، مكانة نالها لا بسبب قُدراته ودوره، بل لأن الله أختاره. أختيارٌ لم يعتمد كلّياً على إيمان إبراهيم، فمن الواضح أنه إيمان ضعيف لاسيما وقتَ الأزمات، بل أختيارٌ مؤسسٌ على نعمةِ الله، وهو ما سيختبره الشعب لاحقاً. فإبراهيمُ هو أبٌ بسبب وعدِ الله له، ومع ضُعفِ إيمانه يبقى الله قائداً لمسيرته، ويبقىَ إبراهيم القناة التي من خلالها يُباركَ الله الأمم؛ وتعترفُ الأمم بموقفِ الله هذا: "أرى أن الله معكَ في كل ما تعملهُ" (21: 22). هذا لا يعني أن الله لا ينتظر من إبراهيم إستجابةً، على العكس، فالقصة تُخبرنا أن إبراهيم سلّم سارة إلى أبيمالك، وسلّم حياته إلى رحمةِ الملك وقال نصفَ الحقيقة على حدّ قوله (12)، وفوّضَ أمرها وأمره إلى الله بالصلاة: "والآن رُدَّ أمرأة الرجل، فهو نبيٌّ يُصلي لأجلك فتحيا. وإن كُنتَ لا تردّها، فأعلم أنّكَ لا بُدَّ هالكٌ أنتَ وجميعُ شعبِكَ" (7)، "فصلّى إبراهيم إلى الله، فشفى الله أبيمالك وآمرأته وجواريهُ فولدنَ، وكانَ الربُّ أغلقَ كلَّ رَحمٍ في بيتِ أبيمالكَ بسبب سارة آمرأةِ إبراهيمَ. (17). تدخلَ الله إذن وخاطبَ أبيمالك، فقام الأخير بإصلاح العلاقات: فيُعيد سارة إلى إبراهيم، ويُغنيهِ بالمواشي والعبيد والجواري، ويُعطيه أرضاً ليسكن فيها، ويعترف أمام الجميع بأن سارة هي ضحيةُ ما جرى. توبةٌ نصوحة وضيافة مُتميزة وشفاعةِ إبراهيمَ بيته تمنحهُ نعمة الشفاء له ولبيته. تدخل الله شفى العلاقات ما بين إبراهيم وأبيمالك. أبيمالك الذي كان يُعد "تهديداً" لحياة إبراهيم، أضحى قريباً لإبراهيم الذي يُصلي من أجل خيره، وهكذا تتحرك نعمة الله بفاعلية لتُعطي للعلاقات الإنسانية حياة ما كانت لتتواصل. أبيمالك غير مُطمئنٍ من إبراهيم (تك 21: 22- 34) المُلّفت للإنتباه أن أبيمالك يعرّف أن إلهَ إبراهيم إلهٌ مُقتدرٌ، وإنه مع إبراهيم، وإبراهيم ليس شخصاً موثوقاً به مئة في المئة، فقُدرة إبراهيم على الإحتيال وكون الله معه تجعله رجلاً خطيراً، فعلى أبيمالك أن يحتاط في العلاقة معه، لذا يطلب عهداً معه. لا يريد أبيمالك أن يكون عدواً لإبراهيم، بل يُريد أن يُجازى خيراً لما صنعه له: "عاملتك بالمعروف عاملني أنا وذريّتي بالمعروف". يطلب أبيمالك من إبراهيم أن يحلفَ له بالله بأن لا يغدرَ به ولا بذرّيته ونسله، بل يُبادلهُ المعروفَ بمعروفٍ (21: 23). علينا أن نلاحظ هنا أهميّة تكامل البُعد العمودي للإيمان: "الله يُعاملُكَ بالمعروف"، مع البُعد الأفقي: "فعليكَ أن تُعامل الناس بالمعروف". فلا يُمكن أن نأمَنَ إلى اختيار الله لنا، من دون أن نُفكّرَ جديّاً بمسؤوليتنا الإجتماعية مع مَن هم من حولنا. لماذا الحلفان والقَسم بين الناس؟ هنا أيضاً نجد تأثير "الخوف من الآخر" والذي يعلب دوراً رئيساً في بناء وتشكيل العلاقات الإنسانية. هناك خوف وشكٌّ بالآخر، وهذا يدفعُ الإنسان ليحمي ذاته، ولو معنوياً، بقسمٍ وعهدٍ يشفي العلاقة المنقوصة مع الآخر والمبنيّة على الخوف من الآخر لا على الثقة بالآخر، أو على الأقل يحميها من السقوط في مُستنقع الخيانة. لربما لن يتمكّن الإنسان من الإفصاح عن أفكاره علناً، ولكنه يحمل بالقسم شرفه من خلال الإشارة الى ما هو مُقدسٌ في حياته. فإذا خانَ العهد، إنتهكَ شرفه وإسم المُقدس أيضاً. يعقد إبراهيم وأبيملك عهداً وتُحل إشكاليةُ بئرٍ كان إبراهيم قد حفرها ولكنها اُغتصِبَت من قبل جماعة أبيمالك. إشكالية بيّن فيها أبيمالك أن إبراهيم ليس صريحاً معه، وهذا ما يجعل العلاقات متأزمة. يحتفل الطرفان بطقسِ مُتعارفٌ عليه آنذاك: تقيدم الهدايا وقبولها وإعترافٌ بالمُلكية. يعترف أبيمالك بمُلكية إبراهيم للبئر، ويحلف إبراهيم بأن يُعامل أبيمالك وذريّته بالمعروف، وهكذا تُشفى العلاقات. من المُمكن الآن أن يكون هناك علاقة ودّية مبنية على المعروف المُتبادل ما بين الشعوب تحت رعاية الله. يغرس إبراهيم شجرةً في بئر سبع إشارة إلى أنه تملّكَ الأرضَ، ويُعرفنا الراوي على لقبٍ إيلوهي قديم: الإله السرمدي كان يُستخدم عند مزار بئر سبع. لقد وصلنا إلى قناعةٍ الآن من أن إبراهيم نالَ "الإبنَ" والنسلَ لا بفضلِ إنجازاته الشخصية، بل الفضلُ يعود لنعمةِ الله. الله الذي بقيَّ أميناً لوعده على الرغمِ من أن إبراهيمَ جازفَ بالوعد ثمناً لسلامتهِ الشخصية. سارة: أنت زوجةُ إبراهيم أم أختهِ؟ "بالحقيقة هي أختي آبنةُ أبي لا أبنة أُمي، فصارت آمرأة لي" (12)، ظاهرة كانت مقبولة حتى أيام داود الملك (قصة أمنون وتامار 2 صموئيل 13: 7- 14)، ولكنَّ الشريعة حرّمتها لاحقاً (لاويين 18: 9). وجاءت هذه المقولة كمُحاولة من إبراهيم لتغطية الخديعة، إلا أن التُهمّة ثبُتت عليه: أنت تبحث يا إبراهيم عن سلامتِكَ وتنسى الآخر!!! هي مناسبةٌ أن نسأل سارة: هل أنت زوجةُ إبراهيم أم أختهِ؟ هل حُبكِ لإبراهيم يدفعُكِ للتنازل عن هويّتك كزوجةٍ وأم إبن الوعد؟ إلى أين يصل بنا حُبُ الآخر؟ هل من حدود لهذا الحُب؟ هل أضعُ حياة القريب فوق كل الإعتبارات؟ هل يُسمَح لي بأن أُضحي بكل شيء ليحيا القريب؟ أين هي حدود مسؤوليتي عن سلامة حياة القريب وراحته؟ يرى إبراهيم أن خطراً ما ينتظره فيختبر ضيقاً عظيماً في نفسه، فينغلق على ذاته مُعتنياً بها أشدَّ إعتناء مُتناسياً الآخرين وحياتهم، فرعون وشعبهِ، أبيملك وأهلُ بيتهِ!!! وحتى أقربُ الناس إليه: سارة، فيتحوّل إبراهيم من شخصٍ كان في مركز الأحداث، إلى طالبٍ ومُتوسّلٍ معونة الآخرين من أجل بقاءه، ويتراجع إلى الخطوط الخلفية للحياة، ويبرز آخرون على مسرح الأحداث، ليبقَ هو مُنتعماً بما حصلَ عليه: يكفيني أنني أعيش. لا نلومُ إبراهيم لأننا كُلّنا نفعل ذلك بطريقة أو بأخرى. طلبُ إبراهيم من سارة ليس طلباً عادياً: قُولي أنّكِ أُختي. إنه سؤالٌ يضع سارة أمام خياراتٍ صعبة. هي ترى أن الضيقَ الذي يعيشُه إبراهيم ليس واقعاً محتماً: هذا قدرُكَ يا رجل، بل تراه واجباً ونداءً عليها أن تستجيبَ له. ضيقُ الإنسان القريب هو مسؤولية وسؤال يتطلّب الإستجابة. ضيقُ القريب يجعل حياة مَن هم حوله في إضطرابٍ: إمّا أن أعتني به أو أن أُهملهُ؛ كما يراها ربّنا يسوع المسيح في قصّة السامري الرحيم (لو 10: 25- 37)، إمّا الميل عنه أو الميلُ إليه. ضيقُ إبراهيم يجعل سارة "مُختارة" وهي الوحيدة القادرة على ان تُخلّصهُ. وسارة من جانبها تتضايق أكثر لأنها لا تستطيع أن تتجاهل ضيقُ إبراهيم، ولا تستطيع أن تتنكّر لشرفها وكرامتها!!! سارة أمام اختيارتٍ خطيرة. من القصتين يبدو أن سارة اختارت التحّرك إلى الأمام لا العودة إلى الذات والعناية بنفسها فقط وتناسي حاجة الآخر وألمهِ. هي تقبل على ذاتها كل الأخطار التي تُهدد حياة إبراهيمَ زوجها، وتُعرض نفسها للخطر كي لا يتألم هو. تتنازل عن حقوقها وراحتها وهويّتها كزوجةٍ من أجل خير إبراهيم. تتنازل عن الحب والأحترام من أجل سلامة حياة إبراهيم. تقبل توسّلات إبراهيم لتكون أُختاً له، وتأخذ على نفسها كل الأخطار من دون أن تتوقّع تكريماً أو مديحاً: أموت ليحيا الآخر. حياة القريب قبلَ حياتي: حاجةُ الآخر قبل حاجةِ الأنا. ليتَ إبراهيم يعرف كيف تُفكّر زوجته سارة!!! هل يُمكن أن يصلَ الحُبُ إلى هذه الدرجة من العطاء؟ هل يُبرر مثلُ هذا السلوك فينسى الإنسان "صورة الله المرسومةِ فيه" من أجل إنقاذ حياة الآخر؟ هل تسبق محبّة القريب محبة الآخر البعيد؟ هل إخلاصي لإبراهيم يُنسيني عدالتي لنسلهِ الذي يجب أن يكون؟ تصوّر لنا قصصٌ قديمة ضيقَ سارة وحزنها على فراش فرعون وأبيمالك، فتبكي بُكاءً مُراً، وتذرفُ الدموعَ وتمنع نفسها عنهما، وتُقاوم بشدّة شهوتهما. وتجد القصص أن الله رافقَ سارة ولم يتباطأ عن مُساعدتها؛ "ولذلك منعتُكَ من أن تمُسّها فتُخطأ إليَّ" (20: 6). تنازلت سارة عن هويتها كزوجةٍ لإبراهيم، ولكنَّها لم تتنازل عن كرامتها، لذلك منعت نفسها عن فرعون وعن أبيمالك، لأن كرامتها واجبٌ ومسؤوليةٌ أيضاً، فلم تقبل بأن تُعامَل كوسيلةٍ من أجل إنقاذ حياة الآخر. كما أن سارة لا تنسى أنها "أُم أبنِ الوعدِ"، فلسنا إثنين يا إبراهيم: أنا وأنت، نحن ننتظر مولدوداً حسبَ وعدِ الله لنا، نحن ننتظر نسلاً، أمامنا شعوبٌ وأممٌ كثيرة؛ الإنسانية كلّها يا إبراهيم، أمامنا المُستقبل يا إبراهيم. هذا الآخر الثالث يفتح كل إنغلاقِ في العلاقات، ويجعلني مسؤولةً عنه أيضاً. فلا يُمكن أن أكون مُحبّةً لك وظالمة للآخر! لا يُمكن أن أنسى الإنسانية أمامكَ! هناك توازنٌ ما بين الحب والحق، حُبٌ أمينٌ لك وحقٌ محفوظٌ للآخر. فيجب أن يكون الحُبٌ عادلاً ومُنصفاً. العدل والإنصاف الذي على إبراهيم أن يُوصي به أبنائه وأهلُ بيته (18: 19). لذلك وضعت سارة نفسها مسؤولة عن مُستقبل إبراهيم والوعد الذي اُعطيَّ له: ستكون أُمما، ستكون بركةً، فكشفت أمرها وحقيقة هويّتها: أنا زوجته ولستُ أختهُ. وبذلك وضعت حدّاً لحبِ القريب الذي يجب أن يُنسينا البعيد: الإنسانية كلّها. هي لا تُفكّر في إنقاذ نفسها، بل تُعطي لوعد الله فرصة ليتحقق، فلا تسمح بمضرّة الآخر ليسعدَ إبراهيم ويسلم. سارة تُفكّر بكل النتائج، خاصة المُستقبلية منها. لربما يتبادر إلى أذهاننا سؤال، وبسبب مواقف إبراهيم هذه، حول مكانة المرأة في اليهودية، ولاسيما أن البعض يأخذ عليهم أن الرجال مُلزمون بالصلاة يومياً إلى الله مُتذكرين البركات الثلاث: ليُشكَر الله على أنه جعل مني يهودياً، ولم يخلقني إمرأة، ولم يجعل منّي إنساناً فظاً؛ أو الصيغة: لا تجعلني يا ربّ وثنياً، ولا عبداً ولا أمرأة. ليس الموضوع هنا إستحقارٌ للمرأة إذا ما عرفنا أن من أهم واجبات الرجل هو إلتزامٌ مسؤولية تعليم التوارة والحرص على إتمام الواجبات الدينية الأخرى، في حين تتحمّل المرأة مسؤولية البيت وسلامته. فصلاة كهذه ما هي إلا شُكرٌ لله على أنه لم يحرمه هذه النعمة: تعليم التوارة وتطبيقها، في حين تُحرمُ المرأة من هذه لإلتزامها بالبيت وتشجيعها أولادها للسير في خُطى الآباء. فالمرأة لها مكانتها، ويتبيّن في قصّة إبراهيم أنها تلعبُ دوراً رئيساً في الأحداث، ولذا نجد أن الله يقفُ إلى جانب سارة كلّما استُضعفت. تساءل أحد الملوك كيفَ أن الله أوقعَ سُباتاً على آدم وأستّل أحد أضلاعه وسدَّ مكانها بلحمٍ؟ أو لا يكون هذا سرقةٍ؟ فأجابه أحد مُعلمي التوارة: أريدُ يا ملك أن أشكو لك عن سرقةٍ حصلت في مملكتِكَ! كُنتُ نائماً فجاء أحدهم وسرق قدحَ الفضة الذي لي ووضع لي مكانه قدحاً من ذهبٍ!!! فأجابه الملك: لماذا لا يأتيني لصٌ من هذا النوع!!! فردَّ المُعلمُ: أو ليس من الرائع أن ينامَ رجلٌ وحيدٌ ويُؤخّذ منه ضلعٌ ويتلقّى بدلاً منه أمرأة تُرافقه الحياة كلّها!!!! ثم عاد وسأل الملك ثانية: ولكن لماذا اختار ضلعاً مخفياً ليخلقَ منه شريكاً لآدم؟ إبتسَم المُعلم وقال للملك: لو اختار الرأس لتكبّرت المرأة على الرجل، ولو اختارَ العينين لكانت فضوليةً، وإذا ما اختار الأذنَ لكنت تقضي الحياة تتنصّت على الأبواب، وإذا ما اختارَ الفم لعاشت حياتها ثرثارة، فلم هذه ولم يختار القلب حتى لا تكون غيورة، ولا اليد حتى لا تكون مُبذرة ومُسرِفة، ولا القدم حتى لا تخرج كثيراً، فأخذ ضلعاً مُخبأً لترافقَ آدم بتواضعٍ ومسوؤلية.
قراءة 7316 مرات آخر تعديل على %AM, %30 %048 %2015 %03:%تشرين2

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *