ندوة الكتاب المقدس
%AM, %08 %339 %2011 %10:%شباط

ندوة الكتاب المقدس اللقاء الرابع

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
الندوة الكتابية اللقاء الرابع حديث لإبراهيم مع الربَّ (تك 18: 16- 33) التقليد اليهوهي 18: 1- 19: 38) صرنا أقرب الآن إلى معرفة هويّة الضيوف الثلاثة الذين بشّروا إبراهيم بأخبارٍ سارّة: سيكون لك
الندوة الكتابية اللقاء الرابع حديث لإبراهيم مع الربَّ (تك 18: 16- 33) التقليد اليهوهي 18: 1- 19: 38) صرنا أقرب الآن إلى معرفة هويّة الضيوف الثلاثة الذين بشّروا إبراهيم بأخبارٍ سارّة: "سيكون لك بعد سنة من الآن ولدٌ من سارة". من الواضح جداً أنهم يُملثون حضوراً إلهياً بإمتياز. ما يُلفت إنتباهنا هو تعابير القصة التي جاءت حيوية مُفعمة بحسٍ إنساني مُرهف. "قام الرجال من هناك وتوجهوا ونحو سدوم، وسارَ إبراهيم معهم ليُشيعهُم. فقال الربّ في نفسه: "هل أكتمُ عن إبراهيم ما أنوي أن أفعلهُ، ... (17- 18). لنتخيّل الحدث: يُغادر الرجال خيمة إبراهيم ويتقدمون خطواتٍ بإتّجاه سدوم، إلا أن الربّ يعود إلى إبراهيم ويحاوره كصديق نسيَّ أن يُبلغَ صديقه خبراً. بمعنى آخر: يرجع الربُّ ويقف أمام إبراهيم ليحاوره في أمرٍ يعدّه في غاية الأهمية. يُعلن الربُّ أن أختياره لإبراهيم ليس تمييزاً يفتخرُ به، بل مَهَمَةً ومسؤولية: إبراهيم سيكون بركةً لجميع أُمم الأرضِ، والربُّ أختاره ليُوصي ويُعلّم ويُرشِد أهل بيته ليسلكوا طريق العدل والإنصاف (18- 19). إبوّته مسؤولية تعليمية لجميع الأمم. نحن أمام قصة من ثلاثة مشاهد: حوارٌ بين إبراهيم والرب 18: 16- 32 (مُقدمة القصة) قصة دمار سدوم 19: 1- 29 (القصة القديمة) أهل المؤابيين وبني عمّون أبناء لوط 19: 30- 38 (خاتمة القصة) أصل القصة روياتٌ قديمة أُعيدَ إحياؤها في ضوء تساؤلات آنية منها: كيف يتعامل الله مع الأمم التي لا تُشاركنا إيمان آبائنا إبراهيم وإسحق ويعقوب؟ كيف يرى الله إيمان إبراهيم أمام عصيان بقية الأمم؟ هل يُؤخذ الأبرار بجريرة الأشرار؟ هل يُمكن للشّر أن يغلبُ ويكون له الكلمة الأخيرة؟ يفتح الله التحقيقات في ملّف "سدوم" أمام إبراهيم الذي يعيش في منطقة حبرون أمام مدينة سدوم؛ وهي مدينة لا تعرف مصيرها ولا تعلم بالشكاوى التي رُفعَت عنها ولم تتعرّف عن شفيعها. "سدوم" ليست مدينة خارج العهد الذي أبدعه الله مع الإنسانية من خلال إبراهيم، وإبراهيم الذي يعلم مصير هذه المدينة ليس مُهتمّاً بإنقاذ لوط إبن أخيه وعائلته. يتحدّث إبراهيم إلى الله عن تجمّع إنساني، عن الإنسانية الواقفة أمام الله. فهل "سدوم" مذنبةَ أم لا؟ هذا ما سنراه مع مواصلة التحقيقات. وصلت إذن إلى مسامعِ الله شكاوى كثيرة عن أهلها، ويبدو أن العدل والإنصاف مفقودٌ في المدينتين، لذا لزِمَ الأمر تدخلاً إلهياً لإحقاق الحق وتثبيت العدالة، لأن الله هو حامي العدالة على الأرض. علينا أن لا نتسّرع إلى الإستنتاج من أن الله نزل ليُعاقب، بل "أنزل وأرى هل فعلوا ما يستوجِب الشكوى التي بلغت إليَّ؟ أُريد أن أعلم" (20). هذا هو قصدُ الله الأهم: أن أعلم، أن أعرِف. هناك حالة من الفوضى واللانظام تعيشها "سدوم"، في غيابٍ واضح للعدالة والإنصافِ، ولأن الربَّ ليس لإبراهيم وحده؛ إلهٌ واحدٌ لإبراهيم ولأهل بيته وآخر لمَن هم خارج بيت إبراهيم. الربُّ نزّلَ ليعرِف حقيقة هذه الشكاوى من دون أن يقصِدَ العقاب أولاً، وموضوع الزيارة ليس المعاقبة على سلوكيات جنسية غير أخلاقية، بل أن هدف الزيارة أولاً هو أن صُراخ المظلومين وصلَ مسامع الربِّ، فلابد من أن ينزل ويعرف ويُحرر (خر 3: 7-8). يعرف كلٌ من الله وإبراهيم نتيجة التحقيقات: سدوم مدينة مُذنبة، ولكن هذا لا يمنع من أن يسأل إبراهيم نفسه: إذا ما وُجدت المدينة مُذنبة فهل سيُعاقب الله المدينة ويُهلكها عن بكرة أبيها؟ وإذا ما فعل هذا عقاباً لخطاياه؛ يبدو أن الله لا يختلف عن الإنسان في مبدأ الخطأ – العقاب!!! فما الذي يُحدد تعامل الله مع الإنسان: أعمال الإنسان أم قداسة الله؟ شرُّ أهل سدوم أم برُّ الله وعدالتهُ؟ لذا وّقفَ إبراهيم أمام الرب حاملاً إنسانيّته: أنا تُرابٌ ورماد (18: 27) وحاملاً اختيار الربِّ له بما يتضمّنه من بركة ووعدٍ ومسؤولياتٍ لاسيما في سلامة حياة الناس ورفاهيتهِم. دعوة لها فاعليتُها وأثرها المُباشر في حياة الناس. فالربُّ يُريد أن يُعرِفَ إبراهيم بما يُريد هو أن يعرفهُ عن سدوم. وأختيار إبراهيم ليس غاية في حدِّ ذاتها، بل طريقُ الله ليعرِفَ الناس برِّ الله: عدالته. عدالة تتجاوز خطيئة الإنسان، فتحتضنه بالرحمة وتُعطيه فرصة ليبدأ من جديد. إنسانية إبراهيم تحتضن إنتماؤه القومي، فيشعر بأنه مسؤول عن إنسانية الآخر. وهي تُعطينا صورة عن أن برَّ إبراهيم لا ينحصر في طاعةٍ عمياء فحسب، بل في عطفٍ مسؤول تجاه الآخرين. هنا يتكامل البُعد الأفقي للإيمان: إبراهيم مع الله، مع البُعد الأفقي: إبراهيم مع الآخرين، فيُظهِر تضامناً مع الجميع، ويسأل الله أن تتوسع حدود رحمته لتسوعِبَ عدله إلى أن يصلَ إلى بشارة مُفرحة: يا إبراهيم يُمكن لصديقيين قلائل أن يُخلصوا مدينةَ أشرارٍ. يُبيّن الربُّ من جهتهِ أنه مُهتمٌ بخلاص البار أكثر من هلاك الأشرار: "لا أُزيلُ المدينة إكراماً للعشرةِ" (18: 32). وإبراهيم في دفاعهِ عن "الصدّيقين" إنما يُريد أن يُدافع عن قداسة الله وبرّه، فإذا لم يُدمّر الله المدينة فهذا لأنه قُدّوس، وقداسة الله ليست نابعة من "شرِّ" أفعال الإنسان، لكن لأنه قدّوس في جوهره. فالله لا يتصرّف مثلُ الإنسان، وهذه هي بشّارة إبراهيم لنا في حواره مع الله، هو العادل لكن عدّلهُ مُفتدى برحمتهِ. آمنَّ إبراهيم بأن الإله الذي دعاه ليتركَ أرضه وعشيرته وبيتَ أبيه (12: 1) ليس صورة مُكبّرة عن الإنسان، وليس كباقي الآلهة، وها هو يكشِف عن طبيعة هذا الإلهِ في حوارٍ تعليمي مُتميّز، يبرز فيه إبراهيم سبب بركةٍ لجميع أُمم الأرض، بضمنهم المؤابيين وبني عمّون (19: 30- 38). وتُعرّفنا القصة أيضاً بأن إلهَ إبراهيم لا يأخذ بقانون الإتهام - والمعاقبة، ليُدمّر المدينة الظالمة، بل هناك عوامل أخرى تُؤثّر عليه منها صدقُ قلّة من سُكان المدينة وبرائتهم. لذا، يقفُ برُّ الله أمام خطيئة الأشرار قوّة مُخلّصِةً. برٌّ له قوّة أن يُخلّص الأبرار على عكس ما كان مُتعارفاً في السابق من أن قوّة الشرَّ قادرةٌ على دمار المدينة حتى الأبرياء فيها. سألوا المُعلّم ما سبب إستمرار وجود الشرّ في العالم؟ فأجاب: لأن رحمة الله تنتصر دوماً على عدالتهِ، فكل الأجيال تعرف صبّر الله ورأفتهِ، لأن العالم كان سينتهي لو إستمر الله بحكم الأرض بعدالةٍ صارمةٍ. وتقول الأسطورة القديمة بأنه عندما كان البحر الأحمر يبتلعُ المصريين، أعربَّ الملائكة عن رغبتهم في إهداء الله نشيد الإنتصار، فإعترضَ الله قائلاً: "لقد خرجَ العالم من يدي وهو غارقٌ، وتُريدونني أن أسمعَ نشيداً". هذه القداسة تنظر بعين الرحمة تجاه الصديق، الذين سيكون سبب خلاص المدينة كلّها ولن يسمحوا لشر الأشرار أن يُهلِكَ المدينة بمَن فيها. لذا، ينطلق إبراهيم من حديثه مع الله كمَن يتعامل في الأسواق العامة فيُخفّض العدد من 50 إلى 10، ولكن علينا أن لا نتوقف عند الأعداد متناسين المبدأ: "إله إبراهيم إلهٌ ينظر بإمتياز إلى حياة الصديق، الذي يُمكن أن يُخلّص ببره المدينة كلّها مهما عَظُمَ شرّها. فالبر يغلب الشرِّ دوماً وهذه هي بشّارة القصّة، لقد توقّف الله عن الحساب، ولن يُجازي الإنسانَ وفقَ أعماله، فرحمته تغلّبت على شرِّ العالمِ، مثلما تغلبّت نعمته على العُقمِ والموت. برٌّ قادرٌ على تجاوزِ شرِّ الأعداء وعلى أن يغفر لهم وهو ما يطلّبه ربّنا يسوع منّا: "أحبّوا أعداءَكم، وصلّوا لأجلِ الذين يضطهدونكم. فتكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات ... " (متى 5: 43- 48). إلهنا يُنهي العمل بمبدأ الخطيئة – المُجازاة ليجد للجميع خلاصاً وحياةً بوفرةٍ. حياة الإيمان لا تعتمد على مبدأ أن كلَّ إنسانٍ يُجازى وفقَ أعمالهِ، بل تشفّعُ إنسان بار يُمكن أن يُخلّص الهالكين؛ فـ "هبة الله غيرُ خطيئةِ آدم، فإذا كان الموتُ سادَ البشرَ بخطيئةِ إنسان واحدٍ، فبالأولى أن تفيضَ عليهم نعمة الله والعطيةُ الموهوبةُ بنعمةِ إنسان واحدٍ هو يسوع المسيحُ. وهناكَ فرقٌ في النتيجة بين هبةِ الله وبين خطيئةِ إنسانٍ واحدٍ. فخطيئةُ إنسانٍ واحدٍ قادتِ البشرَ إلى الهلاكِ، وأمّا هبةُ الله بعد كثيرٍ من الخطايا، فقادت البشرَ البِّر. فإذا كان الموتُ بخطيئة إنسانٍ واحدٍ سادَ البشر بسببِ ذلك الإنسان الواحد، فبالأولى أن تسودَ الحياةُ بواحدٍ هو يسوع المسيحُ أولئكَ الذين ينالون فيضَ النعمةِ وهبة البَّر". (روم 5: 15- 17) هلاك سدوم بعد حوار إبراهيم مع الله وصلنا إلى قناعة من أن أي قرارٍ لله إزاء سدوم سيكون قرار عادلاً ومُنصفاً، وهو الأمر الذي تفتقد إليه سدوم: العدل والإنصاف. أدخلَ الكاتبُ المُلهِم قصة قديمة تناقلتها الأجيال حول دمار سدوم وأصل المؤابيين وبني عمّون في قصّة إبراهيم؛ وأرادَ أن يُحييها في ضوء خبرة إيمانية بإلهِ الآباء. القصة في أصلها كانت تتحدّث عن ممارسات لا أخلاقية في المدينة جلبت الدمار لأهلها، وأصلُ المؤابيين وبني عمّون المُخجِل؛ اليوم فيها تساؤلات جديد: تُرى كيف سيتعامل أهل سدوم مع ضيوف السماء الذين يودون تقديم الفرصة الأخيرة للمدينة؟ وهل أن الأمم التي لا تنتمي إلى نسلِ إبراهيم بالدم واللحم هي خارج بركة الله وخلاصه؟ وصل الملاكان إلى سدوم لتفحصُ الأمر، عند الغروب؛ فألٌ سيءٌ على عكس وصولهما عند إبراهيم في منتصفِ النهار (18: 1). دعاهما لوط إلى بيته فرفضا لأنهما كانا في مهمّة لا تتعلق حصراً بلوط، على عكسِ لقاءهما الأول بإبراهيم (18: 1-5). لذا، أختاراً أن يبيتا في "الساحة" لأن الساحة كانت المكان الذي فيه يجتمعُ الناس لعقدِ مجالسهم وفضِ نزاعاتهم وإقرار الأحكام المصيرية أو للإحتفال بأحداثٍ إجتماعية هامّة كالزواج. قضيّة اليوم هي قضية قضائية صرف: هل أن سدوم مذنبةٌ أم لا؟ بعد إلحاح لوط دخلا بيتهً وقدّم لهما مُتميّزة (19: 1- 3) على عكس ما سيُبيّنه أهل المدينة تجاه الغرباء. إلتزم لوط بضيفيه مُضحياً حتى بإبنتيه من أجل سلامتهم (19: 6- 8)، فثبُتت براءته. أما رجال سدوم فأبدوا موقفاً عدائياً تجاه ملاكي الله (19: 4- 9) فثبُتَ عليهم التهمة: هم مُذنبون مع سبق الإصرار. لذا، كان الحُكم واضحاً: خلاص للوط (19: 15- 23) وهلاكٌ لسدوم (19: 24- 28). لقد حال لوط تفادي الكارثة عبر حماية ضيوفه والإستفادة من الفرصة الأخيرة المُقدّمةِ لأهلِ سودمَ، ولكن محاولاته فشلِت فكان هو بأمسِ الحاجة إلى الحماية، مما دفعَ ضيوفهِ إلى سحبه إلى الداخل وأغلقا الباب وضربا المُهاجمين بالعمى (19: 10- 11). ومثلما لم تثقَ سارة برسالة الرجال فضحكت (18: 12)، ضحِكَ صهري لوط من كلامِ لوط حول هلاك المدينة ولم يُصدّقا كلامه فإستهزاءَ به (19: 14). هناك مُشكلة في سماع كلمّة الله وفهمها دوماً، وردّةُ الفعل تكون إما تنكّرها، وبأشكالٍ عديدة، أو الإستهزاء بها. "كبريتُ ونار من السماء دمّرا المدينة مع الوادي" فترك الأرضَ في جفافٍ (19: 24) بعد أن كانت "جنّة الربِّ" (13: 10). عانت الأرضُ من كارثة بيئية: بُركان أو هزّة أرضية، ويراها المؤمن عقاباً إلهياً لظُلمٍ وخطيئة إجتماعية، وهي قراءة إيمانية لواقعٍ بشري مُتشظىٍ. واقعٌ لا يعرف فيه الإنسان معنى العدالة والتضامن فيتمكّن من التغلّب على عبثية الكون وتقلّباته. فلا يُمكن أن تقفَ متفرجاً أمام حضور الله: "والتفت امرأة لوطٍ إلى الوراء فصارت عَمودَ ملحٍ" (19: 26)، فإمّا أن تُبتلى بهذا الحضور، أو أن تهرُبَ بعيداً عنه. تُعطينا القصة وفي شكلها الحالي سبب إستثناء لوط وعائلته من العقاب، فإبراهيم هو سبب هذا الإستثناء (19: 29). الله خلّص الكون من فيضانٍ مُهلِك لأنه تذكّر نوح البار (6: 5- 8: 22)، وها هو يتذكّر إبراهيم البار فيُخلّصُ لوط وعائلتهُ من الهلاك (تك 19: 29). وقفَ إبراهيم عن بُعدٍ وتطلّع ورأى دُخان الأرضِ صاعداً من جهةِ سدومَ وعمّورة (19: 27- 28)، وقفةٌ تُذكرنا بالماسي التي حلّت بالإنسانية من جرّاء قساوة قلب الإنسان، وقفةٌ تُذكّرنا بدعوتنا في ضرورة التضامن مع الجميع، وأن نعمل كل ما بوسعنا لإنقاذ الأحياء من اليأس والدمار والموت. ذكّرَ إبراهيم الله في بدء القصة بعدلهِ ورحمته وقداسه، وسعى ليُؤكّدَ لله: أنه ليس مثلُ الإنسان. لقد صلى إبراهيم لا من أجل خلاص حياته، بل من أجل خلاص حياة الاخرين، لقد بدأ يشعر بمسؤولية دعوته: بك تتباركُ الأمم. بركةٌ منبعها نعمة الله التي اختارته، الله الذي ليس إلهاً غضوباً، بل له قلبٌ يضطربُ ومراحمه تتّقد، فلن يُعاقبَ في شدّةِ غضبه لأنه قدّوس (هو 11: 8- 9). أصل المؤابيين وبني عمّون (19: 30- 38) لنا أن نقول أن القصة بشكلها الحالي تُعدُ موقفاً إجتماعياً وحضارياً يحمل جواباً قاسياً على أعداء لطالما أزعجوا بني إسرائيل وأذاقوهم الأمرين في فتراتٍ تاريخية عصيبة، فيذكرون أصلهم المُخجِل. ولكن إذا ما قُرأت في سياقها الشرقي لاسيما وأن هناك قبائل رفضت التزاوجَ مع قبائل أخرى خوفاً من فساد النسل في المُستقبل، لنا أن نقول أن المؤابيين وبني عمّون (أبناء عمي) كانوا يفتخرون بالعمل البطولي الذي قامت به والدتهما، والذي قادهم ليكونوا قبائل منغلقة على نفسها رافضين الإختلاط الإجتماعي ومن ثمة التزاوجَ مع الغرباء. فهل تُريد القصة أن تُقدم لنا أجوبةً عن تساؤلاتٍ إجتماعية أو ذكريات تاريخية؟ علينا أن لا ننسى أننا في إطار قصّة إبراهيم، وهي السبب الذي وراءه تُذكر مثل هذه الخبراتِ تاركين الآف الخبرات التي عاشتها الإنسانية أيام إبراهيم. فلوط الذي بدء رحلة الوعد الإلهي عمّه إبراهيم (12: 4) لكّنه أختار أن يُؤسس له طريقاً مُستقلاً قريباً من جّنة وادي الأردن بإتجاه صوغَر وبعيداً عن إبراهيم المُبارك (13: 10 – 11)، وطلَبَ مُتردداً معروفاً من ملائكة الله للسُكنى في مدينة آثمة "صوُغَر"، غيرَ واثقٍ تماماً برُسلِ الربِّ له (18: 18- 22)، واختار الترحُل بعيداً عن الحضور الإلهي المُخيف وسكن الجبل طاعة لأمرِ ملائكة الله من دون ان يرغبها كُلّياً (18: 17)، وخضوعهُ اليأس في سكره (19: 31- 36). هناك تمايز ما بين إبراهيم الذي ينتظرُ الله ليهبهُ الأرض والنسل، وما بين لوط الذي يأخذ على عاتقه إقتناء الأرض والنسل، فخَسِرَ مودّة إبراهيم ورحل بعيداً عنه، وحلَّ في أرضٍ غريبةٍ أثيمةٍ "سدومَ"، ليخَسِرَ أخيراً حتى السيطرة على جسده. هربَ خوفاً من المُستقبل الغامض فإندفعَ إلى اختيار صُوغَر للسكن بُقربها، وهربَ خوفاً من الماضي المُريع ليبتعد عن صُوغَرَ. كّلها أحداث تُشير إلى أن لوط خافَ من تبعاتِ الوعدِ الإلهي ولم يتمسّك بيد الله التي تقود التاريخ وأفلتَ منها، وأرادَ أن يكون بعيداً عن إبراهيم، ولكن الله حَفِظَ له حياته وتذكّر إبراهيم، وسيُبارَك بَنيه بسبب إبراهيم أيضاً (تك 12: 3، 18: 18) مع أنهم سكنوا بعيداً عن إبراهيم.
قراءة 4379 مرات آخر تعديل على %AM, %30 %048 %2015 %03:%تشرين2

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *