ندوة الكتاب المقدس
الخميس, 08 كانون1/ديسمبر 2011 12:21

الندوة الكتابية/ اللقاء السابع والثلاثون

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
الندوة الكتابية اللقاء السابع والثلاثون المقدمة قررَ بنو العماليقَ مواجهةَ الربِّ الإلهِ واعتراضَ بنو إسرائيل وهم في طريقهم نحو لقائهِ في البريةِ، فأزلَ الربُّ حاجزَ العماليقِ ونجحَ بنو
الندوة الكتابية اللقاء السابع والثلاثون المقدمة قررَ بنو العماليقَ مواجهةَ الربِّ الإلهِ واعتراضَ بنو إسرائيل وهم في طريقهم نحو لقائهِ في البريةِ، فأزلَ الربُّ حاجزَ العماليقِ ونجحَ بنو إسرائيلَ في أولِ إختبارٍ عسكري خاضوه معهم مُكرهينَ على الرغمِ من أن العداوةَ مع بنو العماليقَ ستتواصلَ، وسيتواجه الفريقان في أكثرِ من مناسبةٍ، ولربّما كانت هذه اللعنةُ التي على شعبِ الله مواجهة تبعاتها. سنتأملُ في رواية الفصل 18 من سفرِ الخروج والذي يستغرِب العديد من القُراء وجودهُ في مثلِ هذا المكان في الكتاب المُقدس، ولكنَّ هذا الفصلَ يُقدِم تعليماً هامّا جداً في مسيرة الشعب الإيمانية: كيف إستقبلَ العالمُ فعلَ الله المُحرر وخلّصَ شعبهُ من عبوديةَ مصر؟؟ وكيف يعيش الشعب هذا الحدثَ الخلاصي في تفاصيلِ حياتهم اليومية؟ لذا، يتوقف الراوي في هذا الفصل ِعند موقفينَ أساسيين يُبرِزان معنى أن نكونَ شعبٌ لله: الإيمان والشريعةَ. في 1- 12 هنالِكَ أعلانٌ صريح لإيمانِ الشعبِ بما صنعهُ الله لشعبِ إسرائيلَ، وتتمركزُ الآياتُ 13- 27 حولَ اعطاءِ حياةٍ لهذا الإيمانِ. فعلى عكس ِالعماليقَ قدّمَ المديانيونَ مشاعرَ الإحترامِ والإكرامِ لإلهِ إسرائيلَ فرحّبوا بالشعبِ المُخلَص من ظلمِ مصرَ، بل أنشدوا لهذا الحدث ِالخلاصي العظيمِ. فجاءَ اعترافُ يثرونَ من أن جماعةَ الخروجِ؛ بنو إسرائيل، هم حقيقةٌ جديدة بفضلِ تدخلِّ الله الذي أبدعهم وهو يسعى لأن ينضمَّ إلى هذه الجماعةَ. لقاء موسى بحميّهِ (18: 1- 12) ذهبَ موسى إلى مديان عندما هربَ من وجه ِفرعونَ (خر 2)، حيثَ إلتقى بكاهنها وبقيَّ عنده وتزوّج من إبنتهِ صفّورةَ وبقيَّ أربعين سنةً خارجَ مصرَ قبل أن يعودِ إليها مُكلّفاً برسالةٍ من الله. ويبدو أن موسى تركَ عائلتهُ الخاصّة في ميديانِ بعيداً عنه وتكرّس لخدمةِ تكليف ِالله له، على الرغمِ من أنَّ الراوي كان قد أشارَ إلى أن موسى طلبَ من حميه ِيثرون أن يسمحَ له بالنزولِ إلى مصرَ لخلاص ِشعبهِ، ونزلَ ومعهُ امرأتهِ وولديهِ (4: 20). إلا أن علماء الكتاب المُقدس ومُفسّريهِ يقولونَ أنَّ موسى كانَ قد أرسلَ امرأتهِ وولديه ِإلى حميّهِ لاحقاً وهذا ما يُوضحهُ أسمُ إبنهِ الثاني: "وسمّى الآخر أليعازار وقالَ: "لأنَّ إلهَ أبي نصرني وأنقذني من سيفِ فِرعونَ" (18: 4). وكلا الأسمين يُعبران عن حالةِ موسى والشعب، فهو إنسانٌ (شعبٌ) نزيلٌ وغريبٌ، ولكنّهُ مُباركٌ بالعونِ من قبلِ الله. أسماء إبني موسى هي اعترافاتٌ لاهوتية مُتميّزةٌ، فهي تُعطينا فكرة عن دعوةِ هذا الشعب وعن مصيره. هو شعبٌ الله المدعو إلى أن يكونَ غريباً في الأرض، وغريباً عن كلِّ الحضارات التي سيعيشُ بينها، ولن يكونَ بإستطاعتهِ الحياةَ من دونِ عونِ الله. فلن يتصالحَ مع الشعوبِ الأخُرى وحضارتُها، بل عليها أن تسيرَ عكّسَ التيار. ولن يقبلَ بأي خطوةٍ توافقيةٍ مع حضاراتٍ إنسانيةٍ مُتمركزةٍ حولَ ذاتها تدعي المُطلقية وتُبعِد الله عن حياتها وعالمِها، وكأنها ليست بحاجةٍ إلى الله. شعبُ إسرائيل لن يكونَ مُكتفياً بذاتهِ، ولن يتركهُ الله غريباً على الأرض. "أنتم في العالم ولكنّكم لستُم من العالم"، هذه هي ذاتُ الدعوةِ التي وجهها ربّنا إلى الكنيسة أيضاً. فلمّا سُمِعَت أخبار موسى والشعبِ، وكيفَ أنَّ الله خلصَ شعبهُ وقادهُ مُدبراً في البرية (الخلق َوالفداء والقيامةِ)، وكانت أخبارٌ سارةً للعالمِ أجمعِ، وليس لإسرائيلَ فحسب. صعِدَ حموهُ لمُقابلتهِ ليسمعَ لهذا الحدثِ الكبير من الشهودِ الذين عاشوا هذه المعجزة، والشاهدُ الأهم في الحدث و موسى فكانَ اللقاء مع موسى. لقاءٌ ودوداً حملَ الكثير من الأخبارِ المُفرحِةِ، بل اعترافاً إيمانياً من أنَّ الله إنتشلَ هذا الشعب (موسى = الذي إنتُشِلَ من الماء) من طُغيانِ فرعونَ، فأعطى للشعبِ حياةٍ جديدة وفرصةَ عيشٍ لعبيدٍ ما كانَ لهم أن يعيشوا لولا تدخلّ الله المُخلِّص. وهذا الذي وضحّه موسى من أنَ كلَّ شيءٍ كل من قبلِ الربِّ الإله من دون ان يُشيرَ إلى جهوده وإسهاماتهِ. شهادةُ موسى هي الشهادةُ التي حرّكت هذه القصةَ، وقدّمت ليثرون فرصةَ المديح وتمجيد ِالله. صعودُ يثرون لإكرامِ الله أمامَ موسى ما هو إلاّ إستجابةٌ إيجابيةٌ لما أُنشدَ سابقاً: "الشعوبُ سمعَت فأضطربت" (15: 4 أ)، على الرغمِ من أن الراوي لم يقل مَن حملَ هذه الأخبارِ المُفرحةَ ليثرونَ. زارَ يثرونَ الجماعة المُخلَصةَ وفَرِحَ لها وقدّمَّ الشُكرَ لله وأنشدَ بإسم الشعبِ: "تباركَ الرب الذي نجّاكم من أيدي المصريين ومن يدِ فرعونَ. تباركَ الربُّ الذي نجى شعبهُ من تَحتِ أيدي المصريين، الآن علمتُ أنَّ الربَ أعظمُ من جميعِ الآلهةِ، لأنه صنعَ بالمصريين حينَ طغوا عليكم". لا نعرِف حتّى الآن أيُّ إلهٍ تعبّدَ له يثرون الكاهن، ما نعرفهُ الآن هو أنهُ لم يكن يعرف إلهَ إسرائيلَ، وعرفهُ الآن وعَرِفَ مَن هو الإلهُ الأحقُ بالعبادةِ، لا لأنه خلّصهُ، بل أن خلاصَ إسرائيل صارَ بشارةَ إيمانٍ لجميعِ الأرضِ. وقدّم يثرون ذبائح للربِّ وأكلَّ بنو شيوخٌ من بني إسرائيلَ معه، فصارَ سلامٌ ما بين الشعبينِ، وأساسُ هذا السلام هو الإلهُ القديرُ. موسى يجلس للقضاء (18: 13- 27) قَبِلَ شعبُ إسرائيل خلاصَ الله بفرحِ وراحوا يُعلنونَ ذلك للشعوبِ كلّها فمجّدا الله إلهاً قديراً، ولكنَّ هذا الخلاص لا يعني مواجهةِ كل أزماتِ ومشاكلِ الحياة اليوميةِ، ولا يعني إمتلاكَ أجوبةٍ على أزماتِ الحياة المُعقّدةِ. هم مُحررونَ من قيودِ العبوديةِ، ولكنَّ تحررهم جعلهم في مواجهةِ فرصٍ وإمكانياتٍ جديدة، بل في تحدي لمسؤولياتٍ أكبرَ،وأهمهّا أن يتأسس حسٌّ للعدالةِ فلا مجالِ لإنتهاكاتٍ تُعيدُ ظُلمَ مصرَ. إلهنا أنعمَّ علينا الإنسان بمواهبِ وبركاتٍ كثيرةٍ، وعلينا أن نعملَ على إكتشافها والتنعُمِ بها مُباركينَ الله وشاكرينهُ على ذلِكَ. لذا، لا نستغِرب من أن شخصاً خارجِ الجماعةِ المُخلّصة يكتشِف ما يؤولُ لخير الجماعةِ. يُعرّفنا الرواي إذن في هذه القصةِ على خدمةٍ أخرى قامَ بها موسى بين الشعب: أن يقضيَّ لهم، والقضاءُ يعني: "أن يعلموا ما هي إرادة الله وما هي فرائضهُ وشِرائعهِ". ولكن مثل هذه الخدمة سببتَ إرهاقاً لموسى الذي كان يجلسُ النهارَ كلّه ليسمَعَ ويُرشدَ شعبهُ، وسببت إرهاقاً لصبرِ الناس الذن كانوا يقفونَ النهارَ كلّه ليحظوا برؤيتهِ وسماعَ توجيهاتهِ. فصحتُه وسلامٌ الجماعةِ في خطرٍ الآن، لأنّ الشعبَ قد يتذمّر ويتمرّد من طولِ الإنتظارِ، بل قد يثورُ على موسى. ولابّد من تنظيمِ ذلكَ، لأن العدالةَ ليستَ قضيةَ الله ومسؤوليتهِ فحسبَ، بل هي مهمةُ الجماعةِ الإنسانية والتي كانت محطَّ إهتمامِ الله المُخلِص، على أن يكونَ الأمرُ مُنظماً. بيّنَ موسى أن أحد أهم مهامٍ القيادةِ هو إحقاقُ الحقِّ والعدالةِ بينَ الناس، ومنبعُ هذا الحقِّ هو الله نفسهُ: "أُعرّفَهُم فرائِضَ الله وشرائعهِ"، لأنَّ الله نفسهُ مهتمٌ بشؤونَ العدالةِ اليوميةِ للشعب ليكوَنَ السلامُ في بيوتِ الناسِ، ويعمُّ الإزدهارُ في الجماعةِ كلّها. فالقضية ليست قضيةَ نزاعٍ حولَ المُلكية أو غيرها من المشاكل العلائقية، بل الأمر الأهم هو "معرفةُ فرائضِ الله وشرائعهِ" فغيابُ هذه سينتُج عنه كل الأزمات والمشاكل العلائقية اللاحقة. لذا، وجَبَ أن يكون القاضي إنساناً يخافُ الله ويستحضرهُ دوماً، فغيابُ الله يعني غيابُ السلام. إنسانٌ يضعُ الله نُصبَ عينيهِ و لايسمح للرشوة ِأن تعمي بصرهُ فلا ينظر أين هي الحقيقةُ. تقدّم حموهُ يثرون بمُقترحٍ يُخفف العبءَ عن موسى فأقترحَ عليهِ تفويضَ أُناسٍ يخافونَ الله، على مثالِ القابلتينِ اللتانِ خلّصتا ذكورَ العبرانيين (خر1 : 15- 22)، وأُمناءَ يكرهونَ الرشوةَ من أجلِ أن يُعاونوهُ في القضاءِ في القضايا البسيطةِ، فيما يحتفِظ موسى بالخدمة ِالأهم وهي خدمةُ الصلاة والتوسط لدى الله من أجلِ الشعبِ: "كُن أنتَ وسيطاً للشعبِ عند الله ترفعُ إليهِ دعاوِيهم، وتُعلنُ لهُم الفرائِضَ والشرائعَ، وتُعرّفهُم الطريقَ الذي يسلكونهُ والنهجَ الذي ينهجونهُ" (18: 19- 21)، إضافةً إلى بالقضاءِ بينَ الناس في الشؤونِ والدعاوي الخطيرةِ. وهكذا نشأَ نظامٌ قضائيٌّ يتعاملُ مع مُختلفِ شرائح ِالشعبِ ويصبُ أخيراً في معرفةِ فرائِض الله وشرائعهِ. وقَبِلَ موسى بهذا المُقتَرحِ وفوّضَ أُناساً لهذه الخدمةِ، لأنه ليس الإنسان الذي يُريد السيطرةَ على مُجرياتِ الأمور كلّها، وهكذا سيتمُ الإحتفالُ بالخروج من خلالَ محوُ كلِّ الظروفِ والظواهرِ التي كانت سبب إنتهاكاتٍ خطيرةٍ على حياة الناس، بل سبب بُكائهم وصُراخهِم إلى الله. فعدالةُ الله ليست مثل عدالةِ الإنسان، الإنسان الذي يُعرفُ العدالةَ بأن يُعطىَ الإنسان ما يستحقهُ، في حينَ أن عدالةِ الله تكمنُ في أن يُعطى الإنسان ما يحتاجهُ لحياةِ كريمةٍ. ففي مصرَ لم يكن لهؤلاءِ العبيدِ حقوقٌ وبالتالي لم يكن هناك ما يستدعي الإهتمامَ بهم، فنزلَ الله ليكونَ معهم لا أن يُعطيهم حقوقهم حسبَ نظرةِ مصرَ وعدالتِها، بل ميّزهم وأعطاهم ما يحتاجوهُ لحياةٍ إنسانيةٍ كريمةٍ. من هنا جاء نداءُ الأنبياء لاحقاً من ضرورةِ تحقيقِ العدالةِ تجاه الأيتامِ والأراملِ والضعفاءِ بالتأكيد على ضرورةِ توفيرِ ما يحتاجونهُ وليس التأكيد على ما يستحقونهُ. أختيارُ القُضاةِ المعاونين وتفرّغُ موسى للصلاة والتعليمِ يُذكرنا أيضاً بما قامَ به الرُسل في بدءِ البشارةِ إذ أختبروا أنهم منهمكونَ في خدماتٍ كثيرةٍ، وأهملوا الصلاةَ والتعليم: "فدعا الرُسلُ الأثنا عشرَ جماعةَ التلاميذ وقالوا لهُم: "لا يليقُ بِنا أن نُهمِلَ كلاَمَ الله لنهتّمَّ بأمورٍ المعَيشةِ. فأختاروا، أيها الأخوةُ، سبعةَ رجالٍ مشهودٌ لهم بحُسنِ السُمعةِ ومُمتلئينَ من الروحِ القُدسِ والحِكمةِ حتّى نُكلّفهم بهذا العملِ، ونواظِبَ نَحنُ على الصلاةِ والتبشيرِ بكلامِ الله". (أع 6: 2- 4). عادَ يثرونَ إلى مديانَ ولن نسمعَ له قصةً، ولكنَّ على الشعب أن يُعيدوا رواية القصة إلى جميعِ الناسِ ليعمَّ السلامُ والحياة الآمنةُ ما بين جميع ِالشعوبِ، لأنَّ الله الخالِقَ يعملُ في خليقتهِ على نحوٍ لا نُدركهُ. موسى الخادِم تصوّر موسى، مثلما يتصوّر كثيرونَ، أن الخروجَ من مصرَ وعبورَ البحرِ الإحمرِ سيعبرُ بالشعبِ إلى حياةٍ سهلةٍ لا مشاكلَ ولا أزماتٍ تعكّر صفوها، بل هي حياة آمنةُ مُسالمةٌ. ولكنَّ الأمرَ لم يكن هكذا مع موسى، ولن يكون كذلكَ معنا كمسيحيين، لأننا وعلى مثالِ مُعلّمنا ربّنا يسوع المسيح مدعوون لرسالةٍ، مدعوون إلى الخدمةِ. وهكذا، لم يكن الخروجُ إلا بداية تكريس الخدمةِ التي دعى الله موسى إليها. فما هي هذه الخدمات التي قامَ بها موسى؟ أولى الخدماتِ كانتِ أن يسعى موسى لتوفير الماءِ والخبزِ والطعامِ للشعب. يروي لنا مدراشٌ يهودي كيف أن الشعبَ طلبَ من موسى العودة إلى مصرَ بعد أن أهلَكَ الربُّ الإلهُ فرعون وجنودهُ في البحرِ: "يا موسى، أعداؤنا كلهم غرقوا. فلنعد إلى مصرَ ونستقرَ ونسكنَ هناك وسطَ قدور اللحوم !!". شعروا بالإطمئنانِ فطلبوا العودةَ إلى الوراء، فكانَ على موسى أن يحثّهم على الرحيل يُنشدونَ نشيدَ الإنتصارَ. ولكنَّ، حدثَ ما لم يكن بالحُسبانِ، فلا ماءَ للشربُ (خر 15) ولا خبزَ للطعامِ (خر 16). فعندما قالَ له الله: "إذهب إلى فرعونَ وأخرجَ الشعبَ ليعبدونني"، لم يخطَر في بالهِ أن التموينَ جُزءٌ من هذه المهمَةَ. بل أنَّ هذه الشعبَ مُتطلبٌ ويُريد مشورةَ موسى في كلِّ شيءٍ، ولاحظَ يثرون حموه ذلكَ كما قُلنا قبلَ قليلٍ، وعاتبهُ بأناقةٍ: يا موسى هل تُريد أن تجعلَ من نفسِكَ فرعوناً آخر؟ هل تُريد أن تتسلّط على كلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ؟ إسمحَ لآخرينَ أن يُعينوكَ في الخدمةِ! أنت لا تستطيعُ تحملَ أثقالأَ هذه الشعبِ وحدَكَ! وهكذا تأسست الخدمةُ: الشماسيّة. فمن خلالِ الخدمة، ربّى الله موسى على تعلّم الخدمةِ، وأولُ درسٍ فيها هو أن نسمحَ للآخرين بأن يخدموا ولا ندّعي المُطلقية لأنفسنا. ثانياً، خدمةُ الصلاةَ والتي وقفتَ خلاصاً للشعبِ سواءَ أكانَ في محاربتهم مع العماليقَ (خر 17:8- 16)، أو في إنتهاكهِم لقُدسية الله في قصة العجل الذهبي (خر 32). هذه الخدمة كانت ممكنة لأنَّ موسى كان له معرفةٌ عميقةٌ بالله؛ أربعونَ سنةً قضاها في البريةِ يتأملُ السماءَ ويُصلي طالباً التوجيه َوالإرشاد: التوارة. خدمةُ الصلاة تعبيرٌ عن مدى إهتمامِ موسى بشعبهِ إلى درجةٍ أنه يتجاسِر فيقول لله الغاضِب على شعبهِ: "يا ربُّ، خطئَ هؤلاءِ الشَّعبُ خطيئةً عظيمةً وصنعوا لهُم آلهةً من ذهبٍ، فإمّا تغفرُ خطيئتُهم، أو تمحوني من كتابِكَ الذي كتبتهُ"(خر 32: 31- 32). بالطبع هو لا يحجبُ الحقيقة أو يتهرّبُ من حملِ المسؤولية مثلما يفعلُ الإنسان مراراً، بل يعترِفُ بأنَّ الشعبَ أخطأً، ولكنّه يُؤمنُ بمحبّة الله ورحمتهِ، ويسعى للحصولِ عليها حتّى لو بتهديد الله. ثالثاً خدمةُ التعليم، أو خدمة كلمةُ الله وهي الخدمة الأبرزِ في حياة موسى إذ كان عليهِ أن يُوصِلَ للشعبِ إرادة الله وإرشادهِ؛ توراة. فأظهرَ في كلِّ هذه الخدماتِ أنه إنسانٌ محلُّ ثقةِ الله الذي رأى فيه إنساناً يتحملُّ المسؤوليةَ: "وكانَ موسىَ أميناً لبيتِ الله أجمعِ لكونهِ خادماً يَشهدُ على ما سيُعلنهُ الله" (عبر 3: 5). موسى إنسانٌ مُستعدٌ للخدمةِ وجاهزٌ للرسالةِ من دونِ أن يكونَ له خُططٌ ومصالحَ شخصيةً، بل جعلَّ حياتهُ كلّها في خدمةِ تدبير الله، مع كلَّ ما يحملهُ من فضائل وإمكاناتٍ وهفواتٍ ونقائصَ، فطلَبَ مجدَّ الله في كلِّ ما صنعَ. وهذا ممكن فقط من خلال الخدمةِ. فإذا دُعينا للحياة المسيحية فنحن دُعيما لحياة الخدمةِ على مثالِ موسى، وخلفَ مُعلِمنا ربّنا يسوع المسيح والذي قالَ: "آبنُ الإنسان لم يأتِ ليُخدَم بل ليخدُمَ ويفدي بنفسهِ جماعةِ الناس" (مر 1: 45). فلا يُمكن أن نسمحَ لفرعونِ التسلّط والإستملاكِ أن يتحكّم في حياتنا، بل لموسى الخدمةَ المتواضعةِ من أجلِ منفعةِ الآخرين ورفاهيةَ حياتهم.
قراءة 5051 مرات آخر تعديل على الإثنين, 30 تشرين2/نوفمبر 2015 03:07

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *