ندوة الكتاب المقدس
السبت, 03 كانون1/ديسمبر 2011 11:40

الندوة الكتابية / اللقاء السادس والثلاثون

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
الندوة الكتابية اللقاء السادس والثلاثون المقدمة وثقَ بنو إسرائيل بالله وساروا خلفَ موسى فعبروا البحر الأحمر ونجو من الموت المحتوم الذي أقرهُ فرعون وجيشهِ، وكانت عصا موسى تتقدّمهم، يدّ
الندوة الكتابية اللقاء السادس والثلاثون المقدمة وثقَ بنو إسرائيل بالله وساروا خلفَ موسى فعبروا البحر الأحمر ونجو من الموت المحتوم الذي أقرهُ فرعون وجيشهِ، وكانت عصا موسى تتقدّمهم، يدُّ الربِّ، وعمود السحابِ يحميهم من الخلفِ (خر 14: 19- 21)، والسؤال هو: هل سيتمكنونَ من عبورِ الصحراءَ؟ فهذا مثلَ العبورِ الأول بحاجةٍ إلى فعلٍ إيمان يتجاوبُ مع نعمةِ الله، وكلنا يعرِف أن الإنسان قاسي القلبَ، بطيءٌ في الفهمِ سريعٌ في التذمّر على الله، وعجولٌ في العودةِ إلى الماضي، إلى الوراء، وفي عودتهِ موتٌ لا حياةٌ: "وبَينَما هما يُخرجانهِ من المدينةِ قالَ له أحدهمُا: "أُنجُ بنفسِكَ، لا تلتفِت إلى ورائِكَ ولا تقفُ في السهلِ كلّهِ، وأهربُ إلى الجبلِ لئلاَّ تهِلكَ ... وألتفتت امرأةُ لوطٍ إلى الوراءِ فصارت عَمودَ ملحٍ" (تك 19: 17- 26) . كانَ على الشعبَ أن يُواصِل المسيرة ويرحلَ نحو الحياة لا أن يبقى متأملاً أحزانِ الماضي مثلما أنه ليس مدعواً للوقوف عند عجائبِ الحاضر، بل هو مدعو لأن يتعلّم درساً من كلِّ ما حصلَّ. والدرس هو أن نؤمِن بالله ونسمعَ له ونُصغي إلى إرشادهِ فنسير باستقامةٍ معه. علينا أن نلتصقَ بشريعتهِ، أن نأكلها: "وأمّا الصوتُ الذي سمعتُهُ خارجاً مِنَ السماء، فخاطبني ثانيةً وقالَ: "أذهب، خُذ الكِتابَ المَفتوحَ بيدِ المَلاكِ الواقِفِ على البحرِ والبَرِّ". فذهبتُ إلى الملاكِ وقُلتُ لَه: "أعطيني الكِتابَ الصغيرَ"، فقالَ لي: "خُذه وأبتلعهُ فتجدهُ مُراً في جوفِكَ، وحلواً كالعسلِ في فِمِكَ". وأخذتُ الكِتابَ الصغيرَ وأبتلعتُهُ، فكانَ حُلواً كالعسلِ في فمي، وبعدما أبتلعتُهُ صارَ مُراً في جَوفي. (رؤ 10: 8- 10) . هذا الإيمان يتطلّب ثباتاً في المسيرة فحياة القديسين تُعلّمنا أن طريقَ الإيمان محفوفٌ بالمخاطِرِ، بل يُشعِرنا بالضياع نظراً للضيقِ الذي نواجههُ من كلِّ جانبٍ. وهذا ما سيشعرُ به موسى الذي أطاعَ أمرَّ الربِّ، فضايقهُ فرعونُ، وضايقهُ الشعبُ فلامهُ متذمّراً عليهِ حتّى صرخَ: "ماذا أفعلُ بهؤلاءِ الشعبِ؟" ويُضيفُ في موضعٍ آخر: "فقالَ موسى للربَّ: "لماذا تُسيءُ إلى عبدِكَ؟ ولماذا لم أجدُ حُظوةً عِندَكَ حتّى وَضعتَ أثقالَ جميعَ هؤلاءِ الشعبِ عليَّ؟ هل أنا الذي حَبلَ بهؤلاءِ الشعبِ كُلهِم؟ أم هل أنا الذي ولَدَهُم حتّى تقول لي: احملهُم في حِضنِكَ كما تحملُ الحاضِن الرضيعَ إلى الأرضِ التي أقسمتَ لآبائهِم عليها؟ مِن أينَ لي لحمٌ أُعطيهِ لجميعَ هؤلاءِ الشعبِ، فهم يبكونَ أمامي ويقولونَ: أعطنا لحماً نأكلهُ"؟ (عدد 11: 11- 13). ولكنَّ الله، وعلى الرغمِ من قساوةِ قلبِ الإنسانِ، يبقى الله أميناً مع شعبهِ فلا يتركهم لأنهم قُساة القلوبِ، بل يُواصِل معهم حتّى يظهرَ مجدهُ، ومجدهُ حياةٌ كريمةٌ للإنسان الذي تلقى أعمالَ قريبهِ الصالحةِ: "فيروا أعمالكمُ الصالحةِ، فيُمجدّوا أباكم الذي في السماء" (متّى 5: 16)، إلهنا لا يتعامَل مثلنا نحن الذينَ نُحبُ مَن يُحبّنا ونكره مَن يُعادينا، بل هو صالحٌ يُطلِعُ شمسهُ على الأشرار والصالحينَ، ويُمطرُ على الأبرارِ والظالمينَ ... هو كاملٌ ويدعونا إلى أن نكون مثلهُ كاملين (متّى 5: 43- 48) . أزمة الماء؛ أزمة إيمان (17: 1- 7) واصلَ الشعبُ رحلتهُ إلى أرضِ الميعاد وأختبرَ مرّة أخرى أزمة الماء لأنه تركَ الينابيع الاثني عشرَ ورحلَّ بعيداً عنها. الشعبُ يعوزهُ أهم عناصرِ الحياةِ: الماء، وهي أزمةٌ تفتح الأبوابَ لأزمةِ أخُرى مع موسى والذي يرفعها بدورهِ إلى الله، ويستجيبُ الله لهم بأعجوبةٍ وتأملٍ وتوجيهِ. كان تذمّرهم موجهاً على نحوٍ مُباشرٍ إلى موسى، ولكنّه تذمّرٌ حملَ عوزاً في الثقةِ بالله الذي هددهم بعقوباتٍ شبيهةٍ بتلكَ التي حدثت في مصرَ، ولكنه عادَ وغفرَ لهم، وهذا زمنٌ تكررَ مع الشعبِ دوماً، بل أن تاريخنا الإنساني أضحى تاريخ غفرانِ الله. خاصمَ الشعبُ موسى وشكَكَ بقُدرتهِ كقائدٍ، بل شككوا حتّى بالله؛ انتابتهم الريبةُ تجاههُ وأرادوا اختبارَ الربِّ، فما كانَ من موسى إلاَّ التوجهَ نحو الله لا لينقلَ إليهِ حاجةِ الشعب، بل ليبحثَ عن أمنهِ الشخصي هو لأنه يشعرُ بالضجرِ من هذا الشعب، وهذه المرّة هناك شعورٌ بالخطرِ على حياتهِ. ؟ (عدد 11: 11- 13) لقد رأى في تذمّر الشعب تشكيكاً وتهديداً له، هو الذي أرسلهُ الله ليقودَ الخروج: "وسمَّى موسى ذلِكَ المكانَ مسَّةَ ومريبةَ، لأنَّ بَني إسرائيلَ عَطِشوا وارتابوا بالربِّ فقالوا: "أمَعنا الربُّ أم لا"؟ تدخّلَ الله مرّةً أخرى لا ليحمي موسى من هذا الشعبِ الغاضِب، بل ليسدَ حاجةَ الشعب ويروي عطشهم، فوجّه موسى نحو كيفية إيجادِ الماء، وأوصاهُ بأن يستخدم عصاهُ، علامةَ السُلطانِ المُوكلِ إليه ِمن الله ليُبدِعَ الحياةَ للشعبِ. فصارت عصا السلطة عصا لحياة الشعب لا لموتهم. وهنا، يتعلّم موسى معنى أن يكون قائد، فهو موجود لا لدينونةِ هذا الشعب، بل لخلاصهِ وليكونَ له الحياة وبوفرةٍ. وهذا ممكن فقط إذا حافظَ موسى على موقفهِ من أنه رجلُ الله، فعليهِ أن يُبقي أنظارهُ متوجهةً نحوَ الله الواقفِ أمامهُ: "فتجدني واقفاً أمامكَ هناكَ على الصخرةِ في حوريبَ". إلهنا ثبّتَ سُلطةَ موسى من خلالِ تثبيتِ أنظارِ موسى نحوهُ، وإذا كان القائدٌ مؤمناً بالله ومتوجهاً نحو، فالشعبُ الحاضرِ أمامهُ من خلالِ أنظارِ الشيوخِ: "أمام عيونِ شيوخِ الشعبِ"، سيبقى مؤمناً بالله خالقهِ وفاديهِ. كُنا نتوقّع أن يقومَ الشعب باحتفالٍ مهيبٍ بالغناء والرقص لهذه المعجزة في الصحراءِ: صخرة الحياةِ، لكنَّ الراوي لا يُخبرنا عن هذا الإحتفال، بل يُوقفنا عن "عوزِ الإيمانِ" الذي أصابَ الشعبَ على الرغم من المعجزاتِ العظيمةِ التي رأتها عيونهم في مصرَ، فشكّكوا وارتابوا وأمتحنوا الربَّ في الصحراءِ: مسَّةَ ومريبةَ، بسبب جهلهِم وعنادِهم. هنا، يأتي تدخلّ الله الآمينُ لوعدهِ ليشفي هذا العوزِ ويكون تدخلهُ نعمةً مُحبةً. لذا، تقول الحكايات اليهودية القديمة أن الشعبَ حمل هذه الصخرةَ معهم في الصحراء وكانت ينبوعَ ماءٍ حيَّ رافقهم أينما أرتحلوا وحلّوا. تأمّلَ بولس في هذه الحكاية فأشارَ إليه موجهاً مؤمني كنيسة قورنثس إلى أن المسيح هو الماء الحيّ الذي يُعطي للإنسانية الحياة (1 كور 10: 4)، بل إنَّ الربَّ يسوع قالَ للسامرية أنه هو الذي يُعطي ماءَ الحياة (يو 4: 10- 15) . امتحانُ الله: لماذا تُجرّبونَ الربَّ (17: 2) تحرّكَ الشعبُ من فعل الخلاص (الماضي) نحو أرضِ الميعادِ (المُستقبلَ) من خلالِ خبرةِ حياة يشعرونَ فيها بأنَّ الوعدَ هو وعدٌ، أي كلامٌ لم يتحقق بعدُ وعليهم السير نحو سنينَ طويلةٍ، فمِن الطبيعي أن يتناسى الشعبُ قوّةَ هذا الوعد، فيتراجعوا أمام الصعوباتِ لأنهم يشعرونَ أنفسهم مُحاصَرينَ ما بينَ الوعد والتحقيق وهي مرحلة جافّة لا حياةَ فيها يبدوُ فيها أن الله نساهم وتخلّى عنهم على الرغم من أنهم أطاعوا الله في كلِّ شيءٍ، بل ساروا حسبَ أوامره في الطرقِ التي أختارها لهم: "وارتحلَ جميعُ بني إسرائيلَ من بريّة سينَ على مراحل، كما أمرَ الربُّ، ونزلوا في رفيديمَ" (17: 1). ولكنهُ قادهم هذه المرّة أيضاً نحو أرضٍ لا ماءَ فيها فخاصموا موسى قائلينَ: "يا ليتنا مُتنا عِندَ موتِ إخوتنا أمام خيمةِ الربِّ. لماذا جئتُما بنا، نحن جماعةُ الربِّ إلى ذه البريةِ لنموتَ هُنا مع بهائِمنا؟ ولماذا أخرجتُمانا لنموتَ هنا مع بهائِمنا؟ ولماذا أخرجتُمانا من مصرَ إلى هذا الموضعِ الرَّديءِ الذي لا زَرع فيهِ، ولا تبنَ، ولا كرمَ، ولا رُمانَ (عدد 20: 5). هنا، ينسى الشعبُ أن طاعتهُ الأولى إنّما تدعوهُ لسير نحو فرصةِ طاعةٍ ثانيةٍ وهكذا تستمرُ حياة الإيمان لتكون حياةً ذا معنى لا يبدو فيها الإيمان والطاعةُ اختباراً. هذا ما نختبره في العلاقات الإنسانية أيضاً، حيث نُدعى للثقة بالآخر، إلى الطاعة إليهِ فنتعوّد على الطاعة ويكون للعلاقةِ حياةٌ ذا معنى. تذمّر الشعبُ عدّة مراتٍ في البريةِ وتساءلوا ما إذا كانَ موسى قد دفعهم إلى البريةِ ليُميتهُم، ويُعرّفنا سفرُ العدد أن الشعبَ جرّبَ الربَ عشرَ مرّاتٍ: "لا أحدَ مِن جميعِ الذينَ رأوا مَجدي ومُعجزاتي التي صنعته في مصرَ وفي البريةِ، وجرّبوني عشرَ مراتٍ ولم يسمعوا لقولي سيرى الأرضَ التي أقسمتُ عليها لآبائهِم. كُلُّ مَن أستهانَ بي لن يَراها" (عدد 14: 22- 23). فما معنى: جرّبوا الربَّ؟ أن يُجرّبَ الإنسانُ الربَّ يعين أن يضعَ الربَّ أمام اختبارٍ ليُظهِرَ ذاتهُ. معناه إجبارُ الربِّ ليتبّينَ إن كان معنا أم لا! فقالَ الشعب لموسى: إذا كُنا مدعوينَ لنؤمِنَ أن الله موجودٌ فليُظهِر لنا ذلك، ويُعطينا ماءً لنشربَ، وهكذا يتحولُ فعل الإيمان إلى فعلُ الرؤية: "لا أُصدّقُ إلا إذا رأيتُ المَساميرَ في يَديهِ، ووضعتُ إصبعي في مكانِ المساميرِ، ويديَّ في جَنبِهِ" (يو 20: 25). لذلكَ نجد أن الشيطان سألَ ربّنا يسوع المسيحُ في البريةِ ليرمي نفسهُ، وهكذا سيرمي الله نفسهُ خلفَ يسوع فلا يدعهُ يسقط (متى 4: 5-7)، ونفسُ الطلبِ قدّمهُ الغني الغبي لإبراهيم: "إذا قامَ واحدٌ من الأمواتِ وذهبَ إليهم يتوبونَ" (لو 16: 30). هي طلباتٌ تحجزُ الله كرهينةً بين أيدينا ليُظِهرَ قُدرتهُ في أعمالٍ إعجازيةٍ، وبالحقيقة هو موقفٌ نجعلُ الله فيه خادماً لأمنياتِنا، بل عليه أن يقفَ مُستعداً لطلباتي الطارئةِ، وهي تقودنا إلى مواقفَ تُشكِك بإيماننا، فإذا لم يستجيبَ الله لطلباتي فهذا يعني إنني لا أملُكُ الإيمانَ الكافي، وإلاَّ فلماذا لم يتصرّف مثلما تمنيّتُ. محاربة العماليق (17: 8- 16) شكلّت مسيرةُ الشعب نحو أرضِ الميعاد تهديداً أمنياً وعسكرياً للشعوبِ التي كانت تسكن المُدن والقُرى التي كانت على الطريق، لاسيما وأنَّ الشعبَ كانَ مُجهزاً بالسلاحِ وهذا يعني أنه كانَ مُستعداً للقتالِ (خر 13: 18). حاولَ الله تفادي المعارِكَ في بدءِ المسيرة فأشارَ إلى موسى سابقاً بضرورة تجاوز الفلسطيين (15: 13- 17)، إلا أنهم لم يتمكنّوا من تجاوِز العماليق، والذين انحدروا من أليفازُ ابن عيسو (تك 36: 12) الذينَ نصبوا العداءَ للشعب حتّى في أيامَ صموئيلَ (1 صمو 16)، وتعددت الغزوات المُتبادّلة بينهما خلالَ التاريخ. لم يكن بنو إسرائيل متعودينَ بعدُ على الغزواتِ، لذا، كلّفَ موسى إيشوع، والذي لم يُعّرفنّا الراوي عن شخصهِ مُسبقاً، ولم يُخبرنا عنهُ كثيراً الآن مُفترِضاً أنَّ مُستمعي القصّةِ يعرفونَ مَن هو إيشوع، كلّفهُ موسى باختيارِ خيرةِ الرجّالِ لمُحاربةِ العماليقِ، فيما سيصعدُ هو إلى راسِ التلّة وعصاَ الربِّ في يديهِ. فعلى موسى أن يتوجّه نحو الله من خلالِ توجيهِ العصا نحو السماء ولا يتعبَ في ذلك، علامةَ ثقتهِ بالله، وإلا فكلّما نزلت العصا خسرَ بنو إسرائيل المعركةِ، وهذا يُخبرنا عن مدى أهمّية الحفاظ على مكانةِ الله وسُلطانهِ في حياة الشعب، فهو رايةُ الشعبِ: "الربُّ رايتي". هكذا، دخلَ إيشوع (ومعنى أسمه الخلاص) مسرحَ الأحداث ليكون مسؤولاً عن الغزوات والحروب التي سيُواجهها الشعبُ في طريق لاستملاكِ أرضِ الميعاد، كما يقع على عاتقهِ تقسيم هذه الأرض بين الأسباط الإثني عشر. هذه الغزوات ليس أنشطة حربية فقط، بل فيها يظهِر النشاط الإلهي الذي لا يُلغي جهادَ الإنسانِ، بل يُكملّهُ، ويظهر ذلك من خلال عصا موسى في إشارة إلى التدخّل الإلهي الذي يُبرِز للمُحاربين إن هناك قوّة تسندهم في صراعهم هذا فترفعُ من معنوياتهم، فعليهم مواصلةَ الجهاد بالصبرِ والمُثابرةِ لتحقيق النصرِ المُرتجى. هنا، لا يُمكننا الحديث عن الخلاص من دون الإشارة إلى الجهاد الذي يتطلّبهُ مثل هذا الموقف لتحقيق الإنتصار والغلبة. لذا، صارَ لزماً استخدامُ تعابيرَ حربية والإشارة إلى الله كأنهُ المحاربُ عن شعبهِ، فيظهر الإيمان الكتابي بأنهُ ديانةُ خلاصٍ فيها، وبسبب قوّة أمانةِ الله ووفاءهِ، تحقق الغلبةُ والنصر. ومن الطبيعي جداً أن تكون المعركة مُتطلّبة بل مُقرفةٌ في تفاصيلها وعنيفةٌ في أساليبها، وينطبق هذا الحديث عندما نتكلّم عن الصراعِ ضدَّ الشرِ بكل أشكالهِ. هنا يتساءل كثيرونَ عن معنى هذه الحروبِ في الكتاب المُقدس؟ وكيف يسمحُ الله بأن ينصُرَ شعباً ويُميتَ شعباً آخر؟ أوليسَ هو خالقُ الكل؟ أولا يعتني بجميع خلائقهِ؟ لمّا أعلنَّ الله الحربَّ على العماليقَ جيلاً بعد جيلٍ؟ للإجابة على هذه الأسئلةِ علينا أن نتذكّر أن هذه القصص هي إيمانِ شعبٍ يعترفُ بأن الله هو خالقُ الأرضِ والسماءِ، وهو خالقُ جميعِ شعوبِ الأرضِ وكائناتها، فهو ليس إلههم فحسب. لذا، فو لا ينصرُ شعبهُ دوماً، إنّما يُعاقبُهم ولا يحميهم بل يتركهم تحت رحمةِ شعوبٍ أُخرى مثل فعل عندما تركهم بيد البابليين لمّا تركوه وراحوا يعبدونَ آلهةً أُخرى. هذه الدعوةِ التي بدأت في سفر التكوين مع إبراهيم ومرّت بخبراتٍ متباينة ونضجت مع سفر إشعيا في حديثه عن عبدِ الربِّ (40- 55)، فبيّنت أن حمايةً الله لشعبهِ مُتعلّقةٌ بموضوعُ اختيارهِ لهم ليكونوا نوراً للأمم وهدايةً لهم: "أنا الربُّ دَعوتُكَ في صدقٍ وأخذتُ بيدِكَ وحَفظتُكَ. جعلتُكَ عَهداً للشعوبِ ونُوراً لهِدايةِ الأُممِ" (إش 43: 6)، فلشعبِ إسرائيل دعوة بين الأممِ. فهو لم يخترهم كونهم أفضلَ الشعوبِ أو أكثرها عدداً، بل من أجل رسالةٍ بين الأممِ. فلا يُمكن الإجابةِ على هذه الأسئلة من دون التأملِ ملياً في رحلةِ هذه الشعب نحو اكتشافِ دعوةِ الله والتي حمّلوها مواقف قوميةٍ وعدائيةٍ تجاهَ شعوبٍ أُخرى، مع إيمانهم من أنَّ الله هو خالقُ البشريةِ كلّها ومُدبرُها.
قراءة 4618 مرات آخر تعديل على الإثنين, 30 تشرين2/نوفمبر 2015 03:07

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *