ندوة الكتاب المقدس
الخميس, 24 تشرين2/نوفمبر 2011 16:03

الندوة الكتابية اللقاء الخامس والثلاثون

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
الندوة الكتابية اللقاء الخامس والثلاثون المقدمة أنتهى فصلٌ من حياة بني إسرائيل والذي حملَ عنوان: الخلاص من عبودية مصرَ وعُنفها وفوضويتها، وكان بالحقيقةِ خلقٌ جديدٌ لهذا الشعب الذي سقط ضحيةَ نظامٍ
الندوة الكتابية اللقاء الخامس والثلاثون المقدمة أنتهى فصلٌ من حياة بني إسرائيل والذي حملَ عنوان: الخلاص من عبودية مصرَ وعُنفها وفوضويتها، وكان بالحقيقةِ خلقٌ جديدٌ لهذا الشعب الذي سقط ضحيةَ نظامٍ فرعوني خاصمَ الله وعاداهُ، ليبدأ فصلٌ جديدٌ في حياتهِ وهو المسير نحو أرضِ الميعادِ عبر المرورِ في صحراءٍ لا معلمَ حياةٍ فيها وليس لها خارطةُ طريقٍ وفيها سيتعلّمون كيف يُؤمنونَ ليأمنوا. قبلَ أن نوصل رحلتنا مع رحلة الشعب صارَ لنا فكرة واضحةٌ الآن من أن عبودية مصرَ ليست حادثةً تاريخيةً فحسب، بل حادثةً واقعيةً نختبرها يومياً. مصرُ ليستَ موقعاً جغرافياً فحسب، بل حالةً نعيشها يومياً. نتذكّر تذمّر الشعب في وجهِ موسى: "أما كانَ في مصرَ قبورٌ، فأخذتنا لنموتَ في هذه البريةِ؟ ماذا عملتَ بنا، فأخرجتنا من مصرَ؟ أما قُلنا لكَ في مصرَ، دعنا نخدِمُ المصريين، فخِدمتنا لهُم خيرٌ مِن أن نموتَ في البريةِ؟ ( خر 14: 11- 12)، وهذا يعني أننا تعوّدنا على حالةِ من الظلمِ والمظلومية بحيث يبقى أسلوبِ العيش الظالمِ متواصلاً سواء أكنّا ضحايا للظلمِ أو مُسببي هذا الظُلمِ. وهكذا، يقرأ المؤمن حالتهُ بنظرةٍ لاهوتية، بعيون الله، ليقولَ لنا أن تجربةَ عبوديةَ مصر موجودةٌ فينا دوماً، هي حالةُ التنافس القاتل الذي يعيشهُ الناس يومياً، فيُضطَر واحدهُم لإهلاكِ الآخر وتدميره. فمصرُ تعني استغلالاً وظلماً وآلهةَ التسلطِ والجبروت والفردانية وحقِّ الأقوى. أما أرضُ الميعاد فهي أرضُ الأخوةِ والبر والتضامن الإنساني. أرضٌ يُسمعَ فيها لصوتِ البُكاء، مثلما يُسمعَ فيها لتراتيل الفرحِ. أرضٌ نتلمّسُ فيها تضامن الأخوة في العملِ معاً من أجل عيشٍ حسن، مثلما نرى فيها تجمّع إخوةٍ يرقصونَ فرحين بشارة التحرير التي صارت لهم من قِبلِ الله الذي يُناديهم بأن يعترفوا به إلهاً وحيداً، فلا يُقدمونَ أية ذبائح لأي سُلطةٍ بشريةً كانت. ومن دونِ التحسّر والقبول بالوضع ِالراهن: "ظُلمُ مصرَ". وليس خفيّاً القول أننا جميعاً نتأرجحُ في حياتنا ما بين مصرَ وأرضِ الميعاد. ولكنَّ بين مصرَ وأرض الميعاد هناك البرية، حيث لا يلحظُ الشعب طروقاً مطروقةً من قبلٌ، وعليهم أن يُظهروا إيماناً بالله الذي سيُوجههم ليصلوا أرضَ الميعادِ، ولكنَّ بين أرضِ مصر وأرض الميعاد تقع البرية. بريةٌ يجب فيها أن يفتش الإنسان عن الطريق مُتكلاً على الله وحدهُ ليُدلّهُ على الطريق الآمن للوصولِ إليها. وهكذا ستكون البرية مكانَ الامتحانِ، مكان اختبارِ أمانةِ الشعب وثباتهِ، وتكون الوسط الذي يقف بين أقصيين: عبودية أم حرية، تنافس أم تضامنٌ، ظلم أم أخوة، آلهة مصر أم إلهُ العهد. صعوبات في الطريق (15: 22- 27) وجَد الشعب نفسهُ في البرية التي لم تكن تحت سيطرةِ فرعونَ، ولكنها حملت مغامرةً بل مجازفةً كبيرة كونها لا تُؤمنُّ مواردَ للحياة: ماءٌ وغذاءٌ وهذا يعني أن على الشعب مواجهةُ الموت في أيةَ لحظةٍ. هناكَ حاجةٌ ماسةٌ إلى الماء الذي لا يُمكن أن يُخلَق أو يُصنّعَ، بل يُوهَب ويُقبَل. وأمام هذه الأزمةَ بيّن الشعب كم أن هشٌ في إيمانهِ، وكم أن الله صبورٌ ووفيُ للعهدِ، لذا، يتحدّث الراوي أولاً عن الماء الذي يجد فيه رمزاً للإيمانِ (قصةُ السامريةِ عند بئر مدينة سُوخارُ (يو 4: 7- 15)). خلقت هذه الحالةُ أزمةَ قيادةٍ إذ بدأ الشعبُ يتذمّر على موسى، وتذمّرَ موسى على الله، فنسوا الفعل َالعظيمَ الذي شاهدهُ من قبل الربِّ، وتخلوّ عن إيمانهم بموسى (14: 31)، ولكنَّ الله لا يستجيب لتذمّرهم عبر الكلامِ، بل في فعلٍ حاسمٍ؛ مُعجزة، حوّل فيها الماءَ المُرَّ إلى حلوٍ ليُشرَب: "فأرهُ الربَّ شجرةً. فلّما طرحها في الماءِ صارَ عَذِباً" (15: 25). أمام هذه الأزمة يتوقّعُ البعضُ منّا أن الربَّ لابدُّ له من أن يُبادِرَ من توجيه موسى والشعب حولَ الطُرقِ الآمنةِ في الصحراءِ للوصولِ إلى أرضِ الميعادِ، ولكن شيئاً من هذا لم يحصلَ الآن، لأنَّ الربَّ وضعَ أحكاماً وفرائِضَ أنتظرَ فيها من الإنسان أن يسمعَ وأن يسيرَ باستقامةٍ ويُصغي إلى وصاياهُ، فهذه هي التي تقودُ إلى حياةٍ آمنةٍ لا ظُلمَ فيها ولا أستبادَ، ولن تعودَ مصرَ بفرعونيّتها لتفتُكَ بحياة شعبِّ الله، وهكذا وعبر السماعِ والإصغاء والسير باستقامةٍ يجد الشعب الحياةَ الهانئةَ: أثنتا عشرَ عينَ ماءٍ، ويتجنّب عُنفَ مصرَ وضرباتها. لا يُوجد هنا هبةٌ من دونِ التزامٍ مسؤولٍ، إلهنا يُعطي ويُعطي بسخاء ليشفي جروحاتِ علاقاتنا، ولكنَّ أمام هذا العطاءُ الشافي على الإنسان أن يُزيلَ مُسبباتِ المرضِ: "أمَا حكمَ عليكِ أحدٌ مِنهُم؟ ... وأنا لا أحكمُ عليكِ، أذهبي ولا تُخطئي بَعدَ الآن" (يو 8: 10- 11). فإذا أرادَ الشعبُ الخلاصَ من أمراضِ مصرَ وضرباتها، فعليهِ أن يسمعَ ويُصغي ويُطبّقَ وصايا الله وأحكامهِ وفرائضهِ، لا إلى أحكامِ مصرَ وقوانينها. على الشعب، وعلينا نحن أيضاً اليوم، أن نرفضَ ونتخلّى ونُحاربَ كلَّ ظلمٍ وانتهاكٍ وقسوةٍ وعنفٍ واستغلالٍ في حياةِ الشعب، فلا يوجد شفاءٌ رخيصٌ بل شفاءُ وتوبةٌ حقيقيةٌ. ومَن يُريد الخلاصَ عليهِ أن يقطعَ أيةَ صلةٍ بالماضي، وينفتحَ لجديد الله الذي يحملُ الحياةَ للجميع: "ما بالخُبزِ وحدهُ يحيا الإنسانُ، بلّ بكلِّ كلمةٍ تخرجُ من فمِ الله" (متّى 3: 4). نُريدُ خُبزاً (16: 1- 36) شكلّت البرية تحديّاً كبيراً للشعب إذن، لأن السالِكَ فيها لا يبحث عادةً عن وسائل عيش مُترفةٍ بل يُريد أن يبقى حياّ مُعتمداً على أبسط مقومات الحياة: الماء والطعام فقط، متناسين البيوت أو القصور التي يُفكّر فيها عادة أهلُ المدينة. لذا، كانت البرية دوماً تحدياً إيمانياً للشعب مع أن المُشكلة هي أزمة في الموارد المادية واليت تُقلِقُ الشعب ليُفكر: ماذا سنأكلُ أو ماذا سنشربُ (متى 6: 25- 34)، لتُصبحَ لاحقاً أزمة قيادة موجهةٌ ضدَّ موسى من دونِ أن تذكرَ مَن أختارَ موسى لهذه المسؤوليةِ، فصارَ التحرير أزمةً بعد عبوديةِ مصرَ والتي بدأ الشعبُ يذكرها وكأنها فردوسٌ أرضيٌ لا مثيلَ له، متناسينَ صُراخهم وبكائهم من قسوتها وانتهاكاتها: "وكانَ بنو إسرائيلَ يرزحونَ بعدُ تحت نيرِ عبوديّتهم، فصرخوا وصَعِدَ صُراخهم إلى الله من عبوديّتهم". ( خر 2: 23). صارتَ مصرَ أرضَ الحياةِ التي فيها قدورُ اللحم، من دونِ أن يذكرَ الشعبُ شيئاً من عبوّديتها أو ظُلمِها، ضدّ البرية التي لا طعام فيها وهي ستقودهم إلى الموت. عجيبٌ كيف أنَّ الإنسان يتناسى مرارةَ ماضيهِ ويُشوّه الحقائق في أزماتهِ الحاضرةِ، بل نراهُ يتنكر للبركات التي له من أجل حاجاتٍ ماديّة زائلة. نتذّكر كيف أن عيسو أستهانَ ببركةِ البكورية ليُشبِعَ بطنهُ الجائعةِ (تك 25: 29- 34). وهذا تبادلٌ تجاريٌ رخيص بل سيءٌ، عليهم الاتكالُ على الله وتذكّرهُ شاكرينَ نعمةَ التحرر، وأمّا الباقي فيُعطى ويُزادُ. سمِعَ الله تذمّرَ الشعب وتعاملَ معه على نحوٍ مُباشرٍ من دونِ انتظارِ موسى لينقلَ له تذمّرَ الشعبِ، وأكّدَ ذلك موسى وهرونَ في خطبتهم أمام الشعب. أحدثَ أعجوبةً حوّلَ فيها البريةَ إلى مكان حياةٍ لا موتٍ كما أدّعى الشعبُ. وهكذا بقيَّ الله وحدهُ صاحب المُبادرة فحررَ الشعبَ ورعاهُ في حاجاتهِ ورافقهُ ليؤَمّنَ له الطريق (مز 23). صارت البرية التي ليس فيها مقوماتُ الحياة ِالكريمة، مكانَ مجدِّ الله، فالبرية ليست فارغةً في محتواها بل ملأها الله من مجدهِ وقوّتهِ. فكان للشعب خُبزاً من وفرة سخاءِ الله لا من عبودية فرعونَ، وطيرُ السلوى سيكون لحماً يأكلونهُ. وفي هذا التدبير الإلهي لا ينسى الراوي ذكرَ وصيةَ السبتِ مع تدبيرها الخاص مُختبراً إيمانِ الشعب ليرى هل أن الشعبَ مُستعدٌ ليقبلَ خُبزَ الحياة في ظروفٍ جديدة وبقلبٍ جديد: حفظُ يومِ السبتِ بتكريسهِ لله من دونِ قلقٍ وفي تقديم صلاةِ الشكرِ فرحين ببركةِ التحرير، بخلافِ خبزِ مصرَ الذي كانوا يقبلونهُ بقلقٍ وخوفٍ وعبوديةٍ قاسيةٍ. "قُل لبني إسرائيلَ ان يقتربوا أمام الربِّ" (16: 9)، هذا هو مطلبُ الربِّ الإله من الشعب. أن يقتربوا للعبادةِ ليروا مجدَه على نحوٍ حقيقي بين الجماعةِ. فالعبادةُ ليست قضيةً شخصيةً فحسب، بل هي تجمعُ الجماعةِ معاً، التفافٌ حولَّ الربِّ مُعطي الحياة وفي ذلكَ مجده. فالله ليست مُهتماً بنفسهِ فيبحثُ عن معجبينَ يُسدونَ له عباراتِ الشُكرِ، بل مجده هو حياة الإنسان الكريمةِ، بخلافِ الإنسان الذي يبحث عن مجده على حسابِ حياة القريب، فيتذكّر الشعبُ فرعون مصرَ الباحِث عن مجده من خلالِ استعبادِ الآخرين. لذا، يطلب الله منّا التقرّب معاً لننسى مصرَ وقوانينها ونُظمها الحياتية ونلتفِتَ حولهُ، هو الذي حولَّ البريةَ التي هددت حياتهم بالجوع والعطشِ والموت إلى مكانٍ آمنٍ للعيشِ الكريم، فتسألَ الشعبُ كلّه عن الذي وفّره الله لهم: ما هذا؟ مَنّى!!! فكان الجواب من موسى: "هو الخبزُ الذي أعطاكُم الربُّ لتأكلوهُ". ولكّن البرية؟ هناك ارتباط وثيقٌ ما بين البرية وما بين التوبةِ، لأنَّ التوبّة التي تعني تغييراً جذرياً في الحياة فلا عودة لحياة الماضي ولا إلى مفاهيمها ونُظمها. فلن يكون هناك توبةٌ حقيقيةٌ من دون الانطلاق نحو البرية حيث العلاقة الأصيلةُ مع الله الذي بدء قصتّه مع شعبِه فأخرجهُ إلى البريةِ حيثُ أختبرَ الشعب معنى البنوّة الحقيقية، ومعنى أنهُ الأبنُ الحبيبُ لله الآب الذي قادهُ إلى أرضٍ تدرُ لبناً وعسلاً. لذا، تأتي دعوة يوحنا إلى التوبة من خلال ِالخروجِ إلى البريةِ في بدءِ إنجيلِ ربّنا يسوع المسيح كنداءٍ لتجديد بنوةِ الشعب لله، الله الذي قررَ أخيراً أن يتدخّل على نحوٍ حاسمٍ بيسوع المسيح. ومثلما أخرجَ شعبهُ من عبودية مصرَ، وعمذّهم جميعاً في البحر الأحمر، وقطعَ معهم عهداً ففصلهم عن باقي الأمم، وكرّسهم له ليشهدوا لأسمهِ القدّوس، هوذا اليوم يدعو الشعبَ مرّةً أخرى للخروجِ إلى البرية ليقطعَ معهم عهداً جديداً لاسيما وأن الذي يُعمذُ بالروح القدس أضحى قريبَ المجيء، لتُصبحَ البرية مكان الدينونةِ على أصالةِ إيمانِ الشعبِ وتواضعهمِ، الشعب الذي بيّن نفسه معارضاً بل عاصياً مراراً كثيرةً. فكلُّ مَن يخرجُ إلى البرية إنمّا يُعلِن رغبتهُ في تجديد العلاقة، ويجذُب إليه غفرانُ الله الذي بادرَ ودعى الشعب َإلى البرية، فمَن لا يخرجُ إلى البريةِ يُدانُ، لأن الله حاضرٌ ليقودَ الشعبَ، بل ليحميهِ ويُريحهمُ مثلما فعلَ أيامَ موسى (إش 63: 14). وهذا يعني أن على الإنسان أن يُقرر: إمّا أن يبقى أو أن يخرجَ إلى البرية حيث أن الربَّ نفسه تولّى قيادة شعبهِ: "وكانَ الربُّ يسيرُ أمامهم نهاراً في عمودِ سحابٍ ليُهيدهم في الطريق، وليلاً في عمودٍ من نارٍ ليُضيءَ لهم. فواصلوا السير نهاراً وليلاً. وكان عَمودَ السحابِ نهاراً وعمودَ النارِ ليلاً لا يزولانِ من أمامِ الشعبِ" (خر 13: 21). فالبرية هي المكان الذي أختبرَ فيهِ الشعب أبوةِ الله، هي رحمِ البنوةِ الأصيلِ. كيف نقبلُ خُبزَ الله وضعَ موسى شرطانَ لقبولِ هذا الخُبزَ: القناعةُ فلا يُمكن حصدُ أكثر من حاجةِ النهارِ ولا يكون هناك مَن حصدَ الكثير وغيره نامَ جائعاً، وهكذا تتعلّم جماعةُ العهدِ معنى التوزيعَ العادلِ للخيراتِ فلا تنافسَ يُّذكَر لأن الطمعَ والجشعَ مُفسدٌ لحياةِ الإنسان: "فلم يسمعوا له وأبقى منهُ بَعضُهم إلى الصباحِ، فدوّدَ وأنتنَّ" (16: 20)، فصارَ هذا الخبزَ علامةَ إيمانِ الشعب بكلام الله ووعده، وإشارةً لمدى تضامنِ هذا الشعب واحدهم مع الآخر، فيؤمنونَ بالمُساواةِ والعدالةِ، وأي نظامٍ غيرُ هذا سيكون علامةً لرغبةِ الإنسان في تأمينِ نفسهِ وتحويطِ حياتهِ بما يأمنُ له: "وأقولُ لنفسي: يا نفسي، لكِ خيراتٌ وافرةٌ تكفيكِ مؤنةَ سنينَ كثيرةٍ، فأستريحي وكُلي وأشربي وتنعمي! (لو 12: 19). غضِب موسى لأن بعض الشعبِ لم يثق بالله وحاولَ إعادةَ نُظمِ مصرَ وعاداتها فقام بتخزين المنِّ طمعاً وجشعاً وقلقاً على الغدِ، فمثلُ هذا الخبزِ، خبزُ القلقِ والغمِ والجشعِ ليس له قيمةُ حياة تُذكَر، وليس له مُستقبلٌ لأنه خُبزُ التمرّدِ والعصيانِ. وهناكَ مَن هو جاهلٌ ولا يُريد أن يسمعَ، فلم يُصدِق أن الله لم يُمطِر لهم خُبزاَ يومَ السبتِ "فخرجوا ليلتقطوا فما وجدوا شيئاً، فقال الربُّ لموسى: "إلى متى ترفضونَ أن تعملوا بوصاياي وشرائعي" (16: 28). سأل الربُّ: "إلى متى" ولم يأتيه ِالجوابُ من موسى، لأننا نقول: أن رفضنا وعصياننا سيطولُ يا ربُّ. بل، وكما يقول مرقس في إنجيليهِ: "لبلادةِ قلوبهم" (مر 6: 52) فلم يكن فرعون وحاشيتهِ قُساة القلوب ولم يفهموا، قساوةُ القلب أستمرّت مع الإنسان وتواصلتِ إلى يومنا هذا. ربطَ الراوي قصّةَ المنِّ مع وصية السبت ليُبرِزَ الخلافَ ما بين الخبزَ الذي يُعطى في مصرَ العبودية وخبز الله المُحرر. فخبزُ مصر كان يُقدّم جزاءً لعملٍ واستحقاقاً لساعاتِ أشغالٍ شاقّةٍ مع ما يُصاحبُها من مهانةٍ ومذلةٍ خوفٍ وقلقٍ من غدٍ قد لا يتوفّر فيه الخبزُ. هو خبزٌ لقاء إنتاجٍ. أما خُبزُ السبت، هو خبزُ السماء، خبزُ النعمةِ، خبزُ التحررِ من الخوفِ والقلقِ، خبزُ الإيمانِ بالله الذي تضامنَ مع شعبهِ وقدّم لهم خلاصاً، بل حقيقةً للحياة تُعطي الحياة للجميع وبوفرةٍ، وهكذا صارَ للعشبِ فرصةُ للراحةِ من العملِ: "فأمتنعَ الشعبُ عن العملِ في اليومِ السابعِ". ولكنَّ الله رأى أن الإنسان سُرعانَ ما ينسى بركاتهِ لذا أمرَ موسى وهرون ليحتفظوا بجرّة فيها منٌّ تُوضعُ أمام الرب لتُحفَظ للأجيالَ أمانةُ الله لشعبه الذي جعلَ حياتهم ممكنةً في البريةِ المُهلِكةِ. لتكون البريةُ وهي المكانُ الأصعبُ للعيش الإنساني، مكانَ تدبيرِ الله السخي: "وأخرجهُ الروحُ القُدسُ إلى البريةِ، فأقامَ فيها أربعينَ يوماً يُجرّبهُ الشيطانُ. وكانَ هناكَ مع الوحوشِ. وكانت الملائكةُ تخدمهُ" (مر 1: 12- 13). بشارةُ هذه القصة تكمنُ في أنَّ الله هو مُعطي الخبزَ اللازم لتغذيتنا لأنه هو الخالقُ وسيّدُ كل الخليقةِ ومُوجهها لخيرِ الإنسانِ شرطَ أن يتعاونَ الإنسانُ معه فيُفكّر بالقريبِ وحاجاتهِ أيضاً. سيبقى الله مُعيناً للشعب على الرغمِ من تمرّد الشعب وعصيانهِ. هنا، نقفُ بمهابةٍ في حضرةِ الله الذي يعرِف حاجتنا اليومية ويسعى ليُدبرّها بوفرةٍ. "أعطوهم أنتم ما يأكلونَ" (مر 6: 37) هذا ما امرَ به ربّنا يسوع تلاميذه ليُدبّروا جوعَ الجموعِ التي قٌدرَت بخمسةِ آلافٍ والتي احتشدّت تسمعُ كلامهُ، فأعطى الخبز عندما كان الشعبُ بحاجةٍ إليهِ، وهو ذاتُ الأمرِ الذي يطلبهُ منّا ربّنا يسوع، نحنُ كنيستهُ، فنُعطي ربّنا يسوع، إنجيل الله، خُبزَ الله الحي النازل من السماء (يو 6: 41). تأملّ بولس الرسولَ هذه القصّة ووجهَ كنيستهُ في كورنثس على ضرورةِ التعامل مع الحياة بعيونِ الله الذي ما بخلُ بشيءٍ عن الإنسان، فيُعطي بسخاءٍ ووفرةٍ (2 كور 8: 8- 15). فالبشارةُ إذن هي أن لا مكان لعبادةِ فرعون وعبادةِ الله: "لا يقدر أحدٌ أن يخدمُ سيَّدينِ، لأنهُ إمّا أن يُبغِضَ أحدهما ويُحِبَ الآخر، وإمّا أن يتبعَ أحدهما وينبُذَ الآخر، فأنتُم لا تستطيعونَ أن تخدموا الله والمال" (متى 6: 24). إلهنا يعرِف ما نحتاجُ إليهِ، وعلينا أن نؤمِنَ به، فنُصلي لخُبزنا اليومي فحسب: "أعطِنا خُبزنا اليومي" (متى 6: 11)، وهو سيُؤمنَّ لنا ذلك بوفرةٍ.
قراءة 3903 مرات آخر تعديل على الإثنين, 30 تشرين2/نوفمبر 2015 03:07

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *