ندوة الكتاب المقدس
الجمعة, 11 تشرين2/نوفمبر 2011 09:02

الندوة الكتابية اللقاء الثالث والثلاثون

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
الندوة الكتابية اللقاء الثالث والثلاثون المقدمة قادَ الربُّ شعبهُ خارجَ مصرَ ليُدخلهم أرضَ الميعاد عبر بريّة أختبرَ فيها الشعب رعايةِ الله وقُدرتهِ وتفهمهِ لحاجاتِ الشعب، بل لضعفهم أيضاً: رأى ال
الندوة الكتابية اللقاء الثالث والثلاثون المقدمة قادَ الربُّ شعبهُ خارجَ مصرَ ليُدخلهم أرضَ الميعاد عبر بريّة أختبرَ فيها الشعب رعايةِ الله وقُدرتهِ وتفهمهِ لحاجاتِ الشعب، بل لضعفهم أيضاً: "رأى الله أن لا يسيرَ بهم في طريقَ الفلسطيين مع أنه قريبٌ لأنه قالَ في نفسهِ: "لعلَّ الشعبَ يندمُ إذا واجَهَتهُمٌ حربٌ، فيرجعونَ إلى مصرَ" (13: 17). بشارةٌ تُفرِحُ قلوبنا من أن الله راعينا، غير مُتجاهلةٍ أن طريقَ إيماننا لن يكون مفروشاً بالوردِ، بل فيه تحدّياتٌ وصعوبات تسألنا الإيمان بإلهنا: الطاعة له واثقينَ انّه معنا. ويمتدح كاتبُ الرسالةِ إلى العبرانيين الإيمان الذي بيّنهُ موسى منذ اللحظات الأولى في دعتهِ مع ما حملهُ من ترددٍ وتراجعاتٍ أحياناً فكتبَّ: "بالإيمانِ تركَ موسى مصرَ دونَ أن يخافَ من غضبِ المَلِكِ، وثَبتَ على عزمهِ كأنهُ يَرى ما لا تراهُ عينٌ. بالإيمانِ أقامَ الفِصحَ وَرَشَ الدمَ، لئّلا يَمُسَ مَلاكُ المَوتِ أي بكرٍ لبَني إسرائيلَ. بالإيمانِ عبرَ بَنو إسرائيلَ البحرَ الأحمرَ كأنهُ برٌّ، ولمّا حاولَ المصريونَ عبورهُ غرقوا" (11: 27- 29). ففي ساعاتِ الشدّةِ يطلب الله منّا الثباتُ في الطريق ومواصلةَ السير بصمتٍ مؤمنينَ أنه معنا، طالبينَ أن تنتصرَ إرادتهُ وهو سيأخذنا إليه: وأخذ مَعهُ بطرس ويعقوبَ ويوحنّا، "وبدأ يشعرُ بالرهبةِ والكآبةِ. فقالَ لهُم: نفسي حَزينةٌ حتّى الموتِ، انتظروا هُنا وأسهروا! وأبتعدَ قليلاً ووقعَ إلى الأرضِ يُصلي حتّى تَعبُرَ عنهُ ساعةُ الألمِ، إن كان ممكناً. فقالَ: "أبي، أبي، أنت قادرٌ على كلِّ شيءٍ، فأبعد عَني هذه الكأسُ، ولكن لا كما أنا اُريدُ، بل كما أنتَ تُريدُ" (مر 14: 32- 36). رددَ ربّنا يسوع هذا الكلام مرتين وهو يُواجهُ الكذب والكبرياء والخيانةَ والمُكرَ والجُبنَ والألم والعذاب والموتَ، سيذهب ربّنا يسوع ضحيّة الغدر والخيانةِ: "حمل خطايانا"، ولكنّه أعادَ الإنسان إلى الله، الله الذي خلقَ الإنسان على صورتهِ ومثالهِ، وأرادهُ متعاوناً معه في أن يبقى العالم حسناً وحسناً جداً، ولكنَّ الإنسان فضلَ التعارض على التعاونَ. هوذا ربّنا يسوع جاء ليُعيد الحياة إلى أصلها: أنت مخلوقٌ يا إنسان لتكونَ متعاوناً مع الله لا مُعارضاً. لذا، نجد أن يوحنّا الإنجيلي يروي طلبَ يسوع على النحو الآتي: الآن نَفسي مُضطربةٌ، فماذا أقولُ؟ هل أقولُ: يا أبي، نجّني من هذه الساعة؟ ولكني لهذا جئتُ. يا أبي مجّد أسمكَ" 012: 27). نعم هي ساعة تمجيد أسم الله، ساعة انتصار الله على الخطيئةِ فيُعيد الخلقَ إلى أصلهِ. ما قبلَ عبورِ البحرِ (خر 14: 1- 19) بدأت رحلة الخروج (12: 37- 39) ولكنها لم تنتهي بعدُ لأن فرعونَ رِغِبَ أن يتحرّك مرّة أخرى ضد إرادة الله ويُعرقِل الخروج، ولكنَّ الله يعرِف تحركات فرعون وعنادهِ، وأستخدمَ هذه التحركات ليتمجّد أسمهُ بينَ الشعوبِ: "ويعلمُ المصريون أني أنا الربُّ" (14: 4) وهذه هي الآية الأساسية والمفتاح لهذا السفر والتي فيها سيأخذ الربُّ الإلهُ شعبهُ، خليقتهُ الجديدة، نحو برِّ الأمان مُتغلباً على قوى الكبرياء والعناد التي تسعى لتدمير ِالكونِ. لقد صارَ واضحاً منذ بدء قصّة الخروج أن هناكَ ترابطاً ما بين قصّة الخروج وقصة التكوين، ما بين الخلقَ وما بينَ الفداء. لذا، فانتصارُ البحر الأحمر ليس انتصاراً تاريخياً فحسب، بل هو انتصارٌ كوني، هو انتصارٌ الله عبرَ طاعةِ الإنسان. ولكنّّ هل لنا أن نتخيّل شكلَ هذه الطاعةِ؟ يقول لنا الراوي أن الله هو سيّد الأحداث، فهو الذي أعطى انطباعاً لفرعونَ من أن الشعبَ تائهٌ في الصحراء، بل أن الصحراء كانت فخاً للشعب، وهي فرصتهُ ليُوقعهم هو الآخر في فخهِ، وسقطَ فرعون في هذا الفخ الذي نصبهُ الله له. وبقي الله مُتحكماً في قلبِ فرعونَ ومشاعرهِ فقسّاه مرّة أخرى فتبعَ الشعبَ في الصحراءِ لا ليُعيدهم إلى مصرَ بل ليقتلهم، وهكذا بيّن الله أن هذه المعركةَ هي معركتهُ، فطلبَ من موسى أن يُسيّرَ الشعبَ وفقاَ لما يُريده هو، وهكذا جرت الأمور والتي ستؤول كلّها إلى إكرامِ أسم الله وتقديسهِ، وإهانةِ فرعونَ وقواّتهِ، وهكذا يعلم المصريون أني أنا الربُّ الإلهُ. فهذا التحرير سيُثيرُ في الشعب أناشيد المديح وصلواتُ الشُكرِ، فأعلنَ أسم الربِّ في الأرضِ كلّها (9: 16) فوضى في معسكرِ العبرانيين دعونا ندخل مُعسكر الشعب لنقف عند مشاعر هذه الجموعَ الكبيرة. فبعضُهم حزينٌ على الأيام التي قضوها في مصرَ! وغيرهم سعيدٌ للتحرر الذي أنقذه من ساعاتِ عملٍ مرهقةٍ! آخرون غير أُباليين لكلِّ ما حصلَ ولا يعني لهم الأمر شيئاً! جماعةٌ تتذمّر من كثرة ساعاتِ السير في بريّة يبدو أنهم تائهونَ فيها! وعندما سمعوا أن المصريين لحقوا بهم، تعالتَ الأصواتُ الشاكيةُ متذمرّة على قرارِ الخروجِ، فجسدهم أختبرَ ظلمَ فرعونَ وقسوتهِ، ويعرفون مقاصد فرعون َالشريرة أكثر من معرفتهم بنوايا الربِّ الخيّرة، فأتهموا موسى بالغباوةِ بل أن له نوايا سيئةٍ لم يكشِف عنها. بعد كلِّ ما حصلَ لهم، وعلى الرغمِ من الرعاية التي اختبروها من الربِّ الإلهِ، بدا لهم أن شرَّ فرعونَ أقربُ إليهم من خيرِ الله. صرخَ أحدهم: "الخطأ خطأنا نحن صدّقناكَ أن الله حدّثَك، وها نحن سنموتُ كالجرذان، بل نُقدّم ذبائحَ لفرعونَ أو في أحسن الأحوال نغرقُ في هذا البحرِ الهائج بهيجانِ غضب فرعونَ والمصريين علينا. غيره نادى: "أتركوا هذا الشيخ الخرفان، وتعالوا نرفع الرايات البيضاء لعلّ قلب فرعون يحنُّ علينا ويقبلنا خُداماً له"، فلنرسل لفرعونَ وفداً يتفاوضُ على العودة. آخر يقول: "عنادكَ يا موسى أصلبُ من عنادِ فرعونَ، وهو أوصلنا إلى التهلكةِ، قُم دبّر أمرنا يا موسى". وقامَ مُحاربٌ ليُشجّع الشعب: "المصريون أقوى منّا، ولكننا مُسلحونَ فلنختم حياتنا بشرفٍ ونموتَ أبطالاً ونُميتَ بعضاً من أعدائنا! وهكذا تعالتُ الأصواتُ بين مؤيدة لموسى، وهي قليلةٌ بل ضعيفةٌ، وأخرى صاخبةٌ تحاول التحّرك يميناً ويساراً في محاولة لتجنّب الموت المُهلِك! إيمانُ موسى من جانبهِ عَرِفَ موسى أن هذا الشعبَ عانى الكثير من جرّاء العبوديةِ، وهو يتفهم خوفهم وهشاشةِ عزائهم، لذا، لم يدينهم ولم يُوبخهم على شكواهم، ولم يُرسلهم إلى خيامهم ليُفكّر بما يجب عملهُ، ولم يقم بتسليحِ الشعبِ وتحضيره، ولم يُدبّر قضيةَ الانسحابِ أو التفاوض للتسليم. هو يعرف أنه دعاهم إلى ثورةِ تحررٍ، وفيها سيخسر الشعب مُكتسباتِ الماضي، ولن يتنعمَ ببركات الثورةِ إلى وقت تستقرُ فيه الأمور، لذا، فموسى واعٍ لحالةِ الشعبِ ومدركٌ لغضبهم، وعليهِ أن يقود الشعبَ لا أن يتذمّر مثلهم، فطمئنَ قلوبهم في بشارةٍ رائعة: "لا تخافوا، قفوا وأنظروا خلاصَ الربِّ. سترونَ المصريين اليومَ ولن تعودا ترونهم إلى الأبدِ. الربُّ يُحارب عَنكُم، وأنتم لا تُحركونَ ساكناً" (خر14: 13). الله معكَ، فلما الخوفُ، كُن مُطمئناً وأثبُت وأستعد لا للقتالِ، بل لتُلاحِظَ عجيبَ الربِّ الإلهِ، وهذا يتطلّب موقف الصمتِ: "قفوا وأنظروا"، والترجمة الأصح هي: "أثبتوا وأهدأوا"، فكلُّ ما ستقولونهُ لن يُؤثّرَ على ما سيحصلُ الآن: "الخلاص"، لن تروا المصرينَ، بمعنى، لقد أنتهى ظُلمُ المصريين ولن يكونَ له أثرٌ بعد اليوم. لذا، دعا موسى الشعب إلى الاختيار الأصعب: الإيمان والثبات في المسيرة: "ومَن يثبُت إلى المنتهى فذاكَ يخلصُ"، وناداهم عبرَ موسى ليجتازوا البحرَ، ليعتمذوا عبرَ الإيمانِ بالله الخالِق. الإيمان الذي يُقاوم أصواتَ الوحوشِ الصاخبةِ: غيركَ ينعمُ هانئاً وأنت تعيش حياةً صعبةً لأنّك مُلتزمٌ بمسيحيّتِكَ! فلما كلُّ هذا العذاب والألمَ؟ أينَ إلهُكَ وأنت تُعاني كلَّ هذا العذاب؟ ألا يراك؟ أم هو منشغلٌ عنّك؟ ما نفعُ الكنيسة وما فائدتها؟ هي أصواتٌ تسعى لتُحطّمَ رجاءنا، وهي نفسُ الأصوات التي علت أمام صليبِ ربنا يسوع: " "وكان المارّة يَهزُّونَ رؤوسهم ويشتمونهُ ويقولون: يا هادمِ الهيلِ وبانيهِ في ثلاثةِ أيامٍ، إن كُنت أبنَ الله، فخلص نفسك وأنزل عن الصليب! وكان رؤساء الكهنة ومُعلمو الشريعةِ والشيوخ يستهزئونَ به، فيقولون: "خلّصَ غيرهُ، ولا يقدر أن يخلص نفسه! هو ملك إسرائيل؟ فلينزل الآن عن الصليبِ فنؤمن به. توكّلَ على الله، فلينقذه الآن، إن كان راضياً عنه. فقد قال: أنا ابن الله!" (متّى 27: 39 – 43) الإيمان الذي يدفعنا للسير في طريقٍ مغامرةٍ غير معروفةِ التبعات. فموسى قالَ مع نفسه: "إذا لم يستجبِ الله برحمةٍ فستنقلبُ السموات والأرض عليَّ". الإيمان الذي يحملُ شجاعةً وجرأة كبيرة: " لا تخافوا ...الربُّ يُحارِب عنكُم"، وفيها قلقٌ وهمٌّ كبير وبّخهُ الله عليهِ: "ما بالُكَ تصرُخ إليَّ". الإيمان الذي يُخاطبَ صمت َالله في قضية لا تخصني، بل تتعلق بحياة الآخرين ومصيرهم. الإيمان الذي يُسلّم الحياة كلّها بيد الله، فأفعل ما تشاءَ. من هنا جاء خطابُ موسى ليُطمئنَ مخاوفَ الشعب، بل ليُذكرهم أنهم ليسوا وحيدين في مواجهة فرعونَ، فهم سُرعانَ ما نسوا أنَّ الله إلى جانبهم. هم مثلُ الذي في جيبهِ كسرةُ خبزٍ ويتساءل ماذا سآكلُ غداً؟ معموذية الخلاص كان لزماً إذن أن يعبروا البحرَ لأن قصةَ الخروجِ ليست قصةَ تحرير العشبِ من عبودية مصرَ فحسب، بل هي قصةُ الإيمانِ بالله الفادي، الله الذي قررَ محاربة كل قوى الظُلم عبرَ التصاقهِ بشعبهِ: أبنهِ البكرَ المُعّذب بين يديَ فرعونَ: "قُل لفرعونَ هذا ما قالَ الربُّ: إسرائيلَ أبني البكرُ، أقولُ لكَ: أطلِق أبني من مصرَ ليعبدني وإن رفضتَ أن تُطلقهُ أقتلُ أبنكَ البكر" (خر 4: 22). وعلى هذا الأبن أن يؤمِنَ بأبوّةِ الله ويطيعهُ، وهذا ما لم يحصل مع شعبِ إسرائيل مثلما أنه لم يحصل مع الإنسان الذي شاءَ أن يُسيّرَ الحياة وفقَ ما يُريد. لذا، قرر الله أن يكون بيننا فتجسّد وعاشَ معنا. لم يكن فكرةً ساميةً، بل حقيقةً ملموسةً: الذي كانَ مِن البدءِ، الذي سمعناه ورأيناهُ بعيوننا، الذي تأملناهُ ولمسَتهُ أيدينا من كلمةِ الحياةِ، والحياةُ تجلّت فرأيناها والآن نشهدُ لها ونُبشركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب وتجلّت لنا، الذي رأيناه وسمعناه نُبشِركم به لتكونوا أنتم أيضاً شُركاءَنا، كما نحن شُركاءُ الآب وأبنهِ يسوعَ المسيحِ. نكتبُ إليكم بهذا ليكونَ فَرحنا كاملاً. (1 يو 1: 1- 4). "عمانوئيل" الله معنا ليسير لنا الحياة مثلما يجبَ أن تكون: مُحبّةٌ في كلِّ تفاصيلها وسخيةٌ في عطائها، إلا أنها أضحت محبة مرفوضةً: أصلبهُ أصلبهُ!!! أختبرَ ربّنا يسوع المسيح هذا الرفضَ المروّع وتعذّب جسدهِ من خيانتنا وتنكرنا له: لا أعرفهُ، وكان أمام خيارين لا ثالثَ لهما: إما التراجع وإعلان انتصارِ الشرِ على الله من خلال عبودية الإنسانِ، وإما مواصلةِ المسيرة مؤمناً أن الله سينتصرِ وسيُبدع خلاصاً، فأختارَ المواصلة من دون كلماتٍ أو شروحاتٍ، بل فتحَ يداهُ وقبلَ أن يكون حاملَ خطايا العالم: "لأن الذي ما عَرَفَ الخطيئةَ جعلهُ الله خطيئةً من أجلنا لَنصيرَ بهِ أبراراً عِندَ الله"، فيدفن أثرَ الخطايا في نفسهِ من دون أن تولّدَ فيه الخطيئةُ غضباً ورغبةً بالانتقام: "أغفر لهم يا أبي، لأنهم لا يعرفونَ ما يعملونَ" (لوقا 23: 34). وهكذا لم يتراجع الله عن محبّتهِ وأكملَ مشوارَ الخلاص غير مُستخدماً أدواتِ الخطيئةِ وأسلحتها: الكُره والغضبَ والانتقام والعداوةَ، بل غُفرانٌ ومُصالحةٌ وكأن شيئاً لم يحصلَ فأنقذ خليقتهُ من أن تسقط في الشرِّ مرّة، فكان بكراً لنا. عبورُ البحر الأحمر (14: 15- 31) أختارَ فرعونَ إذن هذا القرار ضدّ الشعبِ فلحقَ بهم، متناسياً كل الماسي التي أختبرها شعبهُ من جراءِ عنادهِ. فراحَ يُهددُ الشعبَ في البريةِ وخلقَ في الشعب ازمة قيادة: "لنرى أيها العبرانيين الأغبياء مَن الذي يُنقذكم منيّ؟ صرخَ الشعب إلى موسى متذمرين، وصلّى موسى صُراخَ الشعب إلى الله، فوجّه الله موسى ليبدأ مسيرة العبور وكأنها احتفاليةٌ ليتورجيا: "وأنت أرفع عصاكَ ومُدَّ يّدّكَ على البحرِ فينشقَ ليدخلَ بَنو إسرائيل في وسط البحرِ على الأرضِ اليابسةِ" (14: 16). طلبَ الله من موسى أن يُسلّم الشعبُ أمرهُ إليه، ويسير صامتاً الطريقَ الذي يُريدهُ لهم، أن يتوكلّوا عليه، أن يمشوا الظُلماتِ ويدخلوا المياه ذي الأمواجِ الهائجةِ: أتبعوني. وهكذا يسير بهم في البحر، يُعمذهم مؤمنينَ أنه معهم: "لو سرتُ في وادي ظلِّ الموتِ لا أخافُ شرّاً، لأنّك معي. عصاكَ وعُكازُكَ هُما يُعزيانني". (مز 23: 4) شرحّ الله لموسى تفاصيل الحدث ليُبيّن لهم أن الله هو سيّدُ الأحداث وهو المُسيطر على مجريات الأمورِ كلّها وهو الذي يُسير البشر والبحر والغيومَ والنور والظلام لتكون في خدمةِ تدبيره لأنه سيّد الكون. تحوّل ملاكَ الربِّ من المُقدمة إلى المؤخرة ليؤكّد للعشب حمايتهُ لهم، فلا يُؤذيهم احدهم في مسيرتهم من الخلفِ، وأنارَ الربُّ أرضَ الشعب وأظلمَ محيط تواجد المصريين، وحوّط الشعب بأسوارِ المياهِ. عبرّ الشعب على اليابسةِ خائفينَ مرتعبين: "تُرى ما الذي ستراه أعيوننا؟" متناسينَ أن الله خلقَ لهم يابسةً ليسيروا عليها مثلما خلقَ اليابسة لتكون الحياة لآدم (تك 1: 9- 10). عمل الله الخلاّق يعني خلاص الشعب؛ خلقٌ وفداء ليكون لنا خلقٌ جديد. فسارَ الشعب مؤمناً، بمعنى قَبلَ السير على أرضٍ خلقها الله. سمعَ الشعب أصواتاً في معسكرِ المصريين ولم يُميّزوا الفوضى التي صارت بينهم. علقت عرباتهم في الأرضِ مما يعني صعوبةَ القتالِ، ولكنَّ الشعبَ واصلَ مسيرتهِ ولم يرجع أحداً لمُقاتلة المصريين المتورطينَ في مشاكلَ كثيرةٍ. عنادهم جعلهم يتعقبونَ الشعب ليقضوا على الخلقِ الجديد الذي ابدعهُ الله فيقضوا على الحياة الحُرّة التي صارت لهم ويُدمروا ما يُريده الله للعالم. هكذا وقفا مُعارضين لا متعاونين، وقادتهم مُعارضتهم وقساوةِ قلوبهم نحو خزيهم ودمارهم الأخير، وتصير الأرضُ اليابسة مُستنقعاً وغرقوا في الفوضى التي صنعتها أيديهم، ووقفَ شعبُ إسرائيل في مهابةِ الربِّ، فآمنوا به وبموسى عبدهِ.
قراءة 8684 مرات آخر تعديل على الإثنين, 30 تشرين2/نوفمبر 2015 03:06

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *