ندوة الكتاب المقدس
%AM, %28 %347 %2011 %10:%تشرين1

اللقاء الحادي والثلاثون

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
الندوة الكتابية اللقاء الحادي والثلاثون المقدمة أوصلنا كبرياء فرعون وعجرفتهِ إلى طريق اللاعودة. وقفَ متحدياً الله ومنافساً له على السيطرة على وزنةِ حَسبها مُلكهُ، وكان الأجدرُ به أن يقفَ أمام ا
الندوة الكتابية اللقاء الحادي والثلاثون المقدمة أوصلنا كبرياء فرعون وعجرفتهِ إلى طريق اللاعودة. وقفَ متحدياً الله ومنافساً له على السيطرة على وزنةِ حَسبها مُلكهُ، وكان الأجدرُ به أن يقفَ أمام الله شريكاً ومُعاوناً له. مَثّلَ فرعون بتسلّطهِ وعنجُهيتهِ ومواقفهِ المُهينةِ لحياة الآخرين سعياً نحو تدمير الخلقةِ التي بدأها الله وأرادَ لها التواصل من خلال عملِ الإنسان وتعبهِ، فأرادَ أن يُعيد الكون إلى الفوضى الأولى حيثُ لا حياة. فصارَ حدثُ الخروجِ خلقةً جديدة من قبل الله ومنحُ كرامةٍ للإنسان فلا أشغالَ شاقّة ولا استعباد بعنفٍ، ولا استخدامٌ من دون رحمةٍ (1: 11- 14)، ولا محاولةٌ لتحطيمِ رجاء الإنسان بالله. "فكلّمَ موسى بَني إسرائيل هذا الكلامَ، فما سَمِعوا له لأنهم فقدوا صبرهم لكثرةِ ما يُعانوهُ من شقاء ِالعبودية" (6: 9). لم يبقَ أمام الربِّ الإله إلا أنَّ يختُمَ هذه المواجهةَ مع فرعونِ، فقد عَرِفَ بنو إسرائيل أن يدَّ الله قديرةٌ عبرَّ الضربات على مصرِ، وأن تمييزه لهم كان حقيقياً عبرَ حمايتهِ لهم من الضرباتِ، بل أنَّ الله هو الذي أبقى فرعون في المواجهة فقسّى قلبهُ، وحان الوقت لتنتهي المواجهة وتستسلِم كل دفاعاتِ فرعونَ فهو لم يكن واقعياً ولا منطقياً في رفضهِ. أخبرَ موسى فرعونَ برسالةِ الربِّ الإله؛ سيمرُ في منتصفِ الليلِ على أرضِ مصرَ (11: 4) حيث لن يقوى حاكمُ مصرَ على فعلِ شيءٍ، والحديث هنا ليس عن ليلٍ مادي فحسب، بل عن ظلمةٍ روحيةٍ حيث تغلّبَ الخداعُ على الإنسانِ ولم يعد يرى الطريقَ الصحيح، فأضحى الإنسان بعيداً عن إنسانيتهِ وبالتالي بعيداً عن الله. ويُمثلُ الليل أيضاً سرَّ عملِ الله حيث يقبلُ الإنسان هذا الحضور الإلهي من دونِ أن يعرفَ مصدره أو كيفَ حصلَ، فلم يكونوا قادرينَ حتّى على وصفهِ، فيدعو الله شعبهُ (وكنيستهُ) إلى الدخولِ في رهبةِ هذا السرِّ. أستخفَّ فرعون بطلبِ موسى فقال: "مَن هو الربُّ حتّى اسمعَ له وأُطلقَ بَني إسرائيلَ؟ لا أعرِفُ الربَّ ولا أُطلقُ إسرائيلَ؟ (خر 5: 2). وعرّفَ الربُّ الإلهُ بنفسه ِلفرعونَ ومصرَ، وأراهم قُدرتهُ ورحمتهُ. ثم أنَّ الربَّ قال لفرعون: "إسرائيل أبني البكرُ" (4: 22). لقد قامَ فرعونَ باحتجازِ شعبٍ عدّهُ الله عزيزاً على قلبهِ، بل ربطَ حياتهُ به، وقامَ بتهديدِ حياةِ هذا الأبنَ، فأوعزَ المُسخرينَ بإذلالهم في الأشغالِ (خر 1: 11)، وأوصى القابلتين بقتلِ الذكورِ (خر 1: 16)، ثم أمرَ شعبهُ بأن يطرحوا الذكورَ في نهرِ مصرَ (1: 22)، وعليهِ، وعلى مصرَ، أن يدفعوا قساوةِ قلوبهم ويجنوا ثمرةَ أعمالهِم، ومثلما أبكوا العبرانيين (2: 23- 24). علينا أن نلحظَ أن هذه الضربة جاءت كضربة أخيرة على الرغم من أن الله هددَ بها كضربةٍ أولى: "أقول لكَ: أطلِق أبني من مصرَ ليعبُدني وإن رفضتَ أن تُطلقهُ أقتلُ ابنَكَ البكرَ" (4: 23)، إلا أن الربَّ الإلهَ أنتظرَ رأفةً بمصرَ، ولكنَّ فرعونَ لم يرأفِ حتَى بشعبهِ. خروج الفصل 12 لنا في الفصل 12 أكثرُ من قصّة يستوقفنا فيها موقفٌ مهيبٌ مما جرّى، فلم يدع الله شعبهُ يتلذذ بموتِ المصريين ولا أن يشمتوا بمصيبتهم. هنالك أشخاص تموتُ، وليس هناك ما يدعو للفرح أبداً، لذا، يُدخلنا الراوي في أجواء طقسية تجعل من القصة لا حدثاً تاريخياً، بل قصّة كلِّ يوم؛ قصة موتٍ وحياةٍ جديدة. يُمكننا تمييز ثلاثُ رواياتٍ في هذه القصّة الطويلة مؤكدةً على أمرِ الله وطاعةِ العبرانيين بخلاف عصيان فرعون َوتمّردهِ: 1.تأسيس عيد الفصح 1- 28 2.موتُ أبكارِ مصرَ 29- 42 3.توصياتٌ للاحتفالِ الفصحي 43 – 51 جرت الأحداث في منتصف الليل بينما الناس نائمون في ظلامٍ دامسٍ، فلم تكن عقوبة إعدامٍ علنيةً على الرغم من أن تأثيراتها كانت صُراخاتٌ مدوّية وضحاياها كانوا بالدرجةِ الأولى: الأطفالِ ليتكررَ المشهدُ دوما: يدفعُ الصغار ثمن عجرفةِ الكبار وسطوتهم، ولنا في ذلك مئاتٌ الأمثلة لأطفالِ يذهبونَ ضحية أنانية والديهم. هذا الإعدامُ الجماعي لم يكن الأول، ولم يكن الأخير، فالإعداماتُ توالت. وفي ذات الرواية أقدمَ فرعون نفسه على قرارٍ أهلكَ فيه أبكارَ العبرانيين (1: 22) والقصص اللاحقة من تاريخ البشرية كثيرةٌ ولا تحصى. تحدّث النص عن وباءٍ (طاعون) ضربَ بيوت المصريين وقتلَ على غفلةٍ العديد منهم فجعل مناحةً وصُراخاً وعويلاً في كل بيت. وربطَ الراوي ما بين كارثةٍ مرضيةٍ مُهلكةٍ وما بين المواقف الأخلاقية للإنسان والتي دمّرت الحياة، وعبّر عن ذلك بعبارة: "كلِّ". لقد تكابرَ الإنسان على الخالقِ، وجعل بتكبّره وتشامخهِ من المكان الحسنِ للعيش الكريم، مقبرةً للحياة. تأسيس عيد الفصح يقطع الراوي قصّة الضربات ليروي لنا قصّة تأسيس عيد الفصح، حدث التحرير الخلاصي الذي بادرَ به الله تجاه شعبهِ بما يتضمنّه من طقوسٍ وممارساتٍ، وكأن الطقوسَ هي أهمُ من الحدثِ نفسهِ، فيُقدّم لنا قصة هذا العيد الهام والذي كان في أصلهِ عيدان: عيدٌ يحتفل فيه البدو كان فيه الرعاةُ يُقدمون ذبيحةً في بدءِ موسم الربيع حيث تزدهر المراعي الخضراء ويبدو أن العبرانيين كان يحفظونهُ قبل خروجهم من مصرَ، وكانوا يحتفلونَ به ليلاً. وعيدٌ زراعي يحتفلون في نفس الموعدِ مع بدءِ بواكير الحصاد. ولكنَّ ما ميّز هذا العيد المزدوج هو أنه صارَ عيداً عائلي السياق. تقديم الذبائح كانَ ظاهرة شائعة بين الناس حيث كانوا يُقدمونَ الدم علامةَ الحياة ضمنَ سياق العائلة الواحدة في الرابع عشر من شهر نيسانَ من كلِّ عامٍ. أوصى الله موسى وهرون أن تلتزِمَ كلُّ عائلةٍ بتقديمٍ خروفٍ واحدٍ، ويكون عمر الخروفِ سنةً واحدة، تُقدمهُ عائلة مكونةٌ من 10- 12 شخص. وإذا كان عدد أفرادُ العائلة أقلَّ من أن يأكلوا خروفاً فهناكَ إمكانية مُقاسمته مع جيرانهم. الفقراء موجودونَ دوماُ في الجماعة وهم تحت رعاية الجماعة ومسؤوليتّها: "الأرضُ لا تخلو مِن مُحتاجٍ، ولذلكَ آمركُم اليومَ أن تفتحوا أيديكم لإخوتكِم المَساكينَ المُحتاجينَ الذينَ في أرضكُم" (تث 15: 11)، "الفقراء عندكم في كلِّ حينٍ، ومتى أردتُم تقدرونَ أن تُحسنوا إليهم" (مر14: 7). ليست الذبيحة هي المهمةُ هنا، بل التجمّع العائلي في حضور الله هو الأهم. يُذبح الخروفُ في مساءِ يوم الرابعَ عشرَ؛ أي في الساعة السادسة مساءً، وأكل الخروف يتطلّب شويهُ بالنارِ مع خبزِ فطيرٍ وأعشابٍ مُرة إشارةً إلى مرارةِ عبوديةَ مصرَ، وفي حالةِ تأهبٍ للرحيلِ. عليهم إتمامُ أكلهِ من دون أن يبقىَ شيءٌ، فالذبيحةُ كلّها لله، وهي ليست وليمةَ أُناسٍ مُستقرينَ آمنينَ، بل أُناس رُحلٍ ارتدوا ملابسَ للطريق وأحذية في أرجلهم وعصيٌ في أيديهم، وكلُّ شيءٍ يجب أن يتم على وجهِ السُرعة لأنهم راحلونَ، حتّى أنهم سيأكلون خبزاً غيرَ مُخمّرٍ لأن الرحلة لا تتحمل أن ينتظرَ الشعب حتّى تختمرَ العجينُ، ولكي لا يُجربونَ في ذلكَ، عليهم أن يُخرجوا الخميرَ من منازلهِم. وفي هذه الرحلة سيعبرُ الله على الأرضِ مُميزاً ما بين الذين خضعوا له وأطاعوا كلمتهِ، وما بين الذي عصوا أوامره وقسّوا قلوبهم، لاسيما تلك الآلهةِ التي كانت سبب عصيانِ الشعبِ وطغيانهِ. هنا يُعرّفنا الراوي بالعنصر الثالث للاحتفالِ بالفصح: "الدم" الذي به سيُميّز الله العبرانيين عن المصريين، ويُعطي للعبرانيين هويةً خاصةً لأنهم أطاعوا الربَّ في كلِّ ما أوصى به: "فركعَ الشعبُ ساجدينَ، وذهبَ بنو إسرائيلَ، فعملوا كما أوصى الربُّ موسى وهرونَ". كثير من الشعبِ لم يفهم طبيعة هذا الاحتفالَ؟ وما سبب هذه الوصايا؟ ولكّنهم أطاعوا، بل كانت طاعتهم فرصةَ تعليمٍ لأنها أثارتَ دهشةَ الأبناء: "وإذا قالوا لكُم بنوكُم: ما معنى هذه العبادة؟ فقولوا: هي ذبيحةُ فصحٍ نُقدمها للرب الذي عبرَ عن بيوتِ بني إسرائيلَ في مصرَ فخلّصها لمّا فَتكَ بالمصريينَ". فالاستعدادات التي رافقت الاحتفالية مهمّة جداً ليكون للاحتفالية معناها وأصالتها: "أنا مدعو للخلاص، وإلهي ينتظرني، وعليَّ أن ألبسَ ما يلزمَ وأكون جاهزاً لذلكَ، وإلا فلا معنى للاحتفالية، بل ستكون سبب إدانتي لرداءة إيماني: "فلّما دخلَ الملكُ ليرى المدعوين، وجدَ رجلاً لا يلبسُ ثيابَ العُرسِ. فقالَ له: كيفَ دخلتَ إلى هُنا، يا صديقي، وأنت لا تلبسُ ثيابَ العُرسِ؟ فسكتَ الرجلُ. فقالَ الملكُ للخدِمِ: "أربطوا يديهِ ورجليهِ وأطرحوه خارجاً في الظلامِ فهناكَ البُكاءُ وصريفُ الأسنانِ. لأن المدعوينَ كثيرونَ، وأما المُختارونَ فقليلونَ" (متى 22: 11- 14). الله مركز الحدث الفصحي في كلِّ ما سبقَ نلحظ أن الله بقيَّ هو مركز الحدث الفصحي، لأنه كان هو المُبادرَ به. حدثٌ مؤلفٌ من حركات وطقوس بشرية فيها يُقدم الجسد تعابيرَ احترامٍ لله الذي رافقَ هذا الجسدَ برعايتهِ: "نظرتُ إلى معاناةِ شعبي الذين في مصرَ، وسمعتُ صُراخهم من ظلمِ مُسخريهم وعَلمتُ بعذاباتهم" (3: 7)، فالجسد الذي تحمّل عذابات العبودية هو نفسه يحتفل بتعابير الخلاصِ، والجسد الذي حملَ الصليبَ هو نفسهُ الجسد الذي أُنعِمَ عليهِ بمجدِ القيامة، وليس علينا في مثل هذه اللحظات أن نُكثرَ الكلامَ عن ذلك، بل أن نقفَ متأهبينَ للرحلة التي يُريدها الله لنا: "وحينَ تأكلونهُ كونوا متأهبينَ للرحيلَ، أوساطُكم مشدودةٌ وأحذيتُكم في أرجلكمُ وعِصيّكمُ في أيديكم". "طقوس الفصح"، نحن أمام عملٌ بشري مُتجهٌ نحو الله وخاضعٌ له: "أخبر جميعَ بني إسرائيلَ"، عملٌ إنسانيٌ منظورٌ مُكرسٌ نحو غير المنظورِ من خلال التأملِ فيه ليكون الحضور كلّهُ مسكناً لله: "حيثما أجتمعَ أثنانِ أو ثلاثةٌ بإسمي، فأنا أكون هناكَ، في وسطهم" (مت 18: 20). من هنا يكون كلُّ عملٍ طقسي عملُ الله، عملُ المسيحُ من أجل تقديسِ كنيستهِ: جسدهِ. من هنا صارَ التأكيد على ضرورة الاستعدادِ الصحيح للاحتفالِ بالأسرار والاشترِاك الفاعلِ فيها بدءٍ من تقدمةِ الحياة بمجملها لله ذبيحةً مُقدسةً عبر أعمالِ الخير والإحسانِ التي تتوافق مع دعوتنا المسيحية. فيكون الاحتفال الليتورجي مبنياً على أساس أن الله هو الذي يُكلمنا ويُبشرنا بيسوع المسيح، ونحنُ نستجيبُ له بصلاتنا وتراتيلنا. طقوس عيد الفصح جاءت لتُبشّر الشعب بما صنعهُ الله لشعبهِ، فيكون الله في مركز هذا الحدث الخلاصي، فلا يتمّ التركيز على القضايا التنظيمية، مع أهميّـها القصّوى، ولكنَّ على أوليةِ الله في هذا الحدث الخلاصي، ويظهر ذلك دوماً من العبارة: فركعَ الشعبُ ساجدينَ، وذهبَ بنو إسرائيلَ، فعملوا كما أوصى الربُّ موسى وهرونَ"، مُعترفين أنهم ليسوا المُبادرين ولن يكونوا الفاعلين، بل الله هو بتعطّفهِ وحنانهِ والذي أختارَ أن يكونَ بشراً بيننا، فأقتربَ إلينا شخصاً نلتقيهِ لا فكرةً أو توجه أخلاقي من الإنسان نحو الله، بل صلاةُ شُكرٍ لله تُقدّم كذبيحةً، لأن قصدَ الذبيحة كانَ تكريس الحياة بل ما تحويهِ لله الذي يقبل التقدمة ويُقدسها ويُعيدها إلينا، لتُصبحَ الذبيحةُ وليمةً، وهكذا يخلقُ الربُّ الإله السلام الذي فقده الإنسان بالخطيئةِ والتي كانت وما زالت انفصالاً عن الله. لأن الله عندما يقبل تقدمة الإنسان ويُقدسها لا يأكلها، بل يُعيدها إليه مُقدسةً، لأن أخذ قلبَ الإنسان النقيّ. وهكذا يتحوّل الله إلى خادمٍ للإنسان الذي تقرّبَ إليه بتقادمَ مادية: الأقداس للقديسين وللأطهارِ تُعطى. موت الأبكار(12: 29- 32) نأتي الآن إلى أكثر صفحات الكتاب المُقدس قسوة: إلهنا وخالقنا يُعاقب مصرَ على تمرّد فرعونَ وعصيانهِ بقتلِ أبكارِِ أهل مصر جميعاً، فلم ينجو بكرٌ من هذا العقاب من بكرِ فرعونَ الجالس على العرش إلى بكرِ الأسيرِ في السجنِ بل حتّى البهائم. وجرى كلُّ شيءٍ في الليل حيث العُتمةُ التامّة ولا قُدرة للشخصِ للسيطرةِ على مجريات الأحداث. الرواية جاءت قصيرة من دونِ تفاصيل تُذكر، فلا نعلمُ كيف حصلَ هذا؟ وكيف ماتَ الأبكارُ! الحدث نفسه لا يتحمّل التفاصيل، فالصياح والعويل كان عظيماً مثلما قالَ الله لموسى (11: 6) وهو يُذكرنا ببكاءِ وعويل الشعب من ظلمِ فرعونَ والمصريين (2: 23- 25). كما أكّدنا سابقاً، علينا أن نقرأ هذه النصوصَ ضمنَ السياقِ الذي كُتِبَ فيه ومن منظار الجماعة التي كُشِفَت لها؛ جماعةٌ كانت تتأرجح في تعبّدها، ومراراً كانت تميلُ نحو تقديمِ الذبائح إلى آلهةٍ أُخرى، هنا تأتي هذه القصّة لتؤكّدَ على أن إلهَ إبراهيم َوإسحق ويعقوب، إلهُ الآباء هو الله الحقُ وحدهُ، ويتطلّب طاعتنا المُطلقة، وما عصيانُ فرعونَ وتمّرده ِإلا ليُظهِرَ الله له وللجميع: مَن هو الإلهُ الحق. ففرعونُ ليسَ إلهاً، مثلما أن آلهةَ مصرَ ليس آلهةً حقيقية وهذا ما ثبّتهُ الله لمصرَ عندما حوّلَ ماء نهر النيل العظيم، والذي كان يُعبَد كإلهٍ، وعندما هزمَ فرعونَ أبنُ الآلهةِ مثلما كان المصريون يعتقدونَ آنذاك. فلا يستطيع فرعون تأمينَ الحياة لشعبهِ في مواجهةِ الله مانح الحياة والموتِ. بل أكثرُ من ذلك، نجد أن الراوي ذكرَ عدّة مراتٍ عبارة: "وقسّى الله قلبَ فرعون"، وهي عبارة تهكميةٌ تُبرزِ عدم أهليةِ فرعون ليكون قائداً لشعبهِ، لأنه ليس بإمكانهِ السيطرة حتّى على مشاعرهِ الخاصّة، فكيفَ له أن يقود أمةً؟ وصلَ فرعونُ أخيراً إلى قرارٍ حكيمٍ: أن يخلي سبيلَ الشعب ويُعطي لموسى وهرونَ مطلبهم. جسامة الحدث دعت فرعونَ يستدعيهم ليلاً ويسألهم: قوموا أُخرجا ... أذهبوا أعبدوا الربَّ ... أفعالٌ تُبيّن لهم: "أنتم أحرارٌ الآن من خدمتي، وصرتُم في خدمةِ سيّد آخر، ويُضيف النص العبري عبارة: "وباركوني أيضاً"، وهي بخلاف ما كان مُعتاداً، فحتّى تلك الساعة ظنَّ المصريون أن فرعون يمتلك قوّةَ المُباركةِ وقابليةِ اعطاءِ الحياةِ وتأمينهما، وبيّنت مواجهةُ الله بُطلانَ هذا الاعتقادِ، لأن البركة هي مع العبيد والفقراء والمعوزينَ الذين لا يمتلكون شيئاً: "أظهرَ شدّة ساعدهِ فبدد المُستكبرين بفكرِ قلوبهم، أنزلَ الجبابرةَ عن عروشهم ورفعَ المتَضعينَ، أشبعَ الجياعَ من خيراتهِ وصرفَ الأغنياءَ فارغينَ، أعانَ عبده إسرائيلَ فتذكّر رحمتهُ كما وعدَ آباءنا، لإبراهيم ونسلهِ إلى الأبدِ" (لو 1: 51- 55). فرعون بحاجةٍ ماسّة إلى ما يمتلكهُ إسرائيل: هبةُ الحياة. رحيلُ الأحرارِ (33- 41) عرِفَ المصريونَ أن بقاءَ بني إسرائيل يعني بقاءَ الموتِ في وسطهِم فاستعجلوا رحيلهم، وأستخدمَ الراوي الفعلَ العبري: "حَزَق" والذي يعني شدَّ، وهو ذات الفعل الذي أستخدمهُ عندما قال لنا: "أن قلبَ فرعونَ قسى"، فالفعل الذي منعَ بني إسرائيل من الرحيل هو ذات الفعلِ الذي شجعهم على الرحيل الآن. رحلَ بنو إسرائيل من مصرَ منتصرينَ، وطُلِبَ منهم المغادرة على وجهِ السُرعةِ، فحملوا عجينهم قبلَ أن يختمِرَ، وحصلوا على مصاغ فضةٍ وذهبٍ وثيابٍ، وهي أشبهُ ما تكون بغنائمَ حربٍ، وكانت بالحقيقةِ حربٌ ضروسٌ بين الله وفرعونَ، وها أن الشعبَ يجمعُ الغنائمَ، ويخرجُ مُكللاً بالعزةِ لابساً ثيابَ الفرحِ والانتصار، فلم يخرجوا عبيداً بل أحراراً، وأضحى الأحرارُ مُجرّدينَ من عزّتهم، وتحوّل ميزانُ القوّة من المصريين ليكونَ بيد بني إسرائيل وهذا كلّه لأن الله كان معهم. همُ أحرارٌ في حركتهم بعدما قيّدتهم العبودية في أمكنةٍ خاصّةٍ، هم أحرارٌ ليمتلكوا ما يشاؤونَ ويفعلوا مر يرغبونَ، فغادرواَ أرضَ رعمسيس رمزَ المهانةِ والظُلمِ. ذكرَ الراوي أن أكثرَ من 6000 رجلٍ غادروا مصرَ في مسيرةِ حجٍّ عظيمةٍ، وهو رقمُ مُبالغٌ فيه. فلو حسبنا أن مع كلِّ رجلٍ امرأةٌ وطفلٌ واحدٌ فقط، فسيصلُ العدد إلى قُرابةِ المليونين، وهذا تجمّع كبير إذا أصطفَّ من مصرَ سيصل إلى أورشليمَ. ولكننا نفهم مغزى ما يُريد الكاتب: "أمةٌ عظيمةٌ خرجت من مصرَ بيد الله القديرةِ". هذه الأمة، ومع أن عددها كبيرٌ إلا أنها ضعيفةٌ وليس لها أسمٌ، الله القدير هو الذي جعلَ لها اسماً تهابهُ الشعوبُ. الله الذي سهِرَ الليل كلّهُ ليُؤمِنَ طريقَ الخلاصِ لشعبهِ: ""تلك الليلةَ سَهِرَ فيها الربُّ ليُخرجهم من أرضِ مصرَ، وهذه الليلة يسهرُ فيها للربِّ جميعَ بني إسرائيلَ مدى أجيالهم" (12: 42). تولّى الله قيادة عمليةِ الخروجِ بنفسهِ، ولم يسمح أن تفوتهُ تفاصيلٌ لربّما تُصبحُ خطراً على الشعب. إلهنا صاحٍ دوماً ولا ينام، وهو حاضرٌ مع شعبهِ دوماً. وهكذا يكون التحرير والخلاص هبةً ونعمةِ من الله الذي قدّمهُ لهم في ليلةً مُظلمةً لا أملَ فيها للخلاصِ. وصايا الفصح (12: 43- 51) نعودُ مرةً أُخرى إلى طقوس الاحتفال بعيدِ الفصحِ، فبعدما عزّلَ الشعب خروفاً منذ اليوم العاشر، بمعنى أنهم كرسوه ليكونَ مُلكاً للربِّ، وقدّموه للربِّ الإلهِ، ووضعوا إشارةٍ من دمهِ على بيوتهم علامةً على أن هذا البيت هو خاصةُّ الربِ، والشعبُ كلّه مُكرسٌ له. هنا لا يقصد الله أن يحملَ التعبد طابعاً فردياً معه، بل يُريد الجماعةَ كلّها نفساً واحدة: شعبٌ واحدٌ. هذا التكريس يفترِض هويةً خاصةً، ونالَ الشعبُ هذه الهوية من الربِّ المُخلِص ورافقهُ حجٌ، مسيرةٌ فيها انتقالٌ من مكانٍ إلى مكانٍ آخر، من حالةٍ إلى حالةٍ أُخرى. هو عبورُ الربِّ على بيوت المصريين مُهلكاً بكورها، وعلى بيوتِ بني إسرائيل حافظاً لها الحياة. والشعبُ مدعوٌ هو الآخر لهذا العبور من الإنسان القديم إلى الإنسان الجديد. كان الشعبُ يحتفلُ بهذا العيد في معابدَ عديدة في مُدن شكيمَ وبيت إيل وبئر سبعَ وحبرون ... أي في معظمِ المُدنِ التي ارتبطتَ بحياة الآباء، ولكن مع إصلاح يوشيا الملك سنة 622 ق. م فرضَ الملك الاحتفالَ بالعيد ِفي أورشليمَ فحسب، فكانوا يأتونَ إلى أورشليمَ حيث الهيكل ويطلبون من الكهنة أن يذبحوا لهم ضحيّتهم وهم يأكلونها. وتوقفت الذبائح عندما كانوا في بابل فلا هيكلَ يقبلُ الذبيحةِ ولا كهنةَ يقودونَ الاحتفالَ. وارتبطَ عيدُ الفطير بعيدِ الفصح أيضاً؛ بحدثِ الخروجِ، إذ كانوا يتخلّصون من الخميرةِ القديمة بإخراجها من منازلهم، لتبقى المنازل خاليةً منها لسبعة أيامٍ قبل أن يأتونَ بالخميرة الجديدة، لأن الخميرة كان رمزاً للفسادِ، لاذ، كانوا يبدأونَ السنة الجديدة في حالةِ الطهارة، وذلكَ بانتقالِ الإنسان نحو حالةٍ جديدة، فهو تحت حمايةِ الربِّ الإلهِ، بعدما كان مصيرهُ مرتبطاً بعاقبةِ خطاياه. الاستعداد للاحتفالِ بالفصحِ برزت العديد من التوصيات خلال هذه الرواية التي مزجت بين حدثٍ تاريخي هامٍ في حياةِ الشعب، وبين كيفية الاحتفالِ بهذا الحدث. وبيّنت لنا هذه التوصيات أنه من الضروري جداً أن يكون لنا استعدادٌ مُتميّز للاحتفالِ بهذا الحدث، وسعيٌ حثيثٌ للمحافظةِ على طقوسهِ، فالموضوع ليس تجمعاً ومائدة، بل وليمةٌ عائليةٌ يبقىَ الله هو المُبادر فيها بل وخادمها: ""تلك الليلةَ سَهِرَ فيها الربُّ ليُخرجهم من أرضِ مصرَ، وهذه الليلة يسهرُ فيها للربِّ جميعَ بني إسرائيلَ مدى أجيالهم" (12: 42). نحن، كمسيحيين، نجتمعٌ لأفخارستيّا ربّنا يسوع المسيح في كلِّ قداس نحتفلُ به، وقد تسلمنا من الكنيسة شهادةً عن العشاءِ الأخير لربنا يسوع المسيح مثلما نقلهُ لنا بولس في رسالتهِ إلى اهلِ كورنثس، والتي تُعد أول شهادة (سنة 55- 57 للميلاد). ولكّن بولس ذكّر كنيسة كورنثس أن هناكَ استعداداتٍ يجب أن تكون معنا للاحتفالِ بأفخارستيا ربّنا يسوع المسيح، لأن الجماعة كانت تحتفلُ بالافخارستيا منتهكةً قُدسيّتها في جعلها مائدة طعام وليس وليمةَ أخوة وأخواتٍ بيسوع المسيح، بل كانوا يحتفلون بالافخارستيا وفيهم انقسامٌ وخصامٌ وغضبٌ وشقاقاتٌ (1 كو 11: 17- 29). فلأفخارستيا لم تغيّرهم، ولم تنقلهم من حالٍ إلى حالٍ، متناسينَ أن ربّنا يسوع، واستعداداً للافخارستيا قامَ بغسلِ أرجلِ تلاميذه (يو 13: 1- 16)، لتكون الأفخارستيا خدمةُ بعضنا البعض بالمحبةِ (غلا 5: 13). فربّنا يسوع يدعونا إلى أن نأكل جسده ونشرب دمهُ أي أنه يدعونا لأن نُصبحَ واحداً معهُ، ان نحيا مثلهُ ونموت معهُ: مصيرنا واحدٌ؛ فمثلما أطاعَ هو حتّى الموت ليُتمَّ مشيئةَ ابيهِ، هكذا نحن مدعوونَ لهذه الطاعةِ، وهكذا يُحقق الربُّ ما يُريده بالافخارستيا: تحويل قلوبنا وجماعاتنا كلّها إلى جسدهِ: جسد المسيح.
قراءة 38414 مرات آخر تعديل على %AM, %30 %046 %2015 %03:%تشرين2

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *