ندوة الكتاب المقدس
%AM, %02 %370 %2011 %10:%أيلول

اللقاء الثلاثون

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
الندوة الكتابية اللقاء الثلاثون المقدمة من المهم جداً أن نتذكّر ونحن نقتربُ من الضربةِ العاشرة والتي تُعد الضربة ِالمُهلكةِ، أن هناك تواصلاً ما بين سفرِ البدايات؛ سفر التكوين وما بين سفر الخروج. فس
الندوة الكتابية اللقاء الثلاثون المقدمة من المهم جداً أن نتذكّر ونحن نقتربُ من الضربةِ العاشرة والتي تُعد الضربة ِالمُهلكةِ، أن هناك تواصلاً ما بين سفرِ البدايات؛ سفر التكوين وما بين سفر الخروج. فسفرُ الخروجِ ليس قصةً منفصلةً عن القصّة الأولى، عن الوعد الأول: "فسمِع الله أنينهم وذكرَ عَهدهُ مع إبراهيمَ وإسحق ويعقوب. ونظرَ الله إلى بني إسرائيل وآعترفَ بهم" (خر 2: 24- 25). فإلهُ الخروج هو نفسهُ الله الذي أبدعَ من الفوضى الأولى (تك 1: 1) حياةً للكونِ وجعلَ فيها إمكانية مواصلةِ عملِ الخلقةِ وأوكلَ ذلك لشريكهِ الإنسان: "إنموا وأكثروا وآملأوا الأرضَ" (تك 1: 28)، وهوذا إنسانٌ: فرعونَ ونظامهُ، يسعى إلى إعادةِ الكونِ إلى الفوضى الأولى؛ ظُلمةٌ بل الموت بعدمِ إعترافهِ بالإنسان الآخر، بل مضايقتهِ وإنتهاكَ كرامتهِ. مَثّلَ فرعون إذن بتسلّطهِ وبقراراتهِ المُهينةِ لحياة الآخرين بل المُهددِة لوجوده سعياً نحو تدمير الخلقةِ التي بدأها الله وأرادَ لها التواصل من خلال عملِ الإنسان وتعبهِ. فجاءت الضربات كتعبيرٍ عن أثرِ مثل هذه السلوكيات المُعادية للحياة على حياة مَن هم حول فرعون. ويكون الخروج خلقةً جديدة، وجاءت هذه المرّة بمساعدةِ الإنسان؛ موسى، الذي قَبِلَ مُمتناً حالتهُ في أنهُ مخلوقٌ على صورةِ الله ومثالهِ (تك 1: 26)، فكانَ مسؤولاً عن إدامةِ الحياة الكريمة لمَن سُلبَت منه هذه الكرامة. كرامةٌ سُلبَت عن طريقِ أنظمةٍ جائرةٍ أمرَ بها فرعونَ وتعاونَ معهُ شعبهُ: أشغالٌ شاقّةٌ وإستعبادٌ بعنفٍ، وإستخدامٌ من دون رحمةٍ (1: 11- 14)، خسارة للعائلة إذ سَمحَ فرعونَ بمُغادرة الرجال دون عوائلهم (10: 10- 11)، ثم حرمانٌ من الممُتلكاتِ فلا يُسمحَ لهم بإصطحابِ الماشيةِ (10: 24)، قسوةُ قلبِ المصريين عليهم مما أفقدهم الرجاء بأن هناكَ إلهاً يسمعهم: "فكلّمَ موسى بَني إسرائيل هذا الكلامَ، فما سَمِعوا له لأنهم فقدوا صبرهم لكثرةِ ما يُعانوهُ من شقاء ِالعبودية" (6: 9)، بل من المجازر الجماعية التي أمرَ بها فرعونُ (1: 22). وهذه كلّها مواقف موجهةٌ ضدَّ عمل الله الخلاّق. كما بيّنت الضرباتُ على مصرَ أثرَ تعاونِ الإنسانِ مع الله خالقهِ، فلم يكن بمُتسطاعِ موسى وهرون أخيه أن يكونا فاعلينِ من دونِ قُدرةِ الله العاملةِ فيهم ومعهم، وكان الله من جانبهِ مُتكّلاً على تعاونهما، فقَبِلَ أن يعملَ مع ما ليسَ إلهياً: "وشاهدَ بنو إسرائيل الفعلَ العظيمَ الذي فعلهُ الربُّ بالمصريين، فخافوا وآمنوا به وبموسى عبدهِ" (خر 14: 31) الضربة العاشرة (خر 11) لم يبقَ أمام الربِّ الإله إلا أنَّ يختُمَ هذه المواجهةَ مع فرعونِ، فقد عَرِفَ بنو إسرائيل أن يدَّ الله قديرةٌ عبرَّ الضربات على مصرِ، وأن تمييزه لهم كان حقيقياً عبرَ حمايتهِ لهم من الضرباتِ، بل أنَّ الله هو الذي أبقى فرعون في المواجهة فقسّى قلبهُ، وحان الوقت لتنتهي المواجهة وتستسلِم كل دفاعاتِ فرعونَ فهو لم يكن واقعياً ولا منطقياً في رفضهِ، ولم يستفيد من الفرص التي قدّمها الله له، لذا، لن يسمحَ بإطلاق الشعب فحسب، بل سيطردهم بالقوّة: "يطُردكم طرداً كُلّكم" ويسمعَ لرأي مُستشاريهِ (10: 7) ويكون محامياً للخروجِ ليُنقذَ هيبةَ مصر، من خلال خروج العبرانيين حتّى لو كان هذا ثمناً باهضاً على فرعونَ ومصر تحمّلهُ. وعلى المصريين توديعهم بفضةٍ وذهبٍ، فلا يكون الخروج هروباً، على العكس، تضمّنَ توديعاً وإنتفاعاً إقتصادياً أيضاً. فعلى الإنسان أن يُعزز من كرامةِ أخيهِ الإنسان، فلا يكون التحرير العبودية فكَّ إرتباط عمل فحسب، بل فرصةً ليختبِرَ الإنسان الكرامةَ التي فقدها من جرّاء العبودية والتي يتنعّمُ بها الإنسان عبرَ تعاملٍ مُشرِفٍ له، وهكذا يبدأ حياة إنسانية من جديد بعد سنواتٍ من العملِ الشاق. رؤيةٌ متأثرّة بشريعةِ السنة السابعة (تث 15: 1- 11) والتي يطلبُ فيها الربُّ الإله إعفاء الديونِ ومنحَ الخيرات المادية للمساكينَ حتّى لا يبقىَ على الأرضِ إنسانٌ مُحتاجٌ. لقد أرهقَ المصريونَ العبرانيين بالأشغالِ الشاقةِ (1: 11)، وعملَ المُسخرونَ على إذلالهم، وكانوا على وشكِ أن يُطلقونهم من دونِ أجورٍ وحتّى من دونِ ماشيتهم؛ ممتلكاتهم. هوذا الله يأمرهم بأن يطلبوا كلٌّ من صاحبهِ، فلا يسرقَ ربَّ البيتِ ولا يقتِرضَ منه، بل يسألهِ ليُعطي الأخير حقَّ سني الأشغالِ بعدالةٍ. من جهةٍ أخرى، أعطى المصريونَ السماحَ للعبرانيين بالمُغادرة، بل دفعوا لهم بسخاءٍ: فضةً وذهباً لا ثمناً لعملهم عند المصريين فحسب، بل رمزاً إلى الإنتصار الذي حققهُ الربُّ لشعبهِ، وليسَ لنا أن نتصّور أن العبرانيين حملوا الكثيرَ منه لأنهم كانوا يسكنوا أرضَ جاسانَ، أي في أراضٍ منفصلةٍ عن المصريين. دفعتَ مصرَ ثمنَ هزيمتها أمامَ الربِّ الإلهِ، ونالَ موسى حظوةً لدى المصريين، وهو يعني أن أهلَ مصر هابوا موسى، وبالتالي كانت فيهم مخافة إله موسى الذي نصّبَ موسى كإلهٍ أمام فرعون: "أُنظر. جعلتُكَ بمثَابةِ إلهٍ لفرعونَ" (خر7: 1) علينا أن لا نحكم على هذه النصوص بمنظارِ اليوم الذي يرفضَ إنتهاكَ كرامة الإنسان وسلامة حياتهِ لاسيما الفقراء والمهمَشين. نحن ومع هذه النصوص نعيش في عالمٍ تعوّد على تقديم بواكير الحصاد والأبن البكر في موقفِ إمتنانٍ للألهةِ لما قدّمتهُ للإنسان من خصبٍ وخيراتٍ. وعندما نقرأ أن مصرَ قدّمت بواكيرها إلى الربِّ الإلهِ، فهذا يعني إعترافَ مصرَ أن لا إلهَ إلا الربُّ وحده، فمصرُ وألهتها، ويقفُ فرعونُ مُمثلاً لها، قدمت إعترافها عبر هذه التقادم من أن الربَّ وحده هو الله. غير متناسين أن هذه ستكون آخر مرّة يُقدم فيها الإنسان إبنهُ البكرُ ذبيحةً لأن الله طلبَ أن يُقدمَ حيوان بدلاً عن الإبنِ البكرِ. أخبرَ موسى فرعونَ برسالةِ الربِّ الإله؛ سيمرُ في منتصفِ الليلِ على أرضِ مصرَ (11: 4) حيث لن يقوى حاكمُ مصرَ على فعلِ شيءٍ، والحديث هنا ليس عن ليلٍ مادي فحسب، بل عن ظلمةٍ روحيةٍ حيث تغلّبَ الخداعُ على الإنسانِ ولم يعد يرى الطريقَ الصحيح، فأضحى الإنسان بعيداً عن إنسانيتهِ وبالتالي بعيداً عن الله. ويُمثلُ الليل أيضاً سرَّ عملِ الله حيث يقبلُ الإنسان هذا الحضور الإلهي من دونِ أن يعرفَ مصدره أو كيفَ حصلَ، فلم يكونوا قادرينَ حتّى على وصفهِ، فيدعو الله شعبهُ (وكنيستهُ) إلى الدخولِ في رهبةِ هذا السرِّ. "يموتُ كلُّ بكرٍ فيها" (11: 5) لم يقل الله لموسى أنه سيقتلُ كلِّ بكرٍ، بل تركنا في حيرةٍ من أمرنا؛ فما العلاقةُ بين مرورِ الربِّ الإلهِ على أرضِ مصرَ وموت الأبكار؟ لم يقل لنا الرواي الكثير عن هذا؟ والسؤال الآخر الذي يطرح نفسه الآن: "لماذا أختارَ الله بكرَ المصريين ليُعاقبَ فرعونَ على قساوةِ قلبهِ؟ علينا ان نؤكد أولاً على أن الضربات جاءت جواباً لسؤال فرعون التهكمي في لقائه مع موسى: "مَن هو الربُّ حتّى اسمعَ له وأُطلقَ بَني إسرائيلَ؟ لا أعرِفُ الربَّ ولا أُطلقُ إسرائيلَ؟ (خر 5: 2). وهكذا عرّفَ الربُّ الإلهُ بنفسه ِلفرعونَ ومصرَ، وأراهم قُدرتهُ ورحمتهُ. ثم أنَّ الربَّ قال لفرعون: "إسرائيل إبني البكرُ" (4: 22). لقد قامَ فرعونَ بإحتجازِ شعبٍ عدّهُ الله عزيزاً على قلبهِ، بل ربطَ حياتهُ به، وقامَ بتهديدِ حياةِ هذا الأبنَ، فأوعزَ المُسخرينَ بإذلالهم في الأشغالِ (خر 1: 11)، وأوصى القابلتين بقتلِ الذكورِ (خر 1: 16)، ثم أمرَ شعبهُ بأن يطرحوا الذكورَ في نهرِ مصرَ (1: 22)، وعليهِ، وعلى مصرَ، أن يدفعوا قساوةِ قلوبهم ويجنوا ثمرةَ أعمالهِم، ومثلما أبكوا العبرانيين (2: 23- 24). علينا أن نلحظَ أن هذه الضربة جاءت كضربة أخيرة على الرغم من أن الله هددَ بها كضربةٍ أولى: "أقول لكَ: أطلِق آبني من مصرَ ليعبُدني وإن رفضتَ أن تُطلقهُ أقتلُ ابنَكَ البكرَ" (4: 23)، إلا أن الربَّ الإلهَ إنتظرَ رأفةً بمصرَ، ولكنَّ فرعونَ لم يرأفِ حتَى بشعبهِ. هوذا بنو مصرَ يبكونَ اليوم في صراخٍ عظيمٍ، فالذي رفع َنفسهُ وتعالى على الربِّ الإله وقاومهُ (9: 17)، ورفضَ أن يتواضعَ ويخضعَ له (10: 3)، هوذا يسقطُ أمام الله الذي لن يُهانَ أو يُخدعَ، والأهم من كلِّ ذلك: إلا أن الله لم يقف مكتوفَ الأيدي أمام صُراخِ المُهَمَشينَ والمُستضعَفينَ. من جانبٍ آخر سيعرِف بنو إسرائيل أنهم آمنونَ في راحةِ الله، الله الذي ميّزهم في إختيارهِ وفي رعايتهِ لهم في أزمتهم وحماهم من الضرباتِ (8: 23/ 9: 7، 26/ 10: 24)، وها هم نائمونَ بسلامٍ مطمئنونَ أنهم في أيادٍ أمينةٍ، فلا خطرَ عليهم فكلابهم لن تنبحَ لأن المدينة نائمةٌ بسلامٍ. الكلمة الأخير لله في اولِ لقاء ما بين فرعون َوموسى (7: 8- 13) عرضَ الأخيرُ طلبَ الله إلى فرعونَ وبين فرعونُ عنادهُ وقسوةِ قلبهِ إزاءَ مطلبِ الله هذا، مثلما كان قد بيّنها للشعب العبراني. فوضعَ موسى عصاه في المنتصف ليُعلنَ أن إرادة الله هي في المركز جواباً على طلبِ فرعون بأن أعجوبةً تدعمُ طلبهم هذا، إلا أنه أصرَّ على موقفه ِالرافض، بل إشتدّ قسوةً، فكانَ على موسى وهرون أن يُؤسسا مصداقيتهما حتّى ينالاً حظوةً، سَمعاً، عند المصريين، فكان لهم هذا ولكنَ عبرَ ضرباتٍ موجعةٍ لم يقوَ على إيقافها سحرةُ مصرَ وحكمائها، لأنها لم تكن أفعالِ بشرٍ، بل أزادوا الأمرَ سوءً. وبيّن الله مصيرَ مثل هذه المواقفِ الرافضة له، فعصا هرونَ إبتلعتَ عصيَّ السحرة (7: 1)، مثلما سيبتلعُ البحرُ الأحمر جنود فرعونَ ومركباتهِ وفُرسانهِ (خر 15). ثم عادَ وأمرَ الربُّ موسى وهرون ليُفاجأَ فرعونَ وهو خارجُ من الماء ليُعلنا أن الربَّ عازمٌ على بيان مُعجزةٍ أُخرى وهذه المرّة في نهرِ النيل، وأصلُ المعجزةِ ليس بشريٌ بل إلهي، فلم يتمكّن السحرة من ردئها بل زادوا الأمرَ سوءً فأبتُليَّ النهرُ بما صنعوا (7: 17- 25) فكانَ الدومُ في كلِّ مصرَ، فلم يكنَ بيتٌ في مصرَ إلا وأصابتهُ الموتُ (12: 29)، فأعطى الربُّ لمصرَ علامةٍ للدمِ على الرغم من عدم وجودِ ميتٍ أو قتيلٍ، ولكنهم لم يفهموا، فغرِقت مصرُ في الدماء، ولم يغرق فرعون في ضميره ليعترِف بالحقيقةِ من أنه مخلوقٌ من الترابِ وإلى الترابِ سيعود حالهُ حالُ كلّ إنسان (تك 3: 19)، وهذه كانت رسالة والتي جاءت نتيجة ضربة عصا هرون على تُرابِ الأرض (8: 12- 15)، وفيها إعترافٌ سحرةُ مصرَ بأن إصبع الله تعمل الآن من خلال موسى وهرون، إلا أن فرعونَ قسّى قلبهُ أكثرَ من ذي قبلُ. لذا لِزِمَ الأمرُ ضربةً تُشعرُ فرعونَ بأن مطلبَ الربِ هامٌ لتكونَ ضربةُ المواشي علامةً محسوسةَ على نحوٍ مُباشرٍ على أن مُمتلكاتِكَ يا فرعون صارت تحت مرمى النار فليس الأمرُ كارثة بيئيةً، بل أن مواشيكَ في خطرٍ، فدفعت هي ثمنَ عنادِ الإنسان وتكبّرهِ. وفي آخر لقاء بين موسى وفرعون علمنا أنَّ فرعون طردَ موسى من أمامِ وجهه: "إذهب عني! إيَّاكَ أن تنظرَ إلى وجهي بعدَ اليوم. فيومَ تنظرُ إلى وجهي تموتُ" (10: 28)، وكأنَ الكلمة الأخيرة ستكون لفرعون في هذه المواجهاتِ، وهذا لن يحصلَ عليهِ بالطبع. لذا، دخلَ موسى عندما أرادَ هو ولم يُستدعى كما حصلَ في المراتِ السابقةِ، وبلّغَ رسالةَ إنتصارٍ مؤكدٍ، وخرجَ عندما أرادَ هو من دونِ أن ينطقَ فرعونُ بكلمةٍ أو حرفِ. بل أكدَّ أن رجالهُ الذي كانوا أحكمَ منه (10: 7)، سيعترفونَ بسُلطانِ موسى ويُحكموا عقلهم. فإنتهت المفاوضات لأنها وصلت إلى طُرقٍ مسدودةٍ وخرجَ موسى من عند فرعونَ في غضبٍ شديدٍ لما وصلتِ إليهِ الحال. فكيفَ يُمكن لإنسان أن يتعامى ويتنكّر كل هذه الحقائق؟ "طوبى لكم أيها الباكونَ الآنَ لأنّكم ستضحكونَ ... الويلُ لكم أيها الضاحكونَ الآن، لأنّكم ستحزنونَ وتبكونَ" (لو 6: 21، 25). كلُّ مَن يقرأ قصة الشعب في بدءِ سفر ِالخروج لن يتوقّع أن يكونَ لصُراخ هذا الشعبِ نهايةٌ، أو أن يكونَ هناكَ حلٌّ لمعاناتهم، فكلُّ الأحداثِ كانت تسير نحو تواصلِ الإنتهاكات لاسيما وأن صاحبَ القرار، فرعون، كان يزدادُ تصلبُاً في مواقفهِ، وسانده إلى مرحلةٍ ما رجالهُ وشعبهُ. ولكنَّ حالةَ النهار: الظُلم والإنتهاكاتِ والأشغالِ الشاقّةِ ليست الحالةُ الأخيرة والنهائية، فإلهنا وربنا قَرَرَ أن يُغيّر فيُبدعَ في الليل، بل في منتصفهِ ما هو عجيبٌ في عيوننا. الله سيّدُ الخليقة عَملَ فرعونَ على العبثِ بخليقةِ الله ونظامها عبرَ مواقفَ ظالمةٍ، فصارَ الماءُ غيرَ نافعٍ البتة للحياة، ولم يبقَ هناكَ حدودٌ بين النورِ والظلمةِ، وإنتشرت الأمراضُ والأوبئةُ بين الناس والحيواناتِ، ولم تعد الحشراتُ تخضعُ للإنسانِ، بل أضحت مدمرةٍ للحياة، وتحوّل الرمادُ إلى قروحٍ وبثورٍ في الناس والبهائمِ، ولم يُبقي البردُ فرصةً للحياةِ، حتّى وصلنا إلى الظلمة الأولى التي سبقت تدخل الله الخلاّق (تك 1: 2)، وكان لهذه الكوارثُ أثر مُهلكاً على الماء والحيوانات والمزروعاتِ كلّها، فالخليقةٌ تدفعَ ثمن عجرفةِ الإنسان ومواقفه الغير المسؤولةِ. فكلّما قسى قلبُ فرعون نزلت كارثةٌ هددت الحياةَ على الأرض، فصلى موسى إلى الله، ورفعَ الله الضربةَ مُتغلباً على الفوضى التي أحدثتها عدم تحملِ فرعون لمسؤوليتهِ. ليس الله مَن أحدث الفوضى إذن، بل كان لتدخلهُ، وعبرَ صلاةِ موسى أثرٌ إيجابي على حياة مصرَ. ويُخبرنا أحدُ المداريش أن الملائكة إنشدت نشيد الإنتصار حين هلَكَ المصريون في البحرِ الأحمر، لكنهم شاهدوا أن وجهَ الله حزينٌ، فسألهُ عن حُزنهِ، فقال: كيف لي أن أفرحَ وهنَاك بشرٌ هلكَ في البحرِ ميّتاً؟ فليستَ الضرباتُ إذن إستجاباتٍ إعتباطية لخيبة فرعون، بل يبقىَ الله فيها سيّدَ الأحداث، وهو يعلمُ ويُريد أن يُعرِّفَ فرعونُ، وكلُّ إنسانٍ، أن لخطاياه أثرٌ سلبيٌ على الكونِ كلّه، وهو حاضرٌ ليُعيدَ تريتبَ الحياة إن تعاونَ الإنسانُ معهُ، وهو صادقُ في ذلك: "خطئتُ هذه المرّة. الربُّ عادلٌ وأنا وشعبي أشرارٌ" (9: 27). ففي وسطِ هذه الضرباتِ بقيَّ الله إلى جانبِ فرعونَ ومصرَ، بل حذّرهم ليأخذوا حذرهم من كارثةٍ البردِ المُهلكةِ فكلُّ مَن خافَ الربَّ نجى من الكارثةِ (9: 19- 20). فلم يكن تدخل الله في الضرباتِ من أجل المُعاقبةِ، بل أرادَ تعليماً وإرشاداً، ولكنه عندما رأى أن العنادَ تغلّبَ على عقلِ الإنسان، فلم يسمع ولم يهتدي ولم يتُب، سمحَ للضربةِ بأن تكونَ إلى أقصاها: "فقالَ له يسوع: "إعمل ما أنتَ تعملهُ ولا تُبطىءُ" (يو 13: 27). فالربُّ الإلهُ هو سيدُّ الأرض كلّها ولا إلهُ نظيرهُ (9: 14، 29)، وعندما قررَ الله النزولَ إلى الأرضِ لصالحِ بني إسرائيل المُضطهدينَ، فهذا ليس ليُحررهم فحسب، بل ليعرفهُ كل سُكانِ الأرضِ ويُعرِفَّ بإرادتهِ ويُعلنُ إسمهُ في الأرضِ كلّها: "فلأني أردتُ أن أُبقيكَ لترى قُدرتي ويشتهِرَ آسمي في كلِّ الأرضِ" (9: 16)، فالتحرير هو لصالحِ الشعبِ ليس فحسب، بل لصالحِ كلِّ الخليقةِ. الخليقة كانت أمراً عادلاً أقرّه الله من اجلِ رفاهية ِالإنسان ونموّهِ وكثرتهِ، وجعلّ فيه نظاماً يتوافق وقصدهِ وتدبيره، وهو يعتني بخليقتهِ وإعتنائه جدّيٌ لدرجةِ أنه يُعاقبُ مَن لم يتحمّل مسؤوليةَ هذه الخليقةِ معه: فرعون، الإنسان، الذي سيتحمّل عواقبَ مواقفه الأنانيةِ والغير المسؤولةِ، والعقابُ موجودٌ ضمناً. فالضرباتُ ليست مفروضةً من الخارج، بل هي نتيجةٌ حتميةٌ لأفعالٍ غير مسؤولةٍ، أفعالٍ خاطئةٍ. وعلى الإنسان أن يتعلّم كيف يتحمّل المسؤوليةَ كاملةً عن وجودهِ ووجودِ الآخرين ونمّو الكونِ ورفاهيتهِ.
قراءة 11729 مرات آخر تعديل على %AM, %30 %042 %2015 %03:%تشرين2

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *