ندوة الكتاب المقدس
%PM, %31 %416 %2011 %12:%آب

اللقاء التاسع والعشرون

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
الندوة الكتابية اللقاء التاسع والعشرون المقدمة للضربات على مصرَ تعليمٌ وإرشادٌ علينا أن نكونَ واعينَ إليه، فهي تُريد أن تعلّم فرعونَ والمصريين أن لا إله مثلُ الربَّ الإلهَ، ولا يُمكن والح
الندوة الكتابية اللقاء التاسع والعشرون المقدمة للضربات على مصرَ تعليمٌ وإرشادٌ علينا أن نكونَ واعينَ إليه، فهي تُريد أن تعلّم فرعونَ والمصريين أن لا إله مثلُ الربَّ الإلهَ، ولا يُمكن والحالُ هذه أن يُقدّمَ الإنسان الإكرامَ لفرعونَ ولا لألهةٍ أخرى، وعليهم أن يعرفوا أن الربَّ الإلهَ لا نظيرَ له على الأرضِ (خر7: 5)، هو الذي أخجلَ فرعونَ (والذي كان يُعد مُجسداً للحضور الإلهي)، وإستخفَّ بألهتها وأحرج َسحرتها وعرّافيها الذين زادوا من مصائبِ مصرَ بسحرهم. كما أنَّ للضرباتِ تعليماً آخر وهو أن يتعلّم العبرانيون (ونحن من بعدهم) أن الله قررَ أن يكونَ إلى جانبهم، بل ربطَ نفسهُ بهم: "فكما أنَّ الحِزامَ يَلتصقُ بوسطِ الإنسانِ، كذلكَ ألصقتُ بي جميعَ بيتِ إسرائيلَ وجميعَ بيتِ يهوذا ليَكونوا لي شعباً وإسماً وفَخراً ومَجداً، ولكنهم رَفضوا أن يَسمعوا" (أرميا 13: 11). فعلى شعبِ الله (وكنيستهِ) أن يتعلّموا الإيمانَ بهِ حتّى وإن عانوا الضيقَ والصعوبات: الله معنا؛ عمّانوئيل. وللضرباتِ إرشادٌ للإنسان الذي خُلِقَ على صورةِ الله ومثالهِ (تك 1: 26) إذ عليهِ أن يعملَ على مثالِ خالقهِ في الوقوف إلى جانبِ المُضطهَد والمظلومِ، ويسعى نحو خلقٍ جديد يتحدّى بهِ فرعونية الإنسان التي تُريدُ الحطَّ من كرامةِ الآخر وإلغاءِ وجودهِ، وتاريخنا الإنساني حافلٌ بمثلِ هذه الفرعونياتِ، والتي إنهزمت من قبل الله الذي سخّر كل الخليقةِ لأجل هذه المعركةِ، فإنتصرَ فيها للإنسانِ ليعيشَ حُراً كريماً. ولكي يُحقق الربُّ الإلهُ هذا، كانَ لابدَ وأن يختارَ له نبيٌّ. نبيٌّ قد يحمل كلامهُ وعيداً ووعداً، ولربما يعلو صوتهِ مُحتجّاً للظلمِ الإجتماعي والفساد الذي ينخرُ مجتمعهُ، ولكنَّ الأهمَ من كلِّ ذلكَ هو أنه سيكون فمَ الله أمامَ شعبهِ: "ويكونُ هرونَ أخوكَ بمثابةِ نبيّكَ" (خر 7: 1)، الله الذي كان له سُلطانٌ مُطلقٌ على الحياةِ، وهذا ما أكدتهُ قصة الخروج حتّى في تعبيرها: "ولكني أُقسِّي قلبَ فرعونَ" (خر 7: 3)، فرعونُ الذي قررَ حُراً عدمَ الإصغاءِ إلى أمرِ الله ورفضَ أن يُطلقَ الشعبَ، وفي كلِ عصيانٍ ورفضٍ فرصةٌ أخرىَ ليعرفَ المصريونَ أن الربَّ هو الإلهُ وحدهُ (خر 7: 5). ضربةُ المواشي والقروح (9: 1- 12) أرادَ الله الحُرية وإنهاء حالةِ العبودية التي يعيشها شعبهُ، ولم يذعَن فرعون لمطلبِ الله، فظهرت آثارُ عدم طاعتهِ على حياةِ شعبه ِومملكتهِ، مثلما تظهر عدمُ مبالاتنا في حياةِ مَن هم من حولنا. فراحت مواشي مصرَ ضحية عنادِ فرعونَ. حدد الله يومَ تنفيذَ الضربةِ ونُفذَها من دون أن يُعطى لفرعون الوقت للتفكير أو للمناقشة أو للتفاوض، وتقصّى فرعون عن الضربةِ وآثارها في أرضِ مصرَ وفي أرضِ جاسان وكيف أن الله حَفِظَ ماشية العبرانيين، وصدقَ فيما قالَ وهددَ به. الطبيعةُ كلّها خضعت لله، وأما فرعونُ فرفضَ الخضوعَ والطاعةَ. ولكنّ فرعونَ لم يتنازل عن مواقفهِ، بل لم يكن مُهتماً بالوصولِ إلى الإستنتاج الصحيح، لأنه غيّبَ عقلهُ عن فهمِ الذي يحصل من حولهِ رافضاً قبولَ الواقع الجديد، وكيفَ أن الله ميّز هذا الشعبَ المُضطهَد برعايتهِ. وهذا ما جعلَ الله يُقدِم على مُعاقبةِ فرعونَ والمصريين بضربة القُروحِ والتي تُبرِز سيطرة الله على مجمل تفاصيل الحياة اليومية: هو سيّد البشر، بل جميعُ المخلوقات، وهكذا يزدادُ الله قوّةً فيما تتضائل قوّة فرعونَ أمامهُ. لم يتمكّن فرعونَ ولا آلهةُ مصرَ، بل حتّى سحرتها من فعلِ شيءٍ هذه المرّة أيضاً، لأن السحرة أنفسهم كانوا مُصابينَ بالقروحِ، وهكذا أفرغَ الله مصرَ من كلَّ قوتها فلا سحرتها أضحوا قادرينَ على المساعدة، ولا فرعونها ولا آلهتها. وكلّنا يعرِف أن الساحر يدعي أن الآلهةَ تخدمهُ لأن له سيطرةٌ عليهم، وله أن يفرُضَ عليهم إرادتهُ، وعندما أَصابتهم هذه الضربةُ فهموا انهم ليسوا آلهةً بل بشرٌ يُصيبهم المرضُ مثلما يُصيبُ باقي الناس. فعطّلَ الله إدعائهم وإستخفَّ بهم. صارَ واضحاً الآن مَن هو سيّد الأرضِ والإلهَ الحق: إلهُ العبرانيين والذي لم يقدر فرعون ولا سحرتهُ الوقوفَ أمامَ إرادتهِ، بل إعترفوا قائلينَ: "هذا إصبعُ اللهِ" (خر 8: 15)، وشعرَ فرعونَ بأن قوّتهُ بدأت بالإنحسارِ، وليست القضية: خسارة العمال وتهديد الإقتصادِ مصرَ، بل أن القضية تكمن في : "مَن لديهِ السلطةُ الحقيقية؟" والسلطةُ هي في يدِّ الله، هو الربُّ الإلهِ، فلم يستسلم فرعونُ لهذا الواقع، فقسّى قلبهُ عِوضَ أن يتوبَ إلى الحقيقة. هنا، يذكر الراوي أن إصرارَ فرعونَ على الرفض جعلتَ الله يُقسيّ قلبهُ: "وقسّى الربُّ قلبَ فرعونَ"، فحتّى هذه اللحظة كانَ له الفرصةَ ليتغيّر، ولكنَّ عنادهُ جعلهُ أعمى لهذه الفرص، التي لم تمنع الله من أن يُعطيهِ فرصةً أخرى ليُغيّر موقفهُ المتصلّب، ولكنَّ صارَ أقسى من ذي قبلُ لأنه عميَّ عن رؤيةِ الحقيقةِ. ضربة البرد (9: 13- 35) لم يعترِف فرعون بإلهِ العبرانيين بعدُ على الرغمِ من الضربات التي أضرّت بمصرَ وأهلها، ويبدو أنه تصوّر أن غضبَ الله سيهدأ مثلما كانوا يتصوّرنَ الألهةَ آنذاك، لذا، فهو ليس مُلزماً بإتباعِ مثل هذه التهديدات لأنها ليست خطيرةً وليست جديةً. ولربما ظَنَّ فرعونُ أن موسى إنمّا هو ساحرٌ غلبَ في قدرتهِ بقية السحرةِ، وعليهِ أن لا يستسلمَ له. لم يعي فرعونَ حقيقةَ أن الله هو مَ، أرسلَ موسى، وأن لا إلهَ مثلُ الربِّ على الأرض (9: 14)، فلا يُوجَد مَن هو بقُدرتهِ على الأرضِ، بل أن الأرض وما عليها هي له وحده وهو المُتحكِم بها. ولا يوجد نظيره على الأرض في تضامنهِ مع المظلومين والمُهَمَشينَ، هو إلهُ العبرانيين الذي لم يتخذ من القصورِ أو الهياكل مسكناً له، بل إختارَ الإنسان المُعذّب ليسكنَ فيه، وهو يختلفِ عن بقية آلهةِ مصرَ المُزيفة والتي جاءتَ إنعاكساً لرغبات الإنسان الفوضويةِ، وجشعهِ القاتِل، ويقفُ فرعونُ مُمثلاً لها. فرعونَ الذي أختبرَ عظمةَ قُدرة الله ولكنها قُدرةٌ في خدمةِ ضعفاء الشعب الذين ألغى فرعونَ إنسانيّتهُ بالقوة التي اُعطيت له، وإدّعى زوراً مُلكيةَ الناس والأرض، فكانَ سارقاً لأن الأرض كلّها لله وحده (9: 29). وهذا ما لم يعترِف به فرعونُ حتّى الآن، لأنه راهنَ على ضعفِ إلهِ العبرانيين، فهذه هي قناعتاتهِ، والتي جعلتهُ يتعالىَ ويتفاخرَ على حسابِ شعبهِ وعلى حسابِ حياةِ العبرانيين وكرامتهم الإنسانية. فما كانَ من الله إلا أن يواصلَ ضرباتهِ ضدَّ فرعونَ ليُظِهرَ له قدرتهُ ويكشفَ للمصريين أيُّ إلهٍ هو، فأخبروا أهل الأرضِ كلّها بعجائبهِ (عدد 14: 14). فقررَ الله ضربَ مصرَ بالبرد والنارِ معاً وهي حالةٌ نادراً ما تشهدهُا هذه الأرضُ، وحصلَّ أن بعضاً من رجالِ فرعونَ خافوا كلامَ الله هذا فنجوا بحياتهم من موجةِ البردِ المُدمرةِ وأمامَ هذه الدمار إعترفَ فرعونُ أنه أخطأ وأنهُ شريرٌ أمامَ إلهٍ عادلٍ. بينَّ موسى لفرعونَ أنه هو ورجالهُ لا يخافونَ الله، وأنه لا يثق بكلامهم ولا بوعودهم لأنَّ أعمالهم تُكذبُ أقوالهم، وأنَّ توبتهُ زائفةٌ لأنه يحاول شراءَ الوقت في مفاوضاتٍ فلا يعني ما يقول، وأن عناده أوصلَ البلاد إلى حافةِ المجاعةِ لأنّ ّالبرد ضربَ كلَّ المحاصيل، ولكنهُ سيشفعُ لهم لدى الله ليرفعَ عنهم البرد ويعترفوا بأن الأرضَ كلها للربِ الإله، وليس لفرعونَ فيها أيُّ شيءٍ البتةَ. فرفعُ البرد له ذات الرسالةِ التي أُرسلَ من أجلها: أن يعترفوا بالإلهِ الحق، إلهُ العبرانيين. فمِنَ الأفضل يا فرعونَ أن تهتمَّ بكلمةِ الله لا بالمحاصيلِ التي ستنمو بسبب كلمةِ الله، وهذا ما أظهرهُ موسى في صلاتهِ من أجل إيقافِ موجةِ البردِ، ولم يتفاجأ موسى بعودة فرعونَ إلى خطيئتهِ وقسوةِ قلبهِ، ليؤكدّ لاحقاً أن تحرير الشعب لم يأتِ بسبب تعاونِ فرعونَ مطلقاً، على العكس حصل التحريرُ والخروجِ على الرغمِ من عنادِ فرعونَ وقساوةِ قلبهِ. ضربةُ الجراد (10: 1- 20) بدا واضحاً أن فرعونَ لن يلينَ ولن يُغيّرَ رأيهُ، فواصلَ الله المواجهةَ على الرغمِ من قُدرتهِ على إنهائها في مراحلها الأولى ليُعطِ لفرعونَ الفرصةَ تلو الآخرى، ووصلَ معهُ إلى حيثُ يُوصلهُ عنادهِ، ليبرزَ الله ممجداً في قُدرتهِ ومعبوداً في تضامنهِ مع شعبه الذي لن يتركهُ بين أيدي ظالميهِ، وهذه دعوةٌ للإيمانِ بالرجاء على نحوٍ يُخالِفُ الرجاء. هنا، يضعَ الراوي القصّة في المكان الذي يُريده الله لها: هي قصة العائلة التي تنتمي إلى شعبٍ أرادهُ الله أن يكونَ شعبهُ، وأرادَ أن يكون لهم إلهاً. هي قصةٌ الإيمان والرجاء والصبر. هي قصةٌ تروى. دخلَ موسى وهرونَ عند فرعونَ ونقلا له رسالة الله، وأدارَ موسى ظهرهُ على فرعونَ وخرجَ من قصره ِمن دونَ أن يستأذنهُ وهي إهانةٌ للملك الذي له الحقُ في إستقبالِ أو صرفِ مَن يدخل إليهِ. وتوسلَ مُستشاروا فرعونَ إليهُ ليتخلّصَ ويُخلّصَ مصر من هذه الضرباتِ ويُطلقَ الشعبَ، رضخَ فرعونَ لمطلبِ الله بعد ضغطٍ من رجالهِ، فإستدعى موسى وهرون وآذِنَ لهم بالذهاب ولكن عليهم أن يتركوا أطفالهم في مصرَ، بمعنى آخر: خذ يا موسى الرجالَ معكَ، وإتركَ مُستقبلَ شعبِكَ؛ الأطفالَ في مصرَ، فلا حياةَ لكم مع هذا الإله، الذي يُريد أن تروي الأجيالُ اللاحقة ما صنعهُ في مصر. ورفضَ موسى هذا الإجراء مؤكداً أن الأطفالَ، مثلُ العبيد مثل كلِّ إنسان ليسوا شيئاً أو سلعةً أو شأناً في مفاوضاتٍ أو مساوماتٍ مهما كانَ شكلها. وعلى الأجيال كلّها أن تُخبرَ بهذه الحقيقية. فغضِبَ فرعون وكان لله درسٌ آخر، فجاء الجراد على مصرَ. تأتي الجرادُ أفواجاً كبيرة مزعجةً من دونَ أن تُشكلَّ تهديداً مُباشراً على حياة الإنسان لأنها لا تعظ بل يُمكن أن تكون في بعض ِالأحيان ِطعاماً (متى 3: 4)، ولا تترك المكان إلا حينما تُقرر معاً ذلكَ تاركةً خلفها حقولاً جرداء ومحاصيلَ زراعيةً مُدمرةً وأرضٌ لا شجرٌ فيها ولا عُشبُ البريةِ فلا حياةَ فيها كمثلِ الأرض التي زارها الله في سفرِ البدايات (التكوين) فأمطرَ عليها وجعلَ فيها إنسانٌ يفلحها ويعتني بها فصارتُ الحياة (تك 2: 5- 7). فكانت ضربةُ الجرادِ على مصرَ والمصريين فجرّد الربُّ الإله مصرَ من قوّتها وأخزى ملكها وآلهتها، فلا حياة لها في عنادها ورفضها الطاعة له، فكانت تعليماً يُروى على مدى الأجيال: "ولتروي على مَسمعِ آبنِكَ وآبنِ آبنكَ ما فعلتُ بالمصريينَ، وما صنعتُ بينَهم مِنَ المعجزاتِ، وتعلموا أنيَّ أنا الربُّ" (10: 2). فالله هزمَ أقوى مملكةٍ عرفها شعبهُ فلم تقاومَ قوتها، مملكةٌ أذلّت الشعبَ، فصارَ الخروج تقليداً حياً يُروى مدى الأجيال لا كذكرياتٍ لتاريخِ مضى، بل حاضرٌ يُقاومُ أيةَ محاولةٍ لإستعبادِ الإنسان وتهميشِ الله عن واقعِ الحياة اليومية. ضربةُ الظلامِ (خر 10: 21- 29) إعترفَ فرعونَ بخطيئتهِ أمام موسى وطلبَ المغفرة إلا أنه عادَ إلى عنادهِ، ورفضَ الطاعةَ لأمرِ الله، وأبقى الشعبَ في أسرهم. هنا، ومن دون أن يُحذر الله فرعونَ نفذَ الله ضربتهُ التاسعةَ من دونَ تهديدٍ مُسبقٍ ومن دون ان يُعلنَ شروطهُ فخيّمَ الظلامُ على أرضِ مصرَ كلّها، لأنَّ الله سيدُ الأحداثِ، وهو الذي يُسيّرُ كلَّ شيءً ليُحقق تدبيره حتى لو حاولَ الإنسان عرقلةَ ذلك. أمرَ الله موسى لينشر َالظلامَ على كلِّ أرضَ مصرَ ما خلا بيوت بني إسرائيل الذين كان لهم النورُ في بيوتهم. وأخزى الله بذلَكَ كبيرَ آلهةِ مصر: عمون رع، إلهُ الشمسِ فهُزمَ ولم يعد قادراً على فعلِ شيءٍ، وتعبيراً عن الظلمةِ التي يعيشها فرعونُ، وأجبرَ شعبهُ على أختبارها، وهي تُذكرنا أيضاً بالظلمةِ الأولى التي كانت على وجهِ الأرضِ: "وكانتِ الأرضُ خاويةً خاليةً، وعلى وجهِ الغمرِ ظلامٌ" (تك 1: 1). أمام هذه المهانةِ دعى فرعونَ موسى وسمحَ للرجال والنساء والأطفال بمغادرة مصرَ للتعبدِ شريطة الإبقاء على الماشيةِ في مصر، وهو إجراءٌ رفضهُ موسى بشدّةٍ بل طالبِ بكلِّ شيءٍ، لأن موسى كانَ مُدركاً أن قرارَ فرعونَ إنما يعني الحكم بالموتِ على الشعبِ كلّه الذي ليس له ما يُقيتُ نفسه في البرية، وإذا كان هدفُ الرحلة هو تقيدمُ ذبائح لله، فكيف يُمكن الرحيلُ من دون الماشية ِالتي ستُقدّم ذبيحةً لله؟ القرارٌ واضحٌ يا فرعون: "كلُّ الشعبِ مع جميع ِما يملكُ". ولكنَّ فرعونَ فضحَ نفسهُ في أنهُ وقفَ في مواجهةٍ أمام إلهِ العبرانيين عندما هدد موسى قائلاً: إذهب عنّي! إياكَ أن تنظرَ إلى وجهي بعد اليوم. فيومَ تنظر إلى وجهي تموت". وضع َفرعون نفسهُ سيّد الحياة والموت، وعلينا أن لا ننسى أنه ليس في مواجهة موسى فحسب، بل في مواجهة إله موسى الذي جعلَهُ بمثابةِ إلهٍ لفرعونَ (خر 7: 1). هكذا وصلت المواجهة إلى نهايةٍ لا مفرَّ منها، وعلى فرعون أن يُواجُه قراراتهِ. ظنَّ فرعون أنه بعنادهِ سيهزِم إلهَ العبرانيين، ويُبقي الشعبَ تحت نيرَ الأشغالِ الشاقة، ليقول لهم: "لم يتمكّن مني إلهُكم"، وهكذا يضربُ إيمانهمُ الذي هو كلُّ ما يملكونَ في مثلِ هذه الساعاتِ. فقساوةُ قلبِ فرعونَ وعناده لم تكن في فراغٍ، بل جاءت تحدياً لله ولشعبهِ في إيمانهم به. فرعون العنيد برزَ العنادُ وقسوة القلب عند فرعون على نحوٍ مثُير للجدل، بل صارَ إنموذجاً في عنادهِ. فهو لم يُغيّر قرارهُ على الرغم من أن الواقع يتحدّاه بحقائقَ دامغةٍ، ولم يقبل توجيهات الله التي صارت له عن طريق موسى وهرون، وصارَ مُتعبداً لقراراتهِ والتي كانت سببَ أزماتٍ مُهلكةٍ لشعبهِ أيضاً. لقد جمدَ في قسوتهِ، وجمّدَ الحياة كلّها بسبب مواقفه، وجمّد حياةَ مَن هم من حولهِ كونه لم يشعر بوجودهم، ولم يتأثّر بمصائب العبرانيين ولا بعذاباتهم، ولم يتأثّر بمصائب شعبهِ ولم يحس بمعاناتهم. فرعونُ إنسانٌ أعتقدَ أنه لن يُخطأ مُطلقاً في قراراتهِ وتصوراتهِ فما الداعي لتغيير قراراتهِ إن كان يؤمِن دوماً أنه على حق، لذا فهو يُطالِبُ الجميعَ بأن يخضعَوا له. ومما زادِ في عنادهِ هو أن حضارةَ مصرَ هيأت له هذه الأرضيةَ ليكونَ هو الأول، ويكون الإلهَ، وهذه يعني أنه ليس إنسان، والإنسان الذي لا يعترِف بإنسانيّتهِ أولاً، ويعتقد متوهماً أنه الإله، لن يعترِف بإنسانيةِ غيره، ففاقدُ الشيءِ لا يُعطيهِ. لذا، واصلَ موسى وهرون لقاءاتهما معه حتّى يسمعَ ويُصغي إلى صوتِ الحقيقةِ، وحاولا جاهدينَ إقناعهُ وفقَ إستعدادتهِ، وتركا له حريةَ السير في عنادهِ ليصلَ بنفسهِ إلى النهاياتِ الحتميةِ لهذه القراراتِ، وعندما شعرا بأن الأمرَ مُستحيلٌ، فحتّى أولئكَ الذين ساندوه في سياسياتهِ؛ سحرتهُ ومُستشاروه نصحوه بأن الدمارَ آتٍ لا محالةَ، بل أن مصرَ خَربتَ (خر10: 7)، إلا أنهُ لم يُغيّر موقفهُ، فقررَ موسى أن يلتقيهِ: "حسناً قُلتَ. لن أرى وجهكَ بعدَ اليوم" (خر 10: 29)، لأنه ليسَ مُستعداً للحديث مع إنسانٍ مُتكبّر مُتعجرِف، وتركَ له أن يُواجهَ فوضويةَ قراراتهِ. عنادهُ يعني أنه يرفضُ التغيير، وبالتالي ليسَ مُستعداً لمواجهة الحياة وتغييراتها، وهو يحكم على نفسه بالموتِ.
قراءة 12612 مرات آخر تعديل على %AM, %30 %042 %2015 %03:%تشرين2

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *