ندوة الكتاب المقدس
الخميس, 16 شباط/فبراير 2012 14:17

الندوة الكتابية اللقاء الثامن والثلاثون

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
الندوة الكتابية اللقاء الثامن والثلاثون حملهم على أجنحة العِقبان (خر 19) قرر الله أن يكونَ إلى جانب المُضطهَدينَ: إنّي قد رأيتُ مذلَّة شعبي الذي بمصرَ، وسمعتُ صُراخهُ بسبب مُسخّريهِ، وعَلِمتُ ب
الندوة الكتابية اللقاء الثامن والثلاثون حملهم على أجنحة العِقبان (خر 19) قرر الله أن يكونَ إلى جانب المُضطهَدينَ: "إنّي قد رأيتُ مذلَّة شعبي الذي بمصرَ، وسمعتُ صُراخهُ بسبب مُسخّريهِ، وعَلِمتُ بالآمهِ، فنزلتُ لأُنقذهُ" (خر3: 7-8)، وهكذا حملَهم على النسور وهوذا يدعوهم للعبادة، ففعلهُ يسبقُ تعبّدنا، بل يُؤهلهُ، وهو أرادَ منذ البدء أن يخرجوا إليه ويتعبّدوا له: "أطلِق شعبي لكي يُعيّد لي في البرية" (خر 5: 1)، ولكنَ، ومن أجل أن يكون التعبّد عيداً، على الشعب أن يتحضّر لهذا اللقاء مع القدوس. لذا، خصص الراوي الفصل 19 من شعب الخروج ليكون رُتبةً تحضيرية (ليتورجية) للقاء الله مع شعبهِ على الجبل، والذي سيعني بالضرورة التحّرك نحو صعوداً ونزولاً نحو لقاء الله، مُذكراً إياهم أن مصرَ وعبوديّتها أضحت ذاكرة ليس إلاّ بسبب تدّخله المُنقِذ، والذي شفى ماضي الشعب وجعل لهم مُستقبلاً. لقاء الله كان ومنذ البدءِ إذن هدف الخروج وغايتهِ: "قد رأيتم ما صنعتُ بالمصريين وكَيفَ حَملتُكم على أجنحةِ العِقبانِ وأتيتُ بكُم إليَّ" (خر 19: 1). أختارَ الله صورة العقبان ليُؤكدَ لشعب رعايتهُ وحمايتهُ الشاملة له: "كالعقاب الذي يُثيرُ عشّهُ وعلى فراخهِ يُرفرِفُ. يبسطُ جناحيهِ فيأخذهُ وعلى ريشهِ يحملهُ" (تث 32: 11)، فهو الوالد والحامي والراعي والمُغذي، بل أن قوّتهُ متميزة، وهذا ما يحتاجهُ الخروج: قوّة ورعاية أختبرها الشعب فأضحى بعيداً عن قوات العبودية ما دام مُتيقظاً ومُطيعاً لله: "إن سمعتُم سَماعاً لِصوتي وحَفِظتُم عَهدي، فإنكم تكونونَ لي خاصةً من بين جميع الشعوب، لأن الأرضَ كُلّها لي" (خر 19: 5). هذا الشعب الذي سيعمل على أن سيشهد لحضورَ الله واقعاً في حياتهِ، ومن ثمةَ في العالمِ. فقبلَ أن يُعلَن الله علاقة العهد: يسأل الشعب: هل تقبلَ بهذا العهد أم لا؟ إلهنا مُحبٌ غيور يُخاطب شعبهُ بحنان وحبٍ ليس لها مثال. هو يُحب فيقدر أن يسأل كل شيء من محبوبته، ومحبوبته تُحّبه فتُطيع كلامه. فالجواب على هذا السؤال سيُغيّر حياة طرفي العهد إلى الأبد. وصايا أم كلمات (خر 20: 1- 17) لم يستخدم الراوي عبارة "وصيّة" للإشارة إلى هذا النص الهام، بل "كلمة"، فهذه اليست وصايا بل كلماتٌ كتبها الله بإصبعهِ: "ولمّا أنتهى الله من مخاطبةِ موسى على جبل ِسيناء، سلّمهُ لوحي الشهادة، لوحين من حجرٍ، مكتوبين بإصبعِ الله" (خر 31: 18)، بخلاف الفرائض الأخرى التي كتبها موسى: "وكتبَ موسى هذه الشريعةَ، وسلّمها إلى الكهنة بني لاوي، حاملي تابوت عهدِ الربِّ، وسائر شيوخ الشعب" (تث 31: 9). هي كلماتٌ كشفَ فيها الله عن ذاتهِ، وعرّفَ بها شعبهُ عن مشيئتهِ، لذا، تُعد هذه الكلمات كلاًّ لا يتجزأ فلا يُمكن الاعتراف بكلمة وإهمالُ أخرى، وهي بذلك توحّد حياة الإنسان أمام الله الخالِق. معنا إذن عشر كلماتٍ بحسب عدد أصابع اليد العشرة ليتمكن المؤمن من حفظها فلا ينساها لأنها كلماتٌ للحياة كلّها، وهذا ما فعلهُ ربّنا يسوع المسيح الذي كان يُصليها يومياً مرتيّن: "إسمع يا إسرائيل: إنّ َالربَّ إلهنا هو ربٌّ واحدٌ. فأحببِ الربَّ إلهَكَ بكلِّ قلبِكَ وكلِّ نفسِكَ وكلِّ قُوتِكَ". (تث 6: 4). بل أنه وجّه الشاب الذي سألهُ: "يا مُعلم، ماذا عليَّ أن أعملَ لأرثَ الحياة الأبدية" (متى 19: 16- 19) ليحفظَ الوصايا أولاً إن أرادَ الحياة الأبدية، ووجههُ ليتبعهُ كونُه، أي ربّنا يسوع المسيح، تحقيقُ كاملٌ لهذه الوصايا: "ما جئتُ لأبطلِ بل لأكملَ" (متى 5: 17). دعا الله الشعبَ يخرجَ إلى مصرَ فيُؤسسَ معه علاقة شِركةٍ أبدية، ولهذه العلاقة التزاماتٌ وحقوق ومسوؤلياتٌ، فوجود هذه العلاقة علامةٌ على وجودِ علاقةٍ يجب أن تُحتَرم وتُصان لتدومَ، فهدف الكلمات العشر هو "الحياة شريكاً"، وإلهنا يُشير في الكلمات العشر إلى أقل من يُطلب من الشريك ليعمل ليبقَ شريكاً في العلاقة. فإذا حافظَ الشريك على هذه الكلمات، فهو لم يفعل إلا ما وَجَبَ عليه أن يفعل، وهو مُطالبٌ بالمزيد ليكون شريكاً على مثالِ الله شريكهُ في العهد، والذي خلقهُ على صورتهِ كمثالهِ (تك 1: 28). فالكلمات العشر هي فرصة للإبداع الإنساني على صعيد العلاقة مع الله ومع القريب، إعتاد شعب إسرائيل إذن أن يُصلي يومياً هذه الصلاة: "أسمع يا إسرائيل: إنّ َالربَّ إلهنا هو ربٌّ واحدٌ. فأحببِ الربَّ إلهَكَ بكلِّ قلبِكَ وكلِّ نفسِكَ وكلِّ قُوتِكَ". (تث 6: 4). فالشعب لا يعُد حُبَ الله وحبَّ القريب اختياراً، بل وصيةٌ وأمرٌ لا يستطيع الإفلات منه إن أرادَ ان يبقَ شعباً مُختاراً. كما وإعتاد الشعبُ أن يُعلن "الكلمات العشر" ويُصليّها في كل احتفالٍ ديني كونها الأساس الذي يعتمد عليه في علاقاته مع الله ومع القريب. ولم تكن يوماً "قانوناً" بل "كلمة نعمة"، و" بُشرى للحياة" من عند الله. لذا، لم تُسمى يوماً "وصايا" بل "كلمات"، وكلمة الله هي حياة للإنسان: وقال الله: ليكن نور، فكان نور. أُعلِنتَ هذه الكلمات بعد حدث الخروج فأسس الله العهد مع شعبه، لذا، فمن الضروري جداً أن لا ننسى قصّة هذه الكلمات؛ قصة الخروج، قصةُ التحرر من عبودية مصر وما تضمنّته هذه الخبرة من مهانةٍ وسلبٍ لإنسانية الناس، وما قدّمه التحرر من فرصة ليعيش الإنسان إنسانيته إلى الملء. من هنا، لن تكون الكلمات العشر أوامر من صوتٍ خارجي، بل هي تعبير عن الهوية الداخلية للشعبِ، عن كيانهِ العميق كشعبٍ أختاره الله، فصارت تعليماً. تعليم يُقدّمه الأب لأبنه: يا ابني، نحن شعبٌ اختاره الله وميّزه عن باقي شعوبِ الأرض، فخلّصه من العبودية ليعبده حُراً، فليس لنا إلهٌ آخر، ونحن نُكِرم أسمه، ونُكرِم سُلطته، ونحن شعبٌ لا يزني ولا يسرق و لا يشهدُ بالزور ... هذا هو المعروف عنّا، وهذه هي هويّتنا. ولسهولة الحفظ عُلّمَت بعشرِ كلماتٍ على عدد أصابع اليد العشرة. كلمات لعلاقة وجودية الكلمات العشر لم تأتِ دستور حياة للعالم أجمع، بل خصصها لله لشعبه الذي ارتبطَ معه بعلاقة وعهدٍ: أنا أكون لكم إلهاً، وأنتم تكونون لي شعباً. لذا، حملت هذه الكلمات معها مميزات شخصيتنا نحن الذين ربطنا الله بعهدٍ معه، هذه الميزات تفترض، ولا رجعة في ذلك، أن يكون لنا سلوك أخلاقي صحيح مع الناس. هذا السلوك ليس نتيجة عبادتنا لله، بل هو جزءٌ مقوّم فيها. إلهنا بادرَ إلينا بمحبتّه فخلقنا وحررنا له، ونحن، وفي فعلِ استجابةٍ مُحبّة لهذه البادرة نلتزم أخلاقياً بالكشف عن هويتنا: نحن مُخلصونَ. الله يقودنا إلى الناس، والناس تعبيرٌ عن حضور الله، مع احتفاظ الله بقدسيته التامّة. المُهم هو أن نتذكّر دوماً الآتي: المُبادرة تبقى دوماً من الله، فالله قَبِلَ أن يُلزِم نفسه بعهدٍ مع الإنسان، والإنسان قَبِلَ هذا العهد فأظهرَ أن له هوية خاصّة. ديانتنا ليست الزامات من طرفٍ واحدٍ، بل هي في أصلها لقاءُ شريكين: الله والإنسان، وعلى هذين الشريكين بيانُ أنهما في علاقة، وهذا ينعكِس في سلوكيات ومواقف أخلاقية مسؤولة. الكلمة الأولى أنا هو الربُ إلهكَ الذي أخرجَكَ من أرضِ مصر دار العبودية... لا يكن لكَ إلهٌ غيري (خر 20: 2). إنه مكتوبٌ: للربِّ إلهكَ تسجدُ. وإياه وحدهُ تعبدُ (متى 4: 10) نادراً ما نُفكّر أنه بإمكاننا كمؤمنين بالله أن ننكر الله؟ أو أن نعبد غير الله، والمُتابع لأخبار الساعة سيقول: لماذا لم تُوضَع كلمة: "لا تقتل" كأولى الوصايا فالعنف والقتل أكثر المظاهر انتشاراً بين الناس؟ لما لا تكون كلمة "لا تسرق" أو لا تزنِ أولى الوصايا؟ بالطبع لم نُصلِ نحنُ كمسيحيين يوماً إلى بعل أو إلى بوذا كي يُطالبنا الله اليوم بالقول: أنا هو الرب إلهكَ لا يكن لك آلهةٌ تجاهي؟ قانون إيماننا يُعلن: نُؤمنُ بإلهٍ واحدٍ، فلماذا هذه البداية؟ هل هناكَ خطأ في الموضوع؟ أم أننا حرّفنا الكتاب المقدس وخربطنا التسلسل؟ أم أن إلهنا يُبالي بنفسه قبل كل شيء؟ إذا كُنّا نؤمن أن الله محبّة، فلا يُمكن أن نتصوّر أن إلهنا أنانيٌ لدرجة أنه يضع وصية إكرامهِ أولى الوصايا؟ أم أن هناك أمراً يستدعي تأملنا وتساؤلنا؟ تضع الوصية الأولى هويةَ شريكَ الإنسان؛ الله: "أنا هو الربُّ إلهَك الذي أخرجَك من أرضِ مصرَ"، إنه إلهٌ فاعلٌ وليس فكرةً أو نظرية فلسفية أو أمنية؛ إلهنا ليس إلهَ أوامرَ استبدادية، يُريد من الإنسان أن يتضّرع إليه مُبادراً، بل هو الله الذي أخذ المُبادرة، هو إلهٌ مُحررٌ. إلهنا لا يُقدّم نفسه خالقاً أو معلماً يطلب الطاعة، بل إلهاً مُحرراً يطلبُ الشراكة. إلهنا ليس فلسفةً بل فعلٌ مُحررٌ. هو المُخلّص الذي وضعَ كلَّ ألوهيتهِ في خدمةِ شعبهِ المُضطَهَد. إلهٌ حيٌّ يتفاعلُ مع شعبهِ ويتحرّك معهم حيثما هم. هذا لا يعني أن الله أنقذ شعبه ليُدخله في عبودية أخرى، كلا العلاقة تختلف هنا. فحين أعيش بفضل غيري، فأنا تابعٌ له، ولكن عندما أشعر أن الحياة تستحقُ أن تُعاش بسبب وجود الشريك الذي يُحبني، فأنا أعبدوه وأطيعهُ حُبّاً لا خنوعاً. إلهنا يُريد صداقتنا وهو مُستعدٌ ليسير الطريق معنا بأمانةٍ، لأنه محبة ولا يستطيع أن يكون غير ذلك. لذلك، ترانا نتجنّبُ الشر لا خوفاً من العقاب، ولا لأنّ الله حذّرنا، بل لأنه شرٌ، وهو لا يليق بهويتنا: "نحن أبناء العهد". من هنا نقول: إنَّ مُخالفتنا للوصايا ليست خطأ أو ضعفا أو نقصاً، بل خطيئة، يعني رفض قبول الله. ونشكر الله على أنه بقيَّ أميناً حتى وقتَ لم نكن له أُمناء (2 طيم 2: 13). "أنا هو الربُّ إلهَك" إلهنا هو الذي يكشفُ عن أسمهِ لنا، فهو ليس كباقي الآلهة التي أخذت أسمها من الإنسان الذي خاف منها مرتعباً. فالإنسان لم يعرفهُ، ولم يكن بمقدورهِ التعرّف عليه عن قربٍ، بل هو الذي قرّبَ نفسه، وهو الذي أعلنَ أسمهُ للإنسان. "أنا هو الربُّ إلهَك": يهوه، أكون حيثما أكون، سأكون حيثما أنتم بحاجةٍ لأكونَ: "وبينما هُما يتحدثانِ ويَتجادلاَنِ، إذا يسوع نَفسهُ قد دنا مِنهما وأخذ يسيرُ معهما، على أنَّ أعينهما حُجِبتَ عن معرفتهِ" (لو 24: 15). إلهنا يكشفُ عن أسمهِ هو إلهنا: "أنا هو الربُّ إلهكَ"، وهو أرادَ أن يبتدئ معنا فيكونَ لجميعَ الناس: "ويَتبَارَك بكَ جميعُ عَشائرِ الأرض" (تك 12: 3). خلقَ الله علاقة خاصّة مع شعبهِ، ومن هذه الخصوصية ينطلِق نحو العالم كلّه. هذا الاختيار ليس سبباً للافتخار: "نحن خير أمةٍ"، على العكس، فمنذ البدء أعلنَّ الله أن نعمتهُ هي التي اختارتنا وليست أمانتُنا أو أفضليتُنا: "لا لأنّكم أكثرُ من جميعِ الشعوب تعلٌّ الربُّ بحُبكم واختاركُم، فأنتم أقلُّ مِن جميعِ الشعوبِ، بل لِمحبةِ الربِّ لكم، ومُحافظتهِ على القَسَم الذي أقسمَ بهِ لآِبائكم أخركم الربُّ بيدٍ قويةٍ وفداكَ من دارِ العبوديةِ، من يد فرعونَ، ملك مصرَ." (تث 7: 7). فهذا الاختيار هو مَهمةٌ تحملُ معها رسالة ومسؤوليات. حب الله لهذا الشعب الواحد، إسرائيل هو حُبٌّ للعالم أجمع. هذا الحب مليء نعمةً وصبرا ووفاءً، وهدفُ هذا الحب هو العالم كلّهِ لأنه الينبوعَ الذي تنبع منه الأنهر التي تسقي وتُثمر الأرض كلّها. هذا الحبُ يتضمّن رسالة الشهادة، رسالةَ العمل والكلام المحرِّرين: "أنا الربُّ دعَوتُك في البر، وأخذتُ بيدك، وجبلتُك، وجعلتُك عهدا للشعب ونورا للأمم: لكي تفتح العيون العمياء، وتُخرج الأسير من السجن والجالسين في الظلمة من بيت الحبس" (إش42: 6-7). "أنا هو الربُّ إلهكَ"، فلستُ حُراً يا إنسان لتعملَ ما يحلو لكَ أيها المُختار. فأنت إنسانٌ أولاً، وإنسانيّتُك لها حدودها لأنّك لا تقوى على الطيران مثل الطيور، ولست قادراً على البقاء عميقاً في البار مثل الأسماكَ: أنتَ إنسان ولست قادراً على تغيير طبيعتِك الإنسانية، حاول إن شئتَ تراك تسقط أو تغرق. أنت إنسانٌ بل أنت مُختارٌ منّي: أنا الربُّ إلهَكَ فتذكّر هذا دوماً لئلاَ تتكابر وتتشامخ (تتفرعَن)، فتظلُمَ وتستعبِد الآخرين وتُعيد عبودية مصر في حياتِك. "أنا هو الربُّ إلهك"، تعليمٌ وحمايةٌ للإنسان وحقوقهِ أكثرُ منها حمايةُ حقوقِ الله. فمنذ البدءِ يُذكّر الله شعبهُ بأن "مظلومية مصر" لها أن تعود. فحُرية هذا الشعب مُرتبطةٌ على نحو وثيق بمدى تمسكهُ بإيمانهِ بالله، الربُّ الإلهِ الشخصي: "أنا هو الربُّ إلهَك". ولكن هل هناك آلهة أخرى في حياتنا اليوم حتى تُسمعنا الكنيسة اليوم صوت إلهنا يقول: "لا يكن لكَ إلهٌ أمام وجهي؟ كُلنا يعبد آلهةً صغيرة بجانب الله، ولنا أصنام نُقدّم لها الكثير من الذبائح والقرابين والتعبّدات. وهنا تكمن قوّة الكلمات العشر إذ أنها: دعوة للتأمل، دعوة للتساؤل، دعوة تتحدانا لنُعلن بوضوح وصراحة: ما هو الأهم في حياتنا اليوم؟ الكلماتُ العشر بشارةٌ تتحدانا اليوم لنتخلّص من أوهام كثيرة تحبُسنا وتُعيق نضوجنا الإنساني والروحي في نفس الوقت. حُريةٌ لطالما توهمّنا أننا حصلنا عليها فانتهى بنا الأمرُ تائهينَ لا نعرفُ هدفَ حياتنا ومعناها وكلُّ ما نريده هو الإفلات من قبضة الآب، ومن شرائعه وقوانينهِ متوهمينَ أننا سننال حُريتنا (الأبن الشاطر (15: 11- 32)). ترانا نضع كل أملنا في المال أو في المنصب أو شخص، في طلب الشهرة أو في اقتناء سيّارة أو في الحصول على جسمٍ رشيق، في زي ... إلخ وفي أشياء كثيرة، وعندما نحصل عليه نكتشف أنه لم يتغيّر شيءٌ في حياتنا، فالرتابةُ والقلقُ والكأبة هي هي، والأسواءُ من ذلك، علينا أن نُحافظ على هذه الأموال كي لا تُسرق فنُضيف إلى حياتنا همٌ جديد. نعرف ونؤمن أن هناك إلهاً واحداً، ولكننا نُظهِر إيماننا بغيره على نحوٍ أعظم متوهمينَ أنها قادرة على منحنا السعادة المرجوّة. ننتقل من علاقة إلى أخرى لنكتشف أننا عاجزون عن التعامل الصحيح معها، فلا نجد الحُب الذي نتطلّع إليه. والمُشكلة تعظُم عندما نبدأ بانتقاد آلهةِ الآخرين وأصنامهم، وكأننا أوفياءٌ أُمناء للكلمات العشر، وهذا إلهٌ آخر يُعبد: الأنا. وبولس الرسول من جانبه يُعدد نتاج عبادة الأنا: "البخل، الزنى، الخبث، الحسد والخصام والمكر والإساءة، والنميمة والشتم والتكبّر والافتخار ... (روم 1: 24 – 32). وهكذا نُحيط حياتنا بآلهةٍ وأصنام تزداد يوماً بعد آخر، لتُفقدنا نظرة صحيحة إلى ذواتنا وإلى هويّتنا وتُعيق نُضوجنا الإنساني والمسيحي لأنها تتركنا غُرباء عن أنفسنا، وبالتالي تُكبّلنا في حالةٍ يأسٍ وخوف، نحتاج فيها لسماع صوتٍ يُخلّصنا. هنا، قوة الكلمات العشر: أنا هو الرب إلهكَ الذي حرركَ ... فكنّ حُراً أوهامٌ فاضحةٌ ينتظر إلهنا منّا إذن ولاءً مُطلقاً: "لا يكن لك َإلهةٌ تجاهي". هذه هي إرادةُ الله وهي دعوة للتوحّد: "وحّد حياتك يا إنسان" من خلال النعمة التي يُبادِر بها الله نحوك: "لا يكن له آلهةٌ أُخرى تجاهي". هو لا يتجاهل وجودَ آلهةٍ أخرى في حياة الإنسان، ولكنه يطلبُ من الإنسان الولاء المُطلَق له، لأنَّ الله، وبفعلِ التحرر من عبودية من مصر قد دمّر جميع الآلهة وأضحت كلّها وهماً وسراباً، ليتمكّن الشعب من أن يعبُد الله حُراً، وهذه هي البشارة: أنت حُر يا إنسان وليس لك أن تدفع الجزية لأي كائنٍ بسبب إيمانكَ. فالإيمان أولُ مطلبٍ من الله للإنسان. إيمانٌ لا يشك ولا يرفضُ الاعتقادَ بما أوحاه الله وبما تُعلنهُ الكنيسة، فيقبل ويتأمل ويبحث حتّى يفهم، فلا يقف أمام الاعتراضات أو التساؤلات، بل يجعلها فرصة ليسمو إلى علاقةٍ شخصيةٍ مع الله. إيمانٌ يتجاوز الصعوبات التي مراراً ما تُحبط معنوياتنا وتتركنا في يأسٍ وكأنَّ الله تخلّى عنّا، وهو الإلهُ الذي أوفى بعهودهِ على الرغمِ من عدم أمانةِ الإنسان. إيمانٌ يعترفُ بالله إلهاً وخالقاً ومُخلّصاً: "للربِ إلهك تسجدُ، وإياه وحدهُ تعبُد" (لو 4: 8). عبادةٌ كعبادة أمنّا مريمُ العذراء: "تُعظمُ نفسي الربَّ، وتبتهجُ روحي بالله مخلصي" (لو 1: 46- 49). إيمانٌ يرفضُ الخرفاتِ أو المُمارسات السحرية التي يُنفِق بسببها الناس الكثير من المال والوقت والجهود: اللجوء إلى الشيطان أو الأبالسةِ، استحضارُ الأمواتِ، استشارة مُستطلعي الأبراج والمنجمينَ وقارئي الكف، شارحي الفأل أو الشؤم أو الحظّ واللجوء إلى الوسطاء أو إرضاء القوى الخفية وحمل التعاويذ. ممارساتٌ صرنا نلحظ انتشارها بين المؤمنين مُعتقدين أن لها أثرٌ في شفائهم. الإنسان يولد في يوم واحدٍ، ولكنه بحاجة إلى عشراتِ السنين ليكون شخصاً ناضجاً، وليكون ما يجب أن يكون؛ شريكُ الله في العهد؛ الله الذي لا يقبل مُطلقاً وجودَ إلهٍ آخر غيره في علاقتهِ مع الإنسان. فلنُصلِ ليهبنا إلهنا القوّة اللازمة لمحاربة هذه الإلهةِ التي تقف في طريقَ مُشاهدتنا وجهَ الله، فوحده القلوب النقيّ’ قادرةٌ على ذلكِ: "طوبى لأطهارِ القلوب فإنهم يُِشاهدونَ الله" (متّى 5: 8).
قراءة 15306 مرات آخر تعديل على الإثنين, 30 تشرين2/نوفمبر 2015 03:00

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *